التفاعل مع القرآن

الكاتب : محمد الخولي
عدد المشاهدات : 1870
لا يشعر بأثر القرآن وهديه إلا من تفاعل مع كلّ آية يقرؤها أو يسمعها، فكيف نتفاعل مع القرآن؟ وما الوسائل المُعِينة على ذلك؟ وكيف كان تفاعل النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة الكرام مع القرآن؟ هذا ما تكشفه لنا هذه المقالة.

  في خِضَمِّ الواقع الذي نعيش فيه، كثيرًا ما يحتاج المسلم إلى الشعور بالطمأنينة والسكون، وذلك لا يتجلَّى إلا مع الخلوة بكتاب الله -عزّ وجلّ-، هذه الواحة الغَنَّاء؛ ليرتشف من مَعِينها الصافي، ويتنفس من أريجها الزّاكي؛ لينعم بطمأنينة النفس وراحة القلب وسلامة الصدر، ولِمَ لا؟! وقد خَلا بكتاب ربه -عزّ وجلّ- الذي فيه شفاء ورحمة وموعظة للمتقين.

ولكن لا يشعر بأثر القرآن وهَدْيه إلا مَن تفاعل مع كلّ آية يقرؤُها أو يسمعها، وأدرك أن كلّ آية تحمل رسالة من الله -عزّ وجلّ- ينبغي عليه أن يرعي لها قلبه وعقله قبل سمعه وبصره.

أصناف الناس في التعامل مع القرآن:

والناس في تعاملهم مع القرآن أصناف وأنواع: فمنهم مَن يهتم بكثرة التلاوة، ومنهم مَن يهتم بإقامة الحروف وضبط المخارج، ومنهم مَن كلُّ همِّه تجميل صوته والتغني بالقرآن، ولكن ربما نسي أكثر هؤلاء أهمّ شيء وأعظم شيء، ألا وهو التفاعل مع آيات القرآن الكريم، فربما يمرّ الواحد على الآية تِلو الآية بقلبٍ غافلٍ ساهٍ، ثم يشتكي بعد ذلك: لماذا لم أشعر بحلاوة القرآن برغم أني أداوم على القراءة، ولم ألبث أن أنتهي من ختمة حتى أبدأ في أخرى؟!

لم يفطن هؤلاء إلى حقيقة مهمّة، ألا وهي: أن أكثر الناس استمتاعًا بالقرآن مَنْ علم أن هذا القرآن يتكون من (مبانٍ) و(معانٍ)، فهو ليس مجرد حروفٍ ومبانٍ تتحرك بها الألسنة، بل إن روح القرآن هي المعاني، وأنه لا ينبغي أن ينشغل المسلم بضبط المباني وينسى التفاعل والتفكّر في المعاني.

فالقرآن ليس مجرد نصّ جامد أنزله الله -عزّ وجلّ- لمجرد القراءة والحفظ، بل القرآن روح للأرواح، ونور للقلوب، وحياة للأبدان؛ فقد قال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[الزخرف:52].

وهذا القرآن لو أُنْزِل على الجبال لخشعت وتحطّمت من خشية الله -عزّ وجلّ-، فقد قال -سبحانه-: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[الحشر: 21].

ولن يتجلّى أثر القرآن على النفس إلَّا بتدبر آياته ومعرفة المقاصد والمعاني، وهذا أعظم ما ينبغي أن يراعيه المسلم عند التعامل مع القرآن، فمع عظيم أجر قراءة القرآن، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)[1]، إلَّا أن تدبّر القرآن والتفاعل مع معانيه أعظم أجرًا وفضلًا؛ لأنه المقصد والمطلب الأول الذي من أجله أُنْزِل القرآن، فقد قال -تعالى-: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29]، وقال -تعالى-: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}[النساء:82]، وقال -تعالى-: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[محمد:24].

وقد ذمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- من يقرؤون القرآن لمجرد القراءة ولا يتفاعلون معه، فقال عن هؤلاء: (سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ، يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ)[2].

تفاعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع القرآن:

لقد علَّمَنا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- كيف يكون التفاعل مع القرآن؛ فقد كان إذا مرَّ بآية من آيات العذاب تعوَّذ بالله، وإذا مرَّ بآية رحمة سأل الله من رحمته، وإذا مرَّ بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مرَّ بآية ثناء على الله أثنى عليه، وإذا مرَّ بآية سجدة سجد.

فعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: «صلَّيت مع النبِي -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة فافتتح الْبَقَرَةَ... إِذَا مَرَّ بِآية فيها تسبيح سَبَّح، وإِذا مرَّ بسؤال سأل، وإِذا مرَّ بتعوُّذ تعوَّذ»[3]، وزاد النسائي بلفظ: «إذا مرّ بآية عذاب وقف وتعوَّذ».

وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: «قمتُ مع رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- ليلة فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمرُّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوَّذ...»[4].

وكثيرًا ما كانت تذرف عيناه -صلى الله عليه وسلم- ويخشع قلبه عند سماع القرآن، فعن ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- قال: قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اقْرَأْ علَيَّ القُرآنَ)، قلتُ: يا رسول الله، أقرأُ عليك، وعليك أُنزِل؟! قال: (إِني أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)، فقرأتُ عليه سورة النِّساء، حتى جئتُ إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}[النساء:40]، قال: (حَسْبُكَ الآن)، فالتفتُّ إليه، فإذا عيناه تذرفان[5].

تفاعل الصحابة مع القرآن:

ولقد كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرفون أن هذا القرآن رسالة من الله -عزّ وجلّ- إليهم، فكانوا كثيرًا ما يتفاعلون معه، ولا تمرّ عليهم الآية إلا بعد تدبُّرها، والوقوف على مقصودها، وكيفية تطبيقها؛ فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أنه لما نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله -تعالى-: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:284]، اشتد ذلك على أصحابه رضوان الله عليهم، فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم بَرَكُوا على الرُّكَب، يسألون النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- التخفيف في المؤاخذة بما تتحدث به نفوسهم، فنسخ الله هذه الآية وأنزل -سبحانه-: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286].

ويقول ابن مسعود: «كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن»[6].

بعض الوسائل المُعِينة على تحقيق التفاعل مع القرآن:

  • انتزاع بعض الأوقات للخلوة بالقرآن:

ينبغي على المسلم أن يتخير الأوقات المناسبة لتدبر كتاب الله -عزّ وجلّ-، حيث يفرغ ذهنه وقلبه من الصوارف التي ربما تَحُول بينه وبين الخشوع والتفاعل مع كلام الله -عزّ وجلّ-، وينبغي أن يَعْلَم بأن الأمر ليس صعبًا كما يظنّ بعض الناس، فقد قال -تعالى-: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}[القمر:22]، يقول الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: «أي: ولقد يسّرْنا وسهّلْنا هذا القرآن الكريم وألفاظه للحفظ والأداء، ومعانيه للفهم والعلم»[7].

  • التعوُّذ بالله من الشيطان الرجيم:

لأن هذا التعوذ يُعين العبد لا محالة على حضور قلبه وخشوع جوارحه، فقد قال -تعالى-: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98].

ويقول ابن القيم: «الشيطان يجلب على القارئ بخَيْلِهِ ورَجِلِهِ، حتى يشغله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به -سبحانه-، فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأمر عند الشروع أن يستعيذ بالله -عزّ وجلّ- منه»[8].

  • الحرص على معرفة ما غمض من الكلمات والمعاني:

وذلك بالرجوع إلى كتب التفسير المشهورة عند أهل العلم، والمعروفة بسلامتها من الاعتقادات المخالفة، مثل: تفسير الطبري، وتفسير ابن كثير، وتفسير البغوي، ومن الكتب المعاصرة: تفسير السعدي، وتفسير ابن عاشور وغيرها من التفاسير، وذلك ليتسنى له معرفة الرسالة التي تتضمنها كلّ آية.

ولقد كان ذلك دأب السلف الصالح، حيث كان الواحد منهم إذا مرَّ على الآية لا يتركها حتى يتدبرها ويفهم معانيها، وإلَّا لا يعدّ لها أجرًا عند الله؛ فقد نقل الغزالي عن بعض السلف قوله: «آية لا أتفهّمها، ولا يكون قلبي فيها لا أعدّ لها ثوابًا»[9].

  • استشعار المسلم بأنه مخاطَب بكلّ آية من القرآن:

ينبغي للمسلم عند قراءة القرآن أو الاستماع له أن يستشعر أنه هو المقصود بهذا الخطاب وأنه موجّه له، وأن كلّ أمر أو نهي هو مأمور به، فلقد فطن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهذا الأمر جيدًا، ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك، أنه قال: «لمَّا نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}[الحجرات: 2]، جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فسأل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- سعدَ بن معاذ، فقال: (يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكَى؟)، قال سعد: إنه لجاري، وما علمتُ له بشكوى، قال: فأتاه سعد، فذكر له قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال ثابت: أُنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعدٌ للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بل هو من أهل الجنة)[10].

  • الحرص على التطبيق والعمل بعد القراءة والفهم:

فإن التطبيق والعمل بعد القراءة والفهم لَهُوَ المقصدُ الأساسُ لنزول القرآن الكريم، وهو من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة، فقد قال -تعالى-: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}[طه:123-124].

فالعمل بعد القراءة له أهمية كبيرة وهو أمر لطالما نعى السلف على إهماله وعدم رعايته والانشغال فقط بالقراءة دون العمل، يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: «أُنْزِل عليهم القرآن ليعملوا به فاتخذوا درسه عملًا، وإنّ أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته، ما يُسْقِط منه حرفًا، وقد أسقط العمل به»[11]، ويقول الحسن البصري -رحمه الله- عن التدبر: «والله ما تَدَبُّره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأتُ القرآن كله، ما يُرَى له القرآنُ في خُلقٍ ولا عملٍ».

وختامًا أيها القارئ الكريم، هذه مجرد نبضات حول التفاعل مع القرآن أردتُ من خلالها أن أدقّ ناقوس الإنذار؛ لينتبه المسلمون لبعض أخطائهم في التعامل مع أعظم رسالة وصلت إليهم، هذه الرسالة التي إن أحسنوا التعامل معها نالوا شرف الدنيا وعزَّ الآخرة، ولِمَ لا؟! وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في خطبته يوم حجة الوداع: (وقد تركتُ فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله)[12].

فنسأل الله أن يردّنا إلى القرآن مَرَدًّا جميلًا، وأن يجعلنا من العالِمين العامِلين، والحمد لله ربّ العالمين.

 

[1] رواه الترمذي (2910).

[2] رواه مسلم (1067).

[3] رواه مسلم (772).

[4] رواه أبو داود (873)، والنسائي (1049).

[5] رواه البخاري (5050)، ومسلم (800).

[6] تفسير الطبري: (1/ 80).

[7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص:825).

[8] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان: (1/ 93).

[9] إحياء علوم الدين: (2/ 48).

[10] رواه مسلم (119).

[11] الجواهر الحسان في تفسير القرآن، (1/ 134).

[12] رواه مسلم (1218).

الكاتب

محمد الخولي

باحث ماجستير في العلوم الإسلامية - كلية دار العلوم - جامعة القاهرة.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))