دراسة نَظْم القرآن
قراءة في المنجز وآفاق الاشتغال، مع طرح فرضية للنَّظْم القرآني

لطالما اعتنى العلماءُ بقضية نظم القرآن، وعدّوها مدخلًا لفهم الإعجاز أو وجهًا من وجوهه، إلا أن هذا لم يُنتج نظرية متكاملة تفسِّر طريقة نظم القرآن، وهذا البحث يسعى في كشف أسباب ذلك، ويسلِّط الضوء على كيفيات تثوير الدّرس لاستكشاف النظم، كما يطرح فرضية تحليلية للنظم القرآني.

  لنظم النصوص والكلام طرائقُ معهودةٌ يجري عليها الكتبة والمصنِّفون، إلا أن الناظر في طريقة نظم القرآن يجدها لم تأتِ جاريةً على هذا المعهود؛ فالقرآن لم يتبع نمطًا خطيًّا ظاهرًا في بناء متنه كما نجده في سائر الكلام يبدأ بمقدمة وتمهيدات، ثم العرض المتدرج لعناصر الموضوع قيد المعالجة، حتى الانتهاء وذكر الخاتمة.

وقد مثَّلَت مخالفةُ القرآن للمعهود من نظم الكلام إحدى الجدليات الشهيرة في التاريخ، حيث تعرَّض النصّ القرآني إبّان فترات متقدِّمة جدًّا من التاريخ الإسلامي لطعن ولمز مِن قِبَل البعض بسبب طريقة نظمه التي لا تجري على المعهود في نسق نظم الكلام، كما درج المستشرقون حديثًا على اتهام القرآن بالتفكُّك في أسلوبه، وبسوء طريقة نظمه وصعوبة قراءته ومتابعة تدرّج مضامينه؛ كونه لا ينتظم نسقًا خطيًّا واضحًا له تدرُّجه وتسلسله في ذِكر القضايا التي يعرض لها ويعالجها.

وإن الناظر في التاريخ الإسلامي يجد أنّ مسألة نظم القرآن حظيت بتطارح موسَّع من العلماء منذ قديم، حيث اعتبرت مدخلًا لفهم الإعجاز ووجهًا من وجوهه، وبرغم هذا الحضور لأمر النظم القرآني في التراث وارتباطه بقضية بالغة الأهمية وهي الإعجاز إلا أنَّ التاريخ خلا بصورة عامّة من طرح نظرية متكاملة تفسِّر لنا كيفية بناء نظم القرآن، والطريقة التي يتركَّب بها متنه، وأسباب مجيئها على هذا النحو المخالف لمعهود نظم الكلام، ولم يقع اشتغال بحثي متتابع بيِّن القسمات وواضح السمات لاستكشاف نظم القرآن وما له من مزايا وخصائص، والعناية بإبراز الطرائق الكلية لتركيب نصِّه وطرح تصورات متكاملة إزاء تلكم المسألة.

ويأتي هذا البحث لمحاولة النظر في تلكم المسألة ودرس سبب عدم بروز اشتغال معرفي لاستكشاف النظم القرآني في التراث الإسلامي، من خلال تقويم طرح عبد القاهر الجرجاني تحديدًا في دراسة النظم، كما يهتم ببيان آفاق الاشتغال العلمي في نظم القرآن، وكيفيات حفز الدرس العربي -لا سيما البلاغي- لدراسته واستكشافه، ويحاول أيضًا استثمار الدرس الغربي المعاصر في استكشاف طرق تركيب النصوص المقدّسة عامة والقرآن خاصّة في طرح فرضية تحليلية لطريقة النظم القرآني؛ للتعريف بهذا الدّرس والإفادة منه في إثراء واقع البحث في نظم القرآن.

المؤلف

خليل محمود اليماني

مدرس مساعد بجامعة الأزهر، شارك في عدد من الأعمال العلمية المنشورة.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))