الدراسات القرآنية: مصادر ومناهج تفسير النصوص المقدسة
جون وانسبرو

عدد المشاهدات : 1178
يُعَدّ كتاب وانسبرو «الدراسات القرآنية: مصادر ومناهج تفسير النصوص المقدسة»، أحد أهم الكتب التي أثَّرت في مسار الدرس الغربي للقرآن في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي شكّلت الجزء الأكبر من الأسئلة المعاصرة لهذا الدرس، من حيث هو البداية الأساسية لبروز «الاتجاه التنقيحي» في دراسة تاريخ الإسلام والقرآن، وفي هذه المقالة القصيرة يقدم كارول كيرستن عرضًا لهذا الكتاب، مشيرًا إلى أهم موضوعاته وأهم المساحات البحثية التي يَلِجُها، والأدوات التي يستخدمها، كما يتعرض لطريقة تلقّي القرَّاء للكتاب، وتعليقات بعض الباحثين عليه، وتأثُّر بعض الكُتَّاب به، ويختم بضرورة فتح باب النقاش العلمي لما تضمنه الكتاب من أطروحات ذات أهمية كبيرة من وجهة نظره.

  منذ أول إصدار له، عام 1977م، مِن قِبَل مطبعة جامعة أكسفورد، أصبح كتاب الدراسات القرآنية جزءًا من مجموعة أوسع من الأبحاث الأكاديمية المنشورة التي تُلقي نظرة جديدة على التمثّلات التقليدية حول تاريخ الإسلام المبكر[1][2]. وبِغَضّ النظر عن هذا الكتاب، كَتَبَ جون وانسبرو (1928- 2002م) -الذي كان أستاذًا للدراسات السامية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن (SOAS)- كتابًا بعنوان «الأواسط الطائفية/Sectarian Milieu» (مطبعة جامعة أكسفورد: 1978م). منذ ذلك الحين واصل آخرون البحث في الفترة التكوينية للإسلام بطريقة مماثلة، ومن بين أكثر الإسهامات إثارة للجدل من هذا النوع كتاب: «الهاجرية: صناعة العالم الإسلامي/Hagarism: The Making of the Islamic World» – (مطبعة جامعة أكسفورد: 1977م)، وهو مشروع مشترك بين باتريشيا كرون[3] (التي حصلت على درجة الدكتوراه تحت إشراف وانسبرو) ومايكل كوك[4] (الذي بدوره قام بالتدريس أيضًا في SOAS حتى عام 1986م). وقد وُصِفَ العلماء الذين ينتمون إلى هذه «المدرسة» من الكتابة التاريخية بأنهم «ممثلين للشكوكيّة المُتجددة» (محمد أركون)، «التنقيحيين» (ر. ستيفن همفريز)[5]، وحتى الممارسين لـ«الاستشراق الرديء» (ليونارد بايندر)[6].

هذا التوصيف الأخير يدلّ على الاتجاه الذي انتقلت إليه المناقشات. فبدلًا من التبادل المستمر لوجهات النظر المستنيرة الناتجة عن المناقشات العلمية، التي تستحقها هذه المسألة شديدة التخصصية والغموض، كان النقاش سريعًا ما هيمنت عليه توجهات أيديولوجية؛ للأسف. ويُعزَى لتكنولوجيا الاتصالات الحديثة أنْ صار ذاك الطرح جزءًا من محادثات تجاوزت ما كان يفترض كونهم قُرَّاءه المتوقعين. الآن تَمّ تحرير نسخة من الدراسات القرآنية مرة أخرى، معزّزة بمقدمة، وحواشي جديدة، وقاموس مصطلحات من تأليف أندرو ريبين[7]، وهو خبير دراسات قرآنية من جامعة فيكتوريا في كندا. وقد قام ريبين بهذا العمل للوقوف على بعض المساقات الأيديولوجية وغير العلمية التي استُخدِم فيها الكِتابُ خلال السنوات الخمس والعشرين الأولى من طرحه. في الواقع، يتساءل المحرّر عمّا إذا كان كلّ مَن أبانوا أقوى الآراء حول هذا الكتاب قد قرؤوه من قبل أساسًا؟!

في الواقع، هذا أمرٌ مشكِلٌ للغاية؛ لأن دراسة وانسبرو على مستوى عالٍ من سعة المعرفة التي لا يمكن للقليلين حتى أن يطمحوا لإتقانها. ولسوء الحظ، هذا هو أيضًا عيبه الأساس؛ فبالنسبة لغير المتخصصين -وأعني بذلك الإسلامي (الحركي-السياسي) الذي تكمن مصالحه خارج التفسير الكتابي-[8] فإن هذا الكتاب المتقن يُشكّل تحديًا هائلًا. كذلك تبدو قراءة وانسبرو صعبة بالنسبة لبعضٍ من أبرز مؤرخي الإسلام، وهو ما نستدلّ عليه من توصيف همفريز لنمط الكتابة الذي اختاره وانسبرو: «أنه ينزع إلى نمطٍ من الكتابة عويصٍ بشكلٍ حادٍّ، وهذا النمط يحمل بين ثناياه عبارات تقنية غير مُفسرة في العديد من اللغات، وإشارات غامضة، وقواعد توتونية»[9](Humphreys, Islamic History [1999], 83-84).

إنّ تنقيح ريبين الدقيق لنسخة عام 1977م يخفّف بعض هذه المشاكل، فهو لم يقم فقط بإضافة قائمة بالمخطوطات التي استعان بها وانسبرو في دراسته، ولكنه قدّم أيضًا ترجمات وتفاسير للمصادر والمصطلحات التي قد تستشكل على معظم القراء. ومع ذلك، حتى مع هذه الأدوات الجديدة، لا تزال هذه الدراسة صعبة الاختراق.

يقدّم وانسبرو تحليلاته للكتاب الإسلامي المقدّس في أربعة أقسام: «الشريعة والوحي»، و«علامات النبوة»، و«أصول اللغة العربية الكلاسيكية»، و«مبادئ التفسير». وهو الإطار الذي يُغرّر بإشارة أولية حول شمولية حجته[10]، التي ينبغي قراءتها على خلفية دراسته الأوسع في مجال الدراسات السامية، ووجهة نظره عن التقاليد الإسلامية الناشئة، كما هو موضح في كتاب «الأواسط الطائفية»؛ واعتماده على الإنجازات في التفسير الإنجيلي منذ القرن التاسع عشر فصاعدًا.

ويُستفتح العمل بدراسة المصحف[11] (نسخة من النصّ القرآني)، حيث يستشكل وانسبرو نشأة المصحف من خلال النظر في النصّ الذي يعتبر الآن «مقدس»، وكذلك يستشكل الاستناد إلى أدبيات التفسير وثيقة الصلة بالموضوع. وحجته في ذلك كثيفة ومعقدة؛ لذا فإن بعض الأمثلة فقط يجب أن تفي بالغرض[12]. ويعتبر تفتيت أحداث الكتاب المقدس اليهودي-المسيحي في القرآن مؤشرًا على الإلمام بتلك التقاليد، بحيث تعتبر الإحالات الموجزة كافية هنا. ويدعم وانسبرو هذا الأمر بالإشارة إلى الأدبيات التفسيرية اللاحقة، حيث يكون هيكل السرد كما كان «قراءة في النص». بعد ذلك يتساءل: لماذا لم يتم التشكيك أبدًا في «أسباب النزول» (أسباب النزول {في مقطع محدّد}) وفقًا للتسلسل الزمني[13]، بما أن الفحص المتعلق بالنصّ من الداخل والشروح اللاحقة له كلاهما يُعطيان أسبابًا منطقية لفعل ذلك -وفقًا لوجهة نظره-. وأخيرًا، فإن حقيقة أن نصوص الشريعة قبل القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي لا تشير بوضوح إلى القرآن كمصدر قانوني للتشريع؛ تسمح لـ"وانسبرو" دون عناء باستنتاج أنه ربما لم يكن هناك نصٌّ تشريعيّ قبل ذلك الوقت.

ولإقامة صلة بين عملية صياغة السُّنّة وعملية جمع وتدوين القرآن التي تتم في نفس الآن؛ يشرع وانسبرو بدراسة لطبيعة النبوة، يتناول فيها العلاقة المعقدة بين“ الوحي والإلهام، اللذَيْن يُعتبران مترادفين في الأعراف الإسلامية، ويجادل بأن الأول يفترض في الواقع توسط رسول من نوع ما. وبعد القيام بجولة في الأصول الشرقية لعلم النبوة الإسلامي، والإعجاز في القرآن، والذي يرتبط به ارتباطًا وثيقًا حقلُ الألغام العقائدي «خَلْق القرآن مقابل أبديته»[14]، يعود المؤلف إلى الدراسة النصيّة في حدّ ذاتها؛ لأن المُفسرين المسلمين (ماسورتيون[15]/masoretes في رهان وانسبرو) «كانوا فوق كلّ النحاة» (ص 84).

كما يعتبر الجزء الخاصّ بالعربية الكلاسيكية تحديًا خاصًّا بالنسبة لغير المتخصصين في علم اللسانيّات؛ لأنه يفترض -وهو أمر عادي بالنسبة لأستاذ في الدراسات السامية- قدرًا كبيرًا من الإلمام بالفلسفة السامية بشكلٍ عامّ. ونظرًا للأسبقية العلمية للألمان في هذا المجال؛ فإن وانسبرو يتكئ على كلٍّ مِن: ثيودور نولدكه[16]، هانز يورجن بيكر، هانز فير[17]، أنطون شبيتلر[18] وولفدريتش فيشر، حيث إنّ النصّ مليء بالتعبيرات التقنية المتجذرة في فقه اللغة الألمانية، بصرف النظر عن «القواعد التوتونية» التي لاحظها همفريز، وقد يشكّل هذا عقبة إضافية أمام العديد من القرّاء.

فيما يدرس النصف الثاني من الدراسات القرآنية أدبيات تفسير القرآن، التي -كما يذكر وانسبرو في المقدمة- «بالكاد يمكن وصفها بأنها مُتشابهة» (ص 119). ومن أجل الحصول على مؤشّر على هذا التنوع يقترح وانسبرو نهجًا تجريبيًّا يكمن في الاعتماد على أنواع مختلفة من قواعد التفسير التي طبقت على الكتاب المقدّس المسيحي/اليهودي. وأعتقد أنه ليس من المبالغة أن نفترض أن اعتماد وانسبرو، في ظلّ العداء -ليس فقط من الناحية الدينية، ولكن أيضًا من الناحية السياسية تاريخيًّا- بين التقاليد التوحيدية مِن ناحية ووقْع نقد الاستشراق على مدار خمسة وعشرين عامًا من الناحية الأخرى، على هذه الطُرق الأسلوبية والوظيفية للتفسير (المعروفة تحت أسماء غامضة مثل «الهلاخاية/[19]Halakhic»، و«الهاجادية/[20]Haggadic»، و«الماسوري/Masoretic»)،قد يكون له أيضًا علاقة بالاستقبال المعادي لهذا الكتاب.

هذا هو الأمر إذًا، فعلى الرغم من حقيقةِ أنّ العديد من المسلمين المتدينين قد يجدون أنفسهم على خلاف مع المقدمات المنطقية التي وقف عليها وانسبرو، إلا أن ما لا يمكن إنكاره هو أن عمله المثير للجدل، الرائد منذ ثلاثة عقود، كان يستند إلى بحث أكاديمي متين راعى فيه وانسبرو ضميره. وفي حين أن استنتاجاته مفتوحة للنقاش، ويجب أن تخضع لمناقشة لا لَبْسَ فيها؛ إلا أن العلماء يدينون لبعضهم بعضًا بنوع من الكياسة/المجاملة المهنية، منفصلة عن صلب الموضوع، عند تحدي وجهات نظر بعضهم بعضًا.

 


 [1] تم نشر هذا المقال في الدورية الأمريكية للعلوم الاجتماعية الإسلامية، (American journal of Islamic social sciences) (AJISSالمجلد 23، رقم 1، نوفمبر 2006.

[2] باستثناء ما تمت الإشارة إليه بكونه عمل المترجمة؛ فإنّ الحواشي والتعريف بالأعلام الواردة في النصّ هي من عمل مسؤولي قسم الترجمات.

[3] باتريشيا كرون (1945م - 2015م)، هي مستشرقة أمريكية من أصل دنماركي، وتعدّ أهم رواد التوجه التنقيحي، وصاحبة أفكار ذائعة الصيت حول تاريخ الإسلام المبكر وتاريخ الإسلام؛ حيث تشكّك في كون القرآن الذي بين أيدينا يعود إلى القرن السابع الميلادي، كما تشكك في كون الإسلام قد نشأ في مكة الحالية، لها عددٌ من الكتب المهمة، على رأسها الكتاب المشار إليه بالأعلى «الهاجرية: صناعة العالم الإسلامي» مع مايكل كوك (1977م)، وهو مترجم للعربية، حيث ترجمه: نبيل فياض بعنوان «الهاجريون»، وصدر عن المركز الأكاديمي للأبحاث، بيروت، 2015م، وكتاب «تجارة مكة» (1987م)، وهو مترجم للعربية أيضًا، حيث ترجمته: آمال محمد الروبي، وصدر عن المركز القومي للترجمة، مصر، 2005م

[4] مايكل كوك (1940م-) مؤرخ أمريكي، بالأساس درس التاريخ والدراسات الشرقية في كينجز كوليدج، كامبريدج، ثم في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن، وهو أستاذ قسم دراسات الشرق الأدنى في جامعة برنستون منذ 2007م، من أهم كتبه بالإضافة لكتابه الشهير مع باتريشيا كرون «الهاجريون»: كتاب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي»، وهو مترجم للعربية، حيث ترجمه: رضوان السيد وخالد السالمي وعمار الجلاصي، وصدر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، في طبعة أولى عام 2009م، وفي طبعة ثانية عام 2013م، كما ترجم مؤخرًا كتابه «أديان قديمة وسياسة حديثة، الخلافة الإسلامية من منظور مقارن»، ترجمه محمد مراس المرزوقي، وصدر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، عام 2017م.

[5] ستيفن همفريز: مؤرخ أمريكي متخصص في تاريخ جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، بروفيسور في جامعة كاليفورنيا، من مؤلفاته: التاريخ الإسلامي؛ إطار للتحقيق، 1988م.

 [6] ليونارد بايندر (1927- 2015) من أشهر العلماء السياسيين الأمريكيين، وهو المدير السابق لمركز دراسات الشرق الأدنى بجامعة كاليفورنيا- لوس أنجلوس (UCLA)، له كتاب شهير بعنوان «الليبرالية الإسلامية، نقد لأيديولوجيا التنمية»، الذي صدر عام 1988م، ثم لم تفتأ الدراسات الإستراتيجية والفكرية الغربية والعربية تهتم به.

[7] أندرو ريبين (1950- 2016م)، هو باحث كندي من أصل بريطاني، ولد في لندن 1950م، واهتمامه الرئيس يتعلق بدراسة الإسلام المبكّر ودراسة تفسير القرآن في العصور الكلاسيكية، له عددٌ من المؤلفات التي قام بتأليفها أو المشاركة في إعدادها، مثل: دليل إلى الإسلام، مع ديفيد إيدي ليونارد ودونالد ليتل ريتشارد، كما حرر كتابًا بعنوان: «مقاربات في تاريخ تفسير القرآن»، الذي صدر عن جامعة أكسفورد عام 1988م، وقد عمل كباحث زميل في معهد الدراسات الإسماعيلية بلندن، منذ عام 2013م، قبل وفاته في 2016م.

[8] ربما ما يقصده الكاتب هنا، هو أن الإسلامي ذا النزعة الحركية يظلّ قليل الاهتمام بالدخول في نقاشات حول مناهج تفسير القرآن الكريم، خصوصًا لو كان الأمر يتعلق بكتاب من مثل كتاب وانسبرو، المعتمد على التطورات الحديثة لمناهج التفسير الإنجيلي، وهذا لكون الانشغال الأساس لمثل هؤلاء هو إيجاد تأويلات عملية تتعلق غالبًا بسياقات عملية أو حتى أيديولوجية وسجالية تبعد عن الاهتمام بمسائل التنظير المنهجي الدقيق، وإنْ كان كلام الكاتب وتعميمه بهذه الصورة لا يخلو من إشكالات.

[9] إشارة إلي قواعد لغات الفرع الجرماني من اللغات الهندو أوروبية.

[10] ربما يشير الكاتب هاهنا إلى ما أشار إليه الكثيرون من وجود ثغرة ظاهرة في كتاب وانسبرو، تتمثل في أن وانسبرو طرح جملةَ موضوعات في  كتابه توحي بغوصه في الأصول الرئيسة للإسلام، والإحاطة ببداياته والركائز التي صدر عنها، وأنه حلّل ذلك تحليلًا وافيًا قبل أن ينتهي إلى فرضياته التي انتهى إليها من الطعن في التاريخ الإسلامي والتشكيك في  طروحاته ومعطياته، إلا أن هذا قد يحمل الكثير من التغرير؛ وذلك لكون العديد من الحجج التي أثارها وانسبرو والفرضيات التي انتهى إليها راجعة لاختيار منظورٍ محدّدٍ في التحليل يطبق مناهج التفسير الإنجيلية حصرًا على القرآن، ويتجاهل تمامًا إمكان حوز القرآن منطقًا خاصًّا في التركيب أو تاريخًا خاصًّا في الجمع، وللتشكيك المبدئي في كون كلّ حديث عن تاريخ القرآن وعن المصحف وعن النبوة يتماشى مع التصورات الإسلامية التقليدية لم يظهر إلا قبل القرن الثالث الهجري، ولإحالة القرآن لكتابٍ تشكّل عبر عشرات السنين من نصوص مسيحية يهودية تخصّ طائفة مسيحية عربية في جزيرة العرب، تطورت لاحقًا لتضفي على نفسها هوية خاصّة هي الإسلام. وقد كانت هذه المسَبَّقَات ضاغطة سلفًا على كتاب وانسبرو وسابقة لتحليلاته، لدرجة أنه -وكما يشير بينام ساديغي فيما ينقل عنه لمبارد- حين واجه وانسبرو الأحاديث والمرويات التي تدحض نظريته بشأن جمع القرآن، ودعواه بأن هذه الآثار والمرويات الواردة في هذا الشأن لم تظهر إلا في القرن الثالث الإسلامي؛ لجأ إلى إعادة كتابة التاريخ بما يتفق مع فرضيته لينفي نسبة هذه المرويات إلى أصحابها، ويثبتها للتلاميذ بدلًا من الشيوخ أو حتى لأجيال لاحقة، ولذا فإن محاولة وانسبرو تقسيم كتابه لهذه الأقسام المعنونة بهذه الموضوعات التي توحي بتحليله للركائز والبدايات الأولى للإسلام، وأن تحليلاته كانت نابعة من غوصه في هذه الموضوعات= يبدو مجرد تغرير. يراجع بخصوص نقل جوزيف لمبارد المشار إليه مقالته: «تفكيك الاستعمار في الدراسات القرآنية»، وهي ضمن المقالات المنشورة في هذا الملف «الاتجاه التنقيحي»،https://goo.gl/NPB1XG .

 [11] الكلمات المكتوبة في نصّ الترجمة بحروف مائلة؛ هي كلمات وردت في النصّ الأصلي منقحرة - والنقحرة تعني نقل حروف الكلمة إلي نظام كتابة آخر- في النص الأصلي، mushaf.

[12] بالطبع يشير الكاتب هنا إلى ما ذكره وانسبرو من أمثلة في كتابه حول الحضور المكرّر والمجزّء للقصص «التوراتي» في القرآن، بالطبع من وجهة نظر وانسبرو؛ حيث لا يرى أنّ هذا القصص هو قصص إلهي مبثوث في الكتب السماوية كلّها، وإنما قصص توراتي شكّل جزءًا من نصوص طائفة مسيحية يهودية في جزيرة العرب كانت الأساس الذي تحول لاحقًا لـ«القرآن».

[13] كلام وانسبرو هنا موجّه بالأساس للمستشرقين التقليديين الذين كانوا يميلون إلى قراءة النصّ القرآني انطلاقًا من تسلسله التاريخي، معتمدين على مرويات أسباب النزول؛ حيث يرى أن الخروج من هذا النمط التحليلي المعتمد عليها يكشف أنّ القرآن -وخصوصًا في جانب تكرار وتجزئة القصص- هو نصّ يصعب أن يكون له كاتب واحد أو حتى لجنة تحرير واحدة في جيل واحد، وأنه نصٌّ ملفقٌ من نتفٍ وأجزاء من نصوص كثيرة غير موحدة تنتمي لأكثر من جيل، وهنا تضغط على وانسبرو كذلك فكرة مقارنة القرآن وعملية «جمعه وتدوينه» بعملية جمع وتقنين النصوص الإنجيلية، والتي تمت لكتب كتبها كتّابٌ مختلفون، فيعتبر بسبب هذا أن حديث المستشرقين التقليدين مثل نولدكه وشفالي عن استثناء القرآن من مثل هذه العملية، وكون عملية جمعه هي عملية مناقضة للسّير المعروف في غيره من الكتب تجعل له استثنائية واضحة في تاريخ الكتب المقدسة= هو حديث غير دقيق يحتاج لإعادة نظر، وهو طلب بإعادة نظر يطلقه وانسبرو، ولا يسنده سوى تصوّره المسبق بضرورة إخضاع القرآن لنفس سيرورة بقية الكتب، حتى لو أثبت التاريخ عكس هذا!

[14] حيث يرى وانسبرو أنّ هاتين الفكرتين «إعجار القرآن» و«أزلية القرآن» هما فكرتان من إنتاج جماعة المؤمنين، غرضهما صيانة مسألة جمع وتدوين القرآن من النقد؛ حتى يستقرّ كمرجعية في حياة الجماعة الناشئة، ولا شك أنّ وانسبرو لا يحلّل هذه القضايا في ذاتها تحليلًا كافيًا كما يُفترض، حيث يظلّ للمسبقات فاعليتها هنا، وحيث التشكيك في التأريخ الإسلامي لعملية جمع القرآن يحيلُ كلّ فكرة لمجرد أداة لتثبيت قدسية النصّ وتعالي عملية جمعه وتدوينه على النقد، مما يجعل تحليلها غير لازم! وهو أمرٌ بعيدٌ عن العِلْمية كما لا يخفى.

[15] نسبة إلى الماسورتية، وهي مخطوطات تُظهر النصّ الماسورتي للعهد القديم. والماسورا تعني اصطلاحًا: التقليد، وهم الكتَبَة الذين أخذوا على عاتقهم تحديد نسخة موحدة للعهد القديم لحسم الخلافات حوله. (إضافة المُترجم) (المصدر: الموسوعة اليهودية).

[16] ثيودور نولدكه (1836 – 1930م)، شيخ المستشرقين الألمان كما يصفه عبد الرحمن بدوي، درس عددًا من اللغات السامية: العربية، والعبرية، والسريانية، وآرامية الكتاب المقدس، ثم درس -وهو طالب في الجامعة- الفارسية والتركية، وفي العشرين من عمره حصل على الدكتوراه عن دراسته حول «تاريخ القرآن»، وهي الدراسة التي قضى عمره في تطويرها، وقد صدر الجزء الأول من «تاريخ القرآن» في 1909م، وعمل عليه مع نولدكه تلميذه شفالي، ثم صدر الجزء الثاني عن تحرير تلميذه فيشر عام 1920م، وصدر الجزء الثالث عام 1937م عبر تحرير تلميذه برجستشر ثم برتزل. كذلك درس نولدكه «المشنا» وتفاسير الكتاب المقدس أثناء عمله معيدًا في جامعة جيتنجن، له إلى جانب كتابه الشهير «تاريخ القرآن» كتب حولاللغات السامية، منها: «في نحو العربية الفصحى»، و«أبحاث عن علم اللغات السامية»، عمل أستاذًا في جامعة كيل ثم جامعة اشتراسبورج، كتابه «تاريخ القرآن» مترجم للعربية، حيث ترجمه: جورج تامر، وصدر عن منشورات الجمل، بيروت، 2008م.

[17] هانز فير (1909- 1981م)، مستشرق ألماني، حصل على أول دكتوراه له عام 1934م من جامعة هلّه حول «خصائص اللغة العربية الفصيحة المعاصرة»، ثم على دكتوراه التأهيل للتدريس من نفس الجامعة عام 1938م، برسالة ترجم فيها الكتاب الخامس والثلاثين من كتاب «إحياء علوم الدين» للغزالي، وقد درَّس في جامعات جربفسفلد، وإيرلنجن، كما عُيِّنَ أستاذَ كرسيّ في الأخيرة عام 1950م، وفي عام 1957م، وحتى وفاته عمل أستاذًا في جامعة مونستر. يشتهر هانز فير بمعجمه «معجم لغة الكتابة العربية في العصر الحاضر»، وقد ظهر أول مرة في 1952م، لكن ظلّ العمل على إنجاز طبعة جديدة لهذا العمل، حتى صدرت عام 1959م، وقد طبع كذلك طبعة إنجليزية بالتعاون مع كراون عام 1961م، وهو معجم مرتب حسب جذور الألفاظ، ويحتفي به عددٌ كبيرٌ من المستشرقين، سواء من الألمان أو من غيرهم، كما أن له بعض المقالات حول اللغة العربية.

[18] أنطون شبيتلر (1910- 2003م)، مستشرق ألماني، هو مختص بفقه اللغات السامية، من أهم أعماله «قاموس للغة العربية الفصحى» مع يورج كريمر، الذي ظهر لأول مرة عام 1959م، وقد انتقل له عدد من المخطوطات القرآنية من خلال أستاذه برجستراسر ومن خلاله إلى إنجيليكا نويفرت؛ حيث تم رَقْمُها ضمن مشروع «كوربس كوارنيكوم»، ومن أجل حديثٍ مفصلٍ بعض الشيء حول شبيتلر وبرجستراسر والمخطوطات القرآنية ومشروع «كوربس كورانيكوم»، انظر: محاضرة ترجمناها في نفس الملف «ملف الاتجاه التنقيحي» لتلميذ شبيتلر: شتيفان فيلد، بعنوان: «تاريخ القرآن، لماذا لا نحرز تقدمًا؟!»، https://goo.gl/uQ6W16 .

[19] نسبة إلى الهلاخاة، وهي مجموع القوانين والتقاليد والإرشادات الدينية الموجب اتباعها لمن يتبع اليهودية. (إضافة المترجم) (المصدر: الموسوعة اليهودية).

[20] نسبة للهاجادا، وكلمة «الهاجادا» تعني السرد أو الرواية، وهي المعتقدات الدينية وقصص الأنبياء المعتبرة كحقائق دينية، لكنها في النهاية نصوص غير قانونية/شرعية مثل المزامير. (إضافة المترجم) (المصدر: الموسوعة اليهودية).

المؤلف

كارول كيرستن-Carool Kersten

باحث هولندي حاصل على درجة الدكتوراه في دراسات الأديان من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية، مهتم بدراسة تاريخ الإسلام، والفكر الإسلامي، وواقع الإسلام في العالم الحديث والمعاصر.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))