البلاغة الساميَّة في القرآن

عرف الدرس الاستشراقي في الآونة الأخيرة بروز المنهج التزامني في قراءة القرآن، والذي يميل لقراءة النصّ داخليًّا، وكان من أهم تجليات هذا المنهج: التحليل البلاغي للقرآن. في هذه المقالة يعرِّف كويبرس -رائد تطبيق هذا المنهج- بالتحليل البلاغي وطبيعة رهاناته في استكشاف نظم النصّ القرآني ومعانيه.

  سيطر المنهج (الدياكروني) التعاقبي التطوّري على الدراسات الاستشراقية للقرآن منذ بدايتها، حيث اهتمت هذه الدراسات بشكل أساس بإعادة ترتيب القرآن بشكل يتزامن مع تطوّر الأوضاع السياسية والاجتماعية في الجزيرة عشية الدعوة وأثناءها، واعتبرت أن هذا الطريق هو الطريق الملكي لدراسة النصّ القرآني، ومثَّل لنولدكه (تاريخ القرآن) التكثيف الأكبر لهذا المنهج.

إلا أن الدرس الاستشراقي عرف لاحقًا تطورًا للمناهج التزامنية، والتي أثبتت كفاءة كبيرة في دراسة الكتاب المقدّس، مما حدَا بكثير من الباحثين لمحاولة الاستفادة من هذه المناهج بتطبيقها على النصّ القرآني.

من هذه المناهج التزامنية ما يعرف بمنهج التحليل البلاغي، والذي طُبِّقَ بالفعل من قِبَل بعض الدارسين في لبنان (اليسوعيين والمسلمين) على الأحاديث النبوية وخرج بنتائج شجعت البعض على تطبيقه على القرآن.

وكان في طليعة هؤلاء الأب الفرنسي ميشيل كويبرس، وهذه المقالة التي بين أيدينا له هي محاولة منه لتوضيح منهجه الخاصّ في قراءة القرآن والإشارة إلى بعض نتائجه، كما أنه يركّز بشكل خاصّ على ما يراه إمكانات كبرى يستطيع منهجه فتحها حين يُطبّق على النصّ القرآني.

هذه الإمكانات تتلخص في؛ أولًا: القدرة على تسييق الآيات القرآنية في مجالات دلالية أوسع تستطيع كشف معانٍ أكثر تماسكًا -وفقًا له- للآيات. ثانيًا: القدرة على كشف التناص بين النصّ القرآني وغيره من النصوص المحيطة به والسابقة. ثالثًا: القدرة على استكشاف مستويات الآيات داخل فضاء النصّ القرآني، والتفريق بين آيات محورية وأخرى فرعية، وهذا من شأنه ضبط عملية تفسير القرآن بالوقوف على المرتكزات المحورية للنصّ.

المناهج التزامنية مناهج ذات جدةٍ داخل الدرس الاستشراقي، فتمثّل أحد مساحاته المهمّة، والتي ربما لا تعرف عند الباحثين العرب نفس شهرة المناهج التعاقبية، وينطبق هذا بصورة أخصّ على منهج التحليل البلاغي، من هنا محاولة التعريف بهذا المنهج. وما يزيد أهمية هذه المقالة، أن هذا التعريف بأحد أهم المناهج التزامنية جاء على لسان أحد أبرز ممثلي هذا المنهج.

المؤلف

ميشيل كويبرس-Michel Cuypers

أب بلجيكي، عضو في المعهد الدومينيكي للدراسات الشرقية، ومتخصص في الدراسة الأدبية للنصّ القرآني.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))