مقارنة بين التحليل البلاغي والنقد التاريخي لجون وانسبرو وغونتر لولينغ
سورة العلق أنموذجًا

في هذه المقالة يقارن كويبرس بين المنهجين التزامني والدياكروني/ التاريخي النقدي بصورة تطبيقية، من خلال مقارنته اشتغاله الخاص على سورة العلق باشتغال غونتر لولينغ، ويحاول من خلال هذه المقارنة إثارة الأسئلة حول الاختلاف بين المنهجين، وإمكان المنهج التزامني تجاوز عيوب المنهج التاريخي-النقدي.

  دومًا ما يُنظر للاتجاهَين الدياكروني والسانكروني كاتجاهين متمايزين على ساحة الدرس الاستشراقي، وهذا للاختلاف بينهما على مستوى المنهج والمنطلقات والنظرة للنصّ القرآني وطريقة مقاربته؛ والمقارنة بين المنهجين تعدُّ شديدة الأهمية لإدراك هذا التباين بين المنهجين وأثره في ساحة الدرس للكثير من القضايا المتعلقة بالقرآن الكريم.

في هذا البحث الذي بين أيدينا يقوم ميشيل كويبرس رائد تطبيق منهج التحليل البلاغي للقرآن -وهو أحد أهم منهجيات الاتجاه التزامني- بالمقارنة بين المنهج البلاغي والمنهج الدياكروني/ التاريخي النقدي، وذلك من خلال بيان الفوارق بين المنهجين وأثرهما في مقاربة بعض القضايا الجذرية المتّصلة بالقرآن الكريم وتاريخه.

قدم كويبرس مقارنته بشكلٍ تطبيقي من خلال سورة العلق، والموازنة بين حصاد تطبيق المنهجيتين عليها: منهجه الخاصّ، ومنهج غونتر لولينغ المشتغل على ذات السورة؛ وفقًا للمنهج التاريخي النقدي.

لقد أبرز كويبرس في هذه المقارنة فارقًا منهجيًّا مهمًّا جدًّا على مستوى المنطلقات المركزية بين منهج التحليل البلاغي والمنهج التاريخي النقدي في طبيعة النظرة للنصّ القرآني والواجب إزاءه؛ فبينما ينطلق الأول من تقدير النصّ في شكله النهائي وأنه يمتلك نظامًا خاصًّا في بناء متنه علينا اكتشافه برغم ما قد يظهر فيه مما قد يبدو عدمَ اتساقٍ وانقطاعًا دلاليًّا من وجهة نظر بعضهم، وبالتالي يجتهد في فهم هذا النظام؛ فإن المنهج الدياكروني ينطلق من خلاف ذلك مفترضًا أنّ هذا الشكل النهائي للنصّ وما يحويه من مظاهر عدم اتساق فيه دلالة على كونه منتحلًا، وبالتالي يحاول البحث في مصادر تكوينه السابقة عليه.

وكذلك تتبَّع أثر ذلك الفارق في طرح قراءة تناصية للقرآن تبرز علاقته بما تقدَّمه من كتُب، وكيف أنهما رغم اتفاقهما على ضرورة القراءة التناصية إلّا أن منهج التحليل البلاغي يحاول استخدامه لفهم تمايزات النصّ القرآني وطرائق بنائه للمعنى ومعرفة طبيعة المحيط الذي ظهر فيه باعتباره نصًّا مستقلًّا، بينما يوظفه المنهج التاريخي النقدي لإثبات الأصول التي أخذ منها النصّ باعتباره نصًّا منتحلًا.

كما أبرز كيف أن منهج التحليل البلاغي يضعف تمامًا من أهمية البحث في مصادر النصّ القرآني كما يفعل المنهج التاريخي النقدي، بل ويعتبره بلا قيمة، وأن النصّ القرآني لا يستلزم تفعيل هذا المنهج فيه؛ لاختلاف تاريخه عن تاريخ نصوص أخرى كان لتفعيل هذا المنهج فيها ما يسوغه.

وإضافة لذلك فمن المزايا المهمّة لهذه المادة أنها طرحت كثيرًا من مرتكزات المنهج التزامني في التعامل مع النصّ القرآني وواقعها بصورة تطبيقية في التعامل مع فهمه وتفسيره، وهو ما يفيد في فهم المنهج التزامني وتقييم معطياته بصورة أشدّ عمقًا.

المؤلف

ميشيل كويبرس-Michel Cuypers

أب بلجيكي، عضو في المعهد الدومينيكي للدراسات الشرقية، ومتخصص في الدراسة الأدبية للنصّ القرآني.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))