الآداب الشرعية في القرآن
"الدِّسقوليَّة" كنقطة انطلاق
هولغر زلنتين

المترجم : هند مسعد
من ضمن المساحات المهمّة التي يدرسها الباحثون المعاصرون أصحاب الاهتمام بتسييق القرآن في سياق الكتب السابقة عليه، هي مساحة التراث ما بعد الكتابي "كتب ما بعد العهدين"، ويعدّ كتاب هولغر زلنتين الذي يبحث العلاقة بين القرآن و"الدِّسقوليَّة" من أهم الكتب الحديثة في هذا السياق، يقدّم البدوي عرضًا لأفكار هذا الكتاب موضحًا أهم ملامح اشتغال زلنتين فيه.

عرض كتاب

«الآداب الشرعيّة في القرآن: "الدِّسقوليَّة" كنقطة انطلاق»

هولغر زلنتين[1]

  هل يعود أصل الشرائع والشعائر الإسلامية إلى مجتمع يهودي-مسيحي قديم واحد؟ يعالج هولغر زلنتين هذا السؤال المهم والمثير للجدل في آنٍ، بالرغم من المناقشات الطويلة التي دارت حوله سابقًا، بشكلٍ تحليلي في كتابه: «الآداب الشرعية في القرآن: الديدسكاليا كنقطة انطلاق | The Qur'an’s Legal Culture: The Didascalia Apostolorum as a Point of Departure».

على الرغم من أنها تُشَكِّل خُمس القرآن فقط، إلّا أنّ الشرائع القرآنية تُصَوِّر وتصوغ العالمَ منذ نشأة القرآن حتى اليوم. ولعدّة قرون، انكبّ الفقهاء المسلمون على الفقرات التشريعية لصياغة بنية الأحكام التي ستُعرف لاحقًا باسم الشريعة، وقد استكشف الباحثون المُحدَثون أحكام النصّ في سياق العصور القديمة المتأخّرة (القرنين الثاني والسابع الميلادي). فالطيب من الطعام وفقًا للنصّ القرآني، وأحكام الطهارة، وسَنّ القواعد المُنظِّمَة للمجتمع الديني الجديد إلى جانب اليهودية الحاخامية والمسيحية الكنسية -موجودة غالبًا فيما يسمى بالسّور المدنيّة- تُقَدّم رؤى استثنائية وقيّمة عن مجتمع القرن السابع الذي تبلور حول القرآن.

وفكُّ شفرة أَتْبَاع القرآن بدقّة يعني أن يكون لديك فهم قوي للغة النصّ، وهو أمرٌ صعب. وقد أقامت الكثيرُ من المنح الدراسية الحديثة روابطَ قويّة بين لغة القرآن العربية الفصيحة والمُعْضِلة في بعض الأحيان من ناحية، والأدب السرياني المسيحي المتأخّر من الناحية الأخرى؛ فقد كانت السريانية هي اللهجة المحلية لمتحدثي اللغة الآراميّة من المسيحيين، وقد استخدموها في كنائسهم في الشرق الأوسط، لكن الآرامية كانت لغة رسمية مشتركة في المنطقة ككلّ حتى تم إحلال العربية محلّها في القرن السابع. فهل تستطيع الأعمال الأدبية الضخمة للكنائس الناطقة باللغة السريانية والمؤمنون بها إلقاء الضوء على شرائع القرآن وعلاقتها بالممارسات الشرعية اليهودية والمسيحية السابقة لها؟ أم إن علينا طرح هذا السؤال بشكلٍ مختلف، كما يفعل زلنتين[2] في كتابه: هل يتشارك القرآن والدسقولية[3] الأحكام الشرعية؟ يُجادل زلنتين بشكلٍ قوي أنهما يتشاركان.

يمكن أن تكون المناورة خلال هذا الموضوع معقّدة حتى بالنسبة للباحثين المخضرمين؛ لذا فإنّ المعرفة الأساسية بالآداب الشرعية القديمة المتأخرة للمسيحية-اليهودية وللقرآن أمرٌ لا بدّ منه لفهم ما يحاجج عنه المؤلف. تتكوّن الآداب الشرعية للقرآن من (أحكامه ورواياته التشريعية) مفهومة في إطار (التقاليد اليهودية والمسيحية على نطاق واسع)، وخاصّة الإطار الشرعي للدسقولية، وتُعَدّ تلك الآداب نقطة انطلاق للشريعة القرآنية حيث تُخَفّف أو تُشَدّد تلك الأخيرة من الأحكام المنصوص عليها في الدسقولية. (ينحرف) زلنتين أيضًا عن هذا الحوار النصّي الاستثنائي من خلال تضمين عظات كليمنتين، فئة من الأدب القديم المتأخر، والمرتبط أحيانًا بالجماعات اليهودية المسيحية، (من أجل تأكيد تاريخية ممارسة المؤمنين اليهود في وسط الدسقولية). أمّا الدسقولية نفسها فهي نظام كنسي قديم (دليل تشريعي للقادة المسيحيين) ظهر في سوريا في القرن الثالث، ونشرت ترجمته السريانية في القرنين الخامس والسابع، ربما في شبه جزيرة العرب.

ويلاحظ زلنتين أنّ الأحكام الموجودة في الدسقولية تتشابه مع الممارسات الأخلاقية والشرعية اليهودية المسيحية المُبْطَلة في القرآن: (لا يكاد يوجد أيّ قواعد شرعية مشتركة حصريًّا بين القرآن والدسقولية؛ ولكن بخلاف الدسقولية، قد لا يكون هناك وثيقة أخرى -بعد- كتابية يشترك معها القرآن في الكثير من آدابه الشرعية).

ثلاثة من أركان الإسلام -الزكاة والصلاة والصوم- تلعب دورًا أساسيًّا في العلاقة بين القرآن والدسقولية. فيما يتعلّق بالدسقولية، يجب أن تُفهم الآية 14 من السورة 5: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}[سورة المائدة: 14]، المؤسّسة للصيام على أنه «ميثاق» بأنها عودة إلى تقليد (المسيحيين اليهوديين/ النصارى)، والذي خالفه المسيحيون «اللاحقون» في العهد الجديد. ويمكن للمرء أن يستوعب من هذا الدليل وغيره من الأدلة التي ساقها المؤلّف أن سور القرآن المدنيّة تتوسع في=وتطبّق (القائمة الدسقولية للوصايا الشرعية والأخلاقية).

ونجد أنّ باكورة التعاليم الإسلامية المتعلّقة بالزواج والغذاء موجودة وسط الممارسات الشرعية المشتركة بين الدسقولية وعظات كليمنتين والقرآن. وتشترك هذه النصوص في إطار واحد من الأدوات التشريعية فيما يتعلّق بالمسائل التي تركّز على الطهارة الزوجية والغذائية؛ ويُفرّق زلنتين -بالأدلة غالبًا ولكن في بعض الأحيان في صمت- بين ممارسات أتباع كلّ نصّ، كما يُميّز بين أتباع الدسقولية (المؤمنين المسيحيين) وأتباعها من (الجماعة اليهودية المسيحية)[4]. كما تم توضيح العلاقة المربكة بين الطهارة من ناحية والأتباع من الناحية الأخرى بعناية.

الآداب الشرعية المشتركة بين القرآن والدسقولية، لا تتوقف عند حدّ تشابه المفردات، بل تمضي أعمق إلى الروايات حول الشريعة، أي: كيف يتم مراكمة الأحكام وإلغاؤها؟ فقراءة دقيقة لكِلا النصّين، تبرز أنّ ثمة مجموعتين من القوانين حُفِظَا عبر اليهود؛ الأولى: هي القانون الذي أعطاه اللهُ لموسى فوق جبل سيناء. والثانية: هي هذه التي سنَّها اللهُ كعقاب لهم على عصيانهم الذي بدأ بعبادة العجل الذهبي ثم الآثام اللاحقة المتتابعة، والتي تشمل سفك الدماء وإخراج الأنبياء وقتلهم؛ [سورة البقرة: 61، 85]، و[سورة المائدة: 153-160]، والدسقولية (26: 1،243- 246،9)، هذه المجموعة الثانية من القوانين تركّز على قوانين الغذاء، تلك التي أبطلها المسيح كما هو مشار إليه في كلٍّ من القرآن والدسقولية.

ويقدِّم زلنتين عدّة آراء جديدة وجريئة وثاقبة؛ حيث يقدم كلًّا من محمد ويسوع -أي: يسوع الذي يشترك فيه القرآن والدسقولية- كمشرِّعَيْن لأهل الكتاب والأُمّيين على التوالي، خاصّة فيما يتعلّق بالحلال من الطعام. (كانت الحكمة البحثية التقليدية تقارن بين محمد وموسى كمشرعَيْن وبانِـيَيْ أُمّةٍ)، علاوة على ذلك، عادةً ما يُفهم بنو إسرائيل في القرآن على أنهم الكنيسة. في هذا السياق، (فإنّ ثالوث النصوص) «الدسقولية وعظات كليمنتين والقرآن» يتفقون تمامًا مع مفهوم «الأمة الوسط» القرآني [س 2: 143]، والذي يؤكّده القرآن نفسه في [س 5: 48]، (إنه تأكيد لما جاء قبله من الكتاب). علاوة على ذلك، فإنّ «الأمّة القائمة من أهل الكتاب» كما جاء في [س 3: 113]، عرفوا على أنهم المسيحيون اليهود من الدسقولية؛ وتُعتبر شعائرهم الدينية من قِبَل المؤلف بمثابة (إسلام أوّلي). ويقف القرآن (بين المسيحية واليهودية الحاخامية)، حيث يتوافق انتقاده للرهبانية مع انتقاد الدسقولية للأسقفية.

تحليل زلنتين فنّي واستخدامه للأدلة دقيق، ويشتبك عمله بمهارة مع كلٍّ من الأدب الأساسي والثانوي، ومن بين ما اشتبك معه عمل سيدني غريفيث البارز[5] الذي يعارض النظر في القرآن بعين (يهودية مسيحية). وقد كان هناك سبب وجيه لوجهة نظر غريفيث، لكن زلنتين يتوخّى الحذر ويبتعد عن رسم العلاقات التبسيطية بين القرآن والمسيحية اليهودية؛ والتي عانت منها الدراسات السابقة. علاوة على ذلك، من خلال إجراء هذه المناقشة في الإطار المنهجي (للآداب الشرعية)، يمنح زلنتين المناقشة الرصانة والتعقيد اللذَيْن تستحقهما.

ومع ذلك، فإنّ هذا التعقيد هو الذي قد يترك بعض القرّاء في نهاية هذا الكتاب لا يزالون يبحثون عن إجابات أوضح. فما هي العلاقة بالضبط بين القرآن من جهة والدسقولية وعظات كليمنتين من جهة أخرى؟ وهل يمكن تحديد هذا الاتصال في المكان والزمان؟ هل يمكننا الوقوف على أيّ فاعلين أو أشخاص أو أحداث تاريخية لعبت دورًا في تشكيل القرآن؟ وفي حين عرضت بعض الدراسات السابقة إجابات متسرعة وبالتالي غير دقيقة لهذه الأسئلة المعقّدة لا محالة، فإنّ عمل زلنتين يقدّم لنا أساسًا متينًا لاستكشاف مثل هذه الأسئلة بدقّة ومنهجيّة. وعوضًا عن رسم علاقات خطيّة أو سببيّة، يجادل زلنتين بشكلٍ مقنع بأن القرآن والدسقولية يشتركان في أحكام شرعية.

ومع ذلك، فإنّ اتباع نطاق هذا المفهوم العالمي يكون أمرًا مربكًا في بعض الأحيان. حيث من المتوقع أن يتفاوض القارئ مع الوجود المتزامن لـ(الآداب الكتابية) و(الآداب الشرعيّة الإسلامية) و(الأحكام الشرعية اليهودية المسيحية). مثل هذه التساؤلات قد تكون موجودة كذلك عند محاولة فهم العلاقة بين ما هو (اليهودي المسيحي) وما هو (الأممي)، مفهوم (النقاش المسيحي اليهودي - اليهودي المسيحي)، والتمييز الواضح بين (أهل الكتاب) في القرآن و(أهل الإنجيل)، أو متابعة الطبيعة الظرفية لبعض ادعاءات المؤلف.

إنّ الطبيعة الإشكالية لهذه التفاصيل لا تمثّل عائقًا ولكنها بالعكس تشير إلى واحدة من أكبر نقاط القوة في هذا العمل؛ فطوال تحليله، يؤكّد زلنتين أن التصنيف الديني الصارم غير واضح عند النظر إلى الدسقولية، وأن المصطلحات (المسيحية اليهودية) التي تستهلكها البيئة الأكاديمية هي (أداة علميّة تم ابتكارها). وعلى الرغم من أن عمله صلب إلى حدّ كبير فيما يتعلّق بـ(الآداب الشرعيّة المشتركة) للقرآن مع عظات الدسقولية وكليمنتين، إلّا أنه يترك -كما أعتقد- مجالًا لمفاهيم أوسع للقرآن بين اليهودية والمسيحية، بين الكتاب المقدّس وما تلاه من نصوص كتابية مثل الوصايا العشر، سفر أعمال الرسل، المرسوم الرسولي، وغيرها. وعليه، فإن كتاب (الآداب الشرعية في القرآن) نصٌّ أنيقٌ ومثيرٌ حول موضوعٍ كثيفٍ ومعقّد للغاية، ويربط فيه زلنتين أحكام القرآن بالعادات اليهودية والنصوص المسيحية، ومن خلال ذلك، يسمح للقارئ بفهم القرآن في سياقه النصّي عوضًا عن المصطلحات السياسية، وتحديد موقع النصّ في محيطه بدلًا من محيط الحضارة الغربية.

 

[1] عنون الكاتب مقالته لعرض الكتاب بـ(الأصول القديمة للشرائع القرآنية)، (قسم الترجمات).

[2] هولغر زلنتين: أستاذ بقسم اللاهوت والدراسات الدينية جامعة توتنغهام، تتركّز اهتماماته في التلمود والقرآن والعلاقة بينهما. (قسم الترجمات).

[3] الديدسكاليا أو الدسقولية، هي رسالة تشريعية مسيحية، تمثّل أهم مصدر تشريعي بعد الكتاب المقدّس عند الكنائس التقليدية، وهي كتاب ينقسم إلى قسمين؛ الأول: يشمل شروح وعظات على الكتاب المقدّس. أمّا الثاني: فيشمل أبواب التشريعات الخاصّة بالزواج والطلاق والميراث والبيع والليتورجي والكنسيات وغيرها، تنسب إلى تلاميذ المسيح الاثني عشر، في حين يثبت النقد الداخلي لها أنها كُتبت بعد قوانين الرسل، وبعد موت يعقوب البار أسقف كنيسة أورشليم. والدسقولية مترجمة للعربية، ترجمها وليم سليمان قلادة، غير أنّ النصّ العربي به اختلاف في ترتيبه عن النصّ الإنجليزي الذي اعتمد عليه المؤلف، فتعذّر إثبات مواضع الترجمة العربية لإحالاته. (قسم الترجمات).

[4] الإبيونيون أو اليهود المسيحيون، هم إحدى الطوائف المسيحية في العصور المسيحية الأولى، ورَدَت تعاليمهم في كتابات الآباء الأوائل المنتقدة لهم، مثل: أرويجينوس وترتليان وجيروم وغيرهم، ينفون بنوّة المسيح لله. وفقًا لجيروم ينقسم الإبيونيون إلى قسمين: الناصريين، وهم مَن يؤمنون بميلاد المسيح المعجز. والإبيونيين، وهم لا يؤمنون به. وهم شديدو التمسك بالناموس اليهودي على خلاف القراءات الرمزية/ التيبولوجية له من قِبَل آباء الكنيسة الأوائل. مِن أشهر أناجيلهم إنجيل العبرانيين، ومن ضمن مكوناته عظات كليمنتين التي يذكرها الكاتب لاحقًا، ولهم علاقة بالأسينيين الذي شكّلوا مجتمع قمران المنفصل عن اليهودية بين العهدين. وإنجيل العبرانيين مترجم ضمن الأناجيل المنحولة التي ترجمها إسكندر شديد. (قسم الترجمات).

[5] سيدني غريفيث (1938-)، أستاذ الدراسات المسيحيّة المبكّرة في الجامعة الكاثوليكية الأمريكية، وقد عمل طوال مسيرته كأستاذ زائر في أكثر من جامعة، مثل الجامعة العبرية وجامعة جورج تاون، مهتم بالمسيحية العربية، والرهبانية، والعلاقات المسيحية الإسلامية في العصور الوسطى، من أشهر كتبه في هذا السياق: الكنيسة في ظلّ المسجد، 2008، وهذا الكتاب ترجم بالفعل، حيث ترجمه: هشام شامية، وصدر عن المركز الأكاديمي للأبحاث، كندا، 2018، وكتابه: الكتاب المقدّس العربي، نصّ (أهل الكتاب) المقدّس بلغة الإسلام، 2013. (قسم الترجمات).

المؤلف

عمران البدوي - Emran El-Badawi

باحث من أصل مصري، حاصل على الدكتوراه في لغات وحضارات الشرق الأدنى من جامعة شيكاغو، وهو أستاذ مشارك في دراسات الشرق الأوسط بجامعة هيوستن، وهو المدير التنفيذي المؤسس للجمعية الدولية للدراسات القرآنية IQSA.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))