الملف الأول على قسم الترجمات: الاتجاه التنقيحي وأثره في الدرس الاستشراقي للقرآن الكريم وعلومه... مدخل تعريفي بالملف

عدد المشاهدات : 1020
يتناول الملف الأول لقسم الترجمات موضوع الاتجاه التنقيحي وأثره على الدرس الاستشراقي المعاصر للقرآن الكريم وعلومه، وتأتي هذه المقالة بمثابة تقدمة لهذا الملف توضّح أهم أسباب تعرضنا له، وأبرز الترجمات التي سيتضمنها، وجوانب الإضافة التي تحملها كلّ مادة في إثرائه.

   في بداية انطلاق هذا القسم، وسيرًا على ما قررناه من اتباع طريقة «النشر الموضوعاتي» قدر الوسع[1]؛ اخترنا أن يكون الموضوع الرئيس للنشر في الشهور الأولى من انطلاق قسم «الترجمات» هو موضوع «الاتجاه التنقيحي وأثره في الدرس الاستشراقي للقرآن الكريم وعلومه».

و«الاتجاه التنقيحي» أو «الجِذْري» هو الاتجاه الذي ينزع في بنائه سردية عن «تاريخ الإسلام المبكر» و«تاريخ القرآن» إلى إقصاء كلِّ المصادر التاريخية الإسلامية حول نشأة الإسلام وحول القرآن، باعتبارها مصادر غير موثوقة، ولا تحمل أيّة أحقيّة تاريخية تمكننا من استخدامها في معرفة أيّ معلومات حول «الإسلام المبكر»، ويعتمدون في بنائهم هذه السرديّة على مصادر غير عربية أو على النقوش الأثرية حصرًا.

ولا شك أنّ ظهور هذا الاتجاه الجديد أثّر على ساحة الدرس الاستشراقي المعاصر للقرآن الكريم وعلومه، والتي عرفت على إثره مركزية بعض الإشكالات والقضايا، مثل: مسألة التشكيك في صحة النسخة الموجودة بين أيدينا من القرآن، والتشكيك في وقت تدوينها، ومدى الثقة في المرويات التاريخية الإسلامية حول تاريخ الإسلام وتاريخ القرآن، بل ووجود النبي -صلى الله عليم وسلم- من الأصل، وهي الإشكالات والقضايا التي لم تكن فيما قبل موضعًا لتشكيك جذري من قِبَل المستشرقين المعتبرين.

 وقد جعل هذا المنعطف من النقاش حول هذه الأسئلة والإشكالات والقضايا، وكذا حَوْل مدى الكفاءة المنهجية للاقتصار على الأدلة الأركيولوجية الأثرية في تكوين معرفة بتاريخ الإسلام؛ جزءًا من اهتمامات كلّ كاتب غربي معاصر حول القرآن الكريم ودراساته.

وجدير بالنظر أن هذا الاتجاه -وإن نال شهرة كبيرةً مؤخرًا على الصعيد الغربي والعربي-، إلا أن القارئ المتتبع يمكنه أن يلمس بوضوح أنه رغم شهرة روّاد هذا الاتجاه وأطروحاته منذ بروزه «وانسبرو، باتريشا كرون، مايكل كوك، يهودا دي نيفو»، إلا أنه -وحتى في السياق الغربي الذي وُلِدَ فيه- لا يحظى بالتقدير المنهجي الكبيرِ كما يتصور البعض أو يحاول أن يُصوِّر، كما لا يُنْظَر إليه كنهاية للتقدم العلمي في دراسة القرآن وتاريخه وتاريخ الإسلام كما يتصور البعض أو يحاول أن يُصوِّر، بل يرى فيه بعضُ كبار المستشرقين والمؤرِّخين تشككًا مجانيًّا وانفلاتًا من المنهجية الصارمة يفتح الأفق لفرضيات «مُشْكِلَة» وحتى «نظريات وهمية»!

ومن هاهنا أحببنا البدء بهذا الملف في انطلاقة قسم الترجمات؛ حيث إن الوعي بهذا الاتجاه وبما يثيره من إشكالات وقضايا معرفية ومنهجية شديدة المركزية يجعله نافذة ينفذ منها القُرّاء إلى قلب الدرس الاستشراقي المعاصر ومواقفه المتنوّعة تجاه أكثر القضايا أهمية.

 وحرصًا على تكوين قاعدة معرفية متكاملة إلى حدٍّ كبيرٍ بهذا الاتجاه وما أثاره من إشكالات وما أثير حوله من جدل فسيجد قارئنا الكريم ضمن المواد المنشورة في هذه الشهور الأولى مواد تتناول هذا الاتجاه وما يثيره من أسئلة وإشكالات في واقع الدرس المعاصر بالتلخيص والعرض، وحتى الترويج لأطروحاته مثل مادة: «ما القرآن؟» لتوبي ليستر، ومواد تُوضِّح بشكلٍ عملي بعض المناهج التي أثارها الاتجاه التنقيحي كـ(الإبيغرافيا-علم دراسة النقوش)، مثل مادة «قرآن الحجارة، إحصائيات نقوشية، وتحليلات أولية»، لفريدريك إمبرت، ومواد أخرى تستشكل بعض منطلقاته ومنهجياته، وتتسائل عن أثره في دراسات القرآن في الغرب وعن آفاقه، مثل مادة «تاريخ القرآن، لماذا لا نحرز تقدمًا؟» لشتيفان فيلد، ومواد تُمثِّل نقدًا غير مباشر لطروحات ومنهجيات هذا الاتجاه، مثل مادة «ضبط الكتابة؛ حول بعض خصائص مصاحف الفترة الأموية»، لفرنسوا ديروش، ومواد تستحضر تلك الإشكالات التي أثارها هذا الاتجاه كجزء من انشغالات كلّ باحث غربي معاصر يقارب القرآن كـ«مقاربة نصّ مؤسس، الإشكالات- الحلول- الحدود انطلاقًا من دراسة القرآن»، لآن سيلفي،  كذا مواد تتناول الأسس العميقة الثاوية في النظام المعرفي الغربي المُشكِّل للبناء الفكري للتنقيحيين وغيرهم من المستشرقين ولتعاملهم مع المدونات التاريخية الإسلامية كـ «تفكيك الاستعمار في الدراسات القرآنية» لجوزيف لمبارد.

كما أنه سيتزامن مع نشر هذه الترجمات طرح ترجمات أخرى تُلقي مزيدًا من الضوء على رموز الاتجاه التنقيحي وأهم مؤلفاتهم وكتاباتهم، وكذا تقدّم قراءات عميقة لأهم الكتابات والبحوث في هذا الاتجاه وتقويم لنتائجها ومناهجها حتى يتكامل النظر حول هذا الاتجاه ويزداد عمقا.

ونحن نجري هنا في نشر هذه المواد على نفس القواعد التي أرسيناها قبْلُ[2]؛ حيث نقدم كلّ ترجمة بمقدمة توضّح أهمية المادة وتلقي ضوءًا على فكرتها المركزية، ونضمّنها حواشي مُعرِّفة بالأعلام والمذاهب والكتب الواردة في النصوص، وخصوصًا ذات الصلة بالقرآن الكريم وعلومه، كما سيجد قارئنا الكريم عددًا من التعليقات على بعض الآراء التي وجدنا فيها إغراقًا في البُعد عن العلمية، كذلك سيجد قارئنا الكريم مقالات تدور حول بعض هذه المواد المنشورة؛ لتوسعة إطار النقاش حولها بما لا تسمح به الهوامش والتعليقات.

وقد حاولنا تنويع المواد؛ حيث ننشر في هذا الموضوع لكتّاب فرنسيين وألمان وأمريكيين، ينتمون لمستويات مختلفة، منها الأكاديمي، ومنها الصحفي، كذلك تتنوع المواد ما بين المقالات والدراسات والمحاضرات المتبوعة بالأسئلة؛ حتى يكون التناول شاملًا لمعظم المستويات والمساحات.

إنّ تناولَ «الاتجاه التنقيحي» أو «الجذري» -من وجهة نظرنا المتواضعة- وفقًا لهذه الصورة التي أسلفنا لخليقٌ بأن يُسهم إسهامًا جادًّا في توفير الاطلاع الجيد على هذا الاتجاه ورموزه وخارطة الكتابة فيه، والإلمام بالمنطلقات المنهجيّة التي يصدر عنها وطبيعة الإشكالات المركزية التي أثيرت حوله...إلخ، مما يمثل أرضية لازمة لحسن التعاطي والمناقشة العلمية الجادة والعميقة لهذا الاتجاه وما يطرحه من نتائج وأفكار ومناهج، وهو الهدف الذي نأمله ونتغيّاه من وراء قسم الترجمات على هذا الموقع.

 

[1] يراجع على القسم هنا مقالة: «قسم الترجمات؛ الدوافع، الأهداف، الآليات، الإشكالات».

[2] ينظر مقالة: «قسم الترجمات؛ الدوافع، الأهداف، الآليات، الإشكالات».

المؤلف

مسئولو قسم الترجمات بموقع المركز

مسئولو قسم الترجمات بموقع مركز تفسير للدراسات القرآنية

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))