قراءة بلاغية وتناصية لسورة الإخلاص

المترجم : عبير عدلي
في هذه الدراسة يقدم ميشيل كويبرس قراءة تناصية لمجموعة السور الأخيرة من القرآن، حيث يقرأ بناءها في ضوء بناء بعض النصوص الكتابية؛ مثل أنشودة النصر في المزامير ونشيد نصر موسى، ويمثّل تفسير لفظة «الصمد» في سورة الإخلاص مركز هذه القراءة، في استخدام مغاير وخاصّ لتقنية التناص يحتاج إلى تسليط الضوء المنهجي عليه.

كما يتضح من خلال كثير من الكتابات الاستشراقية المعاصرة المهتمة بتسييق القرآن في سياق المدونات الدينية السابقة، فقد لعبت الدراسات الأدبية والدراسات الكتابية التي تم تطبيق نتائجها على النصّ القرآني دورًا كبيرًا في لفت النظر إلى تميّز البناء القرآني الخاص لموضوعات وقصص هذه المدونات، وعلى رأسها الدراسة التناصية التي تدرس العلاقات بين النص القرآني وهذه المدونات في سياق الاستعادة وإعادة البناء والتركيب ضمن منظور عقدي وخطابي خاصّ، إلّا أنه وكما يبرز كذلك من خلال هذه الكتابات فإن هذه المناهج تقلّ كفاءتها بصورة كبيرة حين تفتقد التركيب والاشتغال على الوحدات النصية الكبرى، وتقف بدلًا من هذا عند حدّ عقد مقارنات محدودة تتعلّق بوحدات نصيّة صغيرة، فتسقط جرّاء هذا في تخرّصات لتشابهات سطحية بين النصوص لا تستطيع إلقاء الضوء على القيم العقدية الكبرى التي تحكم بناءها.

هذه الدراسة التي بين أيدينا لميشيل كويبرس -رائد تطبيق منهجية التحليل البلاغي السامي على القرآن- تفرض على نفسها تحديًا خاصًّا في توسعة الاشتغال بتقنية التناص الأدبية، حيث تتنقل من وحدات مثل القصة أو مجموعة القصص أو السورة إلى سياق مجموعة من السور، فرغم أن الدراسة تدور بالأساس حول سورة الإخلاص، إلّا أن عملية دراستها تناصيًّا مع العهد القديم ومجموعة من نصوصه يقوم على كونها جزءًا من سياق سُوَري أوسع يمتد لسور سابقة عليها: (المسد، النصر، الكافرون، الكوثر، الماعون، قريش، الفيل)، وإلى السورتين اللاحقتين: (الفلق، والناس)، يستطيع أن يكشف تناصها مع أنشودة النصر في المزامير ونشيد نصر موسى وبركات يعقوب ليوسف. وتمثّل لفظة «الصمد» مركز هذا التناص.

هذه التوسعة التي يقوم بها كويبرس تعني الانتقال بتقنية التناص من كونها؛ تقنية نصية تنشأ عن تفاعل النصوص داخل شبكة نصية تشهد العديد من الانزياحات للقصص والمواضيع والتركيب الكثيف بينها في ضوء رؤية عقدية مركزية، كما تقدّم في تناول جون سي.ريفز لـ( بعض المظاهر شبه الكتابية في قصة هاروت وماروت). أو كونها تقنية تتموضع في سياق السجال اللاهوتي بين مجموعة المخاطبين بالقرآن، كما تقدّم في تناول نويفرت لـ(مريم وعيسى، موازنة الآباء التوراتيين)، وتناول جريفز لـ(الجبل المرفوع واختيار إسرائيل في التلمود والقرآن). أو كونها تقنية تهتم لمركزية القارئ في عملية إنتاج المعنى، كما تقدّم في دراسة نيفين رضا: (طالوت "شاول" في القرآن، وقيام مملكة إسرائيل القديمة)، وكلها تهتم بالبناء القرآني لقصة أو موضوع بعينه مشترك مع الكتاب المقدّس؛ لكونها تقنية تهتم -من وجهة نظره- بعملية تأليف أو جمع القرآن، وتربط هذه العملية باستعادة تناصية لعملية جمع وتأليف أخرى في الكتاب المقدس.

هذه التوسعة تطرح عددًا من التساؤلات ربما أكثر مما تطرحها بقية الاستخدامات؛ أوّلها هي الحالة التي توجد عليها الكتب المقدسة في سياق القرآن، فالكتابات التي تقف عند الوحدات النصية الصغرى -ورغم أن لهذا تأثيره على مدى قدرتها على تجاوز التشابهات السطحية المليئة بالترجمات المتعسفة أحيانًا- تحمل بعض التماسك من خلال افتراض وجود بعض الآيات أو بعض القصص في السياق الليتورجي-التعبدي ليهود ومسيحيي الجزيرة وما حولها، وعبر توسط عدد من اللغات واللهجات والنصوص الشعرية والليتورجية كذلك لتبرر الاشتباك النصي القرآني معها، وتشكيلها من جديد، والسيطرة العقدية والنصية عليها (الهيمنة)، إلّا أن التناص حين يشمل جزءًا أوسع -ومن مدونة مكتوبة ويتعلق بالبناء ذاته وليس فقط المضمون- فإنه يثير تساؤلًا عن حضور هذا النصّ في سياق القرآن وطبيعته والهدف من تناص القرآن معه، خصوصًا حين يصبح هذا التناص لا في سورة بل في بناء مجموعة سور.

وفي هذا السياق تأتي أهمية تعريب هذه المادة[1] -في هذا الملف الذي يدور حول علاقة القرآن بالكتب السابقة عليه في الطرح الغربي- لإبراز خصوصية اشتغالها ودراستها للتناص عن كثير مما هو متبع في الدرس الغربي لذات القضية، وتسليط الضوء على هذا الاشتغال وبيان فرضياته؛ ليكون الملف قد حاول قدر الطاقة إثارة مختلف التوجهات الغربية في دراسة التناص وعلاقات القرآن بالكتب السبقة عليه؛ لتكون هذه التوجهات متاحة للدارسين وميدانًا لعقد البحوث حولها لبيان ما لها وما عليها وكيفية الإفادة منها، والذي يظلّ الغاية الكبيرة المرجوّة من وراء طرح هذه المواد وتعريبها.

 

[1] هذه المادة هي ترجمة لمقالة:
Une lecture rhétorique et intertextuelle de la sourate al-Ikhlāa
والتي نشرت في مجلة معهد الدومينيكان (IDEO, le Caire)ـ 2004.

المؤلف

ميشيل كويبرس-Michel Cuypers

أب بلجيكي، عضو في المعهد الدومينيكي للدراسات الشرقية، ومتخصص في الدراسة الأدبية للنصّ القرآني.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))