الطبري وبيان معاني الأسماء الحسنى في سياقاتها القرآنية
أولًا: الأسماء الحسنى المفردة

عدد المشاهدات : 2667
اعتنى الإمام الطبري ببيان معاني أسماء الله الحسنى في سياقاتها القرآنية مهما تكررت، وهذه المقالة تلقي نظرة عامة على طريقته في هذا البيان من خلال تتبعه في تفسيره، ثم تعرض أنموذجًا تطبيقيًّا من بيانه لمعاني الأسماء المفردة.

مقدمة:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا-، أما بعد؛

فلا يخفى أن تدبر القرآن الكريم من أَجَلِّ الوظائف الشرعية التي يقوم بها المسلم؛ قال -تعالى-: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص: 29]، وقد دخل في هذا العموم تدبّر أسماء الله -تبارك وتعالى- المذكورة في القرآن الكريم، لا سيما أنه لا تكاد صفحة من صفحات القرآن الكريم إلا وهي تشتمل على اسمٍ أو عِدّة أسماء لله -تبارك وتعالى-؛ فقد دخلت دُخولًا أوليًّا في الأمر بالتدبر.

وهذا التدبّر للأسماء هو جزء من تحقيق الترغيب النبوي الوارد في قوله –صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا؛ مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ)[1].

والأسماء الحسنى وإن كانت لها معانٍ ودلالاتٌ عامةٌ، إلا أنها وردت في القرآن الكريم في سياقات معيَّنة؛ مما يكون له أثر -بلا شكّ- في فهم الأسماء الحسنى وبيان معانيها، ومِن ثَمَّ فإن تأمُّلَها في ضوء سياقاتها التي وردت فيها مهمٌّ جدًّا لحسن تدبرها وإدراك مغازيها التي قد تختص بها في سياق معيَّن خلافًا لمعناها العام.

ولا تخفى عناية المفسرين على امتداد الزمان ببيان معاني أسماء الله الحسنى؛ كونها ضمن القرآن الكريم والذي يمثّل تفسيره وبيان معانيه محلّ اشتغال لهم، وقد تباينت طرق المفسِّرين في بيان معاني أسماء الله الحسنى بين مُقتضِب ومُسهِب بحسب غايات كلّ مفسِّر وطريقته التي درج عليها في التفسير.

ولما كان الإمام الطبري أحد أهمّ أجلَّاء المفسرين عبر التاريخ فقد أحببتُ تسليط الضوء على كيفية عنايته بهذه الأسماء وطريقة تعامله معها، لا سيما وأنه -رحمه الله- مشتهر بالتفسير بالأثر، وقد يغيب عن كثيرٍ من الناس إمامته في هذا الباب، مع أنه -رحمه الله- كما سيظهر من مطالعة نماذج من كلامه قد اجتهد وأبان، بل لم يكد يُخِلُّ بموضع فيه ذكر لاسم من أسماء الله إلَّا وأبدع في بيان معناه في هذا السياق غير مكتفٍ بمعناه العام؛ ولذا أردت إرشاد المعتنين بأسماء الله -تبارك وتعالى- إليه، وتنبيه قُرَّاء تفسير الطبري ألَّا يفوتهم ذلك[2].

وتحصيل المراد أن الإمام الطبري -رحمه الله- مع كونه من أجلّاء أئمة التفسير بالأثر؛ فله من الجهد في التفسير بالرأي المحمود ما لا يقل عن جهده في التفسير بالأثر[3]، ومن هذا الباب عنايته بمعاني أسماء الله في سياقاتها القرآنية، ومرادي هنا كلامه هو في أسماء الله لا ما يأثِره عن السلف في ذلك، على أن ما يأثره عن السلف في تفسير الأسماء لا يخلو من إتحاف، وهو بهذا يقدم تحفة جديدة في هذا الباب؛ فعموم مَن كَتَبَ في أسماء الله إنما يعتني بتفسير الاسم العام دون النظر في خصوص دلالته في السياقات القرآنية[4].

ولمَّا تَلاحَظ لي حال مطالعتي لتفسير الإمام الطبري اعتناؤه بهذا المعنى، وأنه لا يفتؤ يبين معنى الاسم في سياقه مهما تكرّر؛ قمتُ بجمع بعض الأسماء المفردة ثم المقترنة، ثم تتبعها في تفسير الطبري في عامة مواضعها التي أمكنني حصرها[5]، ثم قمتُ بتحليل هذه النتائج، وسوف أقوم بسرد حاصل ما ظهر لي مما تأملته من طريقة الطبري في التعامل مع الأسماء الحسنى في سياقاتها القرآنية في صورة عناصر كلية ليسهل تصوّرها، ثم أشفعها ببعض التطبيقات التي توضِّحها وتبينها، مع ذكر بعض الملاحظات عليها، غير أنني سأكتفي في هذه المقالة بما يتعلق بالأسماء المفردة على أن يكون لنا عَوْدٌ لاحق -بإذن الله- للأسماء المقترنة والمجتمعة وبيان مسلك الإمام الطبري في التعامل معها.

أولًا: نظرة عامة على طريقة الطبري في بيان معاني الأسماء الحسنى:

من خلال تأملي لطريقة الطبري في التعامل مع بيان معاني الأسماء الحسنى تحصَّلَ ما يلي:

1- أنه يُفسر الاسم بحسب دلالة الآية، ولا يلتزم تفسيرًا ثابتًا للاسم يُكرره كلما ذُكِر[6].

2- وهو مترتب على الأول: أنه يُفسر الاسم حيث ورَد، ولا يكتفي بتكرره أول مرة؛ فإن في سياقه في كلّ موضع دلالة مغايرة[7].

3- يُستثنى من ذلك مواضع قليلة ترك الاسم بلا تفسير ولا تعليق[8].

4- الغالب أن هذا التفسير أخصّ من المعنى العام للاسم، إلا أنه يوضح صورة قد تخفى دلالتها؛ فيكون الانتفاع به أيسر وأقرب إلى الهداية القرآنية، والتعبد لله بذاك الاسم الشريف[9].

5- قد يُفسِّر الاسم بنفس التفسير تقريبًا، ولعلّ ذلك في حال تكرار الآية بقريب من تمامها، أو في حال اكتفائه بالتعبير العام عن معنى الاسم عن المعنى الخاصّ.

6- قد تُختم الآية باسمين كريمين لله -تعالى- بين معنيهما تداخل؛ كالعليم الخبير، أو: الغفور الرحيم؛ فيعتني -رحمه الله- بذكر المعنى الخاصّ للاسم في تفسير الاسم الأول منهما، وقد يختصره في الثاني، وقد يجتهد في الإتيان بالفرق في الدلالة بين الاسمين في هذا الموضع كالسميع العليم، وغيره[10].

7- قد يبيّن الإمام الطبري معنى الاسم أولَ وروده مفصَّلًا، أو الفرق بينه وبين ما اقترن به، وقد لا يُكرر ذلك؛ فكان من الواجب التنبه لأول موضع إيراد الأسماء.

ينظر على سبيل المثال كلامه في آية البقرة عن اسمي: (الرؤوف الرحيم)؛ قال -رحمه الله-: «ويعني بقوله -جل ثناؤه-: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143]، أنّ اللهَ بجميع عباده ذو رأفة، و(الرأفة)، أعلى معاني الرحمة، وهي عامّة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة. وأما (الرحيم): فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، على ما قد بينَّا فيما مضى قبل»[11]اهـ.

ثم إنه لم يبيّن في عموم مواضع ذكر (الرؤوف الرحيم) الفرق بين دلالتيهما، وبيِّنٌ -أيضًا- من النص المذكور الإحالةُ على كلامه المتقدم في المعنى العام لاسم الرحيم، الذي تقدَّم في أول وروده في البسملة[12].

ولا يتعارض هذا مع ما قررتُه من كونه يفسر الاسم حيث ورد؛ فغرضه بيان ما لم يُبيّن قبل ذلك من دلالة الاسم في هذا السياق، والله أعلم.

ثانيًا: الطبري وبيان معاني الأسماء الحسنى المفردة؛ نماذج تطبيقية:

بعد ما مرَّ معنا تقرير مسلك الطبري في التعامل مع الأسماء الحسنى، نستعرض بعض النماذج التطبيقية التي تبين هذا المسلك، ونستعرض في هذا المقال التطبيق على الأسماء التي وردت منفردة.

وسوف أكتفي بإيراد جملة مما وقفتُ عليه، يبدأ -غالبًا- من أول موضع ذُكِر فيه الاسم في القرآن الكريم، ثم مواضع مختارة، ثم أُعقِّب بالتنبيه على بعض مسالكه في بيان المعنى.

اسم الله الخبير:

قال -رحمه الله- في تفسير سورة البقرة: «القول في تأويل قوله -تعالى-: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}[البقرة: 234]. يعني -تعالى ذكره- بذلك: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} أيها الأولياء، في أمْرِ مَن أنتم وليُّه من نسائكم، من عضلهن وإنكاحهن ممن أردن نكاحه بالمعروف، ولغير ذلك من أموركم وأمورهم {خَبِيرٌ}، يعني: ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه منه شيء»[13].

وقال في تفسير سورة البقرة -أيضًا-: «القول في تأويل قوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}[البقرة: 271]. يعني بذلك -جل ثناؤه-: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} في صَدقاتكم؛ من إخفائها، وإعلانٍ وإسرارٍ بها وجهارٍ، وفي غير ذلك من أعمالكم {خَبِيرٌ}، يعني بذلك: ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، فهو بجميعه محيط، ولكلِّه مُحْصٍ على أهله، حتى يوفيهم ثواب جميعه، وجزاء قليله وكثيره»[14].

وقال في تفسير سورة آل عمران: «وأما قوله: {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 153]، فإنه يعني -جل ثناؤه-: والله بالذي تعملون -أيها المؤمنون- من إصعادكم في الوادي هربًا من عدوكم، وانهزامكم منهم، وترككم نبيكم وهو يدعوكم في أُخراكم، وحزنكم على ما فاتكم من عدوكم وما أصابكم في أنفسكم -ذو خبرة وعلم، وهو مُحْصٍ ذلك كلّه عليكم؛ حتى يجازيكم به: المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته، أو يعفو عنه»[15].

وقال في تفسير سورة آل عمران -أيضًا- في قوله -تعالى-: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}[آل عمران: 180]: «ثم أخبر -تعالى ذكره- أنه بما يعمل هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضل وغيرهم من سائر خلقه، ذو خبرة وعلم، مُحيط بذلك كله؛ حتى يجازي كُلًّا منهم على قدر استحقاقه: المحسن بالإحسان، والمسيء على ما يرى -تعالى ذكره-»[16].

التعقيب:

1- يظهر بجلاء من هذه المواضع ما قدمته من بيان المعاني المخصوصة المناسبة للآية؛ ففي الموضع الأول فسَّر اسم الله (الخبير) بما يتعلق بالأولياء، وما يقومون به على مولياتهم، وفي الثاني فسَّره بما يتعلق بإخفاء الصدقات، وفي الثالث فسَّره بما يتعلق بالإصعاد في الوادي يومَ أحد، وفي الرابع بما يتعلق بالبخل بما آتى اللهُ -تعالى- عبدَه. ولا يعني هذا أنه يُلغي دلالة الاسم العامة، بل قد نصّ على العموم في هذا الموضع بقوله: «ولغير ذلك من أموركم وأمورهم».

2- لم ينصّ الإمام ابن جرير -رحمه الله- على كيفية التعبد لله بهذا الاسم في هذا الموضع، ولكن ما كتبه كافٍ للناسِك في أن يتبيّن ذلك؛ فإذا كان الرب -تعالى- خبيرًا بأفعالنا؛ فالواجب أن نحذره، فلا نعضل النساء، ولا نبخل بما آتانا، وغير ذلك، ومعلوم أن الأئمة المتقدمين كانوا يكتفون بمثل هذا النوع من البيان لا يسلكون طرق المتأخرين التفصيلية في بيان الأمور عمومًا.

3- لم يظهر في هذه النصوص معنى اسم الله (الخبير) في معناه العام، ولعلّه اكتفاء بما ذكره في أول سورة البقرة: «وقد قيل: إن معنى الحكيم: الحاكم، كما أن العليم بمعنى: العالم، والخبير بمعنى: الخابر»[17].

أمثلة أخرى على نفس الاسم:

وقال في تفسير سورة النساء في قوله -تعالى-: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}[النساء: 35]: «القول في تأويل قوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}، يعني -جل ثناؤه-: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا} بما أراد الحَكَمَان من إصلاحٍ بين الزوجين وغيره، {خَبِيرًا} بذلك وبغيره من أمورهما وأمور غيرهما، لا يخفى عليه شيء منه، حافظ عليهم، حتى يجازي كلًّا منهم جزاءه: بالإحسان إحسانًا، وبالإساءة غفرانًا أو عقابًا»[18].

وقال في تفسير سورة النساء -أيضًا- في قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}[النساء: 94]: «{إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}، يقول: إن الله كان بقتلكم مَن تقتلون، وكفِّكم عمَّن تكُفُّون عن قتله مِن أعداء الله وأعدائكم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم -{خَبِيرًا}، يعني: ذا خبرة وعلم به، يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازى جميعكم به يوم القيامة جزاءه: المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته»[19].

وقال في تفسير سورة النساء أيضًا في قوله -تعالى-: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}[النساء: 128]: «{فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}، يقول: فإن الله كان بما تعلمون في أمور نسائكم، أيها الرجال، من الإحسان إليهن والعشرة بالمعروف، والجور عليهن فيما يلزمكم لهن ويجب -{خَبِيرًا}، يعني: عالمًا خابرًا[20]، لا يخفى عليه منه شيء، بل هو به عالم، وله مُحْصٍ عليكم، حتى يوفيكم جزاء ذلك: المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته»[21].

وقال في تفسير سورة الأحزاب في قوله -تعالى-: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}[الأحزاب: 2]: «{وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}، يقول: واعمل بما ينزل الله عليك من وَحْيه وآي كتابه {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}، يقول: إن الله بما تعمل به أنت وأصحابك من هذا القرآن، وغير ذلك من أموركم وأمور عباده خبيرًا، أي: ذا خبرة، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مُجازِيكم على ذلك بما وعدكم من الجزاء»[22].

وقال في تفسير سورة الحشر في قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحشر: 18]: «وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ}، يقول: وخافوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}، يقول: إن الله ذو خبرة وعلم بأعمالكم خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازِيكم على جميعها»[23].

وقال في تفسير سورة العاديات في قوله -تعالى-: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ}[العاديات: 11]: «وقوله: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ}، يقول: إنّ ربهم بأعمالهم، وما أسرُّوا في صدورهم، وأضمروه فيها، وما أعلنوه بجوارحهم منها -عليم لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيهم على جميع ذلك يومئذ»[24].

ويظهر من هذا التتبع والتطواف على مواضع اسم الله (الخبير)، وكيف فسَّرها الإمام الطبري ما قدمته أولًا، ولم أُرِد به الاستيعاب، بل أسقطتُ بعضها لئلا يطول المقام، ولكن حرَصت على تنويع الأمثلة من أول القرآن الكريم ووسطه وآخره؛ ليتبين أن الإمام لم يغيّر شيئًا مذ بدأ الكتاب، بل هو منهج واحد.

كما يُلاحَظ أن الغالب على الأسماء التي خُتِمَتْ بها الآيات أن يُفسِّرها الإمام الطبري في نهاية الآية، إلا أنه في عدة مواضع تعجّل تفسيرها، وأخّر تفسير بعض المواضع من الآية أو ذكر بعض الأخبار المتعلقة بتفسير الآية، مما قد يذهل معها القارئ عن موضع التفسير[25].

خاتمة:

تبيَّن مما سبق عناية الإمام الطبري -رحمه الله- ببيان معاني أسماء الله الحسنى، ومدى مراعاته لتفسيرها بما يناسب سياقاتها القرآنية، كما ظهر لنا من خلال هذا العرض بعض الخصائص لطريقته في تفسير الأسماء في مواضعها، خاصّة في الأسماء التي ذكرت مفردة، والتي ركز الجانب التطبيقي في هذا المقال عليها، على أن يُتبع بمقال آخر –إن شاء الله- يتناول ما تميز به تناول الأسماء المقترنة عند الإمام الطبري في تفسيره.

والله المسؤول أن ينفعنا بالقرآن العظيم، وأن يرزقنا التعبد بأسمائه وصفاته على النحو الذي يُرضيه عنا، وأن يجزل المثوبة للإمام محمد بن جرير الطبري -رحمه الله- على ما أَوْلاه في ذلك.

 

[1] رواه البخاري (7392)، ومسلم (2677).

[2] ويُلاحَظ هاهنا أمران:

الأول: مع كثرة الأطروحات المتناولة لبعض ما يتعلق بتفسير الطبري، فلم أَرَ مَن كَتَبَ في هذا الباب، وأكثر المكتوب يتعلق بالقدر المختص بالتفسير بالمأثور، أو موافقته لعقيدة السلف في ذلك -كما يتبين من عناوين الأطروحات-، ينظر على سبيل المثال:

- الإمام ابن جرير الطبري ودفاعه عن عقيدة السلف، العوايشة، أحمد عبد الحسين.

- الإمام ابن جرير الطبري ومنهجه في آيات الصفات من خلال جامع البيان، الدوري، رياض أحمد.

- الآثار الواردة عن السلف في توحيد الربوبية والأسماء والصفات في تفسير الطبري، الحماد، إبراهيم بن عبد الله.

- الآثار الواردة عن أئمة السلف في توحيد الأسماء والصفات في تفسير ابن جرير الطبري: جمعًا ودراسة، محمد ثاني، أبو بكر.

نقلًا عن: جهود الباحثين عن تفسير الطبري لجمال القرش  https://vb.tafsir.net/tafsir29463/.

الثاني: لسنا بحاجة هاهنا إلى توطئة بذكر ابن جرير ولا قيمة كتابه ولا منهجه؛ فكلّ ذلك قد سُوِّدَتْ به الأوراق، وسارت به الركبان؛ فسأسلك إلى مقصودي بدون ذكر لتلك الأمور المقررة.

[3] ليس هذا موضع بحثنا، ينظر في هذا الباب: التحرير والتنوير، الطبعة التونسية (1/ 33)، التفسير ورجاله للطاهر بن عاشور (ص: 36- 37). وأصل الفائدة أخذتها من مقدمة محققي دار السلام لتفسير الطبري (1/ 121)، ثم راجعت المصدر المذكور، وأثبتّه.

ينظر: مقال في التفسير بالرأي، د. مساعد الطيار،https://bit.ly/2pJSqwD .

تنبيه: قد يفهم القارئ من بعض المراجع السابقة نوعًا من التهوين من التفسير بالأثر، وليس ذلك مقصودًا؛ بل هو الأصل، وغيره عليه يُبتنَى، وإنما الغرض أن الإمام لم يقف على مجرد نقل الآثار.

بل أكملُ الرأي ما ترتب على مطالعة آراء من سبقنا؛ فهذه الآثار كانت رأيًا لمن كان قبلنا وهي لنا أثر. قال القاضي عياض -رحمه الله- في ترتيب المدارك وتقريب المسالك (3/ 298): «قال ابن سحنون: وحملتُ لأسد بتلك الكتب في القيروان- رياسة. قال غيره: وأنكر عليه الناس إذ جاء بهذه الكتب، وقالوا: أجئتنا بأخال وأظن وأحسب، وتركت الآثار وما عليه السلف؟! فقال: أما علمتم أن قول السلف هو رأيٌ لهم، وأثر لمن بعدهم، ولقد كنت أسأل ابن القاسم عن مسألة فيجيبني فيها، فأقول له: هو قول مالك؟ فيقول: كذا أخال وأرى وكان وربما. ورعًا يكره أن يهجم على الجواب. قال: والناس يتكلمون في هذه المسائل» اهـ. فلا يُزهدنَّك هذا في تفيُّؤِ آثار السلف المنقولة في التفسير وغيره من العلوم.

[4] المراد هنا مَن كتَبَ في أسماء الله كُتُبًا مستقلّة، لا مَن كَتَبَ في تفسير القرآن؛ ففيهم من يعتني بدلالة الاسم في سياقه. وممن أجاد واستقصى في هذا الباب ممّن كَتَبَ في معاني أسماء الله، فضيلة الشيخ: محمد الدبيسي -حفظه الله-؛ فكتاباته في أسماء الله إنما تدور حول هذا المسلك؛ فكم أتى فيها بالفرائد والدرر! ومما طُبِع منها: الحميد- الوكيل- المنّان- الوَدُود-الملِك- اللطيف... مع الدروس الصوتية له في الأسماء الحسنى.

[5] لم أثبت في هذا البحث جميع المواضع التي وقفتُ عليها؛ لما فيه من تكرار، دفعًا للإملال وطلبًا للاختصار.

[6] ليس المراد هنا بيان طريقة تفسيره، واعتماده فيها على الآثار أو اللغة، وإنما المراد التفسير الخاصّ المناسب لهذا السياق القرآني.

[7] التزم الشيخ السعدي -رحمه الله- تفسير الآية حيث وردت -ولو تكررت بتمامها- لكن لغرض آخر، وهو: أن الله تعالى كررها؛ والمطلوب الهداية -وهي تتحقق بالتكرر- لا نظرًا لاختلاف المعنى؛ قال -رحمه الله- في تفسيره المعروف بـ: تيسير الكريم الرحمن (ص: 27): «تنبيه: اعلم أن طريقتي في هذا التفسير أني أذكر عند كلّ آية ما يحضرني من معانيها، ولا أكتفي بذكر ما تعلق بالمواضع السابقة عن ذكر ما تعلق بالمواضع اللاحقة؛ لأن الله وصف هذا الكتاب أنه {مَثَانِيَ} تثنّى فيه الأخبار والقصص والأحكام، وجميع المواضيع النافعة لحِكَم عظيمة، وأمَر بتدبره جميعه؛ لمَا في ذلك من زيادة العلوم والمعارف وصلاح الظاهر والباطن، وإصلاح الأمور كلها» اهـ؛ فأحببت التنبيه على الفرق بين تكرار التفسير في الكتابين.

[8] يأتي ذكر بعض شواهد ذلك في الجزء التطبيقي.

[9] وهذا من أهم مقاصدي في هذا الطرح، كما ذكرت.

[10] سأُفرِدُ -إن شاء الله- عدة أمثلة لبيان منهجه -رحمه الله- في بيان معاني الأسماء المقترنة المتشابهة في المعنى في مقالة تالية إن شاء الله.

[11] تفسير الطبري، ط. شاكر، (3/ 170-171). يلاحظ أننا سنعتمد على طبعة شاكر في إحالاتنا لتفسير الطبري.

[12] ينظر: تفسير الطبري، (1/ 126)، القول في تأويل قوله -جل ثناؤه-: {الرحمن الرحيم}.

[13] تفسير الطبري (5/ 94).

[14] تفسير الطبري (5/ 586).

[15] تفسير الطبري (7/ 314-315).

[16] تفسير الطبري (7/ 441).

[17] تفسير الطبري (1/ 496).

[18] تفسير الطبري (8/ 334). والأصل أن هذا المثال متعلق بأمثلة تفسير الاسمين المقترنين، لكن استأنستُ بهذا المثال؛ ليتبين أنه يعتني ببيان المعنى الخاص للاسم المناسب للآية. ولا يخفى عليك إشارته لعموم اسم الله الخبير في نفس السياق.

[19] تفسير الطبري (9/ 71).

[20] يُلاحَظ هنا أنه أتى بهذا المعنى في هذا الموضع على خلاف عادته في الاكتفاء بالمعاني العامة في أول وروده، والتدقيق في المعاني المختصة بالسياق.

[21] تفسير الطبري (9/ 283-284).

[22] تفسير الطبري (20/ 202).

[23] تفسير الطبري (23/ 299).

[24] تفسير الطبري (24/ 569).

[25] ينظر على سبيل المثال: تفسير الطبري (8/ 334)، (9/ 71).

الكاتب

عبد الرحمن صابر

باحث ماجستير في الفقه الإسلامي، وحاصل على عالية القراءات من معهد القراءات، وشارك في عدد من المشاريع العلمية.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))