القرآن من خلال القرآن
مصطلحات وحجج الخطاب القرآني حول القرآن
آن سيلفي بواليفو

المترجم : أمنية أبو بكر
يعد كتاب (القرآن من خلال القرآن) لآن سيلفي بواليفو من أهم الكتب ضمن الاتجاه (السانكروني) في قراءة القرآن؛ حيث يتناول بالبحث المصطلحات والحجج والإستراتيجيات التي يستخدمها النصّ في بناء مرجعيته، هذا العرض لكويبرس يقف على أهم مرتكزات الكتاب مبرزًا أهميته.

  يبرز عمل آن سيلفي بواليفو[1] -بين مجموعة الأعمال الأخيرة المنشورة حول القرآن- متميزًا بجودته العلمية وأصالته. فصحيح أن مسألة المرجعية الذاتية للقرآن (ما يقوله القرآن عن ذاته) قد عولجت جزئيًّا، لا سيما على أيدي كلّ من: دانييل ماديغان[2][3]، شتيفان فيلد[4][5]، والكثيرين غيرهما، لكنها المرة الأولى التي يدرس فيها هذا المبحث على هذا النحو من التمام والعمق والإحكام، للدرجة التي تقود القارئ إلى رؤية متجددة للقرآن على المستويين: الشامل والتفصيلي.

يأتي هذا العمل ثمرةً لأطروحة دكتوراه من جزأين: أولهما يعالج المبحث من منظور تزامني، آخذًا القرآن في كليته. وثانيهما يتبنى وجهة النظر الدياكرونية، واضعًا التطور الكرونولوجي لجمع النصّ القرآني موضع الاعتبار -فقط الجزء الأول هو ما يظهر في هذا الكتاب، أما الجزء الثاني فيتم تحضيره للنشر قريبًا-؛ لذلك يصنف هذا الكتاب رأسًا ضمن اتجاه الدراسات التزامنية للنصّ القرآني (الاتجاه السانكروني) المعتمد على المبدأ التفسيري القديم القائل بتفسير القرآن بالقرآن، ولكن في هذا الكتاب، يتم التعاطي مع هذا المبحث بصرامة المنهج النقدي الحديث.

كما يشير العنوان الفرعي للكتاب فإنه يتكون من جزأين: الأول معالجة لمفردات المرجعية الذاتية للخطاب القرآني، والثاني معالجة للحجج المستخدمة في هذا الخطاب.

تستهل بواليفو عملها بدراسة جميع مفردات (المرجعية الذاتية) -المفردات التي تحيل إلى الذات كمرجعية- والتي تطلق على النصّ القرآني أو على جزء منه، مثل: كتاب وقرآن وذكر وآية/ آيات وسورة ومثاني وفرقان وكذلك الحروف المقطعة. وتتبع في دراسة كلّ مصطلح منها المخطط ذاته، فتدرس الكلمة أولًا وفقًا للمعجميِّين القدامى، بعد ذلك وفقًا للدراسات الفيلولوجية الحديثة (والتي غالبًا ما نجدنا فيها ندور حول اللغات العبرية والآرامية والسيريانية والعربية). بعد ذلك تدرس بواليفو كلًّا من هذه المصطلحات في كلّ سياقاتها القرآنية -مزودة بتلك المعلومات الآنفة-؛ للتحديد الدقيق للمعنى/ المعاني التي يؤديها في النصّ، متبعة منهجية تدرس النصّ من داخله intratextuality. من المحال إيجاز هذه التحليلات الدقيقة المتعمقة، ولكن بوسعنا فقط أن نشير إلى بعض النقاط.

يستحق مصطلح الكتاب اهتمامًا إضافيًّا نظرًا لتكراره وأهميته في القرآن، وعند استخدام مصطلح الكتاب لوصف ماهية القرآن، لا يمكن أن يعني مجرد (كتاب-book) نظرًا لعدم اكتمال النصّ القرآني بهذا الوقت، كما ترفض بواليفو رأي دانييل ماديغان الذي يؤيد المعنى (Prescreption)/ وصية (ربما وفقًا للجذر كتب)، ويقودها بحثها إلى استنتاج أنه يعني (كتابًا مقدسًا) مثل الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية؛ ليكون من ثم (كتابًا مقدسًا على غرار اليهودي والمسيحي). على قدر ما يبدو هذا الاستنتاج مستهلكًا للوهلة الأولى، لكن الواقع أنه موضوع متكرر طوال العمل ويؤدي إلى استنتاج يظهر كمفارقة في الجزء الأخير، وسنعود إلى ذلك لاحقًا. فضلًا عن ذلك، يعدُّ هذا الاستنتاج (فحصًا) مفصلًا لهذه الفكرة التي لم تدرس درسًا دقيقًا بدراسة المقاطع القرآنية التي تصف القرآن حتى الآن -باستثناء العمل المتميز لـ(د.ماديغان). ويبدو أنه على نقيض أولئك الذين يرغبون في الدفاع عن خصوصية الإسلام بالمعارضة المنهجية لأيّ استخدام للمواد الكتابية -الكتب المقدسة السابقة على القرآن[6]- أو الدراسات الكتابية في تحليل القرآن، توضح بواليفو تأكيد القرآن نفسه على ارتباطه بالنصوص الكتابية بشكلٍ كبيرٍ.

وفقًا لبواليفو، فمصطلح القرآن ليس مستمدًا بشكل مباشر من الكلمة السيريانية qeryānā"" كما يُدّعى في بعض الأحيان. الأرجح أن الكلمة (خلقٌ قرآنيٌّ)، مشتقة من الجذر قرأ، إلّا أنها تستدعي كلمات سيريانية وعبرية لها هيئة ومعنى مماثلان لـ(التلاوة)، لإعطاء هذه التلاوة الجديدة هالة من الغموض والسلطة، التي ميزت التلاوات اليهودية والمسيحية (ص67-68).

وبإعراب القرآن عن نفسه (ذِكرًا)، فإنه يصنف نفسه بشكلٍ أساس كتلاوةٍ مثل تلك التي مورسَت في المجتمعات اليهودية. ولكن كما في الكتب المقدّسة السابقة، فإنه أيضًا يمنح البشر إمكانًا بتذكر وجود الإله القدير وبوضعهم الإنساني (أتباعًا للحكم الإلهي)، مع حثهم على إدراك ذلك (المرجع نفسه).

ويظهر أن دراسة كلمتي: الآية والآيات دراسة معقدة. لقد درسَت بواليفو مجمل حالات الظهور المتعددة لهاتين الكلمتين في سياقاتهما، وبواسطة ملاحظاتها استنتجت أن الآيات في بعض الحالات تؤدي معنى «وصفيًّا للعناصر التركيبية للنصّ القرآني، بالقدر الذي تصف نفسها كــ(علامات)... على شيء يتجاوزها نفسها» (ص82)، أو معنى (الآيات المعجزة) التي أتت على أيدي الأنبياء.

وعن طريق كلمة: سورة، يصف القرآن نفسه بأنه: «شيئًا أنزله الله على محمدٍ» (ص86)، وبالتالي ليست السورة حتى الآن فصلًا من فصول النصّ كما عرفت فيما بعد. وتعتقد بواليفو أن كلمة سورة هي خلقٌ قرآني كما هو الحال في كلمة القرآن، بيد أنها ربما تكون معدَّلة من السيريانية أو العبرية (ص86). كذلك تكون المثاني تحويرًا من المشناه اليهودية mišnâh، مانحة القرآن دلالة ضمنية/ إيحاء على التوراة بالنسبة إلى أولئك المعتادين على المشناه، أو دلالة على الغموض بالنسبة لمن لم يألفوها. ويمكن أن يكون كلٌّ من شكل ومعنى كلمة الفرقان قادمًا من اللغة الآرامية أو السيريانية: «فهي مرتبطة بأصول يهودية ومسيحية، مثل: الخلاص والوصية الإلهية وفصل من الكتاب المقدّس» (ص97). وقد أكّد القرآن على المشتركات المسيحية واليهودية باستخدامه هذه الكلمة الغامضة، بينما أضاف دلالة على (الفصل الحاسم) عنها، ارتباط هذه الكلمة بالجذر العربي فرق. أما عن الحروف المقطعة التي تستهل بها مجموعة من السور -وفقًا لبواليفو- فالقصد منها إضفاءُ بُعْدٍ من الغموض على النصّ القرآني، وتركُ انطباعٍ من القدسية لدى السامع/ القارئ.

مرة أخرى، غالبًا ما يصل هذا البحث حول الأسماء التي وصف القرآن بها نفسه إلى نتائج تماثل تلك الخاصّة بالدراسات الفيلولوجية الحديثة، إلا أن بواليفو تؤكد ذلك بفضل تحليل طويل ومتعمّق للسياق النصّي لكلّ الحالات الخاصّة بكلّ مصطلح.

يواصل الجزء الأول إجراء تحليل (باستخدام نفس المناهج) حول المفردات القرآنية المعبرة عن (الظاهرة القرآنية). لا تركز الدراسة هنا بشكلٍ مباشر على المفردات المعنيّة بالنصّ -مفردات المرجعية الذاتية-، ولكن بأصل النصّ وانتشاره ووقعه على سامعيه وقارئيه. وأولى موضوعات الدراسة هي المصطلحات المشتقة من الجذر نزل، الذي يعني ما يترجم أحيانًا بشكل غير صحيح إلى (الوحي-relevation)، ما يعطي فكرة الكشف عن الغموض. في الحقيقة، توحي (نزل) بنزول شبه مادي للكتاب المقدّس من عند الله ومبادرة منه، مما يعطيها سلطة مطلقة وسرًّا معيّنًا. تسمح الكلمات المشتقة من الجذر وحي بتعميق مفهوم الإلهام «اتصالًا سريًّا وغامضًا مع الرسول محمد» (ص129). تلاحظ بواليفو أن هذه المصطلحات تعمل على وصف الفعل الإلهي في العالم: «إذن، يعدُّ الظهور القرآني، قبل كلّ شيء، مماثلًا للعمل كلي القدرة والحر والسيادي للإله الذي لا يعجزه شيء». (ص129-130).

 توصف ظاهرة الإرسال بمجموعة أخرى من المصطلحات التي يصف بها القرآن نفسه «كلمة ملقاة إلى البشر» مثل: كلمة وحديث وقول وكلام واشتقاقات من الجذور قصص وفرق وفصل وبين وحكم. هذه الكلمة هي أيضًا التي خوطب بها موسى، والتي ارتبطت بعيسى بن مريم. ويمكن العثور على التقارب بين القرآن والكلمة الإلهية في اليهودية والمسيحية؛ فاستخدام قول يبين لنا أن «القرآن (كلمة الله) مثله مثل الوحي السابق عليه، وتجلٍّ لقدرة الله» (ص135). فوق ذلك تؤكد بعض المصطلحات الأخرى أن القرآن (كلمة إنذار) مثل: إنذار ونبأ وبشرى. «وبالتأكيد يوصف القرآن من جهة كاتصال أحادي من الله تجاه البشر، ومن جهة أخرى يوضح أن الله قد جعله رسالة واضحة يسهل الوصول إليها، الغرض منها التنبيه، مثل الكلمات النبوية الماضية في التقاليد اليهودية والمسيحية». (ص163).

وأخيرًا، توجد مجموعة ثالثة من المصطلحات التي تهتم بالقرآن كظاهرة، تلك المصطلحات التي يمكنها وصف الدور الفعال للظاهرة بالنسبة إلى سامعيها وقارئيها بامتياز. في هذا الصدد، يؤدي تأثير الثنائيات التقابلية دورًا مهمًّا يظهر في الكتاب بأكمله، ويؤكد على المنظور الحقيقي لتلاوات محمد: الإرشاد (هدى وسبيل وصراط)/ العصيان (الطاغوت والضلال)، الثواب/ العقاب، النعم/ البلاء، الوضوح/ الظلمة، الشكّ/ اليقين، الصدق/ الكذب.

تختم بواليفو هذا الجزء الأول من الكتاب، المعنيّ بـ(مفردات المرجعية الذاتية)، بتأكيدها على كلّ من النقاط التالية:

1. تُعرِّف هذه الكلمات القرآن كموضوع ذي ارتباط باليهودية والمسيحية، فهو «كتاب مقدّس أوحاه الله إلى نبيٍّ ليكون تلاوة ليتورجية»، «كتاب مقدّس» يرغب أن يكون «على غرار الكتاب اليهودي المسيحي».

2. بعض الكلمات مثل: (ذكر) و(آيات) تشيران إلى البُعد التواصلي للقرآن، «بالتأكيد على طبيعة القرآن رسالةً وإعلانًا وخطابًا وقصةً ووعيدًا وقبل كلّ ذلك ذكرًا وآيةً، بحيث يجعلنا النصّ ندرك انشغاله بتحقيق هدف هو أن أولئك الذين جاءتهم الرسالة يسمعونها ويفهمونها؛ ولذلك فهم يغيِّرون سلوكهم» (ص183).

3. وأخيرًا، نظرًا إلى استمرار وصف القرآن كحقيقة لا تقبل الشك، فذلك يحثّ أكثر على تحقيق ذلك الهدف.

وهذه الدراسة الشاملة التي قامت بها بواليفو، وتحليلها الدقيق لكلّ كلمة في سياقاتها القرآنية يجعل هذا الجزء من الكتاب بمثابة منجم معلومات للأبحاث المستقبلية.

 يدرس الجزء الثاني من الكتاب مسألة المرجعية الذاتية بأسلوب (غير مباشر) أو (ضمني) كما تعبر عنها (الإستراتيجيات الجدلية) التي أسسها القرآن. وتدفع بواليفو بدراستها لتتجاوز المفردات الوصفية -المفردات التي تصف القرآن- للبحث (عما أراد) «مؤلِّف القرآن»[7] أن يبعث كرسالة بشأن القرآن، إلى ضمير المستمع أو القارئ الذي يتوفر على مجموع النصّ بأكمله ويتمسك به باعتباره كلًّا له نسق منطقي (ص187- بخط مائل). ويذكرنا هذا التوضيح الأخير بأننا ما زلنا أمام منظور التحليل التزامني للنصّ، تستخدم هذه الإستراتيجيات ظواهر أخرى غير القرآن، لكنها معدَّة لتعزيز المرجعية الذاتية للقرآن، وتهتم هذه الإستراتيجيات بما يأتي:

1. أفعال الله في العالم، (مثل: الطبيعة، والمستقبل الأخروي، وأحداث الماضي).

2. ظاهرة النصوص المقدّسة المتقدمة.

3. مهمّة محمد، والمقاطع ذات النبرة السجالية.

4. الأساليب البلاغية المتنوعة.

توصف الظواهر الطبيعية في القرآن باعتبارها (علامات-آيات) قدرة الله. وحقيقة أن القرآن -أو بعضًا منه أيضًا- يطلق عليه (آيات) يمنح ظاهرة القرآن نفس الحالة الدلالية لما يتعلق بقدرة الله، تمامًا مثل الظواهر الطبيعية. عادة ما يبدأ التقارب النصّي في الظهور: «بمقطع يصف ظاهرة طبيعية جنبًا إلى جنبٍ مع مقطع يصف ظاهرة نزول القرآن، مما يثير الشعور بالتوافق فيما بينهما لدى المستمع أو القارئ» (ص194). فكلاهما يشارك في نفس Weltanschauung(رؤية العالم)، حيث كلّ شيء هو عمل الله، الملك المطلق. كثيرًا ما يجاور الخطاب الأخروي خطابات أخرى حول الظاهرة القرآنية وفعل الله في الطبيعة، مما يعزز فكرة أن الاعتصام برسالة محمد أو رفضها له كبير الأثر على الخلاص الأخروي للمستمع أو القارئ. ويستدعي القرآن أحداثًا من الماضي ذات اتصال بمهمّة الأنبياء الذين يتبعون (مخططًا نبويًّا) واحدًا، وتصوغ بواليفو هذا المخطط النبوي كما يأتي: «يرسل الله نبيًّا برسالة موجَّهة إلى جماعة من الناس، وترفض هذه الجماعة -إلا قليلًا- هذا النبي ورسالته؛ فيعاقبهم الله ويحمي نبيه» (ص213). وبما أن مهمّة محمد تنتمي لذلك المخطط عينه، يكون ضروريًّا اتّباع رسالته المؤكدة على وحدانية الله والحكم الأخروي والسلطة الإلهية للقرآن. تأتي قصص الأنبياء وأحداث الماضي قبل كلّ شيء، بوصفها حجة للمرجعية الذاتية للقرآن؛ نظرًا لأنها رسالة إلهية منقولة إلى محمد وموجَّهة إلى البشرية جمعاء. وتظهر بنية السور المتوسطة أو القصيرة أن هنالك خطابات ثلاثة -متعلقة بالطبيعة، والآخرة، والأحداث الماضية- مرتبة بوضوح فيما بينها، وتظهر معًا في خطاب ذاتي المرجعية (ص229). وبينما لا يرى المستشرقون بشكل عامّ إلّا تجاورًا بسيطًا لبعض الوحدات الموضوعية غير المترابطة، وفي حين أن التحليل البلاغي الذي أمارسه يُظهِر بشكل مباشر علاقاتهم الشكلية/ التركيبية، فإنّ بواليفو تصرُّ بصورة مقنعة على العلاقة الضمنية والمنطقية التي تربط بين تلك الوحدات، وهذا واحد من إسهاماتها المميزة في بحثها.

تهتم ثاني إستراتيجيات المرجعية الذاتية الرئيسة بطريقة وصف القرآن لظاهرة الكتب المقدّسة المتقدمة. في القرآن، ذلك يتضمن بشكلٍ أساسي الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية: التوراة والزبور والإنجيل، إلا أن المفهوم الذي ينقله القرآن عن هذه الكتب المقدسة (بالنسبة لها كظواهر أو إلى محتواها) يختلف عن التيارات الغالبة في كلّ من المسيحية واليهودية، فهو يتصورهم وفقًا للمخطط النبوي السابق وصفه أعلاه، فيظهر الأنبياء ومن بينهم موسى وعيسى وداود على النحو الآتي:

«...أن الله قد أرسلهم لجماعات من الناس، حاملين رسالة من عند الله بأفكار رئيسة ثلاثة، هي: رفض الوثنية، والحياة من بعد الموت، وصدق رسالتهم- ...فيعارضهم الناس... ثم يعاقبهم الله في النهاية ويحمي رسله. وهكذا تشتمل الكتب المقدّسة التي جاء بها كلّ من موسى وعيسى وداود هذه الأفكار الرئيسة الثلاثة» (ص229).

يستخدم القرآن تلك النصوص المقدسة (كمرجعية) وحَسْب -على حدّ قول بواليفو- مما يمنح القرآن نفس الوضعية من السلطة الكتابية عبر وساطة التوازي والاستعياب/ الهيمنة. والاختلاف بين المرجعية (التي يفترضها) القرآن والمرجعية الحقيقية (كما يفهمها اليهود والمسيحيون) لا ينتج عنه إلّا توليد توتر يُفضي إلى استبعاد الكتب المقدّسة القائمة كحقيقة عند اليهود والمسيحيين (بسبب التحريف والتبديل). من هنا يجد القرآن نفسه راسخًا بصفته المستفيد الوحيد من الوضع والسلطة المعطاة للنصّ المقدّس: السلطة الإلهية (ص229). هنا توضح بواليفو بإقناع كيف أن آلية الخطاب في النصّ المقدّس تقود إلى المفارقة حيث يعترف القرآن بالكتب المقدّسة المتقدمة ويجردها من أهليتها في الوقت نفسه. ولنلاحظ أنه من المؤسف أنها في معالجتها لـصحف موسى وإبراهيم، لم تلاحظ بواليفو أن ج. جوبيّو قد قامت بالتعرف عليهم وتحديدهم كالفصل التاسع عشر من كتاب الآثار الكتابية حول موت موسى ووصايا إبراهيم[8].

تهتم ثالث إستراتيجيات التفاضل الذاتي بالخطاب القرآني حول الدور النبوي لمحمد كما يعبر عنه في السجال القرآني، ويوضح القرآن باستمرار التوازي بين مواقف المعارضة التي تعرض لها الأنبياء السابقون والموقف المعاصر لمحمد. وتجادل بواليفو أن فكرة أصالة الدور النبوي لمحمد هي الوجه الآخر لأصل القرآن الإلهي؛ الفكرتان حاضرتان معًا، وعند إثبات إحداهما، يقوم النصّ بإثبات الأخرى. وتعدُّ خطابات الكفار إحالة (حقيقية أو متخيلة) تتيح (لمؤلِّف) القرآن أن ينشِئ خطابًا معاكسًا له في المقابل. إن حجاجاتها المعكوسة المقنعة تبرهن على الدور النبوي الأصيل لمحمد، وفي النهاية تبرهن على الأصل الإلهي للكتاب[9]، وذلك يخلق حجة قوية (مستمدة من المرجعية الذاتية) للأصالة الإلهية للقرآن. وبالنسبة إلى بواليفو، فروايات الأنبياء السابقين لا تؤدي دور التعاليم الأخلاقية، بل تتقدم كحجة للمرجعية الذاتية وهذا بفضل ارتباطها بمقاطع جدلية، وتجادل «إنما التاريخ يُتطرق إليه فقط لتأدية الدور الجدلي الموجه إلى المستمعين والقراء الحاليين، المعاصرين للنصّ. والتوازي بين ما يحدث لمحمد ومَن سبقه مِن الأنبياء ذوي الأهمية الكبيرة إنما هو لمحو فكرة ذلك الزمن الذي يمر، فكرة التاريخ، وبذلك يكون القرآن صالحًا لكلّ زمان» (ص355).

في الفصل الأخير، تعود بواليفو إلى التعبير عن الإستراتيجيات الثلاث (الخطاب المتعلق بأفعال الله، والكتب المقدسة السابقة، والدور النبوي) باستخدام بعض الأساليب البلاغية. وقد أشرنا بالفعل عند معالجة بنية السور، كيف يستجيب التقارب بين هذه الإستراتيجيات في نفس السورة إلى تنظيم دقيق «ذلك ما أدعوه بصفة شخصية الأسلوب (البلاغي السامي)[10]». هنا تعود بواليفو إلى (الجانب الثنائي للخطاب القرآني) المشار إليه بالفعل عند معالجة الخطاب الجدلي (ص375). وتلاحظ أنه حقيقةً تظهر الثنائيات في كلّ الكتاب على هيئة (ثنائية متعاكسة بين ما هو إيجابي وما هو سلبي)، وأنها تعمل كنداء قوي لاختيار ما هو إيجابي، أو في النهاية، لاختيار الإيمان المخلِّص بالأصل الإلهي للقرآن. وتعمل هذه الثنائيات بين الأضداد على «تحفيز عاطفة وموالاة المستمع» (ص378).

وبغض الطرف عن الثنائية، تدرس بواليفو بعض الأساليب البلاغية الأخرى المعنية بـ(دعم الكل). تلك التعليقات أو الشروح الجانبية التي يصدرها (صوت النصّ) عن نفسه، التلميحات التي تظهر أيضًا في كلّ النصّ «مجموعة من الأقسام الحجاجية، خاصة كل تلك المقاطع التي تسائل المستمع أو القارئ» (ص374)، و«تكرار الأفكار الواضحة بالفعل» (ص376)، والأقسام -جمع قَسَم-، هذان الأسلوبان الأخيران يعززان بقوة ما يقال.

في الختام العام لكتابها، تدافع بواليفو عن الدراسة التزامنية للنصّ المقدّس، وتلاحظ أن هذا المنهج لا يستبعد -بأيّ من الأشكال- عنصر التاريخ. فوحدة الحجاج المتطورة في القرآن توضح أن (ص391- 392):

[النص يبدأ تقريبًا بقصد موحد -سواء كان متعلقًا بشخص واحد أو جماعة من الموافقين على الرسالة الرئيسة التي تبث من خلال النصّ، ثم يتضمن تعديلات كبيرة لاحقة].

وألاحظ أن هذا الاستنتاج يتوافق مع ذلك الذي تمكنت من صوغه بعد دراسة للتركيب البلاغي للقرآن (النظم) -على الأقل على مستوى السور أو مجموعة منها. وتَقَارُب استنتاجات هذه الدراسات التزامنية، بغض النظر عن استخدام مناهج مختلفة- يوضح قبل كلّ شيء أن «القرآن ليس تجمعًا اعتباطيًّا لعناصر متنوعة، ولا هو نصّ بلا هدف محدد» (ص392)، بل هو نص متماسك حيث يقوم كلّ ما فيه بإضفاء القيمة على مجموعة من الأفكار الرئيسة.

تخلص بواليفو إلى أن تلك الأفكار يمكن وصفها على إنها إشارة مستفيضة إلى اليهودية والمسيحية (ص393). ومع ذلك يستخدم القرآن الأفكار المشتركة بينه وبين التراث المسيحي اليهودي، مثل: (الأخرويات، والنبوة، وتجلِّي قوة الله في الطبيعة) «مع حفاظه على الهدف الأساس له بإرساء سلطته الخاصة» (ص396). وينتج «خطاب المرجعية الذاتية -الخط الرئيس للنصّ القرآني بكامله- للحصول على اعتراف ثابت من جهة المستمع أو القارئ بسلطة النص المطلقة» (ص398).

تقوم بواليفو بدراسة بالغة الدقة للمفردات القرآنية بحجج ممحصة وأسلوب تعليمي واضح. وتتبع الأقسام الأكبر من الكتاب وكذلك الأقسام الفرعية، تطورًا منطقيًّا وتؤدي إلى خاتمة تلخص نتائج المؤلفة، وتساعد القارئ على محاذاة خيط أفكارها. اللغة واضحة وشديدة الدقة، الاستشهادات القرآنية مقدمة بالعربية ومصحوبة بترجمات ممتازة. إجمالًا، الكتاب رائع للقراءة لدرجة أنه يجب من الآن فصاعدًا اعتباره كتابًا لا غنى عنه في أيّ دراسة قرآنية، إنه يستحق تمامًا الشرف الذي ناله بحصاده الجائزة العالمية لكتاب العام في الجمهورية الإيرانية لعام 2015. والآن، نحن نتطلع للجزء الثاني حول الدراسة (الدياكرونية) التعاقبية للنصّ.

 

 

 

[1] آن سيلفي بواليفو: أستاذة محاضرة بجامعة ستراسبورغ في فرنسا، متخصصة في الإسلاميات واللغة العربية، وتاريخ الإسلام، لا سيما القرون الثلاثة الأولى، ولها عناية خاصّة بالدراسات النصيّة للقرآن، والعلاقات الإسلامية المسيحية اليهودية، وعلاقة الكتاب المقدس بالقرآن، كما أنها عضوُ جمعيةِ الدراسات القرآنية الدولية(IQSA) (www.iqsaweb.org).
ومن أهم مؤلفاتها: القرآن من خلال القرآن؛ مصطلحات وحجج الخطاب القرآني حول القرآن. وهو مستلٌّ من أطروحتها للدكتوراه، وهو الذي يعرضه ميشيل كويبرس في هذا المقال.
وللباحثة مقالة مترجمة ضمن الملف الأول على قسم الترجمات (ملف الاتجاه التنقيحي)، بعنوان: (مقاربة نص مؤسِّس: الإشكالات، الحلول، الحدود؛ انطلاقًا من دراسة القرآن)، ترجمة: خليل محمود اليماني، وقد تعرضت فيها للصعوبات التي واجهتها في بحثها وفي دراستها ودراسة البحث الغربي للقرآن عمومًا، والحلول التي تقترح لمواجهة هذه الصعوبات، يمكن مطالعتها على هذا الرابط: tafsir.net/translation/8 . وجدير بالنظر أن هذه الترجمة التي قام بها أ/ خليل محمود أشارت لهذا الكتاب ضمن مؤلفات سيلفي، وقد اعتمدنا في ترجمة عنوان كتاب سيلفي الذي يعرضه كويبرس هنا على الوارد في تلك الترجمة؛ كونها مراجعة من قبل المؤلفة ذاتها كما هو مشار إليه في حواشي المترجم. (قسم الترجمات).

[2] دانييل ماديغان، الصورة الذاتية للقرآن: الكتابة والسلطة في نصّ الإسلام المقدّس. (برينستون، مطبوعات جامعة برينستون 2001).

[3] دانييل ماديغان، كاهن يسوعي معاصر، أسترالي الأصل، وهو مؤسس ومدير معهد دراسات الأديان والثقافات بالجامعة الغريغورية البابوية، حاصل على دكتوراه في الدين الإسلامي من جامعة كولومبيا الأمريكية عام 1997، وعمل كأستاذ زائر في عدد من الجامعات: كولومبيا، أنقرة، بوسطن. من أهم كتبه: الصورة الذاتية للقرآن: الكتابة والسلطة في نص الإسلام المقدس، 2001. وقد نشرنا عرضًا لهذا الكتاب، كتبته: يامنة مرمر، ترجمة: هدى عبد الرحمن النمر، يمكن مطالعته على هذا الرابط: tafsir.net/translation/38 (قسم الترجمات).

[4] شتيفان فيلد (لماذا المرجعية الذاتية؟) ضمن كتاب (المرجعية الذاتية للقرآن). تحرير شتيفان فيلد، (فيسبادن، هارسوفيتس 2006).

[5] شتيفان فيلد (1937-)، أحد أبرز أعلام الاستشراق الألماني، حاصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ميونيخ عام 1961، وعمل كرئيس للمعهد الألماني للدراسات الشرقية ببيروت منذ 1968 وإلى 1974، وهو أستاذ اللغات السامية والدراسات الإسلامية في جامعات؛ أمستردام، ورينيش فريدريش فيلهلمز في بون، وقد بقي في الأخيرة حتى تقاعده في 2002. له عددٌ من الكتابات المهمّة، من أهمها: القرآن كنص، 1996، وكتاب: المرجعية الذاتية في القرآن، 2006. وقد نشرنا على قسم الترجمات عرضًا لهذا الكتاب (القرآن كنصّ) كتبه: دانييل ماديغان، ترجمة: هدى عبد الرحمن النمر، يمكن مطالعته على هذا الرابط: tafsir.net/translation/39 (قسم الترجمات).

[6] يشير كويبرس هاهنا للرفض الحاصل من قِبل الكثير لاستخدام الكتب السابقة في فهم القرآن الكريم. وفي الحقيقة فإن موضوع توظيف مواد الكتب السابقة في فهم القرآن قد قام به السلف وبعض المفسرين القدامى، وقد جرى نقده بصورة كثيفة في التراث الإسلامي وكذلك من قِبل جُلّ الدارسين المعاصرين، وقد طرح موقع مركز تفسير مؤخرًا ملفًّا متكاملًا حول هذه المسألة بعنوان: «المرويات الإسرائيلية في كتب التفسير» والذي حوى طرحًا مختلفًا لبعض الباحثين في مقاربة الموضوع، ونقدًا لمنطلقات الطرح النقدي لتوظيف الإسرائيليات. يراجع في التعريف بالملف ومواده مقالة: ملف "المرويات الإسرائيلية في كتب التفسير" مدخل تعريفي، المنشورة على الموقع تحت الرابط: tafsir.net/article/5160  (قسم الترجمات).

[7] توضح آن سيلفي بواليفو في (الملاحظات الأولية) أن استخدامها لكلمة «المؤلف» في حديثها عن القرآن، فإنها لا تفرض على القارئ أيّ رأيٍ بخصوص هويّة المؤلف؛ سواء كان إلهًا أو بشرًا.

[8] جينفيف جوبيُّو، (أبوكريفا العهدين القديم والجديد)، في معجم القرآن تحرير محمد علي أمير معزي (باريس، Bouquin: 2007).

[9] يمكن العثور على جزء من تحليل آن سيلفي بواليفو بالإنجليزية في مقالها (السجال في القرآن، الجدالات السلبية للقرآن حول أصله)، مجلة آرابيكا 60 (2013): 131- 145.

[10] ميشيل كويبرس، نظم القرآن: تحليل بلاغي. تحرير ج. راين (لندن: بلومزبيري 2015).

المؤلف

ميشيل كويبرس-Michel Cuypers

أب بلجيكي، عضو في المعهد الدومينيكي للدراسات الشرقية، ومتخصص في الدراسة الأدبية للنصّ القرآني.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))