الاستشراق والاستشراق الإسرائيلي (1-2)

ضيف الحوار : أحمد صلاح البهنسي
يدور هذا الحوار مع د/ أحمد البهنسي المختص بالاستشراق اليهودي (خصوصًا الإسرائيلي)، حول الاستشراق ودراسات القرآن، سواء الاستشراق عامّة أو الإسرائيلي، في هذا الجزء الأول من الحوار يدور الحديث حول: تعريف الاستشراق، ونشأته، وأهدافه، وأهم الفرضيات التي تشكّل بناءه المنهجي.

مقدمة:

  شكَّل القرآن باعتباره النصّ المؤسّس للحضارة الإسلامية أهم مساحات اشتغال الاستشراق على الإسلام، حتى قبل بروز الاستشراق كحقل علمي محدّد المعالم ومستقلّ أكاديميًّا في أواخر القرن الثامن عشر، وتعدّدت مناهج دراسة القرآن ومقاربته وفقًا لاختلاف المدارس والاتجاهات الاستشراقية وتبايُن أهدافها وتنوُّع منهجياتها، ويعدُّ (الاستشراق الإسرائيلي) من مساحات الاستشراق التي ربما لم تُولَ في الدرس العربي الاهتمام الكبير الذي تمَّ إيلاؤه لمساحات أخرى؛ مثل الاستشراق الألماني والفرنسي والأنجلو-ساكسوني.

في هذا الحوار مع الدكتور/ أحمد البهنسي -المختص بالاستشراق اليهودي (خصوصًا الإسرائيلي) بالأساس فيما يتعلق بالقرآن وعلاقته بالتوراة وبترجمات القرآن للعبرية- نحاول أن نلقي الضوء على ظاهرة الاستشراق وأهدافها وسياقات نشأتها ومناهجها، وهذا من خلال الاستفادة من اهتمامه الحثيث بهذه المساحة من الاستشراق غير المطروقة بشكلٍ كبيرٍ.

وقد أتى حوارنا معه في جزأين، وفق أربعة محاور؛ المحور الأول: الاستشراق وتعريفه ونشأته. المحور الثاني: أهم الفرضيات الكامنة في البناء المنهجي الاستشراقي. المحور الثالث: الاستشراق؛ مناهجه واتجاهاته. المحور الرابع: الاستشراق والدرس العربي للقرآن.

في هذا الجزء الأول من الحوار يدور الحديث حول الاستشراق؛ تعريفه، ونشأته، وأهدافه، وكذلك أهم الفرضيات التي تشكّل بناءه المنهجي، ليتواصل حديثنا في الجزء الثاني حول تفاصيل هذا البناء المنهجي وعلاقة الدرس الاستشراقي بالدرس العربي للقرآن.

وفيما يلي نص الحوار:

نص الحوار

المحور الأول: الاستشراق؛ تعريفه، نشأته، أهدافه:

س1: كما تعلمون، وبِحُكْم خبرتكم في دراسة الاستشراق، وتحديدًا (الاستشراق الإسرائيلي)، فإنّ الاستشراق بشكلٍ عامٍّ تتعدّد تعريفاته وتحديداته وتحقيباته وفقًا لمعايير الدارسين والباحثين، أو حتى وفقًا لمنطلق تعريف هذا الحقل المتوزِّع بين عدد من مجالات الدرس. ما نودُّ البدء به هنا مع فضيلتكم، هو تحديدكم الخاصّ لهذا الحقل الناتج عن التعامل الحثيث مع النصوص الاستشراقية.

د/ أحمد البهنسي:

بالفعل هناك إشكالية عميقة تعتري تعريف الاستشراق وتحديد جوهره وطبيعته، وهي نابعة من عدّة عوامل؛ لعلّ أهمها صعوبة تحديد ماهيته من حيث كان (علمًا) أم (ظاهرة) أم (حركة فكرية أو مدرسة فكرية)، وهو ما كان سببًا في عدم وجود منهج علمي واضح ومحدد لدراسته وتحليل ما يطرحه ونقده من جانب الباحثين والدارسين العرب والمسلمين، وبالتالي فإنّ كلّ باحث عرَّفه حسب مفهومه له، أو حسب زاوية المعالجة التي يتناوله منها، فمَن تناوله من الناحية التاريخية وضع له تعريفًا يتلاءم مع علم التاريخ، أمّا مَن درسه من الناحية السياسية فقد وضع له تعريفًا سياسيًّا... وهكذا. وذلك نظرًا لاشتمال (الاستشراق) على عددٍ كبيرٍ من العلوم الإنسانية والاجتماعية: (التاريخ، الجغرافيا، السياسة، الاقتصاد، الاجتماع، الأنثروبولوجي...إلخ).

ولمحاولة الوصول إلى تعريف علمي وموضوعي لمصطلح (الاستشراق) فإنه من الضروري تحليله من الناحيتين اللغوية والتاريخية؛ فبالنسبة لأصله اللغوي فهو يعود لمصدر الفعل (اسْتَشْرَق) أي: اتجه إلى الشرق ولبس زِيَّ أهله، أو «علم الأجانب بحياة الشرق وفنونه ولغاته وآدابه وحضارته وتاريخه»، وأصل الفعل المأخوذ منه هذا المصدر هو (ش.ر.ق) مضافًا إليه حروف (ا.س.ت) التي تفيد الطلب في اللغة العربية؛ سواء المجازي أو الحقيقي.

أما أصول المصطلح التاريخية من حيث ظهوره وشيوعه في الغرب، فتعود إلى نهاية القرن 18م؛ حيث ظهرت في أوروبا لأول مرة لفظة (orientalist) (مستشرق) في إنجلترا عام 1779م، ونفس اللفظة لكن بالفرنسية (orientaliste) في فرنسا عام 1799م، ثم أدرجت لفظة (orientalisme) (الاستشراق) في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام 1838م. ويُلحظ أن هذه اللفظة ظهرت للوجود تزامنًا مع الحملات الاستعمارية الأوروبية على الشرق الإسلامي/العربي لا سيما الحملة الفرنسية على مصر والشام بين عامي 1798-1801م، التي اصطحبت معها كتيبة من العلماء المختصين في علوم الشرق وشؤونه المختلفة، والتي عادت محمّلة بكنوز من المعارف والمخطوطات والآثار الشرقية التي مثَّلَت النواة الأولى لتخصّص (الشرقيات) في الجامعات الأوروبية.

وبناء على ما سبق فمن الممكن تقديم تعريف لـ(الاستشراق) على أنه: «حركة علمية غربية (أوروبية) ظهرت في القرن 18م لدراسة كافة شؤون الشرق: (سياسية- اقتصادية- تاريخية- جغرافية- أنثروبولوجية...) لخدمة الأهداف الاستعمارية الغربية»؛ ففي ظنِّي لا يمكن أن يخرج الاستشراق من حيث نشأته وتعريفه عن كونه يمثل (جناحًا علميًّا للاستعمار الأوروبي للشرق العربي/الإسلامي).

س2: كذلك يختلف الدارسون في تصور أهداف الاستشراق؛ ما بين مَن جعَلها أهدافًا علمية موضوعية تمامًا، وما بين مَن جعَلها أهدافًا سياسية مباشرة. في رأيكم لو أرَدْنا تحديدَ أهداف نشأة الاستشراق وملامح هذه النشأة، وخصوصًا بالنسبة للاستشراق الإسرائيلي، فماذا ستكون؟

د/ أحمد البهنسي:

الاستشراق مثله مثل أيّ حركة علمية أو فكرية تمرّ بمراحل وتغييرات مختلفة وفي كلّ مرحلة تختلف أهدافها، مع ذلك لا يمكن إغفال حقيقة أنّ مرحلة نشأة الاستشراق تمحورت أهدافه خلالها حول تقديم خدمات علمية للحركة الاستعمارية الأوروبية؛ لكونه كان الجناح العلمي لهذه الحركة الاستعمارية، ونشأ تحت مظلتها ورعايتها، ومن المنطقي أن تنصبَّ جُلّ أهدافه لخدمتها.

لكن مع التطوّر التاريخي للاستشراق ومروره بعدّة مراحل وانقسامه إلى عدّة مدارس: (ألمانية، فرنسية، أنجلو-ساكسونية، روسية...)، بدأت تظهر بعض الأهداف الأخرى التي يمكن وصفها بالموضوعية والتي ركزت على الدراسة العلمية لشؤون الشرق، وبرز من بينها -على سبيل المثال- الاستشراق الألماني الذي شُهد له بالموضوعية إلى حدٍّ كبيرٍ لعدّة أسباب لعلّ أهمها أنه لم ينشأ منذ البداية في كنف حركات استعمارية، إضافة إلى طبيعة الشخصية العلمية الألمانية بشكلٍ عامّ التي تتصف بالرصانة وتحري الدقة.

أما فيما يتعلق بالاستشراق الإسرائيلي تحديدًا، فالأمر يختلف عن أيّة مدرسة استشراقية أخرى، فهو استشراق بالأساس نشأ في كنف دولة غاصبة لأرض أخرى، وكيان سياسي محتلّ لأرض شعب آخر، وهذه الدولة وهي إسرائيل ومِن قبلها الحركة الصهيونية التي دعمت وخططت لإقامتها، عملت على توفير كلّ المبررات العلميّة والتاريخية لاحتلال أرض فلسطين التاريخية ونفي الوجود الفلسطيني التاريخي فيها، والتشكيك في أيّ حقّ تاريخي أو ديني للعرب أو للمسلمين في هذه الأرض، وبالتالي لا يمكن فصله -أي: الاستشراق الإسرائيلي- بأيّ حال من الأحوال عن هدف خدمة الأهداف السياسية الإسرائيلية. وليس أدلّ على ذلك من وجودِ (بُعدٍ سياسيٍّ) غالبٍ على معظم المجهودات الاستشراقية الإسرائيلية حتى تلك التي تتعرض لنصوص دينيّة إسلامية (القرآن الكريم، السيرة النبوية الشريفة)؛ إِذْ غالبًا ما توجد بها بعض الإسقاطات أو الأفكار السياسية التي تحاول تبرير الحقّ اليهودي في فلسطين على حساب الحقّ الإسلامي/العربي، وذلك رغم مناقشتها لنصوص دينية بحتة وليست نصوصًا تاريخية أو سياسية أو جغرافية مثلًا، ولعلّ أبرز مثال على ذلك ما وردَ من سقاطات سياسية) في ترجمة المستشرق الإسرائيلي البروفيسور Uri Rubin (أوري روبين) العبرية لمعاني القرآن الكريم التي صدرت في جامعة تل أبيب عام 2005؛ فرغم أنه أستاذ جامعي متخصص في الدراسات القرآنية، وعمله يتعرّض لترجمة نصّ ديني بحت (وهو القرآن الكريم وكان من المأمول أن يكون عمله علميًّا وموضوعيًّا قدر الإمكان، إلا أنه استغلّ كلّ فرصة لعمل إسقاط سياسي يُثبت الحقّ اليهودي في مدينة القدس الشريف، والتشكيك في أنّ منطقة الحرم القدسي هي إسلامية بالأساس، وذلك من خلال تعليقه على عددٍ من الآيات القرآنية في هوامش الترجمة وحواشيها.

 دعوني في هذا الصدد ألفت الانتباه إلى ما ذكره الباحث الفلسطيني الأصل إبراهيم عبد الكريم في كتابه المعنون بـ(الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل)، من أنه «كان لافتًا تزايُدُ الاهتمام الإسرائيلي بشكل قوي بالاستشراق منذ نشأة الدولة أكثر ما كان عليه الأمر حينما كانت فلسطين واقعة تحت الانتداب البريطاني؛ نظرًا لوقوع الدولة الناشئة (إسرائيل) في تشكيل إقليمي عربي-إسلامي تحكمه توجهات دينية وحضارية وتاريخية يجب التعرّف عليها ودراستها وتحليلها تفصيلًا لخدمة هذا الكيان في مواجهاته المختلفة مع محيطه العربي-الإسلامي». وبالتالي فأنا أستطيع أن أؤكد بكلّ ثقة أن الاستشراق الإسرائيلي نشأ بغرض خدمة أهداف سياسية إسرائيلية بحتة.

س3: رغم أن التقاليد الاستشراقية تتشارك الكثيرَ من السمات بحكم طبيعة الحقل والأهداف والمناهج، إلا أننا نستطيع كذلك الحديث عن سمات خاصّة تميّز الاستشراق الألماني عن الفرنسي عن الأنجلو-ساكسوني عن غيرها من التقاليد. بأيّ قدر ينطبق هذا الحديث على الاستشراق الإسرائيلي؟ ولو قرَّبْناه إلى تقليد من التقاليد الاستشراقية، فماذا سيكون هذا التقليد؟

د/ أحمد البهنسي:

بكلّ تأكيد هناك سمات خاصّة بالاستشراق الإسرائيلي، لعلّ أبرزها (غلبة الطابع السياسي)؛ فقد كان لنشأته -كما ذكرنا من قبل- في كنف كيان سياسي بهدف تقديم خدمات علمية له، أكبرُ الأثر في أن تكون معظم اهتماماته وموضوعاته التي تناولها بالدراسة (سياسية)، وحتى الدينية أو اللغوية أو الأدبية أو التاريخية منها، تم استخدامها وتطويعها لخدمة أغراض سياسية، فعلى سبيل المثال كتاب (رحلة إلى الماضي وهو عبارة عن سلسلة كُتُب تاريخية مقرّرة في مادة التاريخ في مرحلتي الابتدائي والثانوي بالتعليم الأساسي في المدارس الإسرائيلية، ويتم تدريسه للطلبة اليهود فقط، من تأليف عدد من المستشرقين الإسرائيليين ومنهم البروفيسورة (ميري الياف فلدون) رئيس الجمعية الإسرائيلية للدراسات التاريخية، جاء في الصفحة 29 في الجزء المقرر على الصف السابع الابتدائي من هذا الكتاب ما نصّه: «إنّ التعاليم التي انطلقَت من شبه الجزيرة العربية (أي: القرآن الكريم)، أوجدَت وأيقظَت قلقًا عميقًا في القلوب، وذلك بعد أن قاد (محمد) حربَ إبادة لجميع الشعوب والقبائل التي لم تتقبل تعاليمه، فأباد قسمًا كبيرًا من اليهود في الجزيرة العربية بأمر من هذه التعاليم».

كما كان لافتًا أن يصرّح المستشرق الإسرائيلي البروفيسور أوري روبين صاحب أحدث ترجمة عبرية لمعاني القرآن الكريم في إحدى مقابلاته الإذاعية حول هذه الترجمة، بأن هناك بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن الجهاد وعن الفتوحات الإسلامية، تعبر عن النهج الفكري والسياسي السائد في العالم الإسلامي في الوقت الحالي والذي يمثله كل من (بن لادن) و(حسن نصر الله)، والذي يتميز بالعنف والوحشية في التعامل مع غير المسلمين، على عكس ما كان سائدًا في فترة العصر الوسيط التي حظي فيها اليهود بالرعاية والأمن في ظلّ الإسلام.

وهناك الكثير من الأمثلة التي يضيق المقام بذكرها، لكنها جميعًا تعكس مدى سيطرة البُعد أو الطابع السياسي على موضوعات الاستشراق الإسرائيلي، والذي يمكن وصفه -أي: الاستشراق الإسرائيلي- بدون أيّة مبالغة، بأنه الذراع العلمي لإسرائيل.

يرتبط بهذه السمة السابقة سمة (ارتباط الاستشراق الإسرائيلي بالمؤسسات السياسية والأمنية والتعليمية الرسمية الإسرائيلية)؛ إِذْ يبدو المستشرقون الإسرائيليون كما لو كانوا (موظفين) بهذه المؤسسات الإسرائيلية، ومن أبرزهم المستشرق الإسرائيلي (يهوشفاط هركابي) الذي يوصف بأنه مفكر إستراتيجي له حضوره على المستويين؛ الإسرائيلي والخارجي، وتستعين به المؤسسات والشخصيات القيادية في إسرائيل في اتخاذ القرارات المصيرية؛ فقد قدَّم استشارات متعددة لبعض الوزارات الإسرائيلية: (الخارجية- التعليم- الدفاع)، ولجنة الخارجية والأمن بالكنيست، كما دعته رئيسة الوزراء (جولدا مائير) قبل وبعد حرب أكتوبر 1973 لاستشارته وتقييم الأوضاع.

يتّسم الاستشراق الإسرائيلي كذلك بسمة (الامتداد والتكرار)، فقد كانت موضوعاته وفرضياته حول الإسلام ومصادره وشؤونه (تكرارًا) لموضوعات وأطروحات كلّ من الاستشراق اليهودي والصهيوني بل والغربي كذلك، وعلى رأسها فرضية (ردّ الإسلام لمصادر يهودية ونصرانية ووثنية)، التي كررها الاستشراق الإسرائيلي بشكلٍ متطابق جدًّا، ولربما هذا ما جعل من الصعب -في بعض الأحيان- التمييز بين كتابات الاستشراق الإسرائيلي وغيرها من كتابات استشراقية يهودية أو صهيونية أو غربية حول نفس الموضوعات، ولما كان الاستشراق الإسرائيلي هو المرحلة الأخيرة من الناحية التاريخية من بين مراحل المدرسة اليهودية في الاستشراق ولاحقًا كذلك بمدارس الاستشراق الغربي كافة، فإنّه يمكن وصفه بأنه مثَّل (الاستمرارية والامتداد) للدَّور الاستشراقي اليهودي/الصهيوني بشكلٍ خاصّ، والدور الاستشراقي الغربي بشكل عامّ.

ونظرًا لأنّ إسرائيل قامت على أكتاف مجموعات من المهاجرين من مشارق الأرض ومغاربها، كانت لغاتهم الأم مختلفة ومتنوعة وليست اللغة العبرية التي هي اللغة الرسمية في إسرائيل، فإن كتابات المستشرقين الإسرائيليين الذين تعود أصولهم لدول أخرى غير إسرائيل اتسمت بـ(التعددية اللغوية)؛ إِذْ إنّ معظم المستشرقين الإسرائيليين يكتبون بالإنجليزية والفرنسية والألمانية إلى جانب العبرية، ومنهم المستشرق (يوسف سادان) أستاذ الأدب العربي الوسيط بجامعة تل أبيب الذي يكتب بالعبرية والفرنسية والإنجليزية، وكذلك المستشرقة (حافا لازاروس يافيه) أستاذة الدراسات الإسلامية بالجامعة العبرية التي تكتب بالإنجليزية والعبرية والألمانية...وغيرهما الكثير.

أما عن تقريب الاستشراق الإسرائيلي لأحد التقاليد الاستشراقية الأخرى، فهو أمر صعب؛ إِذْ إنّ لكلّ مستشرق إسرائيلي أسلوبه ومنهجيته المتأثرة بمدرسة استشراقية غربية بعينها، على سبيل المثال: المستشرق الإسرائيلي يوسف سادان نظرًا لتكوينه العلمي والأكاديمي الذي كان في معظمه فرنسيًّا؛ فإنه تأثر جدًّا بالمدرسة الاستشراقية الفرنسية ويبدو في عددٍ كبيرٍ من كتاباته كما لو كان مستشرقًا فرنسيًّا وليس إسرائيليًّا، أما المستشرق أوري روبين أستاذ الدراسات القرآنية بنفس الجامعة، فإن أسلوبه العلمي الرصين وتحرِّيه الدّقة جعله متأثرًا بالمدرسة الألمانية في الاستشراق إلى حدٍّ كبير إلى جانب احتفاظه بأسلوبه العلمي الخاصّ به.

س4: في تصوركم، هل الاستشراق الإسرائيلي يحظَى بالاهتمام المناسب من الدارسين العرب؟ وإذا لم يكن كذلك، فما السبب في ظنكم؟ وما الذي دفعكم للاهتمام بهذا الجانب من الاستشراق تحديدًا؟

د/ أحمد البهنسي:

بالفعل هناك تقصير في دراسة الاستشراق الإسرائيلي من جانب الدارسين العرب، وفي ظني هو عائد لمجموعة أسباب يمكن حصر أهمها في:

1- وجود إشكالية أساسية في تمييز الاستشراق الإسرائيلي من حيث تاريخه ونشأته وموضوعاته واهتماماته عن الاستشراق اليهودي والصهيوني وكذلك الغربي؛ نظرًا لتداخل موضوعات واهتمامات هذه التقاليد الاستشراقية مع بعضها بعضًا، لا سيما في ظلّ قلّة الدراسات العربية التي تمكنت من وضع حدود فاصلة بينهم، أو قواعد يمكن التمييز على أساسها بين الاستشراق الإسرائيلي وغيره من مراحل المدرسة اليهودية في الاستشراق عامّة أو التقاليد والمدراس الاستشراقية الغربية الأخرى.

2- عدم تقدير الدارسين العرب لأهمية وخطورة الاستشراق الإسرائيلي وتأثيره، والتي تكمن -من وجهة نظري- في أنّ الاستشراق الإسرائيلي يقوم بإعادة تقديم أفكار وصور مغلوطة عن الإسلام ومصادره إلى الغرب؛ نظرًا لاتسام المستشرق الإسرائيلي بالتعدّدية اللغوية فهو لا يكتب بالعبرية محدودة الاستخدام والانتشار فقط، لكن يكتب بلغات أجنبية أوروبية أخرى، ويشارك بأبحاثه في محافل علمية دولية بشكلٍ دوري منتظم ينقل من خلالها أفكاره المغلوطة عن الإسلام والمسلمين، المشبَّعة بأيديولوجية استشراقية إسرائيلية ذات خلفية صهيونية.

3- صعوبة الحصول على دراسات وكتابات استشراقية إسرائيلية لا سيما تلك المكتوبة بـ(العبرية) التي تعدّ اللغة الأساسية للاستشراق الإسرائيلي رغم اتسامه بالتعددية اللغوية كما ذكرنا من قبل، وهذه الصعوبة نابعة من عدم وجود تعاملات وعلاقات علمية أو ثقافية بين إسرائيل والدول العربية ووجود عراقيل أمنية كثيرة تحول دون استقدام كتب أو مراجع استشراقية إسرائيلية، إضافة إلى أن الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) لا تحلّ هذه المشكلة بقدرٍ كبيرٍ؛ فالدوائر الاستشراقية الإسرائيلية تعرف جيدًا احتياج الدارس العربي لهذه الدراسات، ولا تقوم بنشرها كاملة إلكترونيًّا إلا بعد مرور سنوات عدّة على إصدارها، أو لا تنشرها إطلاقًا وتكتفي بنشر نبذات عنها أو صفحات قليلة ومعدودة منها، وربما كان ذلك وراء أنّ معظم الدراسات العربية حول الاستشراق الإسرائيلي تركّزت على نقد الترجمات العبرية لمعاني القرآن الكريم؛ نظرًا لأن الترجمات العبرية الأربع حول القرآن باتت متوفرة ورَقيًّا وبعضها ورقيًّا وإلكترونيًّا، إلا أنه يؤخذ على هذه الدراسات أنها تركّز على نقد الترجمات العبرية للقرآن من الناحية اللغوية واقتراح ترجمة بديلة فقط، مع إهمال نقد الجزء الفكري في هذه الترجمات أو في كتابات استشراقية إسرائيلية أخرى.

4- القلّة النسبية للدارسين العرب المتقنين للعبرية -اللغة الأساسية للاستشراق الإسرائيلي- وما يرتبط بذلك من قلّة الأقسام والمخابر العلمية ومراكز الأبحاث المتخصّصة في الاستشراق بشكل عامّ، والاستشراق الإسرائيلي خاصّة.

أما عن الدوافع التي وقفَت وراء تخصصي في الاستشراق الإسرائيلي تحديدًا فهي كثيرة، نختار منها:

1- أنه منذ التحاقي بالمرحلة الجامعية بتخصّص اللغات الشرقية وآدابها (شعبة اللغة العبرية وآدابها)، استشعرتُ أننا في معركة فكرية وحضارية حقيقية ستكون الغلبة فيها لمن يملك (المعرفة العلمية الحقّة والدقيقة) عن الآخر؛ إِذْ أدهشني أنّ معظم معارفنا بتاريخ منطقتنا وحضارتها ولغاتها وأديانها مصدرها من المستشرقين، ولما تخصصتُ أكثر في مجال الديانة اليهودية وتاريخ الأديان عرفتُ أكثر كَمْ أن ديننا عظيم ويستحق الذّود عنه من أيّة هجمات فكرية لا سيما من افتراءات الاستشراق الإسرائيلي، الذي يرتبط بكيان سياسي غاصب لا يمكن وضعه إلّا في خانة (العدوّ) الذي يستخدم وسائل علمية، ولا يمكن الانتصار عليه إلا بتلك الوسائل العلمية أيضًا.

2- أنه عند توجُّهي لمرحلة الدراسات العليا لاحظ أساتذتي إتقاني للُّغة العبرية الحديثة وهي اللغة الأساسية للاستشراق الإسرائيلي، وفي نفس الوقت تميُّزي في الدراسات الدينية لا سيما المتعلقة بالديانة اليهودية ونقد أسفار العهد القديم، وبالتالي كان أفضل شيء هو التوجّه نحو دراسة الاستشراق الإسرائيلي ونقده؛ فكتاباته باللغة العبرية الحديثة واقع تحت تأثير أيديولوجي يهودي وصهيوني يرمي إلى ردّ مصادر الإسلام الرئيسة (القرآن الكريم، السنة النبوية الشريفة) لمصادر دينية يهودية.

3- أنّ بدايات تخصّصي العلمي في مرحلة الدراسات العليا تحديدًا تزامنت مع أحداث 11 سبتمبر وما تبعها من هجمة غربية شرسة على الإسلام ومصادره، ومنها هجمات المستشرقين الغربيين وحتى الإسرائيليين؛ فقد برز أكثر دَور الاستشراق في تشويه صورة الإسلام والمسلمين وتقديمها للرأي العامّ العالمي وكذلك للمحافل السياسية والإعلامية، وهو ما حمَّسني أكثر لدراسة هذا التخصص بغرض الإسهام -ولو بالنّذْر اليسير- في الذّود عن الإسلام ومقدّساته. كما تزامن ذلك مع حدث استشراقي إسرائيلي مهمّ، وهو إصدار الترجمة العبرية الرابعة والأخيرة لمعاني القرآن الكريم عن جامعة تل أبيب عام 2005 على يد البروفيسور أوري روبين أستاذ الدراسات القرآنية بالجامعة نفسها، وهي الترجمة التي أحدثَت صَدًى قويًّا جدًّا في المحافل العلمية والإعلامية، ليست الإسرائيلية وحسب بل والغربية أيضًا، وهو ما كشف لي عن أنّ الاستشراق الإسرائيلي ما زال ناشطًا ومؤثِّرًا ومن الواجب دراسته، فكانت هذه الترجمة هي موضوع رسالتي للماجستير التي حملت عنوان: (التعليقات والهوامش لترجمة أوري روبين العبرية لمعاني القرآن الكريم؛ دراسة نقدية).

4- استشعاري لخطورة هذا النوع من الاستشراق تحديدًا، سواء فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي- العربي أو حتى ما يتعلق بالمقدّسات الإسلامية، فما زال يتردّد في أذني حتى الآن مقولة أحد أساتذتي الجامعيين: «إنّ إسرائيل هي بنت الاستشراق»؛ فإسرائيل تعرف جيدًا أنها دولة غاصبة لحقّ شعب وأُمّة كاملة، وتحاول إيجاد المبررات القوية لوجودها على الرغم من عدم عدالة ما تدافع عنه، وقد وجدت في الدراسات الاستشراقية أداة مهمّة للدفاع عن هذا الحقّ المزعوم علميًّا وسياسيًّا، وبالتالي فكان من الواجب عليَّ كشف ونقد حقيقة هذه الادعاءات التي تلبس ثوب العلم وتدلّس الحقائق وتشوهها، فقد استشعرتُ أني أقف في جبهة (مقاومة علمية) ولا يجب أن أغادرها أبدًا.

المحور الثاني: فرضيات رئيسة في البناء المنهجي الاستشراقي عامَّة والإسرائيلي خاصَّة:

س5: لو انتقلنا من الحديث عن نشأة الاستشراق وأهدافه وتقاليده إلى البناء المنهجي للاستشراق، وتحدثنا -في البدء- عن الفرضيات العامّة التي تُشَكِّل خلفيةً أساسًا لكثير من الدراسات الاستشراقية للقرآن؛ مثل فرضية الانتحال أو التأثُّر، وكون النصّ القرآني قد انتَحَل القصص التوراتي وتأثَّر به تأثُّرًا شديدًا. ففي رأيكم ما أهم هذه الفرضيات؟ وما مصدرها؟

د/ أحمد البهنسي:

أنا شخصيًّا أتفق مع الرأي القائل بأن جُلّ الكتابات الاستشراقية تتخذ منهج التأثير والتأثُّر أساسًا لها في فرضياتها حول القرآن الكريم حتى على مستوى اللغة؛ فإنّ ما يُعرف بمنهج المطابقة والمقابلة عند بعض الدارسين العرب للاستشراق يعني نفسه منهج التأثير والتأثّر أيضًا لكن في مجال اللغة، إذ اعتبر المستشرقون، ومن أبرزهم المستشرق الأسترالي آرثر جيفري صاحب كتاب: The Foreign Vocabulary Of The Qur'an معجم الألفاظ الأجنبية للقرآن، أنّ الكثير من لفظ القرآن مقتبس من لغات سامية وهندو-أوروبية غير العربية. وبطبيعة الحال احتلّ قصص القرآن الحيز الأكبر من فرضيات المستشرقين لردّ القرآن لمصادر يهودية وكذا نصرانية؛ نظرًا لتشابه هذا القصص مع بعض قصص العهدين القديم والجديد، مستخدمين في ذلك -كما ذكرنا من قبل- منهج التأثير والتأثر.

ومن وجهة نظري، فإنّ هذا المنهج -أي: التأثير والتأثر الذي تنبني عليه معظم الفرضيات الاستشراقية- ينطلق من فرضية أساسية تقول بأن النصّ القرآني هو اقتباسٌ محمديٌّ من كتب اليهود والنصارى المقدّسة، وهي فرضية مصدرها أيديولوجية استشراقية نابعة من أفكار إمبريالية استعمارية، وإذا شرحنا ذلك فيمكننا القول أنه نظرًا لارتباط الاستشراق العضوي بالاستعمار لمنطقة الشرق، كما ذكرنا من قبل، فإنّ الاستشراق اتخذ من فكرة استعمارية مفادها أنّ أهل الشرق ليسوا بالأساس أهل حضارة أو فكر أو حتى دين رغم أن منطقتهم كانت مهبط الوحي والرسالات السماوية، وأنّ الاستعمار حمل رسالة حضارية ودينية لأهل هذه المنطقة هدفها إنقاذهم من الجهل والتخلف وإدخالهم في طور الحداثة والحضارة، وبالتالي فإنّ الاستشراق بدَوره كجناح علمي لهذا الاستعمار طوَّر فرضية أنّ الإسلام المنتشر في الشرق ومصادره الدينية الرئيسة لا يمكن أن تكون مصدرها الوحي أو حتى نتاج ظروف فكرية وحضارية أصيلة في المنطقة بل إنه اقتباس أو انتحال أو حتى هرطقة يهودية ونصرانية سببها محاولة نبي الإسلام التشبّه بأهل الكتاب أو تقليدهم أو على الأقل استمالتهم له في بداية دعوته. وبطبيعة الحال وجدَ الاستشراقُ في ذلك (التشابه) بين قصص القرآن وبعض قصص العهدين القديم والجديد أفضلَ دليلٍ وذريعة للتدليل على هذه الفرضية القائلة بأنّ القرآن ما هو إلا تلفيق من العهدين القديم والجديد.

س6: لا شك هذه الفرضيات لها موضعٌ كبيرٌ في الاستشراق الإسرائيلي؛ سواء الانتحال، أو قضية تشابه القصص، وهما مرتبطان، وللمستشرقين اليهود كتابات كثيرة في الحديث عن هذا التشابه. لو تُلْقُون لنا الضوء على أهمّ هذه الكتابات، وكيف تتجلى فيها هذه الفرضيات؟

د/ أحمد البهنسي:

الحقيقة هذا سؤال مهمّ جدًّا، وسيكون موضوع عدّة أبحاث مستقبلية لي بإذن الله، وذلك أن الكثير من الدراسات الاستشراقية -لا سيما الإسرائيلية واليهودية الحديثة والمعاصرة- بدأت تركّز الضوء على قضية قصص القرآن وتشابهها مع قصص الكتاب المقدّس، وهو أمر له خلفية تتعلق أيضًا بكتابات الاستشراق اليهودي حول هذه القضية، والتي تطورَت حديثًا وأصبحَت تُطرح في إطار دراسةِ ما بات يُعرف في الاستشراق الإسرائيلي بـ(قصص الأنبياء المشتركين بين اليهودية والإسلام) أو (المشتركات بين اليهودية والإسلام)، وكذلك فيما يتعلق بالحوار الديني بين الإسلام واليهودية من جانب وبين الأديان التوحيدية الثلاثة من جانب آخر.

لكننا في هذا المقام سنركز على قضية قصص القرآن وتناوُل تشابهه مع قصص الكتاب المقدّس من وجهة نظر الاستشراق الإسرائيلي، والتي لا يمكن فصلها عن كتابات الاستشراق اليهودي الذي يعدُّ الاستشراق الإسرئيلي امتدادًا له كما ذكرنا من قبل؛ إِذْ يعدّ كتاب المستشرق اليهودي الألماني أبراهام جايجر Was hat Mohammed aus dem judenthume aufgenommen (ماذا اقتبس محمد من اليهودية؟أوّل كتاب استشراقي يهودي في العصر الحديث يبحث المطابقة بين القصص القرآني وقصص العهد القديم، وقد أثَّر هذا الكتاب بشكلٍ بالغٍ في معظم الكتابات الاستشراقية اليهودية، ومن ثَمّ الاستشراقية الإسرائيلية التي أعقبته والتي بحثَت التشابه بين الإسلام واليهودية من جانب وبين الإسلام والنصرانية من جانب آخر، ثم قام المستشرق اليهودي الألماني هاينريش شباير (H.Spyer) بتقديم عمل مؤلف جامع يتناول قصص الكتاب المقدّس في القرآن الكريم حمل عنوان: (القصص التوراتية في القرآن)، وواصل المستشرق اليهودي الأمريكي أبراهام كاتش هذا العمل في كتابه: Judaism in Islam (اليهودية في الإسلام).

كلّ هذه المؤلفات السابقة أثَّرت على الأعمال الاستشراقية الإسرائيلية حول القرآن الكريم لا سيما المتعلقة بالقصص؛ إِذْ (كررت) هي الأخرى نفس فرضية اقتباس القرآن لهذه القصص، خاصّة لقصص ما يعرف في الديانة اليهودية بــ(الآباء أو البطاركة) مثل: آدم، وإبراهيم، ويوسف، ويعقوب. وهي الشخصيات المؤسسة أو الكبرى في الفكر الديني اليهودي، وأطلقت عليهم لفظ (الأنبياء المشتركين) أي: المشتركين بين اليهودية والإسلام، رغم أنه -من وجهة نظري- تعريف أو مصطلح خاطئ؛ إِذْ إن كثيرًا من هذه الشخصيات لم توصف بالنبوة في التوراة في حين وصفت بالنبوة في القرآن، ووردَت في القرآن الكريم بشكلٍ مخالف وفي إطار سياقات أخرى لِمَا وردت عليه في العهد القديم. ورغم خطأ هذا المصطلح فهو منتشر في الكتابات الاستشراقية الإسرائيلية حول قصص القرآن، وهو ما يظهر -على سبيل المثال- في كتابات المستشرق الإسرائيلي أوري روبين أستاذ الدراسات الإسلامية الشرفي بجامعة تل أبيب سواء في كتبه أو أبحاثه، أو حتى مقالاته في بعض الموسوعات الإسرائيلية، مثل مقاله بعنوان: (إبراهيم) في الموسوعة العبرية العامة التي صدرت في القدس المحتلة عام 1948؛ إِذْ وصف إبراهيم -عليه السلام- بأنه يعدُّ من الأنبياء المشتركين بين اليهودية والإسلام.

يُلحظ كذلك بقوة أنّ الاستشراق الإسرائيلي ومِن قبله الاستشراق اليهودي اتسم بما يمكن تسميته بـ(الإصرار) على ردّ قصص القرآن لمصادر دينية يهودية، وهو ما تجلَّى في أنّ بعض القصص أو حتى بعض التفاصيل الواردة في بعض قصص القرآن -لا سيما قصص داود وسليمان ويوسف- لم يجد المستشرقون الإسرائيليون شبيهًا لها في التوراة، فلجؤوا لوجود تشابهات لها في كتُب (الآجادا) و(المدراشيم) الدينية اليهودية لردِّها إليها، وهي كتُب تنتمي لعدد من الحاخامات اليهود -لا سيما خلال العصر الوسيط- الأوائل، ومليئة بالقصص والأساطير والمواعظ الدينية اليهودية حول الحاخامات اليهود، وذلك على الرغم من أنها كتُب لاحقة للقرآن الكريم من الناحية التاريخية وليست سابقة عليه؛ إِذْ كُتِبَت وبدأت تظهر للوجود بدايةً من القرن 14 الميلادي تقريبًا، والغريب في هذا الصّدد أنّ مَن يقولون مِن المستشرقين بتأثُّر القرآن بالعهدين القديم والجديد يتذرعون بأنهما كُتُبٌ سابقة على القرآن تاريخيًّا ومن الضروري أن يكون تأثَّر بها باعتبار أنّ اللاحق دائمًا ما يتأثر بالسابق. إلا أن الاستشراق الإسرائيلي في كثير من كتاباته يصرّ على القول بتأثّر القرآن بكتُب دينية يهودية لاحقة له، والأغرب من ذلك أنه بالتحليل الفيلولوجي (اللغوي) لبعض هذه القصص الواردة في هذه الكتب الدينية اليهودية المتأخرة (الآجادا، المدراشيم) ثبت أنها هي التي اقتبست من القصص القرآني لا سيما أنها كُتِبَت في بيئة ثقافية وحضارية عربية/إسلامية مثل بغداد وفلسطين والشام.

من أبرز أمثلة تلك الكتابات الاستشراقية التي تردُّ قصص القرآن للآجادا والمدراشيم مقال الموسوعة العبرية العامة حول القرآن، من تحرير المستشرق الإسرائيلي (إيتان كوليبرج) الأستاذ الشرفي بقسم اللغة العربية بالجامعة العبرية بالقدس المحتلة؛ إِذْ ورَد به »أنّ هناك آيات كثيرة متأثرة بشكل خاصّ بـ(التناخ والمدراشيم والعهد الجديد)، والتي تتضمن قصصًا حول أُناس سبقوا محمدًا ويعدُّون من الأنبياء، مثال: (آدم، نوح، إبراهيم، إسحق، إسماعيل، يعقوب، يوسف، داود، سليمان، يوحنا المعمدان، عيسى وآخرون)، وأيضًا بعض الأنبياء العرب (هود، صالح)».

س7: لكن هل هذه الفرضيات لا تزال مسيطرة على الدرس الاستشراقي (خصوصًا الإسرائيلي)؟ ألم يقلّل منها ظهور الدراسات التزامنية التي تقف على التعامل الخاصّ من القرآن مع هذا القصص واختلاف نمط حكايته له عمّا في الكتاب المقدّس؟

د/ أحمد البهنسي:

لقد قلَّل منها لكن ليس بشكلٍ كبيرٍ أو مؤثِّر، والذي يمكن القول معه أنه بات اتجاهًا داخل الاستشراق الإسرائيلي في وقتنا الحالي؛ إِذْ لم يصادفني في الكتابات الاستشراقية الإسرائيلية ما يقول صراحة بخصوصية القصص القرآني وتناوله عن قصص الكتاب المقدّس، لكن وردت بعض الكتابات الاستشراقية الإسرائيلية التي تقول بوجود بعض الاختلافات أو أنّ هناك قصصًا وردَت في القرآن تعود لشخصيات دينية لم تَرِد في العهد القديم، أو أن هناك بعض اختلافات في بعض أسماء الشخصيات الواردة بقصص القرآن الكريم عن تلك الواردة في العهد القديم، مثلما ورَد في مقال القرآن بالموسوعة اليهودية: The Jewish Encyclopedia، وكذلك كتاب: Between Bible and Qur'an: the Children of Israel and the Islamic Self-Image. للمستشرق الإسرائيلي أوري روبين، والذي خصص جزءًا منه لسرد الاختلافات في الصفات الواردة عن الأنبياء في القرآن الكريم من خلال قصصهم وأمثالهم الواردة في العهد القديم، مستخدمًا في ذلك المنهج المقارن. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ روبين -الذي أعتبرُه المستشرق الإسرائيلي الأبرز المتخصص في القرآن بوقتنا الحالي- أعلن على صفحته بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة تل أبيب المنتمي إليه أنه يعمل حاليًا على مشروع ما سمّاه بـ(بحث المواد التوراتية وقصص الأنبياء في اليهودية المتأصّلة في القرآن)، وننتظر أن يخرج مشروعه للنور لمحاولة الوقوف على أهم ما جاء فيه ونقده وتحليله، لكن هذا يؤشّر على أن موضوع (قصص الأنبياء) تحديدًا أصبح من الموضوعات ذات الأهمية الكبرى من بين اهتمامات الاستشراق الإسرائيلي في دراسته للقرآن بوقتنا الحالي، وهذا ما دفعني -كما ذكرت من قبل- إلى الاستعداد لعمل أبحاث معمَّقة في المستقبل القريب عن هذا الموضوع بإذن الله.

لا يفوتني كذلك في هذا المقام التنويه بكتابات المستشرقة الإسرائيلية (كاميلا إدنج) الأستاذة في قسم الدراسات الإسلامية بجامعة تل أبيب حول قصص العهدين القديم والجديد والقرآن، لكنها تركّز في هذا الجانب على ترجمات هذه القصص إلى لغات مختلفة، ومدى تأثيرها على عملية التبادل الحضاري والفكري بين المسلمين واليهود لا سيما في حقبة العصر الوسيط.

س8: كثير من المستشرقين المسيحيين لهم نتاج بارز في قضية القراءة التزامنية للنصّ؛ مثلًا: (دانييل ماديغان) الكاهن اليسوعي، أو (ميشيل كويبرس) الراهب الدومنيكاني، والأخير له إلماعات حول التناول القرآني للقصص الإنجيلي وإعادة صياغته بشكلٍ شديدِ الثراء. هل ثمة محاولات مثل هذه على ساحة الاستشراق الإسرائيلي؟

د/ أحمد البهنسي:

لم تقابلني مثل هذه المحاولات في الكتابات الاستشراقية الإسرائيلية، لكن يمكن أن أقسِّم المحاولات الاستشراقية الإسرائيلية في تناول القصص القرآني وإعادة صياغته إلى اتجاهين؛ الأول: حاول (تَسْيِيس) هذا القصص، مثلما قام به الحاخام والمستشرق شالوم زاوي في كتابه مصادر يهودية بالقرآن[1]، والذي رأى أنّ هذا التشابه بين قصص القرآن وقصص العهد القديم من الممكن اتخاذه منطلقًا لمحاولة إقناع المسلمين بالحقّ اليهودي في فلسطين. والاتجاه الثاني: هو محاولة إبراز تأثير هذا القصص في عملية التبادل الثقافي والحضاري بين المسلمين واليهود لا سيما في حقبة العصر الوسيط التاريخية، مثال ما ورد في كتاب المستشرقة الإسرائيلية (حافا لازاروس يافيهأستاذة الدراسات الإسلامية بالجامعة العبرية بالقدس المحتلة بعنوان: (الإسلام ونقد العهد القديم في العصر الوسيط)، فقد حاولَت إبراز تأثير تفسير بعض القصص القرآني أو تفسير أسماء بعض الشخصيات الوارد ذكرها في القرآن -ومن أبرزها (عُزير)- على اتجاهات ومدارس نقد العهد القديم اليهودية خلال العصر الوسيط، وما ينسحب على ذلك من وجود حالة تبادل ثقافي وحضاري وديني بين اليهود والمسلمين خلال هذه الحقبة التاريخية، وكذلك كتابات المستشرق الإسرائيلي (مائير بر- أشيرأستاذ اللغة العربية وآدابها بالجامعة العبرية بالقدس الذي حاول إبراز تأثير تفسير قصص الأنبياء في العهد القديم والقرآن على التبادل الثقافي بين المسلمين واليهود خلال العصر الوسيط، وكان من أبرز أبحاثه في هذا المجال بحثٌ بالعبرية حمَل عنوان: (أسس التفاسير الإسماعيلية والفاطمية القديمة للقرآن)، وذلك ضمن أبحاث تُعنى بتفاسير القرآن والعهد القديم خلال العصر الوسيط صدرت في كتاب بالقدس عام 2007.

 

[1] للدكتور البهنسي مقالة عرض فيها كتاب شالوم زاوي (مصادر يهودية بالقرآن)، وقام بتحليل ونقد فرضياته الأساسية وعلى رأسها فرضية التأثّر والتأثير، وهذه المقالة بعنوان «كتاب (مصادر يهودية بالقرآن) للمستشرق شالوم زاوي؛ عرض وتقويم»، وهي منشورة على موقع تفسير على هذا الرابط: tafsir.net/article/5198

المؤلف

فريق موقع تفسير

موقع مركز تفسير للدراسات القرآنية

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))