معيار تقويم كتب التفسير؛ تحرير وتأصيل

الكاتب : خليل اليماني
عدد المشاهدات : 1369
تتعدد الأسباب الدافعة إلى المفاضلة بين كتب التفسير وتقويم جدواها وأهميتها في فن التفسير، إلا أن إجراء هذه المفاضلة يظلّ عملًا شديد العنت؛ لحاجته لمعيار منهجي ضابط يُمكن من خلاله تقريرها بصورة علمية دقيقة. وهذه المقالة تسلط الضوء على هذه المفاضلة: أسبابها، وكيفية تحديد معيارها في ضوء مكونات التفسير التي تتقصد إليها هذه التفاسير جميعًا.

  تتعدد الأسباب الدافعة إلى المفاضلة بين أهمية مؤلفات الفنّ داخل دائرة الفنّ ذاته، لا سيما في باب التكوين العلمي في هذا الفن والتدرج في طلبه؛ حيث يحتاجُ الدارسُ إلى خارطة علميّة متدرّجة تمكِّنه من حُسْنِ هضم العلم والترقي في معارفه، إلى أسباب أخرى متعددة تدعو لهذه المفاضلة.

وبالرغم من أهمية ذلك إلا أنَّ المفاضلة بين جدوى المؤلفات في أحدِ الفنون تعدُّ أحد أكثر الأعمال إرهاقًا وصعوبة؛ ذلك أنها يومَ تؤخذ بحقِّها وتُجاوِز ما يُطرح من التوصيات العامة ببعض الكتب والمؤلفات كالتي توجد في بعض برامج الترقي والتعلم بشكل عام= فإنها عملٌ شديد العنت، ولا يستطيعه كلّ أحد؛ نظرًا لما تتطلبه من إلمام بالخرائط العامة للحركة العلمية في الفنّ، والإحاطة بتوجُّهاتها، والقراءة الواعية للنتاج الفكري فيه، والإمساك بمنطلقاته وركائزه الكلية، ومراحل تشكُّله وتكوُّنه عبرَ التاريخ، ومراتب معلوماته ومسائله، ومَيْز ما هو من قبيل الصلب منها وما هو من قبيل التّبَع والمُلَح، إلى غير ذلك مما يُسهم بحقٍّ في تكوين معايير وأسباب علمية لها وجاهتها عند تصدير أحد المؤلفات باعتباره ذا أهمية في أحد ميادين المعرفة، وتحرير تلك الأهمية وتبريرها على نحوٍ دقيقٍ وسائغٍ.

وإذا كانت رؤية آفاق البحث في الفنون وأولوياتها تختلف من شخصٍ لآخر؛ «نظرًا لاختلاف المنطلقات المنهجية التي ينطلق منها كلُّ شخصٍ، وكذا اختلاف التصوّرات التي لديه عن هذه العلوم، ثم أيضًا اختلاف التجربة؛ من حيث الخبرة والمِراس والمدارسة وسعة الاطلاع أو ضيقه»[1]= فإن الحكم على التصانيف ومَيْز مراتبها في الفنّ وتحديد أولوياتها ودرجات اعتبارها وأهميتها فيه -وليس بحسب حالِ مدى صلاحيتها ومناسبتها للأشخاص أو غير ذلك من الأغراض مما يُتسامح فيه- يبقى عُرضةً للتفاوت لذات الأسباب السالفة تقريبًا، فهو أمرٌ تتحكم فيه الرؤية العامة للفنّ وطبيعة مراحله ودرجة الخبرة به وبمساراته ومسالكه؛ ومن ثَمَّ فإنه يظلُّ بحاجة ماسَّة لوضع المعايير الضابطة له حتى يخرج عن حدّ الذّوق الشخصي، ويبتعد قدر الطاقة عن الطرح الهَشِّ غير القائم على رؤى عميقة وتبصُّرٍ دقيق بحالِ الفنون.

كيفية تحديد معيار المفاضلة بين قيمة مؤلفات الفنّ الواحد:

إنَّ هذا التفاوت والاختلاف في الحكم بالتفاضل بين التصانيف في الفنّ وقياس درجة أولويتها فيه يقلُّ بصورة كبيرة إذا ما تمكَّنَّا من تحرير بعض الأمور المهمّة في الفنّ، والتي على رأسها دائرة الصُّلب والتَّبع فيه، والتي يمكن عبرها أن نوجد معيارًا تُقاس عليه وتتحدَّد تبعًا له بشكلٍ عامٍّ القيمة النوعية للتصانيف في هذا الفنّ، والتي تستدعي المفاضلة بينها فيه؛ فالعلم -كما يقول الشاطبي-: «منه ما هو صُلب، ومنه ما هو مُلَح، وما هو ما ليس من الصلب ولا الملح»[2]، ولا شك أنَّ القسم الأول منه، «هو الأصل والمعتمد، والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين، وذلك ما كان قطعيًّا، أو راجعًا إلى أصلٍ قطعي»[3]؛ ومن ثَمَّ كان ربطُ تفاضل التصانيف به في الفنون أمرًا ظاهرًا وله وجاهته؛ إذ يمثِّلُ ربطًا بالقيمة الجوهر في الفنّ، والأكثر أصالة ومركزية فيه، والأشدّ خطرًا في درس مسائله وقضاياه.

إِنّ الفنّ متى جرى ضبطُ صلبه وعصبه ومَيْز أُسِّه وقاعدته بصورة جليَّة ودقيقة عمَّا هو من باب التّبع والمُلَح فيه= أمكن بصورة كبيرة بناء معيار علمي محددٍ يجري من خلاله مَيْزُ مراتب التصانيف في العلم وقياس أهميتها فيه، بحسب مساسها بهذا الصُّلب وطبيعة جانب الاشتغال الذي تقوم عليه فيه، وهو ما نتغيّا في مقالتنا هذه البحث فيه وفي كيفية بناء معيار منهجي محددٍ للمفاضلة بين جدوى كتب التفسير في فنِّ التفسير.

مدونة التفسير؛ أسباب المفاضلة وآليات بنائها:

إنّ الناظر في مدونة التفسير يلْحظُ أن بها عددًا كبيرًا جدًّا من التفاسير القديمة والحديثة، والتي تتفاوت في مادتها ومعلوماتها، وتتنوع في أغراضها ومقاصدها، فيجري تقسيمها وتصنيفها إلى اتجاهات وألوان متعددة؛ فمنها الأدبي، والبلاغي، والنحوي، والمقاصدي، إلى غير ذلك من تلك التقاسيم التي يجري مَيْزها تبعًا لما يغلب على طبيعة مادة هذه المصنفات وما تحويه من معلومات، وكذا تختلف مصنفات هذه المدونة في أحجامها؛ ما بين مطولات ومختصرات، وتتباين في مناهجها؛ ما بين معتمد على مقولات السلف، وراوٍ لها، وما ليس كذلك، إلى آخر تلك الاختلافات الكثيرة والمتعددة التي لا يخطئها الناظرُ بين مصنفات التفسير.

وهذه المدونة التفسيرية الكبيرة والواسعة هي مدونة تطبيقية بامتياز تقوم مصنفاتها -مهما تنوعت مادتها ومعلوماتها بحسب تنوّع أغراضها ونظرتها للتفسير كما سيأتي- على خدمة غرض رئيس، وهو محاولة تفسير القرآن الكريم وشرحه وبيان آياته؛ ومِن ثَمَّ فإنها بهذه الصورةِ شديدةِ التنوع والتفاوت تبدو مرهقةً جدًّا في التعامل معها، لا سيما للمقبل على تعلُّم فنِّ التفسير والراغب في دراسته من خلالها وفق منهج علمي متدرج؛ ذلك أنَّ الناظر لهذه المدونة التفسيرية والراغب في فهمِ التفسير من خلالها يجدها جميعًا كتبَ تفسيرٍ ويجمعها غرض التفسير ذاته، ولذا فإنه يقف أمامها متحيرًا جدًّا في معرفة الضابط الذي يرجع إليه في التعامل معها، وفي فهم الأسباب التي تجعل أيها أحرى بالتقديم في فنِّ التفسير وفي معايشته واستيعابه وهضمه، وأكثرها نفعًا في ذلك من غيره، وكذا المعايير التي تحدد أيها الأكثر عمقًا في تكوين مَلَكة التفسير، وفي تخليق الدُّربة على ممارسته، وفي تشكيل القدرة اللازمة للتعامل معه، وأيضًا المحددات المنهجية لاعتبار أيّ مسارات بعض التصانيف هي أحرى بالإقبال عليها وإدامة تأمُّلها وإجالة البصر في مادتها وإطالة النظر في تضاعيفها، وأيها يكتفى فيه بقليل المطالعة والنظر...إلى آخر تلك التساؤلات التي لا تخفى أهميتها لكلّ مطالع وراغب في فهم التفسير والترقي والتدرج في طلبه من خلال مصنفاته.

إِنَّ مصنفات التفسير والتي برغم تفاوتها البيّن وتنوعاتها الكثيرة تقوم كتبها في ذات الوقت على خدمة ذات الغرض؛ ولذا فإنَّ الراغب في دراسة التفسير من خلالها يحتاج حتمًا إلى المفاضلة بينها -بحسب الأكثر نفعًا منها في درس التفسير-، لكي يتمكن من بناء خارطة طلبِ فنِّ التفسير بوضوحٍ منهجيّ محكمٍ، حتى لا يطول به المقام في مطالعة بعض التصانيف ثم لا يظفر بكبيرِ شيء؛ كونها لا تمثل متين العلم، أو يتجه نحو بعض المختصرات -كما يفعل البعض- توفيرًا للوقت فيفوته علمٌ كثيرٌ لا غنى عنه في التكوين العلمي الراشد في التفسير، وكذا حتى يتمكن من التدرج في الطلب بطريقة منهجية راشدة؛ فلا يقدّم ما حقّه التأخير ويؤخر ما حقّه التقديم من التصانيف...إلى آخر تلك الإشكالات التي لا تخفى في طلب تحصيل الفنون بشكلٍ عامٍّ.

وإذا كانت المفاضلة بين مصنفات التفسير في مدونته لها مثل تلك الأهمية، فإنَّ تحديد ضابط لهذه المفاضلة يعدُّ أمرًا مهمًّا حتى لا تقوم على مجردِ الذّوق الذي ليس له مبررات ومسوغات منهجية تدفع إلى قبوله والتسليم به، ومن ثم السير في النظر لمصنفات التفسير تبعًا لمعطياته ونتائجه.

معيار المفاضلة بين كتب التفسير:

 يُمكن بناء معيار التفاضل بين كتب التفسير وتحريره من خلال النظر في التفسير ذاته وتأمل دوائره ومكوناته، خاصّة وأنه غرضها الرئيس الذي تنتصب من أجله كما مرَّ، بحيث يظهر لدينا بعد ذلك ومن خلال دراسة هذه المكونات والمراحل أيها أكثر أولويّة وأعظم أثرًا من غيرها، ومن ثم يمكن تأسيس معيار التفاضل بين كتب التفسير تبعًا لها.

ويظهر ارتباط بناء معيار التفضيل بين كتب التفسير بمفهوم التفسير إذا ما نظرنا في بعض المقولات التي حاولت المفاضلة بين كتب التفسير وقياس جدواها في فنّ التفسير؛ ومن ذلك مثلًا:

- يقول محمد عبده: «التفسير قسمان؛ أحدهما: جاف مبعد عن الله وعن كتابه، وهو ما يقصد به حلّ الألفاظ وإعراب الجمل وبيان ما ترمي إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية، وهذا لا ينبغي أن يسمى تفسيرًا، وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون كالنحو والمعاني وغيرهما. ثانيهما: وهو التفسير الذي قلنا: إنه يجب على الناس -على أنه فرض كفاية-، هو الذي يستجمع تلك الشروط لأجل أن تستعمل لغايتها، وهو ذهاب المفسّر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأحكام على الوجه الذي يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام؛ ليتحقق فيه معنى قوله: {هُدًى وَرَحْمَةً} ونحوهما من الأوصاف، فالمقصد الحقيقي وراء كلّ تلك الشروط والفنون هو الاهتداء بالقرآن»[4].

والناظر في الكلام السابق يلحظ أمرين:

الأول: أنه جرى تقسيم التفسير إلى نوعين مع الموازنة بينهما وتفضيل أحدهما على الآخر، وغير خافٍ أن هذه القسمة تستدعي في ذاتها تقديمًا لمؤلفات التفسير التي تتمثلها وتقترب منها؛ فكلما كان كتاب التفسير أكثر قربًا لحلّ الألفاظ والإعراب...إلخ كان أكثر بُعدًا، وكلما اقترب من بيان هدايات القرآن ومقاصده كان أحرى بالقبول؛ بل وبحمل اسم التفسير.

الثاني: معيار التفضيل جاء متمركزًا -كما هو بيّن- حول طبيعة التصوّر لمفهوم التفسير ذاته وطريقة فهمه وتقدير طبيعة المكونات التي يجب أن يشتمل عليها ويتركب منها.

ومن هاهنا يظهر لنا بجلاء أنَّ المعيار الذي يمكن من خلاله ضبط المفاضلة بين كتب التفسير لا يتحصل إلا من خلال النظر في مفهوم التفسير ذاته وتأمل مكوناته، وهو بيّن.

مفهوم التفسير؛ المكونات والأجزاء:

إنّ المتتبع لتعريفات التفسير يلحظ أنَّ هذا المصطلح يكتنف مفهومه خلافٌ ظاهرٌ بَيْنَ قاصرٍ لهذا المفهوم على تبيين المعاني وكشفها، وَبَيْنَ مُوسع له ليشمل أمورًا أُخرى كسرد الهدايات واللطائف والأحكام...إلخ ممَّا يتفاوت المفسرون في سعته أيضًا، ومدى اعتبارهم لما يدخل منه في دائرة التفسير وما لا يدخل[5].

ومن ثم يمكننا أن نقول بأنَّ مكونات هذا المفهوم تتمثل في أمرين بوجهٍ عامٍّ:

أولًا: شرح المعنى وضبطه.

ثانيًا: استخراج الهدايات والأحكام واللطائف والمُلَح والمقاصد...إلخ.

وليست هذه المكونات منفصلة، اللهم إلا عند من يقصر مفهوم التفسير على بيان المعنى ويرى عدم مجاوزة التفسير لذلك الغرض، وإلا فمن يرون توسعة المفهوم فإنهم يعتبرون في مكوناته مرحلة بيان المعنى ولكن مضافًا إليها عدد آخر من الأمور التي يتفاوتون فيها أيضًا سعةً وضيقًا.

وإذا كانت مكونات مفهوم التفسير هي ما ذكرنا فلا شكّ أننا لكي نحرّر ضابطًا ومعيارًا لتفاضل مؤلفات التفسير؛ فإنَّه يتوجب علينا النظر في مكونات المفهوم لتحرير أيها أكثر أولوية وأيها يمكن أن يمثّل عصبًا للتفسير وصلبًا له.

مكونات مفهوم التفسير؛ الأولوية والأهمية (الصلب والتبع)[6]:

إنّ الناظرَ في مكونات التفسير يلحظ أمرين:

أولًا: إنّ بيان المعنى يُمثّل قدرًا مشتركًا في مكونات مفهوم التفسير؛ فالبعض قد اقتصر عليه أو زاد عليه مكونات أخرى[7].

ثانيًا: هناك تفضيل عند بعض موسّعة المفهوم للقدر الزائد عن بيان المعاني على بيان المعاني ذاتها، حيث يعتبرون هذه الزيادات هي الغاية الكبرى والمقصد الأسمى، بل والجديرة باسم التفسير، وأن من جرَّد التفسير منها مقتصرًا على بيان المعنى فربما لا يُعَدُّ عمله تفسيرًا ولا يستأهل النسبة للتفسير كما مرَّ معنا.

ونحن إذا ما أجرينا مقارنة بين مكوّن بيان المعاني وبقية المكونات التي يدخلها موسعة المفهوم، فلا شك أن بيان المعاني سيظهر سريعًا باعتباره ركيزة رئيسة تفضُل غيرها ولا يفضلها أي من بقية المكونات المضافة عليها؛ نظرًا لاستحالة قيام سائر مكونات المفهوم المضافة على التفسير عند موسعة المفهوم إلا بعد تحرير تلك المعاني أولًا وضبطها؛ فالتفسير -عند من يوسع مكوناته- إذا تأملناه وجدنا أنه يمرّ بمرحلتين؛ وهما:

المرحلة الأولى: بناء المعنى وتحريره.

المرحلة الثانية: استثمار المعنى والبناء عليه.

فالمرحلة الأولى (بناء المعنى): هي المرحلة التي تدور حول محاولة فهم المعنى القرآني وضبطه؛ حيث ينطلق المفسّر في بيان المعنى وتوضيحه وشرحه، وهذه المرحلة يتوقف عندها التفسير عند من يقصره عليها، ويتخطاها إلى البحث عمَّا وراءها مما سيأتي في المرحلة الثانية، بحسب سعة مفهوم التفسير الذي يتبناه المفسر كما بينّا.

أمّا المرحلة الثانية (مرحلة استثمار المعنى والبناء عليه): فهذه المرحلة التالية لبيان المعنى؛ حيث ينطلق المفسر في استثمار المعنى الذي وضح له في المرحلة الأولى ليبني عليه ويسير به في فضاءات واسعة وعديدة؛ مستنبطًا منه حكمًا، أو مستخرجًا منه هداية، أو مستلمحًا من ثناياه نكتة أو لطيفة، أو مقدمًا من خلاله مادة وعظ، إلى غير ذلك من أشكال التوظيف والبناء، التي نراها جلية في كتب التفسير. وهذه المرحلة يوجد بها عددٌ من المراحل -كما هو بَيّن- بحسب سعة التوظيف التي ينطلق إليها المفسّر ويرغب في الذهاب بتفسيره إليها.

ولا شك أنَّ الناظر في هاتين المرحلتين يدرك ما بينهما من تلازم، وأن المرحلة الثانية تقوم رأسًا على المرحلة الأولى ولا تأتي إلا بعدها؛ ذلك أنه «لا يمكن الانطلاق إلى تأسيس أيّ فائدة أو قياس أو استنباط حكم أو تقرير مسألة... إلخ دون تقرير المعنى وتحريره؛ إذ المعنى هو أساس ذلك ورأسه وقاعدته ومنطلقه، فإذا تمَّ بيانه أمكن الانطلاق منه إلى ما بعده، وما لم يتم بيانه فلا يمكن الوصول إلى شيء بعده»[8].

وذلك ظاهر جدًّا؛ فبدون بيان المعنى وضبطه بأيّ صورة من الصور لا يمكن الخطو إلى ما وراءه مما يأتي في المرحلة الثانية من استخراج اللطائف والأحكام والهدايات...إلخ مما لا يتبدّى إلا بعد تمثّل معنى معين في الآية محلّ التفسير؛ ومن ثم فإنَّ المرحلة الثانية مهما تشعبت دوائرها وكثرت إلا أنها مُنبنية في جذرها على بيان المعنى وتأتي تبعًا لها؛ ولذا يمكننا القطع بأن بيان المعاني هو بمثابة الأصل والأساس في المفهوم، وأنَّ ما زاد عليه من إضافات هي بمثابة التبع فيه. وهو ما نزيده جلاء عبر أنموذج تطبيقي يوضحه ويقرره.

مكونات مفهوم التفسير في واقع التفسير؛ نموذج تطبيقي:

ظهر لنا من خلال ما سبق أنّ التفسير منه ما هو صلب ينصبُّ على تحرير المعنى، ومنه ما هو تبع قد تتفاوت دوائره وتتشعب أطرافه، إلا أنه يتركب رأسًا على تحرير المعنى؛ ولذا فإننا سنقوم في هذا النموذج باستعراض المادة التفسيرية في إحدى الآيات القرآنية، لنبين صحة هذا الأمر؛ وذلك من خلال تأمل مادة التفسير في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك}[البقرة: 258].

فهذه الآية تأتي في سياق إخبار الله عن المحاجّة التي وقعت بين إبراهيم والكافر الذي خاصمه في ربه، ونلحظ فيها أن الضمير المنصوب في الفعل: {آتَاهُ} يحتمل في عوده ورجوعه احتمالين:

الأول: أن يكون عائدًا على الكافر الذي حاجّ إبراهيم في ربه، ويكون معنى الآية «أي: آتى الكافر المُلك»، وهو ما علق عليه الزجاج، بقوله: «وهذا هو الذي عليه أهل التفسير، وعليه يصح المعنى»[9].

الثاني: أن يكون عائدًا على إبراهيم -عليه السلام- نفسه، وعليه فإن معنى الآية يكون: «أن آتى اللهُ إبراهيمَ الملك. وهو القول المنسوب إلى أهل الاعتزال»[10].

وبغضّ النظر عن دائرة الترجيح والاختيار فليس الغرض متجهًا إليها، إلا أنه يمكننا بسهولة ويسر أن نلحظ بوضوح أثر تبيين المعنى وكشفه، وكيف أنه يمثل أساسًا كبيرًا، وأنه إذا تحقق ضبطه أمكن ضبط ما وراءه واستطاع العقل بعدها أن ينطلق في فضاءات المعنى؛ ليبني عليها ويستخرج منها أحكامًا وحكمًا شتى وهدايات ولطائف، ومن ذلك أنه يمكننا مثلًا على القول الأول -وسنكتفي به لاقتصار غالب المفسرين عليه في التفسير- أن نستخرج هداية من الآية عن أن: «النعم تبطر صاحبها إذا حرم ولاية الله تعالى»[11]، وفي أنَّ «الملك بلاء وفتنة على من أوتيه»[12]، وأن نستخرج منها أحكامًا من مثل: «جواز تسمية الكافر ملكًا إذا آتاه الله الملك والعزّ والرّفعة في الدنيا، وجواز أن ينعم الله على الكافرين في الدنيا، ثم يحرم منها في الآخرة، ولا يجد إلا النار»[13]، وأن نستثمره في بيان موقف الإسلام من النعم والموقف الإيماني إزاء التعامل معها وطبائع النفوس في التعامل مع النعم السماوية[14].

فيتحرر لنا من خلال ما سبق أصالة تبيين المعاني، وأنها تمثل صلب التفسير على الحقيقة، وأنها الأساس الذي يهيئ التربة لبقية الإضافات والزيادات عليها ويفضي إلى تخليقها وإيجادها؛ ذلك أن سائر هذه الإضافات قائمة في أصلها على بيان المعنى، ولا تأتي إلا بعد إقراره والانتهاء منه أولًا، وهو ظاهر.

وإذا كان الأمر بهذه المثابة وكان بيان المعاني بهذه الصورة؛ فإن المعيار الذي يمكننا به المفاضلة بين كتب التفسير هو لا شك مقدار اتصال كتب التفسير ببيان المعاني وخدمتها له؛ فكلما كان كتاب التفسير خادمًا بقوة لبيان المعاني ومؤثرًا فيها كلما كانت إفادته في التفسير إفادة عظيمة، ويمكن اعتباره كتابًا شديد التميز وعظيم الأثر في فنّ التفسير.

ولا يعني هذا أبدًا التقليل من قيمة كتب التفسير التي يظهر جلّ اشتغالها في الإضافات على بيان المعاني -والتي تراها داخلة في مفهوم التفسير كما بينا-، ولكنه فقط بيان لـ:

أولًا: مركزية مرحلة بيان معاني في التفسير، وأنها الأكثر أهمية.

ثانيًا: خطأ تقديم المكونات والإضافات الزائدة في مفهوم التفسير عند من يقدمها من موسعة المفهوم على بيان المعاني، كما مرّ معنا في كلام الإمام عبده؛ كون هذه الإضافات مرتكزة في أصلها على بيان المعنى ومتفرعة عنها؛ ومن ثم فلا يقدم الفرع على أصله بحالٍ أبدًا.

ثالثًا: خطأ التقويمات والأحكام التي تتجه لتقدير أهمية مصنفات التفسير في التفسير دون اعتبار دورها في مرحلة بيان المعاني وأثرها في هذه المرحلة[15].

وغير خافٍ أنَّ هذا التحرير لضابط مركزية كتاب التفسير ودوره في بيان المعاني كمعيار للمفاضلة بين التصانيف في التفسير كفيلٌ بحلِّ الإشكالات العديدة مما سبق بيانه في سبل التعامل مع هذه المدونة التطبيقية، والتي تنصبّ على التفسير ذاته، بحيث يُصبح لدينا معيارٌ علميٌّ مبررٌ يمكن عبره تحديد جدوى هذه المصنفات التفسيرية في التفسير وقياس مدى أهميتها فيه، ومن ثم فلا يتشتّت الناظر لهذه المصنفات ويحار في وجهة التعامل معها، ويتعذر عليه بناء آلية للمفاضلة بينها -والتي تدعوه إليها أسباب شتى كما تقدم- لا سيما وأنّ جميع المصنفات -كما أسلفنا- هي كتب تفسير وغرضها هو التفسير.

كما يمكن عبر هذا المعيار منع مسألة الذّوق في تحديد جدوى المصنفات، وبيان مدى أهميتها في باب التفسير، والذي لا يخفى كمّ التساهل فيه، وكثرة دعاوى التفضيل التي تُطلق من هنا وهناك للعديد من مؤلفاته باعتبارها الأجدى في التفسير والأكثر نفعًا للمتخصص فيه، والتي لا تستند على مبررات علمية وجيهة؛ مما يسبب إرباكًا علميًّا لا يخفى في التخصص ومؤلفاته، وعائقًا عن بناء برامج التكوين العلمي السديد لشُداته والمقبلين عليه بما يؤهلهم ويمكنهم من هضمه...إلخ من الإشكالات والاضطرابات.

 وإذ ظهر معنا وتحرر أنّ بيان المعنى هو المعيار الأصل الذي يجب ربط المفاضلة بين كتب التفسير في فنّ التفسير وتحرير جدواها وأوزانها تبعًا له، وأنّ قيمة هذه التصانيف وخدمتها لفنّ التفسير تتحدد وفقًا لجهدها وبذلها فيه؛ فإن ثمة تساؤلات أخرى تثور في الذهن حول واقع هذه المرحلة في كتب التفسير -لا سيما وأنها تحضر في سائرها كما بينّا-، وأكثر التفاسير عناية بها ودرجاتها في ذلك، وعن مسار التأليف في هذه المرحلة المهمة في مدونة التفسير...إلخ مما لا تقلّ أهمية تحديده بحالٍ عن تحديد معيار المفاضلة بين كتب التفسير؛ لارتباطه بدائرة التطبيق العملي لهذا المعيار على واقع مصنفات الفنّ، وتنزيله على مؤلفاته وكتبه وبناء نتائج المفاضلة واقعيًّا تبعًا له بصورة عملية لا تخفى أهميتها في رسم خارطة كتب التفسير تبعًا لأوزانها النوعية فيه وتصنيفها تبعًا لهذا الاعتبار، والذي سييسر -بلا شك- طريقة التعامل مع هذه المدونة الواسعة والتكوين العلمي في التفسير على نحوٍ أرشد، وهو ما سيكون مجال اشتغال لنا في مقالات لاحقة بإذن الله... والله الموفق.

 

[1] أبجديات البحث في العلوم الشرعية، فريد الأنصاري، دار السلام، ط: 1، 1431هـ -2010م، ص: 165.

[2] الموافقات (1/ 107).

[3] الموافقات (1/ 107).

[4] تفسير المنار (1/ 22). وفي ذات الصدد يقول الزرقاني أيضًا: «التفسير على نوعين بالإجمال؛ أحدهما: تفسير جاف لا يتجاوز حلّ الألفاظ وإعراب الجمل وبيان ما يحتويه نظم القرآن الكريم من نكات بلاغية وإشارات فنية، وهذا النوع أقرب إلى التطبيقات العربية منه إلى التفسير وبيان مراد الله من هداياته.

النوع الثاني: تفسير يجاوز هذه الحدود ويجعل هدفه الأعلى تجلية هدايات القرآن وتعاليم القرآن وحكمة الله فيما شرع للناس في هذا القرآن، على وجهٍ يجتذب الأرواح ويفتح القلوب ويدفع النفوس إلى الاهتداء بهدى الله، وهذا هو الخليق باسم التفسير». مناهل العرفان في علوم القرآن (2/ 6).

[5] ينظر دراسة: أصول التفسير في المؤلفات - دراسة وصفية موازنة، مركز تفسير، ط: 1، ص: 58 وما بعدها.

[6] أشار لفكرة تقسيم التفسير إلى صُلْب متمثل في بيان المعاني وتَبَع يشمل ما وراء ذلك من توسعات وإضافات الدكتور مساعد الطيار في كتابيه: مفهوم التفسير، وأنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن الكريم. إلا أنَّه يعتبر هذا التبع خارج التفسير؛ حيث يقصره على بيان المعنى لا أكثر، وهو أمرٌ لا يخلو من نظر لأسباب نبسطها في مقالٍ لاحقٍ بإذن الله.

وقد توسع في عرض فكرة تقسيم التفسير إلى صُلْب وتَبَع بشكلٍ عامٍّ، وتتبع آثارها في حركة التفسير على مستويات عدة بحثٌ نفيس للدكتور محمد صالح سليمان، بعنوان: «مفهوم التفسير بين صلب التفسير وتوابعه»، ضمن بحوث مؤتمر المغرب الذي انعقد بعنوان: «بناء علم أصول التفسير؛ الواقع والآفاق» بمدينة فاس. وقد قسم البحث معلومات كتب التفسير بشكلٍ عامٍّ إلى ثلاثة مراتب؛ وهي: معلومات يحصل بها بيان المعنى، ومعلومات هي وسيلة لحصول المعنى، ومعلومات تابعة لبيان المعنى ومترتبة عليه، واعتبر الأولى والثانية هي بمثابة صلب التفسير خلافًا للثالثة التي تمثل التبع، والأقرب أنهما مرتبتان فقط لا ثلاثة؛ إذ لا فرق بين الأولى والثانية؛ فما هو وسيلة لبيان المعنى هو ما يحصل به البيان.

وتأتي مقالتنا هذه للتأكيد -من جانب- على فكرة هذا البحث الماتع والزيادة في تقريرها والتمثيل لها، واستثمارها في اعتبارها معيارًا للمفاضلة بين كتب التفسير وتقويم جدواها في فنّ التفسير من جانب آخر.

[7] يراجع: أصول التفسير في المؤلفات؛ دراسة وصفية موازنة، واختلاف السلف في التفسير بين التنظير والتطبيق. 

[8] مفهوم التفسير بين صلب التفسير وتوابعه، محمد صالح سليمان، ص: 10.

[9] معاني القرآن وإعرابه (1/340).

[10] ينظر: البحر المحيط (2/626)، ويراجع تفصيل القولين ودلائلهما عند الرازي (7/20-21). وتجدر الإشارة إلى أن القول بعودة الضمير لإبراهيم نسبه الماوردي للحسن؛ إذ أن أهل السنة لا يمنعون عود الضمير لكلا القولين لاستقامة المعنى وإن كانوا يرجحون الأول، بخلاف المعتزلة الذين يوجبون عودته لإبراهيم ويمنعون عوده إلى الكافر، أو يجوزونه مع تفسير إتيان الملك بما غلب به وتسلط من المال والخدم، والتغليب والتسلط مِنْ فِعْله لا من فعل الله عندهم.

[11] أيسر التفاسير للجزائري (1/249).

[12] تفسير القاسمي = محاسن التأويل (2/196).

[13] أحكام القرآن للجصاص (2/170-171)، التفسير المنير للزحيلي (3/30).

[14] يقول صاحب الظلال: «إنّ هذا الملك المنكر المتعنت إنما ينكر ويتعنت للسبب الذي كان ينبغي من أجله أن يؤمن ويشكر، هذا السبب هو {أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ}... وجعل في يده السلطان! لقد كان ينبغي أن يشكر ويعترف، لولا أن الملك يُطغي ويبطر من لا يقدرون نعمة الله، ولا يدركون مصدر الإنعام. ومن ثم يضعون الكفر في موضع الشكر ويضلون بالسبب الذي كان ينبغي أن يكونوا به مهتدين! فهم حاكمون لأن الله حكمهم، وهو لم يخولهم استعباد الناس بقسرهم على شرائع من عندهم. فهم كالناس عبيد لله، يتلقون مثلهم الشريعة من الله، ولا يستقلون دونه بحكم ولا تشريع فهم خلفاء لا أصلاء!» في ظلال القرآن (1/297).

[15] جدير بالنظر أن أحكام المفاضلة التي طرحنا نموذجًا لها في كلام الإمام عبده تحتاج لبحث في تفهّم دواعيها والأسباب التي أفضت إليها، وكذا العوامل التي أدّت إلى تطور نظرتها لمفهوم التفسير بهذه الصورة التي تكاد أن تقطع بها عن تقليد تفسيري شائع ومستقرّ عبر التاريخ كما هو معلوم.

الكاتب

خليل اليماني

مدرس مساعد بجامعة الأزهر، شارك في عدد من الأعمال العلمية المنشورة.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))