كتاب (الاستدلال في التفسير)
للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني
عرض وتقويم‏

اعتنى كتاب (الاستدلال في التفسير) بقضية الاستدلال على المعاني في التفسير، وذلك من خلال تفسير: (جامع البيان) لابن جرير الطبري، وهذه المقالة تُعرِّف بهذا الكتاب، وتسلِّط الضوء على منهجه ومحتوياته، كما تعرض لأبرز مزاياه والملاحظات حوله.

  الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على عباده المرسَلِين، لا سيّما حبيبه المصطفى الأمين وآله وصحبه أجمعين، ومَن تَبِعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

 أمّا بعد، فتعدُّ دراسة (الاستدلال في التفسير) للدكتور/ نايف الزهراني، من الدراسات المتميّزة في باب الدراسات القرآنية، وكيف لا تكون هذه الدراسة العِلْمِيّة بهذه المكانة وهي تعرض لمدرسة عظيمة في صناعة التفسير! هذه المدرسة هي تفسير ابن جرير الطبري -جزاه اللهُ خيرَ الجزاء- الذي يقول السيوطي -رحمه الله- عن تفسيره: «قد مَنَّ اللهُ عليَّ بإدامة مطالعته والاستفادة منه»[1]، وهو ما حاول فعله الدكتور/ نايف -أحسن اللهُ إليه- بقراءته هذا التفسير العظيم غير مرّة[2]، وهي دراسة جادّة تصلح أن تكون مقدّمة لكلّ دارِس لهذا التفسير العظيم.

وفي هذه المقالة سنحاول عرض هذا الكتاب والتعريف به، وكذلك مناقشته وتقويمه، وذلك استجابة لقول الدكتور/ نايف: «وليس ما كتبتُ في هذا الموضوع آخر ما يُقال فيه، وإنما هو فاتحة باب لمزيد من التحرير والتأصيل في أصول علم التفسير وفي أمثال هذا الكتاب الجليل، فأنا شاكر سلفًا لكلّ مَنْ أتم هذا الكتاب فصوَّب فيه رأيًا أو تمَّم ناقصًا أو استدرك فائتًا»[3]، وهذا مِن تواضعِ الباحث وإنصافه، فجزاه اللهُ خيرًا.

وقد جعلتُ المقالة قسمين: الأول في عرض الكتاب. والثاني في مناقشة الكتاب وتقويمه.

القسم الأول: عرض كتاب (الاستدلال في التفسير):

سنعمل في هذا القسم على التعريف بكتاب (الاستدلال في التفسير) وعرض محتوياته، وذلك بعد التعريج على بيانات الكتاب والتعريف الموجز بمؤلِّفه.

1- تعريف بالكتاب:

هذا الكتاب أحد الإصدارات التي نشرها مركز تفسير للدراسات القرآنية عام 1436هـ- 2015م، والكتاب يقع في مجلّد واحد كبير الحجم، وبلغ عدد صفحاته (695) صفحة. والكتاب في أصله رسالة أعدَّها الباحثُ لِنَيْل درجة الدكتوراه، وقد نُوقشت عام (1434هـ) بقسم الكتاب والسُّنّة بكلية أصول الدِّين بجامعة أم القرى بمكة المكرّمة، وأُجيزت بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى.

2- التعريف بالمؤلِّف:

هو الدكتور/ نايف بن سعيد بن جمعان الزهراني، وهو أستاذ مشارك في التفسير وعلوم القرآن بكلية القرآن الكريم- جامعة جدة، له عدد من الأبحاث والكتب المنشورة في الدراسات القرآنية، وله باع في مقرّرات التفسير وأصول التفسير وقواعده وغيرها، وكان رئيسًا للجنة المراجعة العلمية في موسوعة التفسير المأثور، وشارك في عدد من المؤتمرات العلمية، وقد نشر له مركز تفسير اللقاء (40) من لقاءات أهل التفسير بعنوان: (الاستدلال في تفسير القرآن)[4]، زاده اللهُ بَرَكةً في العمر والعلم والعمل.

3- محتويات الكتاب:

وقد جاء الكتاب مشتملًا على مقدّمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، ثم خاتمة لعرض النتائج:

 وقد اشتمل التمهيد على مبحثين؛ الأول: التعريف بمفردات البحث. والثاني: الاستدلال على المعاني في علم التفسير.

وتناول الباب الأول (أدلة المعاني عند ابن جرير في تفسيره) من خلال فصلين:

الفصل الأول: عناية ابن جرير بالاستدلال على المعاني في التفسير.

الفصل الثاني: تفصيل أدلة المعاني عند ابن جرير في تفسيره.

وفي الباب الثاني تناول الدكتور/ نايف (بيان منهج ابن جرير في الاستدلال على المعاني في تفسيره)، وقد حوى الباب فصلين:

الفصل الأول: منهج ابن جرير في الاستدلال على المعاني في تفسيره إجمالًا.

الفصل الثاني: منهج ابن جرير في الاستدلال بالأدلة النقلية على المعاني في تفسيره.

وفي الباب الثالث ذكر (منهج ابن جرير في ترتيب أدلة المعاني في تفسيره)، وقد جعله ثلاثة فصول:

الفصل الأول: تقسيم أدلة المعاني في التفسير عند ابن جرير.

الفصل الثاني: منهج ابن جرير في ترتيب أدلة المعاني في تفسيره من حيث النظر والاعتبار.

الفصل الثالث: منهج ابن جرير في الجمع والترجيح بين الأدلة المتعارضة للمعاني التفسيرية.

4- أهداف الكتاب:

ذكر المؤلِّف عِدّة أهداف لكتابه؛ ونكتفي بذِكْر أبرزها:

أولها: إبراز باب جليل من أبواب أصول التفسير هو باب الاستدلال؛ وتحرير موضوعاته ومسائله.

ثانيها: تحديد منهجية عِلْمِيّة معتبرة في الاستدلال على المعاني القرآنية؛ تضبط أصوله وتبيّن معالمه.

ثالثها: تمييز أنواع الأدلة على المعاني في التفسير، وتحديد ما يصحّ منها وما لا يصحّ وما يقدَّم منها وما يؤخَّر مع تعليل ذلك من خلال منهج ابن جرير فيه.

رابعها: تحرير أصول للتفسير مستفادة من أقوال أئمة التفسير وتطبيقاتهم، وهذا أَوْلَى طريق يُسلك لذلك، كما يُستعان في تحرير تلك الأصول بكتب العلوم الأخرى المقاربة لهذا العلم في جملة من أبوابها ومباحثها؛ كعلم أصول الفقه واللغة ونحوها[5].

5- أهم نتائج الدراسة:

1- بلغَت الأدلة التي اعتمدها ابن جرير في إثبات المعاني أو نفيها (11) دليلًا؛ وهي: (القرآن، والقراءات، والسُّنّة، والإجماع، وأقوال السَّلَف، ولغة العرب، وأحوال النزول، والإسرائيليات)، وهي الأدلة النقلية. و(النظائر، والسياق، والدلالات العقلية)، وهي الأدلة العقلية. وبلغَتْ مواضع الأدلة التي استدلّ فيها ابن جرير على المعنى (11337) موضعًا؛ (9295) موضعًا منها دليلها نقلي، وذلك نسبته (82%)، والباقي (2042) موضعًا دليلها عقلي، وذلك نسبته (18%).

2- أنّ دليل أقوال السَّلَف هو الإطار الحاوي لجميع الأدلة سواه، ففيه التطبيق الأجلّ والأكمل لباقي الأدلة، ومن ثَمّ استحقّ هذا الدليل تلك العناية الفائقة التي أَوْلَاها إيّاه ابنُ جرير.

3- المنهج العام في ترتيب الأدلة عند الشروع في التفسير يبدأ بدليل اللغة ثم دليل النقل ثم دليل العقل، وهذا المنهج هو الأكثر عند ابن جرير، وله مناسبته في علم التفسير على ما أبانه البحث.

4- أن العلم بأصول الأدلة ومنهج الاستدلال بها هو غاية ما يصل إليه مَنْ تحقّق أيّ عِلْم[6].

القسم الثاني: مناقشة كتاب (الاستدلال في التفسير) وتقويمه:

سنقوم في هذا القسم بتقويم كتاب (الاستدلال في التفسير)؛ فنبيّن مزاياه أولًا، ثم نعرض ثانيًا لبعض المآخذ التي بدتْ لنا عليه، وهذا التقويم له أهميته برأينا، فهو سبيلٌ لتعميق البحث حول صناعة التفسير، وتلاقح الأفكار بوضع الأبحاث الهادفة والقضايا الملحّة في بؤرة التفكير لدى الباحثين، والإشادة بالدراسات التي تعمل على تثوير مباحث أصول التفسير وقواعده.

أولًا: مزايا الدراسة:

1- أعظم مزايا هذه الدراسة هي كونها محاولة صحيحة لفهم منهج الاستدلال وتحرير أصول التفسير من خلال تحديد منهج أحد أكابر صناعة التفسير في تاريخ الإسلام وتطبيقات ذلك في تفسيره، وقد نصّ الدكتور/ نايف في مقدّمة كتابه على أنّ ذلك كان هدفه من كتابه[7]، وهذه الطريقة هي التي لا أرى سواها صالحًا للوقوف على حقيقة هذه الصناعة الشريفة، وقد أحسن الدكتور/ نايف في بيان هذا المنهج من خلال عملية الإحصاء لهذه الأدلة، وهذه الإحصائيات تدلّ على أهمية الدليل بالنسبة لشيخ المفسِّرين، والتفكّر والاعتبار باجتهاد الأئمة المحقّقين في عِلْم من العلوم هو سبيل واضح للتأصيل لهذا العلم، وهذا المسلك هو الذي سار عليه الطوفي في (الإكسير في علم التفسير)[8]؛ حيث قرّر هذا الطريق المسلوك لأئمتنا في تأصيل العلوم بالنظر في اجتهادات الأئمة السابقين ومحاولة استنباط القوانين الحاكمة للاجتهاد في علومنا الشرعية[9].

2- بيان أهمية الاستدلال في التفسير، وأنه لا قول صحيح بغير دليل، حيث يقول الدكتور/ نايف: «فإذا كان ذلك المنهج الشرعي والأصل العقلي العلمي = لازمًا لإثبات أيّ قضية ودعوى؛ فإنه في مقام بيان مراد الله تعالى من كلامه ألزم وأوجب؛ لأن الخبر عن الله ليس كالخبر عن غيره»[10].

3- الوصف الدقيق لمعالم صنعة التفسير عند الإمام ابن جرير مع بيان طريقته في حكاية الأقوال واستعمال الأدلة المختلفة: النقلية والعقلية؛ لنصرة الصواب ورَدّ الخطأ.

4- تحديد مجال الاجتهاد في التفسير، حيث يقول: «يفرّق ابن جرير بين القول بما لم يَرِد عن السَّلَف في التفسير والقول بخلاف ما ورَدَ عنهم؛ فالثاني هو الممنوع قطعًا، أمّا الأول فصحيح موجود عند ابن جرير (ت: 310)؛ ومنهجه فيه نظير منهج السَّلَف فيما ورد عنهم»[11].

ثانيًا: أهم المآخذ والملاحظات على الكتاب:

تبدّت لنا من خلال النظر في الكتاب بعض الملاحظات، وهي لا تُنقص بطبيعة الحال من قَدْر الكتاب الذي لا أُخْفِي إعجابي به، وهذه الملاحظات هي:

أولًا: الاستدلال حقيقة صناعة التفسير وعلوم الشريعة كلّها، وليس بابًا من أصول التفسير:

ذكر الدكتور/ نايف من أهداف دراسته: «إبراز باب جليل من أبواب أصول التفسير، هو باب الاستدلال؛ وتحرير موضوعاته ومسائله»[12]، والاستدلال ليس في حقيقة الأمر بابًا من أصول التفسير، بل هو حقيقة صناعة التفسير وكلّ صناعة شرعية؛ لأنّنا نستعمل الاستدلال في الفقه وأصوله والحديث وعلومه كما نستعمله في صناعة التفسير؛ ويظهر هذا من تعريف العلماء للصناعة بأنها مَلَكَة «يقتدر بها على استعمال موضوعاتٍ ما لنحو غرض من الأغراض صادرًا عن البصيرة بحسب الإمكان. والمراد بالموضوعات آلات يتصرّف بها سواء كانت خارجية كما في الخياطة أو ذهنية كما في الاستدلال»[13].

ولكلّ صناعة شرعية حظّها من الاستدلال؛ فالفقه -وإن كان يقوم على الاستدلال بالأدلة التفصيلية لكلّ مسألة- لكن استعمال هذه الأدلة التفصيلية يفتقر إلى أصول، والأصول -كما قال الشهاب القرافي- قسمان: «أحدهما المسمَّى بأصول الفقه؛ وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصّة وما يعرض لتلك الألفاظ من النَّسْخ والترجيح، ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم... والقسم الآخر قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحِكمه، لكلّ قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى ولم يُذكر منها شيء في أصول الفقه»[14].

والتفسير كالفقه في الاستدلال، والفرق بينهما في مخرجات الاستدلال؛ فالفقه يكون الاستدلال فيه لإيجاد حُكْم للنوازل الجديدة من خلال عملية القياس، والاستدلال في التفسير للبرهنة على صِحّةِ فهمِ المفسِّر لمراد الله من كلامه.

والاستدلال في التفسير قد يظهر في صورة أدلة تفصيلية بحسب الآيات المفسّرة، لكن عند التحقيق نجد هذه الأدلة التفصيلية تنتمي إلى أصول، ويمكن جعلُ هذه الأصول قسمين:

الأول: الأدلة الإجمالية: وهي (أصول التفسير)[15]، وهي تمثّل أكثر أدلة المعاني التي عرضها الدكتور/ نايف من خلال منهج ابن جرير في الاستدلال بها، أو هي مصادر التفسير عند بعضهم[16]، وبعضها يدخل في الأُطر القاعدية لعلم التفسير، وتفصيل ذلك -إن شاء الله تعالى- في موضع آخر.

والثاني: قواعد التفسير[17]: وقد كانت كتب علوم القرآن تضمّ النوعين، لكن ظهرت الحاجة في هذه الأيام إلى التمييز بينهما. ومما سبق يظهر أنّ الاستدلال في التفسير -وإن كان يتم بأدلة تفصيلية بحسب المقام- لكن المفسِّر يراعي في أدلّته هذه موافقةَ أصول التفسير وقواعده، ومن ثَمّ فالاستدلال يشمل هذه المستويات الثلاثة: 1- الأدلة الإجمالية (أصول التفسير). 2- قواعد التفسير. 3- الأدلة التفصيلية. وقد أوضحنا هذه المستويات للاستدلال بأمثلة في دراسة أخرى يسّر اللهُ نشرها قريبًا.

والمراد بهذا الكلام هو لفت الأنظار إلى أهمية الاصطلاح في صناعة التفسير، وأنّنا بحاجة إلى اتفاق أهل التخصّص على تحديد المراد بـ(أصول التفسير) وقواعد التفسير، ومن ثَم تحديد علاقة الأصول والقواعد بعملية الاستدلال، ولم أقف في كتاب الدكتور/ نايف على تحديدٍ ظاهر لهذه المصطلحات.

ثانيًا: هل الاستدلال لاحق لمرحلة تحديد المعنى؟

قال الدكتور/ نايف: «ويتبيّن من التعريف كذلك أنّ مرحلة الاستدلال على المعاني لاحقة في الأغلب لمرحلة تحديد المعنى وبيانه؛ وهي المرحلة التي يحدّد فيها المفسِّر معنى الآية من خلال جملة من المصادر والتي بحثها العلماء تحت: (مصادر التفسير، ومآخذه، واستمداده، ووجوه بيانه، وطرقه)»[18].

كذا قال، والأصل أنّ الدليل هو الذي يرشد إلى المعنى؛ فهو سابق للمعنى ذهنًا وطبعًا؛ فكان الأصل أن يقدَّم وضعًا، لكن الطبري كثيرًا ما يقدِّم المعنى ثم يردفه بالدليل؛ لأن الطبري وأمثاله من الحُفّاظ تحصل الأدلة ومدلولها في الذِّهن دفعة واحدة، فلا فرق عنده بين أن يبدأ بالدليل ثم يردفه بمدلوله، أو أن يبدأ بالمدلول ثم يردفه بدليله، لكن لو كان الباحث في التفسير من غير الحُفّاظ فلا بد أن ينطلق من الدليل إلى المدلول.

وقد يكون الاستدلال لاحقًا لتحديد المعنى إن أراد بذلك تحديد المعاني المحتملة للنصّ، ثم الاستدلال بوجوه الأدلة على الراجح من ذلك.

ثالثًا: التأكيد على أهمية الاصطلاح:

قال الدكتور/ نايف: «ويقرب من دليل القرآن بهذا المعنى دليل القراءات والسياق القرآني والنظائر القرآنية؛ إِذْ فيها بيان بالقرآن عن صواب المعاني وخطئها، ومن ثم يدرجها كثير من المفسِّرين ضمن (تفسير القرآن بالقرآن)، وذلك صحيح من جهة بيان المعنى، أمّا جهة الاستدلال بالقرآن على تلك المعاني فتستلزم اعتبارات أُخَر، تستوجب التفريق بين هذه الأنواع عند الاستدلال بها، فلكلّ دليل منها منهجه في التلقّي والثبوت، وضوابطه في الاستدلال، ومنزلته من الأدلة، وترتيبه منها، فمن ثم لزم تمييز كلّ دليل منها عن الآخر. ففي دليل القراءات مثلًا يصح الاستدلال بالقراءة الشاذة، ولا مدخل لذلك في دليل القرآن»[19].

القراءات القرآنية هي من آلات التفسير النقلية التي لا بدّ للمفسِّر أن يكون عالمًا بها مطّلعًا عليها[20]، وهي لا شكّ من الأدلة التي يهتدي بها المفسِّر للصواب، لكني أقول: هي من الأدلة التفصيلية التي ترجع إلى الأصل الأول وهو القرآن الكريم، وليست دليلًا مستقلًّا، أو هي من الأدلة القاعدية التي تنتمي إلى الظّهير القاعدي لآلات التفسير[21]؛ كقول بعضهم: «القراءات يُبيِّن بعضها بعضًا»[22].

وما ذكره الدكتور/ نايف يُذكِّر بمسألة: علاقة القرآن بالقراءات؛ فمن العلماء مَن ذهب إلى التفرقة بينهما، فهما حقيقتان متغايرتان: فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- للبيان والإعجاز. والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفيتها؛ من تخفيفٍ وتثقيل وغيرهما[23]. ومنهم مَن رأى أنهما حقيقتان بمعنى واحد؛ لأنّ القرآن مصدرٌ مرادف للقراءة لغةً؛ ولأنه تواتر الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنزول القرآن على سبعة أحرف، فقد رواه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- اثنان وعشرون صحابيًّا[24]، قلتُ: لا شك في اتحادهما من جهة أن العبادة تقع بقراءة القرآن، وقارئ القرآن لا يقرأ القرآن إلا بقراءة من القراءات العشر المتواترة[25]؛ لذلك فعامة المسلمين إنما يعرفون القرآن بالقراءة المنتشرة في بلدهم، فالتفريق بينهما تفريق ذهني فقط، لا حقيقة له في الخارج، ولا يوجد في الدنيا إسناد إلى قرآن مطلق عن التقييد بقراءة من القراءات المتواترة.

وأمّا قوله: «ففي دليل القراءات مثلًا يصح الاستدلال بالقراءة الشاذة، ولا مدخل لذلك في دليل القرآن»، قلتُ: القراءات الشاذة مَن يستدل بها لا يجعلها من دليل القرآن، بل هي من أخبار الآحاد[26]؛ لهذا بحثها الأصوليون في مباحث الأخبار[27]، وقد ذكر الدكتور/ نايف أن القراءة الشاذة تُعامَل في الاستدلال معاملة الأثر؛ «فإنْ كانت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيتبع فيها منهج الاستدلال بالسنّة، وإن كانت عن السَّلَف فيتبع فيها منهج الاستدلال بأقوال السَّلَف»[28]؛ وكلامه في هذا الموضع موافق لما ذكرناه من كون القراءات ليست بدليل مستقلّ، وأنه يمكن إلحاقها بالآثار كدليل تفصيلي يستخدمه ابن جرير بحسب المقام.

لهذا، فجَعْلُ القراءات أصلًا مستقلًّا في الاستدلال لا يستقيم من جهتين:

الجهة الأولى: الاصطلاح، كما ظهر مما سبق.

الجهة الثانية: البحث الوصفي لما في تفسير الطبري؛ لأنّ الطبري -بحسب إحصائيات الدكتور/ نايف[29]- استدلّ بالقراءات الشاذة في أكثر من (90 %) من مرات استدلاله بالقراءات؛ فكان الأَوْلى أن يضيف نسبة استدلاله بالقراءات المتواترة -وهي قليلة- إلى دليل القرآن، ليكون هذا الدليل «استدلاله بالقراءات الشاذة»، ويكون هذا أقرب لواقع تفسير الطبري، والله أعلم.  

رابعًا: سؤال حول إحصائيات الكتاب:

من الجميل في هذه الدراسة جمع إحصائيات عن استعمال ابن جرير -رحمه الله تعالى- لأدلة المعاني، وهو عمل فيه جدة واجتهاد من الباحث -جزاه الله خيرًا-، لكن هذا العمل الجاد والشاقّ ينقصه أن يضع الباحث أُسُسَ البناء الإحصائي بين يدي القارئ ليكون هناك فهم للمؤثِّرات في نتائج هذا الإحصاء؛ لأننا وجدنا الدكتور/ نايف يذكر أن الطبري يذكر عددًا من الأدلة في الآية الواحدة؛ فيبدأ الطبري بدليل اللغة ثم دليل الشرع ثم دليل العقل[30]، ولم يذكر كيف يعدُّ هذا الموضع الذي تعدّدت فيه الأدلة في إحصائه؟ وأيضًا ذكر أن الطبري يكتفي بذِكْر بعض الأدلة، ويحيل في مواضع على ما سبق بيانه منها أو ما سيأتي[31]، ولم يذكر ما موقع هذه الإحالات من إحصائه؟ فذِكْرُ الضوابطِ التي اتّبعها في هذا الإحصاء في منهج الدراسة في أول كتابه = كان أَولى من ذِكر تخريج الآيات في حاشية الكتاب أو في متن الرسالة.  

خامسًا: في الكتاب بعض التحريف والوَهْم في الضبط:

1- من التحريف في مقدمة الكتاب «اثني وعشرون»[32]، وهو وَهْمٌ ظاهر؛ حيث جمع بين علامة النصب -الياء في (اثني)- وعلامة الرفع -الواو في (عشرون)- وهما متعاطفان، وقد تكرّر هذا في الكتاب في غير موضع[33]. كما أن الأعداد المعطوفة لا تُحذف منها النون، فيُقال: اثنان وعشرون.

- ومثله قوله: «إحدى عشر»[34]، وقبلها (عاشرًا)؛ ولا يستقيم هذا لغة للمخالفة بين العددين في التذكير والتأنيث؛ فالصواب في مثله أن يقال: (إحدى عشرة) للمؤنث، و(أحد عشر) للمذكّر، وقد تكرر هذا التحريف في الخاتمة (ص613)، وقد جاء على الصواب (حادي عشر) (ص538).

2- ومن الخطأ في الضبط قوله: «وهذا كثير من أبي العباس ثعلبَ؛ لأنه كان شديد النّفْس، قليل الشهادة لأحد بالحذق في علمه، وقد عارَض اللغويُّ المبرزُ أبو عمر الزاهد، المشهور بغلام ثعلبَ...»[35]، فقد منع (ثعلب) من الصرف في الموضعين؛ فجرَّه بالفتحة، والصواب أن يجر بالكسرة منونًا (ثعلبٍ).

وهناك أمر شائع في الكتاب وهو وضع التنوين بالفتح على الألف الزائدة، وعلامة الإعراب إنما تُوضع على الحرف الأخير من الكلمة.

ومثل هذا ننبه عليه ليخرج الكتاب في أبهى صورة تناسب قيمته العلمية السامقة بين الدراسات القرآنية المعاصرة.

الخاتمة:

نخلص من هذه المقالة بنتائج، هي:

1- أهم ما أكّده كتاب (الاستدلال في التفسير) للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني هو اعتماد صناعة التفسير على الاستدلال، فلا يُقبل قول دون دليل، وصناعة التفسير لا تختلف في هذا عن علم الفقه أو غيره من علوم الشريعة، فالاستدلال بنصوص الوحي المنقول أو بالمعقول من هذا المنقول هو حقيقة العلوم الشرعية كلها، وقد أكّد هذا من خلال الواقع العملي في تفسير شيخ المفسِّرين.

2- أظهرت المقالةُ أهميةَ الاصطلاح في صناعة التفسير، وأننا في حاجة ملحّة إلى استقرار الاصطلاح بين أهل التخصّص، وكاتب المقالة لا يشكّ أنّ هذا الاختلاف في شيء من الاصطلاح في هذه الصناعة الشريفة لن يدوم طويلًا، لكن علينا أن نسرِّع عملية استقرار هذا الاصطلاح بمزيد من المباحثة والنقاش حول نقاط الاختلاف.

3- أظهرت المقالةُ حاجةَ الكتاب إلى مزيد من المراجعة والعناية بضبطه؛ لوقوع شيء يسير من التحريف والخلل في ضبطه.

وأخيرًا نُوصي أن تدعو أقسام التفسير في الكليات الشرعية أو المراكز البحثية -مثل مركز تفسير للدراسات القرآنية- إلى مؤتمر أو ملف بحثي بعنوان: (الاصطلاح في صناعة التفسير)؛ ليكون سبيلا لتوسيع الكلام في هذا الأمر وبسط القول فيه.

وصلَّى اللهُ تعالى وسَلَّم على خير الخلق محمد وآله وصحبه ومَن سار على هديه، ربِّ اغفر لي ولوالدي ولمشايخي وللمؤمنين أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

[1] يراجع: طبقات المفسِّرين، للسيوطي، ص96.

[2] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص19.

[3] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص22.

[4] أفدته من السيرة الذاتية للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، منشورة على الإنترنت في صفحات أربع: www.uj.edu.sa/GetFile.

[5] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص7، 8.

[6] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص611- 616.

[7] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص8.

[8] يراجع: الإكسير في علم التفسير، لنجم الدين الطوفي، ص43.

[9] هناك من الباحثين مَن يحاول أن يستخدم فلسفة العلوم في سعيه لتطوير العلوم الشرعية، وهؤلاء مع قصدهم الحسن يفسدون ولا يصلحون؛ لأن فلاسفة العلوم ينظرون إلى غير العلوم التجريبية نظرة استخفاف أو احتقار، وهؤلاء الباحثون بذلك يجعلون علوم الوحي تابعة لا متبوعة، ويقرّون -بلسان الحال- أنها فرع لا أصل قائم بنفسه، والواقع الذي يعلمه أئمة الدِّين أنّ علوم الشرع لا تشبه غيرها من العلوم التجريبية أو العقلية كالرياضيات؛ لأنها تحوي سُبل فهمها واستثمارها، ومكتفية بمناهجها، ولا تفتقر إلى منهج فلسفي.

[10] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص67.

[11] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص383.

[12] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص109.

[13] يراجع: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، لمحمد بن علي الحنفي التهانوي، (2/ 1097).

[14] يراجع: كتاب الفروق، للقرافي، تح: د. محمد أحمد سراج، دار السلام- القاهرة، (1/ 70).

[15] تعرف أصول التفسير بأنها: «أدلة التفسير الإجمالية وكيفية الاستفادة منها». يراجع: الإكسير في نقد دعوى الفراغ القاعدي لعلم التفسير، نشره مركز تفسير، ص90.

[16] وقد نقل الدكتور/ نايف هذا الاسم عن جماعة. يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص57.

[17] إذا أطلقت قواعد التفسير فإنها تنصرف إلى قواعد علوم القرآن، لكن الواقع قد يفرض على المفسِّر الرجوع إلى قواعد آلات التفسير للبرهنة على فساد قول من الأقوال، وهذا ما سميناه الأطر القاعدية لعلم التفسير. يراجع: الإكسير في نقد دعوى الفراغ القاعدي لعلم التفسير، ص101.

[18] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص56، 57.

[19] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص187.

[20] يراجع: الإكسير في نقد دعوى الفراغ القاعدي لعلم التفسير، ص109.

[21] يراجع: الإكسير في نقد دعوى الفراغ القاعدي لعلم التفسير، ص108.

[22] يراجع: الإتقان، للسيوطي (1/ 227)، وقواعد التفسير، للدكتور/ خالد السبت (1/ 90).

[23] يراجع: البرهان، للزركشي، تح: د. يوسف عبد الرحمن المرعشلي وآخرين، دار المعرفة - بيروت، (1/ 465).

[24] يراجع: المغني في توجيه القراءات العشر المتواترة، للدكتور/ محمد سالم محيسن، مكتبة الكليات الأزهرية- القاهرة، ط2،ص47.

[25] قال النووي: «نقل الإمام أبو عمر بن عبد البر الحافظ إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ، وأنه لا يصلَّى خلف من يقرأ بها». يراجع: التبيان في آداب حملة القرآن، للنووي، ص97.

[26] يراجع: الإتقان، للسيوطي (1/ 228)، وقواعد التفسير، للدكتور/ خالد السبت (1/ 92).

[27] يراجع: نفائس الأصول، للشهاب القرافي، تح: عادل عبد الموجود، مكتبة نزار (7/ 3049).

[28] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص236.

[29] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص229.

[30] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص176.

[31] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص177.

[32] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص22.

[33] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص385، 615.

[34] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص452.

[35] يراجع: الاستدلال في التفسير، للدكتور/ نايف بن سعيد الزهراني، ص403.

الكاتب

إبراهيم أحمد السناري

حاصل على الدكتوراه في الآداب - الدراسات الإسلامية، وله عدد من البحوث العلمية المنشورة.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))