تفسير السلف؛ الأهمية والضرورة
قراءة في أسباب أهمية تفسير السلف، وكيفية توظيفه في حلّ إشكالات علم التفسير

يُمثّل تفسيرُ السلف قيمةً لا تخفى مكانتها في مدونة التفسير وتبيين معاني القرآن الكريم، وتقصد هذه المقالة إلى الكشف عن الأسباب الموضوعية لأهمية تفسير السلف، كما تسلِّط الضوء على كيفية توظيفه في حلّ بعض الإشكالات المركزية في فنّ التفسير.

تمهيد:

  يمثّل تفسيرُ السلف قيمةً لا تخفى مكانتُها في مدونة التفسير وتبيين معاني القرآن الكريم، ويَظهر كتفسيرٍ له ما يميّزه عن غيره مما جاء بعده على أصعدة كثيرة. وقد حظي هذا التفسير باهتمام المفسّرين على مَرّ التاريخ، حيث تصدَّوا لجمْعِه وتدوينهِ وكذا القيام بتصنيفه وترتيبه، كما نجده عند الطبري، وابن أبي حاتم والسيوطي وغيرهم، كما أن بعضهم اقتصروا عليه في التفسير، بل وأوجبوا أن تكون ممارسة التفسير من خلاله لا غير كما نجده عند الطبري.

وبرغم هذه الأهمية والمنزلة لتفسير السلف في مدونة التفسير، والتي يتوقع معها بروز أسباب موضوعية تبيّن أسباب فرادة هذا التفسير وتميّزه عن غيره في ممارسة التفسير، إلّا أن المتأمّل في أسباب هذه الأهمية ودوافعها يجدها ترجع دومًا -كما نجده في كثيرٍ من الدراسات- ليس لأسباب تفسيرية تتعلّق بطريقة إنتاج هذا التفسير وحيازته لشروط منهجيّة معيّنة في ممارسة التفسير لم تتوفّر في غيره مما جاء بعده، وإنما لأسباب خارجية ترجع إجمالًا للمكانة العامّة التي يحظى بها هذا الجيل، وخصوصية حقبته، وسلامة مقولاته من الانتصار لدوافع عقائدية معيّنة، ومعاصرته وقربه من النبي -صلى الله عليه وسلم- وزمان نزول القرآن...إلخ.

ولا شك أن بعض هذه الأمور له أثر ظاهر في الوزن النوعي والموضوعي لأهمية تفسير السلف لا سيما القرب من النبي -صلى الله عليه وسلم- وزمن النزول، إلّا أنّ جُلّها مما يجعل مقولة السلف التفسيرية تكتسب أهميتها بصورة عامة من حيث هي مقولة صادرة عن السلف باعتبار نسبتهم لطبقة لها خصوصيتها العامة، لا من حيث الطريقة العلمية المتّبعة لديهم في إنتاج المقولة ذاتها وطبيعة الشروط المنهجية التي تحتفّ بهذه المقولة في ميدان التفسير.

وإنّ الناظر في مسار التفسير يجد -كما سيأتي- أنه قد وقع تباين في مفهومه فصارت له عدّة معانٍ ومفاهيم متغايرة؛ فبعضهم يقصره على بيان المعنى، وبعضهم يوسّع مفهومه ليشمل جملة أمور أخرى؛ كالاستنباطات والأحكام والهدايات...إلخ، وفي ضوء افتقاد معيار منهجي محدّد للفصل في مفهوم العلم صار لدينا تنازعٌ بين النظّار في اعتبار المفهوم الأَوْلَى بتمثيل التفسير، والذي يجب أن يكون عليه المدار في الفنّ، كما أنتج ذلك خلافات في تصوّر مسالك النهوض بالتفسير ورسم خرائط تجديده؛ نظرًا لاختلاف تصوّر العلم ذاته، فضلًا عمّا نجم عنه من إشكالات مؤرّقة في بنية علم التفسير يتعذّر استمرار سيره بها؛ لما تفضي إليه من إشكالات عديدة في تصوّر العلم ذاته وجِهات استمداده وكيفية التأريخ والتقعيد له وطبيعة الأدوات اللازمة لممارسته، وغير ذلك.

وفي ضوء ما سبق، تأتي هذه المقالة لتبرز من جانبٍ ما لتفسيرِ السلف من أهمية، من خلال تأمل بعض المميزات العلميّة الداخلية لهذا التفسير وما عساه أن يكون قد أكسبه فرادة داخل مدونة التفسير مما جاء بعده، وكذلك تسعى من جانبٍ آخر لتقديم طرحٍ لتوظيف تفسير السلف في حلّ بعض إشكالات علم التفسير باعتباره تفسيرًا يمثّل بداية الممارسة الفعلية للفنّ، ويحظى بمكانة وأهمية ليست محلّ خلاف في مدونة التفسير بأسرها، وهو الأمر الذي يفضي لبيان جانب من الأسباب الموضوعية لأهمية تفسير السلف، وكذا تسليط الضوء على الإشكالات المركزية في التفسير وتحقيق الوعي بها؛ لتكون مجالًا للبحث والمطارحة بين الدارسين، لا سيما وأنها قلّما يُتَطرّق لها في البحث والدرس رغم عظيم أمرها وأثرها في الفنّ.

وسنجعل المقالة في قسمين رئيسين؛ أحدهما لبيان أسباب أهمية تفسير السلف، والثاني لبيان كيفية توظيف هذا التفسير في حلّ بعض الإشكالات المركزية في فنّ التفسير، وفيما يأتي بيانهما:

القسم الأول: تفسير السلف؛ قراءة في أسباب الأهمية:

إنّ مدونة التفسير مدونة مترامية الأطراف وكثيرة في مادتها ومصنفاتها وتآليفها، ولا شك أن ارتباط تفسير السلف بالسلفِ أنفسِهم والحقبة التي كانوا فيها أمرٌ لا يسَعُ إغفاله عند النظر لأهمية تفسير السلف في مدونة التفسير وتحرير أسباب هذه الأهمية، إلا أن بيان المزايا العلميّة لهذا التفسير باعتباره تفسيرًا اجتهاديًّا بالأساس ينبغي أن يقوم على معايير موضوعيّة من داخل علم التفسير ذاته، وهو ما يسهم بصورة رئيسة في إنضاج عملية التقويم المنهجي لمادة التفسير في مدونة التفسير، وجعلها ترتد لمعايير منهجية في تقويمها وتنزيل الأحكام عليها وفق أسس علميّة موضوعيّة، وهو أمرٌ نفتقده بشدّة في مجال التفسير والذي تجري المفاضلة بين مصنفاته وفقًا لاعتبارات لا ترجع في غالبها لشروط منهجية تتصل بالتفسير ذاته ونسق ممارسته.

ونحن في بيان هذه الأهمية سنركّز على تسليط الضوء فقط على اعتبارات ومعاقد كلية تتعلّق بتفسير السلف وجعلها محلّ النظر في بيان الوزن النوعي لهذا التفسير، فهذا ما يقتضيه المنهج؛ إِذْ تحرير مثل الأهمية العلمية لتفسير السلف يحتاج لدراسات موسّعة في استجلائه والكشف عنه، كما أن معرفة هذه المرتكزات الكلية يعدّ أمرًا بالغ المركزية في تحرير أهمية تفسير السلف؛ لما يفيده في ضبط النظر العام لوضعية هذا التفسير وتحرير الإطار الذي يدور فيه بحث الجزئيات المتّصلة ببيان أهمية هذا التفسير لاحقًا.

والمتأمل في تفسير السلف يجد أن أهمية هذا التفسير ترجع لاعتبارات رئيسة؛ أبرزها في نظرنا اثنان:

الأول: مفهوم التفسير عند السلف.

الثاني: طبيعة المعنى التفسيري في تفسير السلف.

وفيما يأتي بيان ذلك:

أولًا: مفهوم التفسير عند السلف:

المتأمّل في تفسير السلف يجده يدور بصورة عامّة على تبيين المعنى وتحرير المراد تحديدًا دون توسّع فيما وراء ذلك من استخراج الأحكام والهدايات واللطائف... إلى آخر ما نجده في كثيرٍ من مصنفات التفسير.

يقول السيوطي: «ولمّا كان هذا التفسير المشار إليه... [تفسير السلف]، ليس فيه إعراب، ولا سِرٌّ بياني، ولا نكتة بديعة، ولا استنباط حكم، إلّا نادرًا...»[1].

ومما يدلّل على أن تفسير السلف ينحو لتوضيح المدلولات وما يرتبط بها من امتدادات، لا التوسّع فيما وراء ذلك =جملة أمور؛ أبرزها:

أولًا: مطالعة مروياتهم في التفسير: فالناظر في مقولاتهم التفسيرية في المصنفات التي اعتنَت بإيرادها؛ كالطبري وابن أبي حاتم والدرّ المنثور...إلخ، يجد أن جُلّها ينحو لبيان المعنى وكشف مدلول التركيب وتقريره، لا التوسّع في سرد الأحكام والنكات واللطائف...إلخ، مما تجد له حضورًا في كثيرٍ من التفاسير الموسِّعة للمفهوم.

 ثانيًا: اشتغال الطبري بمقولاتهم في التفسير: إنّ تفسير الطبري يعدُّ -على طوله- أبرز التفاسير التي اعتنَت بتحرير المعاني وعدم الولوج فيما وراءها مما تجده في كثير من التفاسير الموسِّعة للمفهوم؛ فالطبري صرّح في مقدمته بجلاء برغبته في استيعاب الكلام على المعاني، حيث قال: «ونحن -في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه- مُنشِئُون -إن شاء الله ذلك- كتابًا مستوعِبًا لكلّ ما بالناس إليه الحاجة مِن علمه، جامعًا... ومخبِرون في كلّ ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحُجّة فيما اتفقَت عليه منهُ، واختلافها فيما اختلفَت فيه منهُ، ومُبيِّنو عِلَل كلّ مذهب من مذاهبهم، ومُوَضِّحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك»[2]. فالطبري رغب أن يكون جامعًا للمعاني التفسيرية ومحررًا لصحيحها من ضعيفها وهو ما أعطاه مركزية في التفسير بتمامه؛ كون تبيين المعنى هو صُلب التفسير، وهو ما قررناه على نحوٍ خاصّ في مقالتنا: «تفسير الطبري؛ قراءة في أسباب مركزيته في التفسير»[3].

والناظر في مادة كتاب الطبري يجد أن قوامها هو مرويات السلف التفسيرية لا غير، ولمّا كان كتاب الطبري قد استوعب على الحقيقة جُلّ مادة التفسير الخاصّة بالسلف كما هو معلوم، فإنّ ذلك يبرز بجلاء وضوح عملية التبيين للمعنى في مروياتهم، ودوران جُلّ مقولاتهم عليها؛ إِذْ ما هو خارجٌ عن تفسير الطبري من أقوال السلف لا يُضاهي بحالٍ القدرَ المثبَت فيه من أقوالهم.

وإنّ مما يبين أهمية هذا المفهوم التفسيري في تفسير السلف هو النظر لطبيعة واقع التفسير في مصنفاته؛ فمفهوم التفسير يعاني من تفاوت دلالي واسع -كما سيأتي معنا في القسم التالي- يمتد من بيان المعنى إلى استخراج الأحكام والنظر في الحِكم والهدايات والمقاصد وسرد اللطائف البيانية والإعرابية والنكات البلاغية وغيرها، وهذا التفاوت معلوم وظاهر مِن تفاوت تعريفات التفسير في تصوّر التفسير ومكوناته، وكذلك من واقع مادة التفسير في مصنفاته، إلّا أننا رغم تفاوت دلالات التفسير وتشعب مادته يمكننا أن نميّز دوائرها بصورة عامة إلى دائرتين رئيستين:

الأولى: دائرة توضيح مدلولات الألفاظ والتراكيب وما يتعلّق بها (بيان المعنى).

الثانية: دائرة ما فوق توضيح المدلولات (بيان المعني)؛ من استخراج الأحكام والهدايات...إلخ.

وهاتان الدائرتان لهما ظهور بيّن -بغضّ النظر عن تفاوته قلّةً وكثرةً- في واقع مصنفات التفسير، والتي ينشغل بعضها بصورة ظاهرة بتقرير المعاني ولا يزيد عن ذلك، وبعضها يتوسّع -على تفاوت بينها في ذلك- فيستخرج الأحكام الشرعية واللطائف البيانية والهدايات والتصوّرات القرآنية إزاء القضايا...إلخ.

والمتأمل في هاتين الدائرتين يلحظ بجلاء أن الدائرة الثانية -برغم ما فيها من دوائر- لا وجود لها ولا قيام إلّا على الدائرة الأولى؛ فاستخراج الأحكام والنكات...إلخ لا يتأتَّى إلّا بعد تحرّر المعنى أولًا واستيعابه؛ ومِن ثَمّ فإن الدائرة الأولى هي عصَب التفسير وصُلبه كما حرّرناه في غير هذا الموضع[4].

وإنّ قيام تفسير السلف على بيان المعنى دون توسّع يعني أنه تفسير ممثِّل لصُلب التفسير وعصَبه بصورة مدقّقة، وهذا يعطيه أهمية شديدة جدًّا في مدونة التفسير؛ إذ البحث فيه وفي مسالك إنتاجه وتأسيسه بحث في صُلب العلم واستكناه لأدوات التفسير ومصادره اللازمة لممارسته وكيفيات فعل التبيين وطرائقه، وهو أمرٌ شديد النفاسة بل لا قيام للعلم إلّا بالحفر المعمّق في مثل هذه الأمور، وإلّا فلو كان صلب العلم وما عليه مداره مهملًا وليس ثَم درس لأدواته وقواعد ممارسته، فنحن بالتالي ليس لدينا علم له نسق على الحقيقة.

ثانيًا: طبيعة المعنى التفسيري في تفسير السلف:

لعلّ من أكبر المزايا التي تختصّ بها مقولات السلف هو أنها مقولات تفسيرية خالصة؛ أي: إنها تقرّر المعنى المراد من النصّ، لا تشرح الدلالات اللغوية المتعدّدة لألفاظه وتراكيبه من مثل الدلالات البيانية والصرفية والنحوية التي يقتضيها الإعراب...إلخ، مما يكون في اعتباره مقولة تفسيرية إشكالٌ ظاهرٌ.

وصحيح أنّ الأصل في التفسير هو تقرير المراد من النصّ، ولكن ما دعانا للتنبيه عليه باعتباره خصيصة رئيسة لمقولات السلف، بل وربما أهم الخصائص على الإطلاق =هو دوران تفسيرهم على هذا النسق، وكثرة وقوع التبيين بعدهم على غير هذا النحو، وانشغاله بشرحِ النصّ لغويًّا وتقريرِ معانٍ ودلالات لغوية لتراكيبه باعتبارها معانِيَ تفسيرية.

يقول ابن القيم: «وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول: تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحو إليه المتأخرون. وتفسير على المعنى، وهو الذي يذكره السلف. وتفسير على الإشارة والقياس، وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم»[5].

إنّ هذا التقسيم من ابن القيم يحمل توصيفًا دقيقًا لواقع ممارسة التفسير في مدونة التفسير، إلا أننا متى تأملنا هذا الواقع الذي ذكَره ألْفَينا أن التفسير -من حيث هو تحرير للمراد من نصّ القرآن وكشف لمدلولاته- فالواجب ألّا يكون إلّا لبيان المراد، فأما الإشارات فليست تفسيرًا للنصّ قولًا واحدًا، وإنما هي من جملة الاستنباطات، وأما الشرح اللغوي المجرد للنصّ وسرد ما يقتضيه من دلالات وفقًا للمعطيات النحوية والإعرابية والبيانية والصرفية...إلخ، والإتيان بهذه الدلالات اللغوية باعتبارها معانِيَ تفسيريةً فمشكِل[6]؛ لأن التبيين اللغوي -أيًّا كانت أنواع الدلالات اللغوية التي يشتغل بها- لا يبرز المراد السياقي للكلام في داخل النصّ ويكشف عن المعنى وراء التركيب، وإنما ينحصر في فلَك دلالات جزئية لواقع الألفاظ أو التراكيب؛ ومن ثم لا يمكن عَدّه دلالة تفسيرية للمراد؛ فـ«الخطاب كلام مشافهة يوجَّه إلى سامع حاضر ضمن جملة من السياقات الظرفية، والعلاقة التي يتضمنها عبارة عن متكلِّم وسامِع، والرابط الذي يجمعهما هو رابط التبليغ المباشر، حيث يقصد المتكلم بكلّ الوسائل الدلالية (السيمائية) المتاحة من لغوية وغيرها إفهامَ السامع مضمون كلامه...، أما النصّ فهو مدونة من الكلام غير المشافه يخلو من السياقات الظرفية الحيّة التي يقتضيها الخطاب...»[7]، ومن هاهنا كان تحرير المراد من النصوص مما يحتاج لجهد ونظر مدقّق؛ فالمفسّر يعيد استلهام النصّ، وكأنه يجعل السياق فيه سياق مخاطبة ومشافهة، ثم يقرّر المراد في ضوء استشرافه لهذا السياق والقرائن التي يحملها الكلام فيه؛ ولذا فإنه يجاوز ظواهر ما يبدو من الدلالات اللغوية العامّة للألفاظ والتراكيب ليبين لك المعنى الخاصّ منها، ويوضّح لك المدلول المراد من ورائها والمقصود الذي ترمي إليه، ويتأمّل الاحتمالات الممكنة ويقرّر الصائب منها، وهذا جهد يحتاج إلى تغلغلٍ كبيرٍ جدًّا في بنية النصّ القرآني وتأمّل شديد الدقّة لسياقاته الداخلية والخارجية.

وتأمّل كيف فسّر السلف قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ}[المائدة: 5]، بـأنه: الكفر بالله، وما ذلك إلّا لكون السياق يدور حول إباحة الزواج من الكتابيّات ما يجعل الإيمان المراد هاهنا هو مطلق الإقرار بوجود الله لا غير.

يقول الطبري معلقًا على تفسير السلف: «الإيمان هو التصديق بالله وبرسله وما ابتعثهم به من دينه، والكفر: جحود ذلك. قالوا: فمعنى الكفر بالإيمان هو جحود الله وجحود توحيده. ففسروا معنى الكلمة بما أريد بها وأعرضوا عن تفسير الكلمة على حقيقة ألفاظها وظاهرها في التلاوة...»[8].

إنّ الكلمات والألفاظ «لم تُقصد لنفسها، وإنما هي مقصودة للمعاني، والتوصّل بها إلى معرفة مراد المتكلم، ومراده يظهر من عموم لفظه تارة ومن عموم المعنى الذي قصده تارة، وقد يكون فهمه من المعنى أقوى، وقد يكون من اللفظ أقوى، وقد يتقاربان كما إذا قال الدليل لغيره: لا تسلك هذا الطريق؛ فإن فيها من يقطع الطريق، أو هي معطشة مخوفة =علم هو وكلّ سامع أنّ قصده أعمّ من لفظه، وأنه أراد نهيه عن كلّ طريق هذا شأنها، فلو خالفه وسلك طريقًا أخرى عطب بها، حَسُنَ لومه ونُسِبَ إلى مخالفته ومعصيته»[9].

ولذا كان التفسير استجلاء لهذا المراد الكلي السياقي للكلام من حيث هو كلام وخطاب واستكناه للمراد المقصود من وراء الألفاظ وليس تبيينًا لغويًّا محضًا لدلالاتها.

يقول ابن القيم: «الألفاظ ليست تعبُّديَّة، والعارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظي يقول: ماذا قال؟ كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي -صلى الله عليه وسلم- يقولون: {مَاذَا قَالَ آنِفًا}[محمد: 16]؟ وقد أنكر الله -سبحانه- عليهم وعلى أمثالهم بقوله:{فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}[النساء: 78]، فذمّ من لم يفقه كلامه، والفقه أخصّ من الفهم، وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد وضع اللفظ في اللغة، وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه والعلم»[10].

ومن هنا فإن اعتبار مجرّد التبيين اللغوي تبيين تفسيري لا يسوغ؛ لأنه لا يكشف عن المراد من الكلام من حيث هو كلام ومخاطبة.

 كما أن هذا التبيين اللغوي يكون مرتهنًا بقيود الدلالات اللغوية ومنتوجها في اللغة، دون اعتبار علائق وسياقات كثيرة جدًّا في النصّ المبيَّن يكون لها تأثير ضخم في توجيه المعنى، وتفضي لتوجيه دلالاته بنسق معيّن...إلخ، وبالتالي فإنّ الدلالات اللغوية الناتجة عن مثل هذا الشرح اللغوي تكون مصادمة لمقرّرات كثيرة، ولا يمكن التسليم به كمعنى تفسيري مراد من النصّ، ودوننا مثلًا ما أتى به أبو عبيدة في «مجاز القرآن»، وما جرّته محاولته تعاطي التفسير بمجرد اللغة من أغلاط في درك المقصود ما جعلها محلًّا للنقد من قِبَل المفسرين؛ لأن المعنى التفسيري ليس بالضرورة أن يكون هو المعنى اللغوي، فهما وإنْ تقاطعَا أحيانًا إلّا أن بينهما تمايزًا، ولكلّ منهما شروطه وأدواته واعتباراته في الممارسة والإنتاج كما أسلفنا، ولا يكون المعنى اللغوي المجرد هو المعنى التفسيري المراد إلّا بدليلٍ ظاهرٍ، وإلّا فالأصل خلافه.

وتأمّل مثلًا قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}[العلق: 1]، فقد تأوّله أبو عبيدة تبعًا لمسلكه من التبيين من خلال اللغة، بـ«اقرأ اسمَ ربك»[11]، حيث اعتبر الباء زائدة ما يجعل المعنى هو أمرٌ للنبي -صلى الله عليه وسلم- بذكر ربه، وهو بذلك يتجاوز سائر السياقات (الخارجية/ أسباب النزول، والداخلية/معنى القراءة في القرآن)، والتي تقتضي توجيه المعنى لدلالة معيّنة يفرضها هذا السياق، وهي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتلاوة والقراءة لما سيملَى عليه، باعتباره كان في بداية تلقي الوحي كما جاء في أسباب النزول[12]، وكذلك سياقات كلمة (القراءة) في القرآن والتي تأتي بمعنى التلاوة[13].

إنّ القيمة الكبرى لمقولات السلف تتمثّل في دورانها حول بيان المعنى دون توسّع، وتبيين المدلول السياقي تحديدًا وانشغالها بتقريره، ولو أننا ارتبطنا بها في التفسير لحصّلنا فوائد بالغة الأهمية في انعكاسها على فنّ التفسير، قد تفضي إلى تجديد هذا العلم وإعادة تأسيسه، وتنحية الكثير من الإشكالات المركزيّة الماثلة في جسده، وهو ما سنبينه في القسم التالي:

القسم الثاني: تفسير السلف؛ قراءة في كيفية توظيفه في حلّ إشكالات التفسير:

 لكي نبيّن الكيفيات العامّة لتوظيف تفسير السلف في حلّ إشكالات التفسير، فإنّنا سنبرز مدخلًا مجملًا عن مسالك بناء العلوم وتجديدها، ثم نثني بإشكالات مركزية في علم التفسير، ونبين بعدها كيف يمكن مجاوزة هذه الإشكالات عبر استثمار تفسير السلف، وبيانه كالتالي:

أولًا: بناء العلوم؛ مدخل عام:

إنّ بناء العلوم الإسلامية جرى وفقًا لأبعاد منهجية رئيسة كان لها عميق الأثر في تكوين هذا الصرح الذي نسميه اليوم بـ«التراث الإسلامي»، وإن إعادة التجديد والنهوض بهذه العلوم متى رغبنا فيه فإنه يستلزم الوعي أولًا بتلكم الأبعاد، والتي يمكن إجمالها في جانبين رئيسين؛ أحدهما خفيٌّ، والآخر ظاهر، فأمّا الأول: فيكمن في المشاغل الرئيسة التي أفضَت إلى ولادة العلم ذاته، والسياقات العامة والغايات الكبرى التي أدّت إلى انفجار ينبوعه وبزوغ نبتته، ويمكن تسميته بـ«مسالك صناعة الفنّ ذاته». وأمّا الآخر: فيتعلق بالقواعد الحاكمة لنسق الممارسة والمنجز المعرفي داخل الفنّ ومتابعة العطاء فيه، وهذا ما يمكن تسميته بـ«قواعد الممارسة العلمية في الفنّ».

فهذان الجانبان هما أساس وجود الفنّ وتداوله؛ فالجانب الأول يمثّل الهاجس المعرفي الذي حفز العقل الإسلامي ودفعه لإنتاج الفنّ ذاته [أسباب وجود العلم وتشكّل حيثيته وغاياته الكبرى]، وأمّا الآخر فيمثّل التجسيد العملي للمعرفة في داخل الفنّ [قواعد العلم وضوابط ممارسته].

إنّ العلم مع تمدّده عبر الزمن وطول رفد العقول المتنوعة له؛ تظهر فيه مسارات وتختفي أخرى، وتتشعّب فيه الطرق، وتكثر المسالك التي تتفاوت قُربًا وبُعدًا في ارتباطها بغايات الفنّ وأهدافه الكبرى، ويتراكم المحصول المعرفي فيه بصورة كبيرة ويتفاوت في درجات أهميته...إلخ، حتى إذا أُصيب العلم بالترهّل يأتي دور التجديد والبعث لإعادة النضارة للعلم ليأخذ دورةً أخرى من النموّ والحياة، وهذا التجديد يقتضي القيامُ به العودةَ إلى الجانب الأول في الفنّ؛ إِذْ هو الإطار الحاكم للفنّ والسبب في وجوده، والذي في ضوئه تجري محاكمة الجانب الثاني ومساراته محاكمة كلية، وتبيّن مقدار وفاء محصوله بخدمة الفنّ وتحقيق أغراضه، وتبيّن ما في هذا المحصول من فجوات وثغرات ونقاط قوة وضعف، وهكذا يتم الهدم لأجزاء وإعادة البناء لأخرى فيتجدّد بذلك العلم، ويزداد قوة ونضارة، ويستقبل دورةً جديدة من حياته.

ولا شك أنّ الناظر في العلوم الإسلامية بوضعها الحالي يدرك أن مأزقها يكمن في قلّة الجهود في الجانب الأول بصورة أكبر من الثاني بكثير؛ فقد اتجهت جُلّ جهود العقل الإسلامي في المعارف الشرعية إلى ضبط الجانب الثاني؛ ومن ثم فاضت التآليف في تراثنا في تقنين الممارسة والقواعد اللازمة للتعامل مع المنتوج المعرفي؛ إذ الجانب الأول كان يحال فيه إلى طول الدربة للدارسين وملازمتهم للفنّ وإدمانهم النظر فيه حتى تتكون لديهم مَلَكتُه، غير أن إهمال ذلك أفضى بطبيعة الحال إلى عدم انضباطه وعدم تحوّله في ذاته لصناعة تتداول، في حين كان الأول لانضباطه أكثر قُربًا وتداولًا، وهو ما جعل الواقع على مَرّ التاريخ يفيض بحفّاظ كُثُرٍ للمنتوج المعرفي وبُصَراء بقواعده، لكن يعزّ وجود مَنْ يطورون المجالات العلمية ذاتها ويجدّدون بناءها وينتقلون بها نقلات نوعية ويشاركون الأوائل في الإنتاج المعرفي بذات الدفع الذي كان، وما ذلك إلّا لقلة العناية بـ«مسالك صناعة العلم ذاته» وتحويلها إلى صناعة واضحة يجري تداول أنساقها.

ومن هاهنا فإن الانشغال -لكلّ راغب في إعادة تثوير العلوم الشرعية- يجب أن يتّجه بكلّ طاقاته إلى المقصد الأول؛ إذ هو الغاية التي أنتجت العلم ذاته ونسق المعرفة فيه، وحرّكت دولابها وسواقيها، ففاضت أنهارًا تجري، ترفدها عقول العلماء في كلّ زمان، بينما الثاني هو مجرد إعادة إنتاجٍ لمادة موجودة وقائمة في مظانّها، وصحيح أن الانشغال بالثاني وبذل الجهد في تقريبه يظلّ مقصدًا حسنًا له مبرّراته، إلّا أن الأول يظلّ صاحب الصدارة[14]؛ إذ بتسليط الضوء عليه نتوسّل جملة أغراض رئيسة في أيّ مجال معرفي نعمل على تثوير فضائه المعرفي؛ أهمها:

الأول: امتلاك مفاتيح الفهم العميق للفنّ وطبيعة الأدوات التي أنتجت المعرفة فيه وتحريرها.

الثاني: امتلاك قدرة تقويم الحصاد المعرفي في المجال تقويمًا كليًّا، وتبيّن مقدار وفائه بتحقيق الغايات الكلية والمشاغل الرئيسة التي أوجدت الفنّ وما هو أكثر أولوية فيه من غيره.

الثالث: امتلاك القدرة على بناء ورسم مسارات التطوير الكلية للفنّ ومعرفة فجواته ومكامن قوّته.

الرابع: امتلاك زمام «مسالك صناعة العلم»، وتحويلها في ذاتها إلى صناعة؛ بحيث يسهل تداولها، وهو ما يهيئ الأجواء لاسترداد مسيرة العطاء والدفع المعرفي في الفنّ وتخليق أفراد لديهم القدرة على المشاركة في إنتاج المعرفة في الفنّ.

وكلّ ذلك هو ما يصبّ رأسًا وبشكلٍ ظاهرٍ في تهيئة الواقع لعمل التجديد للفنّ، وإخراج أفراد لديهم القدرة على فهم التراث وتقويمه تقويمًا منهجيًّا عادلًا وصحيحًا، وتحديد أيّ محصوله يحتاج إلى تهذيب، وأيّه يحتاج إلى تطوير...إلخ، وكذلك إنتاج وتوليد المعرفة في الفنّ في ضوء مشروطية التراث؛ وبذلك نعيد إنتاج التراث ونعمل على تجديده وبعثه مرة أخرى بما يتناسب مع واقعنا المعاصر.

هذا، وإن الاهتمام بكِلا الجانبين في العلوم [مسألة صناعة العلم-قواعد العلم] لا بد منه كما ذكرنا؛ فتقريب قواعد الممارسة التي تُعِين على حسن التعامل مع المادة المنتَجة في الفنّ تظلّ له مبرراته كما أسلفنا، إلّا أن الانشغال به دون الأول يُبْقِي تجديدَ العلم غاية بعيدة؛ إذْ يظلّ المرء معه في تِيه الجزئيات والفرعيات، ويَبْقَى عاجزًا عن استيعاب خريطة الفهم للنسق المعرفي الكلي للفنّ، وغير قادر على تقويم المعرفة المنتَجة ذاتها وأخْذِ المواقف منها وبيان فجواتها ومسارات تطويرها، فضلًا عن افتقاده القدرة على الإنتاج المعرفي في الفنّ؛ لافتقاده لملَكة الفنّ ذاته...إلخ مما لا بد منه للقيام بالتجديد واستئناف مسيرة الإنتاج المعرفي في الفنّ ذاته.

إننا -وفي ضوء ما ذكرنا- نظنّ أن اشتباك العقل التفسيري مع تفسير السلف تحديدًا سينعكس على علم التفسير بالإيجاب ويؤول لتجديده وإعادة تأسيسه، وهو ما سنوضحه من خلال عرض بعض الإشكالات المركزية المتعلقة بعلم التفسير.

ثانيًا: علم التفسير؛ نظرة في أبرز الإشكالات:

وُلِدَ علم التفسير وانطلق وتمدّد واقعه التطبيقي واتّسع وكثرت فيه التآليف، وفاضت في رحابه التصانيف، وإن الناظر في منتوجه يجده من ناحيةٍ بالِغَ التفاوت ومتعدّد المقاصد والأغراض، ومِن ثَم لا يتردّد الناظر في الحكم بالتفاوت الواسع في مفهوم التفسير بين المؤلِّفِين، بل وتناقضه أحيانًا، وهو أمر تترجمه كذلك تعريفات التفسير ذاته، والتي تبرز تفاوتًا مفهوميًّا واضحًا:

- فقد عَرَّفَهُ أبو حيان بقوله: «التفسيرُ: علم يُبْحَث فيه عن كيفيةِ النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها وأحكامِها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تُحْمَل عليها حالة التركيب، وتَتِمَّات ذلك»[15].

- وقال الزركشي: «التفسيرُ علم يُعْرَف به فهْمُ كتاب الله المنزل على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمِهِ»[16].

- وعرَّفَه مرة أخرى فقال: «هو علمُ نزول الآية، وسورتها وأقاصيصها، والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب مَكِيِّها ومدَنِيِّها، ومُحْكَمِها ومُتشابِهِها، وناسِخِها ومَنسوخِها، وخَاصِّها وعامِّها، ومُطلَقِها ومُقَيَّدِها، ومُجمَلِها ومُفَسَّرِها، وزاد فيها قومٌ فقالوا: عِلمُ حلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعِبَرِها وأمثالها»[17].

- وقال الكافِيجي: «وأمّا التفسير في العُرف، فهو كشفُ معاني القرآن، وبيانُ المراد»[18].

- ورجّح الدكتور مساعد الطيار أنه: «بيان معاني القرآن»[19].

إنّ الناظر في تعريفات التفسير يلحظ بجلاء أن هذا المصطلح يكتنف مفهومَه خلافٌ ظاهر بين قاصر لهذا المفهوم على تبيين المعاني وكشفها كما نجده عن الكافيجي والدكتور مساعد، وبين موسّع له ليشمل أمورًا أخرى كسرد الهدايات واللطائف والأحكام...إلخ كما نجده عن أبي حيان والزركشي.

 وكذلك مما يدلّ على إشكال اختلاف المفهوم في التفسير هو ما نجده من اختلاف في مادة التفسير بين الكتَبة فيه؛ فهناك تفاسير تقتصر على بيان المعنى ولا تزيد بحسب مشاغلها؛ جمعًا للمعنى أو تحريرًا له، وهناك من يزيد على المعنى أمورًا كثيرة جدًّا يتعذّر ضبطها لانشعابها بحسب مقاصد المؤلفين؛ من استخراج الأحكام والهدايات واللطائف البيانية والنحوية والمناهج القرآنية في معالجة شؤون الحياة...إلخ.

كما أن التفسير ليس له اصطلاح محدّد بين الكَتَبة، فهناك من يستعمل (التفسير) عَلَمًا على المجال، ومن يذكر (التأويل)، وهو أمر وإن لم يدلّ على اختلاف المفهوم إلّا أنه يشِي بعدم استقرارِ العلم بصورة عامة وتبلورِ اصطلاحٍ محددٍ يترجِم صورة مفهومِهِ كما هو الشأن في العلوم.

ومكمن الإشكال أن التفسير -المختلف في تصوّره- تمدّد الواقع البحثي في ساحته بصورة واسعة، وقامت فيه جهود نظرية ومسارات بحثية وفقًا لدلالات كثيرة جدًّا. ولا شك أن هذا الأمر شديد الخطر في الفنّ متى تأمّلنا لوازمه المنهجية؛ فتبعًا لأيّ اصطلاح يمكننا تصوّر العلم، وتبعًا لأيّ دلالة سيتم تصوّر التفسير -ساعة الحديث عنه أو التأريخ له- وكيف يمكن التعامل مع التراث التفسيري بهذا الشكلِ وطبيعة الأحكام التي سنسقطها عليه في ضوء اختيار دلالة محدّدة، وكيف يمكن تحديد الأدوات الضابطة للتفسير وانتقاء تأصيل معيّن باعتباره ضابطًا للممارسة، ونحن أمام ممارسات عديدة وصور عديدة للتفسير...إلخ من الإشكالات.

كما أنّ من الإشكالات الرئيسة في ميدان التفسير هو طغيان التبيين اللغوي في ساحة التفسير، ومن ثَمّ جعله ابن القيم قسمًا بارزًا في التفسير كما مرّ، وهو أمر لا تكاد تخطئه العين في مدوّنات التفسير، وكيف صار التبيين اللغوي أساسًا في مسلك التبيين، وإليه المرجع الرئيس في الممارسة التفسيرية.

يقول الزمخشري: «...ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلّا رجلٌ قد برع في عِلْمَين مختصَّين بالقرآن؛ وهما علم المعاني، وعلم البيان، وتمهّل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة...»[20].

يقول أبو حيان: «فعكفتُ على تصنيف هذا الكتاب، وانتخاب الصَّفْو واللُّباب، أجيلُ الفكر فيما وضع الناس في تصانيفهم...، وأضيف إلى ذلك ما استخرجَتْه القوة المفكرة من لطائف علم البيان، المُطْلِعِ على إعجاز القرآن، ومن دقائق علم الإعراب المُغرِب في الوجود أيّ إغراب، المقتنِص في الأعمار الطويلة من لسان العرب وبيان الأدب، فكم حوى من لطيفةٍ فكري مستخرجُها، ومن غريبةٍ ذهني منتجُها، تحصّلت بالعكوف على علم العربية، والنظر في التراكيب النحوية، والتصرّف في أساليب النظم والنثر، والتقلُّب في أفانين الخُطَب والشِّعر»[21].

 وبغضّ النظر عن بدايات إشكال غلبة التبيين اللغوي وعلّة انتشاره وسيطرته على التفسير مما ليس غرضنا تفصيل القول فيه، فإنّ هذا الأمر نجمَت عنه سلبيات كثيرة في ساحة التفسير؛ ذلك أنه يغيّب الشروط المنهجية اللازمة لإنتاج المعنى التفسيري والأدوات الرئيسة المتصلة به والمعارف الواجبة لتحصيله، ويذيب الحدود الفاصلة بينه وبين المعنى اللغوي، ويجعلهما على وطاء واحد؛ ما يجعل المعنى التفسيري كالمعنى اللغوي ليس له أيّ خصوصية ولا شروط تتعلّق بإنتاجه وتأسيسه ولا معارف خاصّة، كما أنه صار لا ينفرد بمجموع أدوات خاصّة تلزم في تأسيسه، ومن ثم لم يجرِ التأصيل لهذه الأدوات وتقعيد توظيفها في إنتاج المعنى وكيفياته؛ ما جعل التفسير كفنٍّ يبدو غير متمايز أصلًا ولا يستأهل لقب العِلمية عند بعضهم؛ كونه بلا نسق قاعدي خاصّ يلزم لممارسته، وإنما تُفَعَّل فيه قواعد الفنون الأخرى، والتي تتفاوت بحسب اهتمام المفسّر وطبيعة مشاغله والمساحات التي يعمل عليها في النصّ، كما أنه أثّر على طبيعة تصوّر مفهوم التفسير، وطبيعة العلوم اللازمة للتفسير وجهات استمداده؛ إذ جعله بلا مفهوم محدّد ولا علوم ومعارف خاصّة ولا جهات استمداد محدّدة ومتعلقة به لا غير. وكذلك أفضى إلى تضخيم دور اللغة في التفسير بصورة ظاهرة، وجعل الممارس للتفسير وكأنه بحاجة للاستبحار فيها كاللغوي، في حين أن الأمر ليس على هذا النحو لمن يتأمّل، واحتياج المفسّر والمنتج للمعنى السياقي للّغة هو احتياج مقنّن جدًّا.

ثالثًا: إشكالات التفسير وكيفية حلِّها عَبْر تفسير السلف:

من خلال ما مَرّ من الاستعراض الموجز لإشكالات التفسير يظهر أن التفسير بهذا النحو بحاجة إلى فعل تجديدي كبيرٍ جدًّا يعيد تأسيس بنائه من جديد، كون الخلاف لا يكمن في جزئيات العلم وزيادة موضوعات لا صلة لها به... إلخ مما يقع عادة في الفنون وتقضي فيه أنظار العلماء المحررين، بل الخلاف في تصوّر مفهوم العلم ذاته وتمدّد واقعه التطبيقي والنظري قديمًا وحديثًا بصورة كبيرة جدًّا تبعًا لهذه المفاهيم، وكذا في مفهوم المعنى التفسيري ذاته، فيقوم هذا التجديد إجمالًا بــ:

أولًا: تحرير حيثية التفسير وطبيعة مفهومه ومفهوم المفسر.

ثانيًا: ترتيب النظر لمفهوم المعنى التفسيري ذاته، وبيان حدود افتراقه والتقائه مع المعنى اللغوي.

ثالثًا: تحرير أدوات التفسير تبعًا لما تحرّر من حيثية التفسير ذاته.

رابعًا: بيان الموقف من البناء النظري للتفسير.

خامسًا: بيان كيفيات التعامل مع المعاني غير السياقية وكذا تصانيف الفنّ التي تراكمت عبر الزمن ومعايير الحكم بأنها تصانيف ممثلة للتفسير، لا سيما إن كانت بعيدة في واقعها التطبيقي عن الدلالة المحكوم بترجيحها بصورة كبيرة والمترجمة لحيثية المجال ونسق التبيين الراجح للمعنى فيه.

وإنّ القيام بهذا التجديد للفن أمر لا يتيسّر الخطو إليه إلّا بتأصيل تأسيسي متين يعود إلى الجانب الأول الذي أشرنا إليه فيتملّاه جيدًا [مسالك صناعة العلم]، والذي يتمثل هاهنا في درك المشغل الرئيس للفنّ والهاجس المعرفي الذي سيطر على العقل الإسلامي ككلّ فأوجد هذا المجال (تحرير حيثية التفسير كفنٍّ)، ثم ترتيب وضعية الفنّ بتمامها، والتي أشرنا لمعالمها الرئيسة اللازمة وفقًا لهذه الحيثية، وهو الأمر الذي يفيد فيه تفسير السلف أيّما إفادة؛ وذلك لأمرين رئيسين:

الأول: أن تفسير السلف يمثل الممارسة الأولى للعلم والتي تكون عادة -كما هو الشأن في الفنون- الأشد قربًا وتمثيلًا لحيثية المجال ومفهومه وطبيعة مشاغله التي اقتضت وجوده، بخلاف ما يأتي بعد ذلك من ممارسات والتي يقع فيها عادة الاستطراد والزيادة.

الثاني: أن مقولات السلف تشتهر بصورة عامة أنها مقولات تفسيرية خالصة ولم يقع فيها إشكال التبيين اللغوي المجرد، بخلاف ما عداه مما داخَلَه التبيين اللغوي وغلَب عليه، وهو ما يجعل تفسير السلف ممثِّلًا دقيقًا للممارسة التفسيرية باعتبارها بناءً للمراد السياقي.

وفي ضوء ذلك فإن تفسير السلف يصلح بصورة منهجية ظاهرة لأن يكون بمثابة المعيار الرئيس للبتّ في شأن إشكالات التفسير، لا سيما ما يتعلّق بحيثية المجال وطبيعة مفهومه؛ فتفسير السلف يمثّل مفهوم العلم، ومِن ثَمّ تبعًا له يجب أن يُبنى الاصطلاح المناسب للعلم (سواء أكان التفسير أم التأويل)، ويكون هذا الاصطلاح مأطورًا بهذا المفهوم لا غير، ويدور في تعريفه تبعًا له، كما أن هذا التفسير يحمل لنا صورة التبيين السياقي المترجم الحقيقي للممارسة التفسيرية، وكذا الأدوات وجِهات الاستمداد الرئيسة التي يحتاجها المتوسّل للتبيين والكشف عن المراد السياقي على نحوٍ محرّر، وبالتالي فمن خلالها يمكن أن يتم بناء نسق الأدوات اللازمة للممارسة وترتيب جهات الاستمداد اللازمة لتعاطي التبيين، وكذلك من خلال البحث التأصيلي لتوظيف هذه الأدوات في تفسير السلف يتم بناء إطار التقعيد لممارسة التفسير التي كانت عند السلف وبسببها تمكنوا من الكشف عن المراد، بحيث يصبح عندنا نسق تأصيلي ضابط يمكّن من تقويم مادة المعاني فيما بعد السلف والتي غلب عليها التبيين اللغوي، وكذا يتيح تحويلَ التبيين السياقي إلى صناعة علمية يمكن ممارستها فيستقبل بذلك الكشف عن المراد السياقي -كما كان عند السلف- دورةً جديدة من حياته بعد طول انقطاع، وكذا يتيحُ التقويمَ المنهجيَّ لمادة المعاني فيما بعد السلف والتي غلب عليها التبيين اللغوي، فضلًا عمّا يفيده ذلك من الإبراز العملي لمساحات الاتفاق والاختلاف في إنتاج الدلالة وشروطها بين التفسير وأصول الفقه وجدوى حضور مباحث الثاني -خاصّة المتعلقة بأبواب الدلالات- في الأول باعتبارها تمثل سياجًا ضابطًا للدلالة فيه كما نجده في العديد من كتب علوم القرآن والتآليف المعاصرة في أصول التفسير وقواعده[22]، لا سيما وأن الناظر -وإن كان الأمر قيد البحث عندي- قد يظهر له وجود قدر من الافتراق في مفهوم الدلالة وطبيعتها بين المجالين في ضوء ما فرضته حيثية كلّ مجال منهما ونسق اشتغاله على النصّ القرآني؛ فالتفسير لا يُعنى بالبيان العميق للدلالات الجزئية للألفاظ -كما في النسق الأصولي- وإنما يُعنى ببيان المراد التركيبي والسياقي لمجموع هذه الألفاظ -كما أسلفنا- وما يفيده الكلام جراء انتظامها معًا، وصحيح أن ثمة تقاطعات بينهما وأن كثيرًا من الدلالات التي في الأصول سنجدها في التفسير، إلا أن ثمة فارق مؤثّر ينبغي تسليط الضوء عليه في النظر؛ ففي الأصول يكون المدار على الألفاظ غالبًا ودلالاتها بينما في التفسير يكون المدار على السياق وما تعطيه دلالته؛ فاللزوم مثلًا في التفسير يكون لزومًا سياقيًّا بالأساس وفي الأصول يكون دلاليًّا غالبًا من واقع الألفاظ ذاتها[23].

وبغضّ النظر عن حاجة الأمر لدرس موسّع يحرّره، إلا أننا لو اشتغلنا بالمعاني التي ذكرها السلف وحرّرنا النظر إلى كيفيات إنتاجها ومسالك تأسيسها لأمكننا تحرير تثوير النظر لهذه القضايا وبيان مساحات اختلاف الدرس التفسير وتمايزه عن غيره في التعاطي مع النصّ القرآني، وبيان قيمة توظيف مباحث الدلالات الأصولية في ميدان التفسير، فضلًا عن تحرير العديد من الغايات النفيسة كذلك؛ منها:

أولًا: اكتشاف مناحٍ متنوعة من عبقرية السلف التفسيرية وما يكمن خلف مقولاتهم من دلائل وقرائن نابعة عن نظر مدقّق وعمق في الفهم للنصّ وسياقاته، وهو ما يُعِين على تبيُّن أسباب مركزية المعاني التي حرّروها، ولصارت المخالفة لمقولاتهم توجب على القائم بها درسًا وفحصًا واستدلالًا وأخذًا وردًّا واشتباكًا علميًّا، وهو ما ينعكس بالثرّاء البالغ على المعاني وتحريرها.

ثانيًاإعادة الألق لهذا الجيل الذي فجّر ينابيع الحضارة على نحوٍ بارع، والكشف عن خصائصه العقلية وسماته الاجتهادية الداخلية التي يحجبها -بصورة ظاهرة- اعتبار أن مكانة مقالاتهم ترتد لأسباب خارجية ترتبط بفترتهم التي شاءت الأقدار أن يكونوا فيها، وهو ما يضعف من شخصيتهم العلميّة في التفسير بصورة بالغة، ويجعل كلّ مفّسر بعدهم -خاصّة ممن شارك في الإنتاج التفسيري- يكون في ميزان الفنّ ربما له صدارة عنهم وأولى بالتقديم في الذّكر عنهم لعادة الناس في تقديم صاحب الرأي والاجتهاد والنظر والتمحيص، ودونك حال العلماء المجتهدين في الحديث فقس مكانتهم بمكانة الرواة للأحاديث. ولو كان هذا التصوّر صحيحًا لم يكن هناك إشكال، ولكنه مغالط للواقع وفيه حيف شديد الظهور على مفسري السلف الذين يستحقون لقب المفسّر أكثر من غيرهم؛ لعنايتهم بصُلب العلم وما عليه المدار فيه.

ثالثًا: وصْل العقل الإسلامي بأحد مشاغله المركزية التي فجّرت علومه، وهي فعل التبيين وردّه إلى ممارسته والبحث فيه، والعمل على ضبط قواعده وأصوله وأدواته ووسائله، فيتمكّن بذلك من تقييم منتوجه السابق وإعادة ولادة ذاته واستئناف مسيرته في إنتاج المعرفة، وأن يبني لعملية الفهم وإنتاج المعنى التفسيري سياجًا منضبطًا يؤطّر نسق الممارسة ويقنّن طرائق الاشتغال ويجعلها ذات مشروطية منهجية وقاعدة علمية راسخة بدلًا من تركها نهبًا لكلّ قراءة تتوسّلها عبر ما يستجد من المناهج الغربية[24].

رابعًا: ضبط ميدان التجديد في التفسير وشغله بصُلْب العلم، لا سيما وأن تجديد التفسير صار دعوى يكثر تردادها وزعمها في العديد من الأطروحات، ولا تكاد تُعْرَف لها حدود ضابطة ترتد إليها ولا معايير يمكن محاكمتها، والتعرف على جدوى هذه الدعاوى التي تزعم لنفسها ممارسة التجديد وتجاوز بعض الإشكالات في الممارسة التفسيرية السابقة عليها.

يقول محمد عبده مثلًا في طرح رؤيته التفسيرية: «التفسير قسمان؛ أحدهما: جاف مبعد عن الله وعن كتابه، وهو ما يقصد به حلّ الألفاظ وإعراب الجمل وبيان ما ترمي إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية، وهذا لا ينبغي أن يسمى تفسيرًا، وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون كالنحو والمعاني وغيرهما. ثانيهما: وهو التفسير الذي قلنا: إنه يجب على الناس على أنه فرض كفاية، هو الذي يستجمع تلك الشروط لأجل أن تستعمل لغايتها، وهو ذهاب المفسّر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأحكام على الوجه الذي يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام؛ ليتحقق فيه معنى قوله: {هُدًى وَرَحْمَةً} ونحوهما من الأوصاف، فالمقصد الحقيقي وراء كلّ تلك الشروط والفنون هو الاهتداء بالقرآن»[25].

وفي ذات الصدد يقول الزرقاني أيضًا: «التفسير على نوعين بالإجمال؛ أحدهما: تفسير جاف لا يتجاوز حلّ الألفاظ وإعراب الجمل وبيان ما يحتويه نظم القرآن الكريم من نكات بلاغية وإشارات فنية، وهذا النوع أقرب إلى التطبيقات العربية منه إلى التفسير وبيان مراد الله من هداياته. النوع الثاني: تفسير يجاوز هذه الحدود ويجعل هدفه الأعلى تجلية هدايات القرآن وتعاليم القرآن وحكمة الله فيما شرع للناس في هذا القرآن، على وجهٍ يجتذب الأرواح ويفتح القلوب ويدفع النفوس إلى الاهتداء بهدى الله، وهذا هو الخليق باسم التفسير»[26].

وتأمل هاهنا كيف صارت الهدايات وربط القرآن بالواقع والتوسّع في ذلك هي الأصل في الممارسة التفسيرية، كما أن أمثال هذه الرؤى والتجارب التفسيرية تُنعت من قِبَل الدراسات -كما لا يخفى- بأنها من قَبِيل التجديد في ميدان التفسير.

يقول الذهبي مثلًا عن هذا النمط من التفسير وتقييم طرح تجربة مدرسة المنار: «يمتاز التفسير في هذا العصر بأنه يتلون باللَّون الأدبي الاجتماعي، ونعني بذلك: أن التفسير لم يَعُد يظهر عليه في هذا العصر ذلك الطابع الجاف الذي يصرف الناس عن هداية القرآن الكريم، وإنما ظهر عليه طابع آخر، وتلوَّن بلون يكاد يكون جديدًا وطارئًا على التفسير، ذلك هو معالجة النصوص القرآنية معالجة تقوم أولًا وقبل كلّ شيء على إظهار مواضع الدقّة في التعبير القرآني، ثم بعد ذلك تُصاغ المعاني التي يهدف القرآن إليها في أسلوب شائق أخَّاذ، ثم يطبق النصّ القرآني على ما في الكون من سنن الاجتماع، ونُظُم العمران.

وإذا كان هذا اللَّون الأدبي الاجتماعي يعتبر في نظرنا عملًا جديدًا في التفسير، وابتكارًا يرجع فضله إلى مُفَسِّري هذا العصر الحديث، فإنَّا نستطيع أن نقول بحقّ: إنّ الفضل في هذا اللَّون التفسيري يرجع إلى مدرسة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده للتفسير...»[27].

 ولا شك أن ربط التفسير بالمعنى التفسيري يجعل لدعاوى التجديد التفسيري سياجًا محكمًا ومعايير محرّرة في تقويمها والحكم على جدواها؛ لارتباط التقويم بمركزية مؤثّرة تمثل عصب الفنّ فيسهل بالتالي تبيُّن درجة التأثير الحاصل في دعاوى التجديد ومدى انعكاساتها وآثارها الفعلية على الارتقاء بالعلم وحلّ إشكالاته وتطويره والانتقال به نقلات نوعية، وإلّا فكلّ ما لا يمسّ عصب العلم ويدور في حقيقته حول أمور هي أقرب لتوابع العلم ومُلَحِه فإنه مما لا يمكن اعتباره ممارسة تجديدية في الميدان التفسيري.

خامسًا: تيسير إمكان القيام بتجديدٍ شاملٍ وجذري لعلم التفسير يعين على الحلّ المتكامل للإشكالات العميقة والمتنوعة التي يعاني منها وإمكان الفصل فيها، وهو الأمر الذي سنحاول أن ندلي فيه بدلونا ونطرح ما لدينا من اجتهاد فيه بصورة متكاملة وموسّعة في مقالٍ لاحقٍ بإذن الله تعالى؛ فنبيّن الموقف من حيثية التفسير ومفهوم التفسير وأدوات ممارسته...إلخ.

خاتمة:

إننا -وفي ضوء ما سبق- ظهر لنا عظيم أهمية تفسير السلف وطبيعة الأسباب العلمية التي ترتدّ إليها هذه الأهمية، وظهر لنا كذلك ما يعانيه علم التفسير من إشكالات مركزية تعوقه عن بلوغ غاياته المعرفية ويتعذر استمراره بها، وكيف يمكننا توظيف تفسير السلف لحلّ هذه الإشكالات وتجديد التفسير بصورة منهجية مدقّقة، عسى أن يكون ذلك دافعًا لإثراء المطارحات والنقاش حول إشكالات علم التفسير وكيفية مجاوزتها، وكذلك لأنْ يتبوّأ تفسير السلف -بصورة خاصّة- مكانته التي يستحق، وأن يأخذ حظّه من الدرس والمطالعة بما يتناسب مع أهميته، وأن تُعقد حوله الدراسات والمشروعات العلمية التي تُعنى بفهمه وتحريره واستخراج أدواته وأصوله وقواعده التي قام عليها، وهو ما ينعكس على علم التفسير بألوان شديدة من الثراء والنفع، والله الموفِّق.

 

[1] قطف الأزهار في كشف الأسرار، ت: أحمد الحمادي، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية-الدوحة، 1414هـ-1994م، (ص91).

[2] جامع البيان عن تأويل آي القرآن=تفسير الطبري، ط: هجر، (1/ 7).

[3] وهي مقالة منشورة على موقع تفسير تحت الرابط التالي: tafsir.net/article/5139.

[4] يراجع: تقويم كتب التفسير؛ تحرير وتأصيل، خليل محمود اليماني، وهي مقالة منشورة على موقع تفسير على الرابط التالي: tafsir.net/article/5110.

[5] التبيان في أقسام القرآن، ت: حامد الفقي، دار المعرفة - بيروت، (ص79)، بدون تاريخ.

[6] سنركز هاهنا على هذا النمط من التبيين لأهميته فيما نحن بصدد تقريره بخلاف الإشارات والتي لا يختلف في أنها ليست تفسيرًا للنصّ ولا بيانًا له وإنما هي استنباطات منه.

[7] منطق فهم النصّ، دراسة منطقية تُعنى ببحث آليات فهم النصّ الديني وقَبْلياته، يحيى محمد، أفريقيا الشرق، 2010م، (ص174-175). ويلاحظ هاهنا أن الدكتور عبد الله الدعجاني في كتابه (منهج ابن تيمية المعرفي، ص: 587) اعتبر -وهو يحاول شرح أسباب أهمية أقوال السلف عند ابن تيمية- أن من أسباب ذلك أن هذه المقولات تمثّل تعويضًا عن السياق الظرفي للقرآن، وهذا تحليل مشكل؛ لأن القرآن مدونة متكاملة تكتنز سياقاتها، وهو الأمر الذي يجعل الحاجة للسياقات الظرفية في عملية فهم المراد من النص ليست كما قد يُتصور، فهذه السياقات وإن كانت مهمّة ولها دور في عملية إدراك المراد، إلا أن جلّ النص مما يمكن فهمه بلا أسباب نزول كما هو ظاهر، وأما أقوال السلف فإن البتّ باعتبار بعضها مما جرى تأسيسه على سياقات ظرفية فهو مما لا يتيسر القطع فيه بسهولة؛ فالسلف يذكرون مقولاتهم ولا يصرّحون بمثل ذلك ما يجعل إصدار مثل هذه الأحكام إزاء أحد المعاني التي ذكروها مما يحتاج لدراسة المعنى الوارد عنهم وتتبع سياقه للبتّ في شأنه، وهو أمر تختلف فيه وجهات النظر؛ ومن ثم فربط أهمية أقوالهم ووجوب اتباعها بهذه الصورة لا يخلو من نظر.

[8] تفسير الطبري، (8/ 151).

[9] إعلام الموقعين عن رب العالمين، ت: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية - بيروت، ط: الأولى، 1411هـ-1991م، (1/ 166).

[10] إعلام الموقعين عن رب العالمين، (1/ 167).

[11] مجاز القرآن، (2/ 304).

[12] وهو ما يشير إليه ربما قوله تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ}[النمل: 91، 92]. ويُلاحَظ هاهنا أمران:
أولًا: من الأغلاط الشائعة كثرة حمل الآية باعتبارها أمرًا بالقراءة العادية من مكتوب كما نفعل، ولكن القراءة هاهنا بمعنى التلاوة. يقول ابن عاشور: «قوله تعالى: {اقرأ} أمر بالقراءة، والقراءة نطق بكلام معيّن مكتوب أو محفوظ على ظهر قلب...، والأمر بالقراءة مستعمل في حقيقته من الطلب لتحصيل فعل في الحال أو الاستقبال، فالمطلوب بقوله: (اقرأ) أن يفعل القراءة في الحال أو المستقبل القريب من الحال، أي أن يقول ما سيملَى عليه، والقرينة على أنه أمر بقراءة في المستقبل القريب أنه لم يتقدّم إملاءُ كلامٍ عليه محفوظ فتطلب منه قراءته، ولا سُلِّمت إليه صحيفة فتطلب منه قراءتها، فهو كما يقول المعلِّم للتلميذ: اكتب، فيتأهب لكتابة ما سيمليه عليه». التحرير والتنوير، (30/ 435).
ثانيًا: تجد عند بعض المفسرين أنه مع إقراره لمعنى التلاوة في الآية الأولى، إلّا أنه يحمل الأمر الثاني بالقراءة في السورة على القراءة المعهودة لدينا الجالبة للعلم والمعرفة، وهو مشكل، وتأمّل كيف قال ابن عاشور عند كلامه على الأمر بالقراءة الثانية: «فإذا نظرتَ إلى الآية مستقلّة عمّا تضمَّنَه حديث عائشة في وصف سبب نزولها كان الاستئناف ناشئًا عن سؤال يجيش في خاطر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: كيف أقرأُ وأنا لا أُحسِن القراءة والكتابة؟! فأُجيبَ بأن الذي علَّم القراءة بواسطة القلم، أي: بواسطة الكتابة، يعلِّمُك ما لم تعلم. وإذا قرنتَ بين الآية وبين الحديث المذكور كان الاستئناف جوابًا عن قوله لجبريل: «ما أنا بقارئ»، فالمعنى: لا عجب في أن تقرأ وإن لم تكن من قبلُ عالمًا بالقراءة؛ إذ العلم بالقراءة يحصل بوسائل أخرى مثل الإملاء والتلقين والإلهام، وقد علَّم الله آدم الأسماء ولم يكن آدم قارئًا». التحرير والتنوير، (30/ 439).

[13] يقول الرازي: «اعلم أنّ في الباء من قوله: {بِاسْمِ رَبِّكَ} قولين؛ أحدهما: قال أبو عبيدة: الباء زائدة، والمعنى: اقرأ اسمَ ربك، ...ومعنى: اقرأ اسمَ ربك، أي: اذكُر اسمه، وهذا القول ضعيف؛ لوجوه؛ أحدها: أنه لو كان معناه اذكر اسم ربك ما حسن منه أن يقول: ما أنا بقارئ، أي: لا أذكر اسم ربي. وثانيها: أن هذا الأمر لا يليق بالرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه ما كان له شغل سوى ذكر الله، فكيف يأمره بأن يشتغل بما كان مشغولًا به أبدًا. وثالثها: أن فيه تضييع الباء من غير فائدة.
القول الثاني: أن المراد من قوله: {اقْرَأ}، أي: اقرأ القرآن، إذ القراءة لا تستعمل إلّا فيه، قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}[القيامة: 18]، وقال: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ}[الإسراء: 106]». تفسير الرازي، (32/ 215).

[14] إنّ الوعي بهذين الجانبين اللذَيْن ذكرنا والتمايز الحاصل بينهما يجعلنا عند التخطيط المعرفي الرامي للنهوض بالفنون وتجديدها نتبصّر بالأولويات في الفنون وطبيعة ما نحتاجه في كلّ جانب حتى يتم لنا تحقيق الغايات، وهو ما يمكننا أن نمثّل له بكثرة الجهود المبذولة مؤخرًا في الصناعة الفقهية والأصولية ومسارد المهارات الخاصّة بها التي كثرت العناية بإخراجها مؤخرًا، وهذه الجهود عند تأمّلها لا يظهر منها سوى إعادة تدوير المادة الفقهية والأصولية القائمة في صورة أكثر قربًا وتنظيمًا، وهو أمر له ما يبرّره كما قلنا، إلّا أنه لا ينتج عملًا تجديديًّا كما قد يتصوّر مُعِدُّوه على الأقل، وربما كان غيره أولى منه، وهو تركيز الاشتغال بما ذكرنا في الجانب الأول، فهو ما يفرضه واقع النظر في حالنا العلمي المعاصر لمَن تأمّل.

[15] البحر المحيط، ت: صدقي محمد جميل، دار الفكر - بيروت، ط: 1420هـ، (1/ 26).

[16] البرهان في علوم القرآن، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة - بيروت، 1391، (1/ 13).

[17] البرهان في علوم القرآن، (2/ 148).

[18] التيسير في قواعد علم التفسير، ت: المطرودي، دار القلم - دار الرفاعي، ط: الأولى، 1410هـ-1990م، (ص124-125).

[19] يراجع: مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، ط: الثانية، 1427هـ، (ص51) وما بعدها.

[20] الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي - بيروت، ط: الثالثة - 1407هـ، (1/ 2).

[21] البحر المحيط في التفسير، (1/ 10).

[22] الناظر في التآليف المعاصرة في قواعد التفسير يلحظ فيها طغيانًا لاستيراد القواعد الأصولية واللغوية بشكلٍ خاصّ، وهي قواعد لا يمكن أن تضبط نسق ممارسة التبيين التفسيري المنشغل بتحرير المعنى ذاته والعمل على تقريره، فهي لا تُعِين على ذلك ولا تفيد في ضبط التعامل مع الأدوات اللازمة لعلمية إنتاج المعنى وكيفيات توظيفها والأنساق الحاكمة لذلك. يراجع في بيان ذلك وفي إشكالات التقعيد في التأليف المعاصر =الدراسة التي سعدنا بالمشاركة فيها: التأليف المعاصر في قواعد التفسير؛ دراسة نقدية لمنهجية الحكم بالقاعدية، محمد صالح سليمان، خليل محمود اليماني، محمود حمد السيد، مركز تفسير للدراسات القرآنية، (1441هـ-2020م). وقد أتيحت مؤخرًا للقراءة والتحميل على موقع المركز على هذا الرابط: tafsir.net/publication/8018.

[23] لا شك أن قضية الدلالة والمقارنة بينها في التفسير وفي الأصول ومدى قيمة مباحث الدلالات في فنّ الأصول وأثرها في ضبط الدلالة في التفسير =من القضايا التي لما تدرس بشكلٍ مفصّل رغم أهميتها، ومن خلال البحث الأوّلي في الأمر والذي نذكره من باب تثوير الأفكار والتساؤلات لا غير =يبدو لي أن اعتبار أهمية مباحث الدلالات في الأصول وأنه يمكن أن يكون لها أثرٌ بارزٌ في ساحة التفسير =أمرٌ لا يخلو من نظر؛ فالبحث الأصولي يُعنى بدائرة الأحكام وضبط أسس الاستدلال عليها، ولما كان الاستنباط من دلالات الألفاظ القرآنية هو أحد الميادين الرئيسة للتدليل على الأحكام في الصناعة الفقهية =غلب على الأصول ضبط كيفيات الاستنباط من النصّ والتأصيل له؛ ومن ثم ساد فيه مسلك العناية بأمرِ دلالات الألفاظ ذاتها لا الكلام نفسه؛ كونها محلّ النظر في عملية الاستنباط، وكذا أحد العناصر الرئيسة في الحكم على الاستنباطات ومقدار إرادتها في النصّ تبعًا لدلالة اللفظ عليها وطريقة هذه الدلالة وهل هي بالنصّ أو المطابقة أو اللزوم...إلخ، إضافة لجملة شرائط أخرى، وهو أمر يشبه بدرجة ما في ميدان التفسير =ما نجده في التفسير الإشاري -والذي هو استنباط لإشارات معينة من ألفاظ في النصّ وليس تفسيرًا للنصّ ذاته وبيانًا للمراد التركيبي منه- وما يمثله النظر في دلالة الألفاظ من أهمية رئيسة في التعامل مع هذا الاستنباط الإشاري والحكم عليه إضافة لشروط أخرى من وجود شاهد شرعي وغيره، وأما في مجال التفسير فالأمر جد مختلف؛ إذ الأصل النظر للسياق؛ لأن الغرض تحرير الدلالة التركيبة للكلام والتي يكون للسياق اليد الطولى في تحديدها وتوجيه دلالات الألفاظ والترجيح بينها في ضوء معطياته، وفي ضوء ذلك يمكننا تفهّم ضعف أو غيبة التأصيل للسياق وأثره في تحصيل الدلالات في مدونة الأصول نظرًا لأنه لا يمثّل الركن الركين في عملية الحكم على الاستبناط، وأن مباحث الدلالات في الأصول يصعب أن تمثّل سياجًا تقنينيًّا للدلالة التفسيرية، بل قد يفضي تفعيلها في ساحته -بلا ضوابط واعتبارات كثيرة- لإشكالات في ممارسة التبيين التفسيري والذي يحتاج لأدوات وموارد معينة ونسق خاصّ يتناسب مع طبيعة الدلالة التي يتقصّدها من النصّ، وأما ضعف العناية بالتأصيل للسياق في مدونة التفسير رغم عظيم خطره ومركزيته وشيوع الاعتقاد بأهمية مباحث الدلالات في الأصول وكفايتها في التفسير =فهو أمرٌ يرجع لغلبة التبيين اللغوي على مسار التفسير وضعف التبيين السياقي الذي كان عند السلف، والأمر لا يزال محلّ بحث عندي.

[24] إن واقع تفسير السلف يشبه بنظري واقع الشعر الجاهلي بصورة ظاهرة، على اختلاف في بعض الأسباب المنشئة لهذا الواقع، فكلاهما عانى إهمالًا ولم يُدْرَس بناؤه الداخلي للكشف عن عبقرية من قاموا به، وكذلك كلاهما جرى استشكاله حديثًا من ناحية الأسانيد ومشكلة الثبوت ووقوع الانتحال، وقد تتبعنا في بحث آخر أهمية النظر في الشعر الجاهلي وضرورته وكيفية استثماره في الكشف عن الطريقة المخصوصة لنظم القرآن. يراجع: دراسة نظم القرآن، قراءة في المنجز وآفاق الاشتغال مع طرح فرضية للنظم القرآني، وهو بحث منشور على موقع تفسير تحت الرابط التالي: tafsir.net/research/43.

[25] تفسير المنار (1/ 22).

[26] مناهل العرفان في علوم القرآن، (2/ 6).

[27] التفسير والمفسرون، الذهبي، (2/ 401).

الكاتب

خليل محمود اليماني

مدرس مساعد بجامعة الأزهر، شارك في عدد من الأعمال العلمية المنشورة.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))