ملف الاتجاه التنقيحي على قسم الترجمات
تعقيبات ختامية

عدد المشاهدات : 207
قدّمنا في قسم «ترجمات» خلال الفترة الماضية ملفًّا حول الاتجاه التنقيحي، حيث نشرنا عددًا من الترجمات التي تناولت هذا الاتجاه من جوانب متعددة، كما طرحنا تعريفات بأهم الأعمال المركزيّة فيه، وفي هذا المقال الختامي نسلّط الضوء على الصورة الكلية لهذا الاتجاه، وبعض ملامح اشتغالنا عليه، آملين أن يكون هذا الملف ومواده بداية لإحداث حراك في فضاءات البحث العربي حول هذا الاتجاه، وبداية لدراسات جادّة تتناول هذا الاتجاه بالبحث والدرس.

  أحيانًا يكون لظهور بعض الأفكار والمناهج والنظريات والمذاهب على ساحةِ حقلٍ معرفيّ ما الأثر الكبير في إعادة تشكيل أبعاد هذا الحقل عبر إثارة نقاش بين جنباته يصل حدَّ نقاش المرتكزات الأساسية الفكرية والمنهجية لهذا الحقل، وربما يكون ظهور «الاتجاه التنقيحي» على ساحة الدرس الاستشراقي للقرآن وللإسلام من هذه النوعية من الاتجاهات؛ حيث أدى ظهور هذا الاتجاه لإثارة الأسئلة الأكثر مركزية وجذرية حول التاريخ الإسلامي في الكتابات الغربية وحول المناهج المعتمدة في كتابته والمصادر المعتمد عليها في التأريخ له.

فبتشكيك هذا الاتجاه في الأحقية التاريخية التي تنطوي عليها المصادر الإسلامية في تأريخها للإسلام وللقرآن، واعتبارها مصادر غير موثوقة بسبب تأخرها وبسبب تلبّس كُتّابها بِهَمّ صياغة «تاريخ خلاص»؛ أصبح الدرس الاستشراقي أمام سؤال عن كلّ النتاج الذي راكمه عن هذا التاريخ وموضوعاته، معتمدًا على هذه المصادر، وأصبح أمام سؤال حول المناهج التي ينبغي اعتمادها لكتابة هذا التاريخ، والمصادر المثلى التي ينبغي الاستناد إليها بعد التشكيك الجذري في المصادر الأساسية.

ولو حاولنا تتبع النشأة التاريخية لهذا الاتجاه، نجد أن البداية الحقيقية لبروزه هي كتاب المستشرق الأميركي جون وانسبرو (1928- 2002)، «الدراسات القرآنية، مصادر ومناهج تفسير النصوص المقدسة، 1977»، فهذا الكتاب هو أول كتاب يصل لهذه الدرجة من الجذرية في التعامل مع المصادر التقليدية الإسلامية، وينحو للشكّ الكبير في مصداقيتها التاريخية إجمالًا[1] وتفصيلًا، وينظر لها كما يعبر كـ«تاريخ خلاص» تمت بلورته لاحقًا من قِبَل جماعات متدينة (يهودية/مسيحية) بالأساس مثَّل لها (الإسلام) هوية انفصالية لاحقة التكوين.

هذا التشكيك الجذري في المصادر الإسلامية لم يكن معهودًا في الدراسات الاستشراقية قبل كتاب وانسبرو، فهذه الدراسات السابقة والتي يمكن تقسيمها من خلال نظرتها للمصادر الاسلامية ومصداقيتها ومدى إمكان الاعتماد عليها في بناء سردية حول الإسلام، إلى اتجاهين رئيسين تعبر عنهما المؤرخة التونسية حياة عمامو بـ«المقاربة الوصفية» و«المقاربة النقدية»، لم يصلوا أبدًا لمثل هذا التشكيك،  فإذا كانت «المقاربة الوصفية» وكما يظهر من الدلالة المباشرة للكلمة تميل لوصف التاريخ الإسلامي غالبًا بالاستناد إلى مروياته عن ذاته بتداخل نقدي جزئي يعتمد أحيانًا مرويات تراثية أخرى مما يجعلها بعيدة عن إشكالنا؛ فإن «المقاربة النقدية» والتي ابتدأت بالأساس مع نولدكه وبلاشير وكايتاني وغيرهم، ورغم محاولتها عدم الاستناد إلى مرويات التاريخ الإسلامي -بالذات في السيرة النبوية والحديث-؛ إلا أنها ظلّت تتعامل مع القرآن كمصدر موثوق ومعاصر تمامًا للبعثة المحمدية، بل كان القرآن بهذه المعاصرة والموثوقية هو مصدرها لإعادة بناء التاريخ الإسلامي وسيرة النبي بعيدًا عن مرويات السيرة المتأخرة، وهذا يعني ضمنًا تقبّل جوهر التأريخ الإسلامي لتاريخ القرآن ووقت تدوينه ومراحل تدوينه، بل الواقع هو أن هذا التقبّل من قِبل هذه المقاربة للتأريخ التقليدي الإسلامي يتجاوز المضمون المجمل والجوهري لهذه المرويات ليصل أحيانًا لتفاصيل دقيقة جدًّا من مثل قوائم ترتيب نزول القرآن؛ فرغم أن نولدكه وبلاشير قامَا بتصنيفات خاصّة لترتيب النزول إلا أنها ظلّت قريبة في معظم مساحاتها مما تحكيه المرويات الإسلامية، كلّ هذا يعني أن «المقاربة النقدية» لم تكن تطول التأريخ الإسلامي التقليدي لتاريخ القرآن، كما أنها في قضية السيرة ذاتها لم تتحرّر تمامًا من هذه النصوص بل استندت إليها كثيرًا؛ أحيانًا في شكل انتقائي وأحيانًا في عملية يقودها التفضيل المنهجي، خصوصًا مع تبلور المقاربة النقدية المُعدَّلة مع هشام جعيط.

هذا يجعل التشكيك الجذري الذي حمل لواءه الاتجاه التنقيحي هو بمثابة انعطافة جديدة في تاريخ التعامل الغربي مع الإسلام والقرآن، ولعلّ هذه الانعطافة تجد أفضل تعبير عنها في  هذا -التجاور الدرامي ربما- الذي ضمنه فيلد محاضرته الأولى «تاريخ القرآن، لماذا لا نحرز تقدمًا؟» بين جملة رودي بارت عمدة الاستشراق في التسعينيات وأحد مترجمي القرآن وشارحيه للألمانية: «إنَّ صورة النبي محمد التي رسمها وما زال يرسمها المستشرقون الأوروبيون حتى الآن ترتكز على أسس سليمة، وإذا طالها شيءٌ من التعديل فما هو إلا تفصيل الكلام فيها، ولا يكاد يسفر التفسير الجديد والمنهجي للقرآن عن اكتشافات جديدة ومثيرة». وجملة باتريشيا كرون: «إنّ مشهد التاريخ الإسلامي تعرَّض على مدار أكثر من قرن لريح عاصفة أتت على بنيانه فتركته رُكامًا ورمادًا؛ ليترسب في قوالب فرعية امتزجت بأنقاض ليست من جنسه تذروها الرياح».

وبالرغم من هذه الأهمية الكبيرة لهذا الاتجاه وما أثاره من إشكالات وإكراهات منهجية في ساحة الدرس، وكذلك ما حمَلته أطروحاته من الكثير من النتائج الغريبة التي لم يكن لنا عهد سابق بها حتى في أشد الدرس الغربي تطرفًا، لا سيما حول القرآن وتاريخ كتابته وتدوينه، مِنْ زَعْمِ تأخّر تدوين القرآن إلى القرن الثاني الهجري أو قبل ذلك بقليل، وكذلك ما نجم عنه من مجالات الدرس العديدة التي لم يكن معهودًا توظيفها في الدرس الغربي للقرآن كالأبيغرافيا (علم النقوش) وغيرها، إلا أن المناقشة العربية الإسلامية لهذا الاتجاه ليس لها كبير حضور يشار إليه بَعْدُ[2].

ولعلّ هذا النقص الذي عانيناه بوضوح في ساحة البحث العربي مع ما ينطوي عليه نتاج هذا الاتجاه من أهمية وخطورة علمية هو ما دفعنا لتخصيص الملف الأول على قسم (ترجمات) لهذا الاتجاه، حيث اجتهدنا في طرح عدة ترجمات متتابعة حول هذا الاتجاه.

وحتى تكتمل الفائدة للقراء الكرام من هذه الترجمات التي أعددناها حول الاتجاه التنقيحي فقد قمنا بعدد من الأمور؛ أهمها:

أولًا: التكاملية في عرض الموضوع: فقد حاولنا انتقاء مجموعة من المواد لها تعلّق بهذا الاتجاه من مناح مختلفة وجوانب متعددة بحيث يتحقق لدينا التعريف بهذا الاتجاه بصورة جيدة ومتكاملة تعرض لأهم أفكاره ورؤاه ومنهجياته، وتُلقِي الضوء على كتابات أبرز أعلامه، وأهم المنهجيات التي طرحها للتأريخ لبدايات الإسلام، وكذلك تُبرِز أهم المواقف والرؤى المنهجية حوله الرافضة والمتقبّلة والحذرة:

  • فبعض المواد تُعنى بتلخيص أبعاد هذا الاتجاه بصورة مؤيدة له كـ«ما القرآن؟» لتوبي ليستر.
  • وكذلك يهتم بعضها بعرض الأثر الكبير لهذا الاتجاه على ساحة الدرس الاستشراقي كـ«تاريخ القرآن، لماذا لا نحرز تقدما؟» لشتيفان فيلد، وما خلّفه هذا الاتجاه من إكراهات وإشكالات في ساحات البحث كـ«مقاربة نصّ مؤسّس» لآن سليفي.
  • ومنها ما يُعرّف بأبرز الكتابات فيها كعرضي كتاب «الدراسات القرآنية، مصادر ومناهج تفسير النصوص المقدسة» لوانسبرو، وكتاب «البدايات المبهمة، بحث جديد في أصل الإسلام وتاريخه المبكر» لجيرالد هوتنج.
  • وبعضها يشتبك نقديًّا -ولو بصورة غير مباشرة- مع بعض أحكامها حول تاريخ تدوين القرآن، مثل مقالة ديروش «ضبط الكتابة، حول بعض خصائص مصاحف الفترة الأموية».
  • ومنها ما تكفّل بمحاولة الوصول للأسس الأبستمولوجية الأعمق لهذا الاتجاه في البناء المعرفي الغربي المبطن للدرس الاستشراقي كـ«تفكيك الاستعمار في الدراسات القرآنية» لجوزيف لمبارد.
  • وبعضها قام بعرض النتاج التطبيقي لتشغيل أحد منهجياتها المركزية كـ«قرآن الحجارة» لفريدريك إمبرت.

ومن خلال هذه التكاملية في انتقاء المواد والتي تتناول الاتجاه التنقيحي من أكثر من منزع؛ فإننا نعتقد أننا أسهمنا بصورة جيّدة في تكوين خلفية مناسبة عن هذا الاتجاه وما ينطوي عليه من رؤى وأفكار ومنهجيات، وكذلك عن وضعية هذا الاتجاه في ساحة البحث الغربي والذي هو أحد الأهداف الرئيسة لقسم الترجمات.

ثانيًا: الخدمة العلمية للمواد: وذلك عبر التقديم للمواد بما يبرز قضاياها وتحشيتها تحشية علمية تبرز مساحاتها الرئيسة وتسلط الضوء عليها ليزداد وعي القراء بها، وتناقش بعض أبعادها وأسسها المركزية، كما حرصنا على التعريف بالأعلام والمصطلحات الغريبة...إلخ، وكلّ هذا في سياق تيسير الإفادة من هذه المواد وتذليل الانتفاع بها.

ونحن نأملُ عبر هذا الجهد أن نكون قد قطعنا شوطًا في تكوين الأرضية العلميّة اللازمة لفتح الباب لنقاش عربي حول مرتكزات هذا الاتجاه واشتباك منهجي مع أطروحاته ورؤاه، عبر هذه المواد التي طرحناها حوله وجهود التحشية التي قمنا بها، وإن كان الأمر لا يزال بحاجة إلى جهود أوسع في الترجمات حول هذا الاتجاه والكتابات فيه، لا سيما ترجمة كتابات أعلامه الرئيسة التي أشرنا إلى بعضها قبل. على أنه سيكون لنا نوع اتصال بهذا الاتجاه أيضًا في الملف الثاني الذي نقوم بإعداده للنشر على قسم الترجمات في الأيام القادمة، وهو ملف «تاريخ القرآن»، والذي سنشهد في بعض جوانبه آثارًا لجدالات التنقيحيين بصورة تطبيقية، وهو الأمر الذي من شأنه تكثيف وتعميق التصورات حول هذا الاتجاه ومزيد من التعرف على مقارباته.

 

[1] حيث إنّ ثمة بعض الدارسين الذين يميلون كذلك للشك في المصادر الإسلامية، يظلّ شكهم تفصيليًّا، بحيث لا يستبعدون كون المصادر الإسلامية قادرة إجمالًا على تزويدنا بحقائق تاريخية حول تاريخ الإسلام وتاريخ القرآن؛ من هؤلاء غريغور شولر الذي ننشر له دراسة مترجمة حول هذا في الملف الثاني «تاريخ القرآن»، وهذا الموقف يختلف عن موقف وانسبرو الذي يظهر تشكيكًا إجماليًّا وتفصيليًّا.

[2] غاية ما قد يقع عليه الباحث في الكتابات حول الاتجاه التنقيحي هو كتاب «الاستشراق الأنجلو ساكسوني» لآمنة الجبلاوي، وهو كتاب -وإن كان له اهتمام بالاتجاه التنقيحي في مجمله- تركيزه الرئيس قائم على مناقشة كتاب «الهاجريزم» لكوك وكرون فحسب. ولا شك أن لقلة الترجمات وندرتها حول هذا الاتجاه المعاصر دورًا مؤثرًا في ضعف الدرس العربي لهذا الاتجاه والوعي به؛ حيث إن أهم المؤلفات في هذا الاتجاه لم تترجم بعد ككتاب وانسبرو الذي يعتبر البداية الحقيقية للاتجاه التنقيحي أو كتاب «البدايات المبهمة» الذي حرره كارل أوليج وضم عددًا مهمًّا من أطروحات وبحوث هذا الاتجاه، بينما اقتصرت الترجمة على تعريب كتاب «الهاجريون» لا أكثر.

المؤلف

مسئولو قسم الترجمات بموقع المركز

مسئولو قسم الترجمات بموقع مركز تفسير للدراسات القرآنية

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))