علم الرَّسْم؛ الواقع، الإشكالات، آفاق التطوير (1-2)

عدد المشاهدات : 2369
يدور هذا الحوار مع د/ بشير الحِمْيَري حول علم الرسم، فيسلط الضوء على واقع هذا العلم وإشكالاته، كما يتعرض لآفاق تطويره.
وفي هذا الجزء الأول من الحوار يفرد د/ الحِمْيَري الحديث حول مسألة المصادر التي يعتمد عليها الباحث في الرسم، فيشير إلى العلاقة التي من المفترض أن يقيمها الباحث في نظره بين المصاحف المخطوطة وكتب الأقدمين، وحول إشكالات مفاهيم الرسم؛ حيث يحاول بيان نظرته لأهم هذه المفاهيم وأكثرها مركزية مثل «الجمع» و «المصحف الإمام» و«القراءة التفسيرية».

  يعدّ علم (الرسم) من العلوم العزيزة التي لم يلتفت إليها الدارسون بالقدر الكافي في الدراسات القرآنية بعدُ، وهو على تشعُّب مادته وغموضِ كثيرٍ منها، عزيزٌ أن تَلقى متخصِّصًا يشتغل فيه بتحرير المسائل، وتدقيق الأقوال، مع المقاربة بما تضمنته آلاف النسخ من المصاحف المخطوطة، أو يشتغل بتدريس كتب المتقدمين ومحققي المتأخرين، وتخريج الدارسين.

وكانت زيارة د. بَشير الحِمْيَرِي -حفظه الله- مصرَ للمشاركة في (دورة المصاحف: تاريخٌ وخصائص) المنعقدة بمكتبة الإسكندرية فرصةً مواتية لملاقاته، وإثارة المباحثة معه حول عددٍ من أبرز إشكالات هذا العلم، واستعراض معالجته لها، مع شيء من تصوير واقعه، والتوجيه بما يمكن به فتح آفاق التجديد فيه؛ علمًا وتعليمًا.

والدكتور بَشير بن حَسن الحِمْيَرِي هو ‏‏‏‏‏خبير المخطوطات بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات، والأستاذ المساعد بقسم الدراسات القرآنية، جامعة طيبة. التحق ببرنامج الماجستير بجامعة العلوم والتكنولوجيا باليمن في تخصص (عدّ الآي)، ثم حصل على الدرجة العالمية (الدكتوراه) من جامعة ماليزيا في (علم رسم المصاحف).

أسهم في إنشاء مركز الإمام الشاطبي لتلقّي القراءات، ودرَّس فيه إلى جانب الإقراء مادتي (رسم المصاحف) و(عدّ الآي) لأكثر من 12 سنة، توثقت علاقتُه فيها بهذين العِلْمين كثيرًا، وهو معروف بكثرة اشتغاله بكتب المتقدِّمين، وشدة الالتصاق بها، والتعويل عليها، والدعوة إليها، مع ما تحصّل له من مطالعة آلاف المصاحف المخطوطة من مكتبات العالم.

له عددٌ كبيرٌ من المؤلفات، والتحقيقات، والدروس المرئية:

ومن تحقيقاته وكتبه:

  • إثبات حفظ الله للقرآن الكريم، من خلال دراسة لوحة مخطوطة من القرن الأول الهجري.
  • معجم الرسم العثماني، الصادر عن مركز تفسير للدراسات القرآنية.
  • تحقيق كتاب (حسن المدد في معرفة فنّ العدد)، للجعبري؛ (نال به درجة الماجستير).
  • تحقيق كتاب (المقنع في مرسوم مصاحف الأمصار) للداني، عن أكثر من عشر نسخ خطية؛ (نال به درجة الدكتوراه).
  • هداية الصمد إلى معاني ذات الرَّشَد، وهو شرح وتحقيق لقصيدة: (ذات الرشد في الخلاف بين أهل العدد)، للإمام شعلة الموصلي؛ قارنها على ثلاث نسخ[1].

ومن دروسه المرئية:

  • شرح (المحكم في نقط المصاحف) للداني.
  • شرح (المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار) للداني.
  • شرح (عقيلة أتراب القصائد في الرسم) للشاطبي، وفيه تعليق على كتاب (الوسيلة في كشف العقيلة) للسخاوي[2].

وجاء الحوار مع فضيلته مسجَّلًا صوتيًّا، ثم فرّغتُه؛ فخرج أشبه بمدونة علميّة جامعة لأهم آرائه ومعالجاته، ولَمَّا تَأَتَّتْ جواباته مقالية محرَّرة؛ حرَصتُ على التحشية عليه بأطرافٍ من تقريراته واستدلالاته وتعليلاته في مؤلفاته، مع عزو مادة الحوار إلى مظانها ومواضعها، ثم راجعه د. بشير مكتوبًا؛ مصحِّحًا مُضِيفًا لبعض الفقرات والهوامش، مما يجعل هذا الحوار مرجعًا علميًّا لكثير من أفكار أستاذنا وآرائه ومسالك نظره وتوجيهاته، وهذا الحوار يدور بالأساس حول علم الرسم، لكن -وكما سيجد القارئ- فقد تم التعريج على علم العدّ في ثناياه؛ لما له من صلة معلومة بعلم الرسم.

وأتى حوارنا مع فضيلة الدكتور على محاور ثلاثة:

المحور الأول يتناول واقع علم الرسم في ضوء إشكال المصادر والمفاهيم، ويتناول المحور الثاني واقع دراسة المصاحف المخطوطة في الدرسَيْن العربي والاستشراقي، كما يتناول المحور الأخير آفاق تطوير علم الرسم وطرائق تعليمه.

ويتناول هذا الجزء الأول من الحوار المحور الأول: علم الرسم، واقعه في ضوء إشكال المصادر والمفاهيم؛ فيعالج -في تناوله واقع علم الرسم- أهمَّ الجدليات المطروحة على الدارسِين فيه، من مثل جدلية: (النظر في مخطوط المصاحف القديمة وتحكيمها في كلام الأئمة) أم (الوقوف عند كلامهم في مصنفاتهم القديمة؟) كما يعرّج على مفاهيم أساسية في علم الرسم وفي فهم تاريخ المصحف في العموم، مثل: (الجمع البكري للقرآن)، (الجمع العثماني للقرآن)، (الأحرف السبعة)، (القراءة التفسيرية)، (المصحف الإمام)، وهي مفاهيم متداخلة لها ظلال واسعة على الدرس القرآني، فأثار فيها نقاشًا مع الأقوال السيّارة بين الدارسِين اليوم وما عليها من إشكالات؛ منهجًا، ومآلًا.

وفي كلّ هذا يأتي الحديث حوارِيًّا مع أصحاب الأقوال في المسائل، مكثِرًا من الاعتضاد بمتقدمي أهل العلم، مُبينًا سبيلَ فَهْم كلامهم على وجهه، معدِّدًا التدليلات والأمثلة، مع المقاربة بما تدلّ عليه المصاحف المخطوطة، داعيًا إلى معالجة الإشكالات بنظر كليٍّ، تنحكم به الاختيارات والترجيحات، ولا تضطرب أو تتعارض.

وترى بقراءتك الحوار مدى جِدَةِ هذه المعالجات، وقيامها على أصول المتقدمين ومحقِّقي المتأخرين، وطول المعايشة والاشتباك، وكثرة النظر والممارسة، وثراء الدليل والتعليل، وفيما يلي نصّ الحوار.

نص الحوار

المحور الأول: علم الرسم، واقعه في ضوء إشكال المصادر والمفاهيم:

س1: من واقع خبرتكم ومعايشتكم البحثية والتعليمية لعلم الرسم، وددنا لو تعطوننا إطلالة على رؤيتكم للوضعية العامّة لهذا الفنّ؛ واقعه، وصلته ببقية العلوم داخل حقل الدراسات القرآنية.

د/ بَشير الحِمْيَرِي:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا عِلْمَ لنا إلا ما علمتنا، إنكَ أنتَ العليم الحكيم.

الحقيقة أن (علم الرسم) يعتبر من العلوم التي تشهد ساحتها حراكًا واهتمامًا؛ سواء على مستوى التصانيف والكتب التي تُحقَّق فيه أو تُؤَلَّف، أو النشاطات التي تُقام حولَه، نعني: أن هناك حركة، وإن كانت حركة باجتهادات شخصية؛ في توقيع الأمور، وفي إطلاقها، وفي النظر إليها على حقيقتها، مثلًا: (مسائل جمع القرآن، وتدوين القرآن، وأسباب كتابة القرآن بهذه الطريقة،... إلخ).

هذه فيها نوعٌ من الخلط في بعض الدَّرْس الذي يُلْقَى على المستمِعِين حول كيفية وصول القرآن الكريم إلينا مكتوبًا، ولذلك تجد الحركات التي تُقام حولها من ندوات ومؤتمرات تعالج قضايا عامّة ولا تَمَسُّ حقيقة (علم الرسم) وصلبَه الذي يجب أن يُنْظَر ويُتَنَبَّه إليه ويُنْقَل، وبعض الدراسات يكون فيها من التكهّن والتوقّع أكبر من الحقائق العلمية، ولا تمسّ النصوص والآثار التي جاءت عن الأئمة فيها إلا إشارات لا تكاد تكون حجة لهؤلاء فيما يُطلقون من القول في جمع القرآن وتاريخه.

وعلى كلٍّ فعلم الرسم يبدو أسعد حظًّا من علومٍ أخرى داخل حقل الدراسات القرآنية وثيقة الصلة به كعلم العدد، فلو نظرنا لعلم العدد سنقول إنه علم مُضْطهَد مظلوم للأسف؛ لم يُهْتَم به الاهتمام الكامل من ناحية الدراية، ومع أنك ستجد منظوماتٍ وكُتبًا تُصَدَّر لمعاصرين، إلا أنك تجدها مقلِّدَة لمتأخرين، ولا تكاد تجد فيها دراسة معتمدة على كتب الأئمة في علم العدد، وإن وجدتَ إشارة هنا أو هناك فهي إشارات خافتة يلفّها ثوب الحياء والاستحياء من قلة البضاعة في تحقيق المسائل في هذا العلم.

وأما في (الرسم) -ولله الحمد- فإنه ثَمَّ متخصصون متمكنون يُشار إليهم سواء من المشرق أو المغرب، مع اختلاف المناهج في دراسته وذِكر قضاياه، وفي تحقيق بعض المسائل.

س2: على عكس ما أشرتم إليه من غياب الاهتمام بكتب المتقدمين، فالمشهور عنكم التصاقُكم بكتب هؤلاء الأئمة؛ معايشةً واشتغالًا وشرحًا واستدلالًا، ثم أنتم تقررون في مواضع عديدة -حفظكم الله- تحكيمَ المخطوط من المصاحف القديمة في كلام الأئمة في علم الرسم، ويبدو هذا مُشكِلًا على بعض الباحثين، فلو بسطتم القول في حقيقة ذلك، ودوافعه وأهم آثاره العلمية من وجهة نظركم.

د/ بَشير الحِمْيَرِي:

دعنا نتفق -أولًا- على أن أساسَ (علم الرسم) عند جميع الأئمة الذين ألّفوا فيه =المصاحفُ القديمةُ، وإلَّا فعقلًا، من أين ألَّفوا كتبهم هذه؟! ألّفوها من النظر في المصاحف، سواء نَظَرهم هم، أو نَظَر الأئمة الأسبق عنهم -رضوان الله عليهم-، فالأمر كلّه مبني على النظر في المصاحف القديمة.

ومعنى المصاحف القديمة مشروح من خلال كلامهم، فالمصاحف التي أرسلها عثمان، والتي انْتُسِخَت منها، والمنتسخة من هذه، كلها حُجج عندهم؛ ولذلك تجدهم كما عند الإمام الداني، يذكر الرجوع إلى مصاحف التابعين، وانظر فهارس كتاب (المقنع)، ثم تأمل رجوعه لمصحف وكتاب الغازي بن قيس، الذي توفي: 199هـ.

إذا اتفقنا على ذلك، فالمصاحفُ القديمة موجودة اليوم بين أيدينا، والنظر فيها ورؤيتها ممكن، وقد تيسّر لنا في عصرنا ما لم يتيسر لهم -رضوان الله عليهم- في العصور السابقة من الإحاطة بكثير من هذه المصاحف، فنستطيع الاطلاع على آلاف قطع المصاحف الموجودة في شتى مكتبات العالم، والعجب ممن أخذ الفرع -وهو كتب الرسم- وجعلها حاكمةً على الأصل -وهي المصاحف القديمة-! بل ويزهِّد طلاب العلم في الرجوع إليها والنظر فيها؛ ولذلك الذي أراه -والله أعلم- أنه لا بأس أن يُؤْخَذَ بوجهٍ له قراءةٌ، وهو موجود في المصاحف المخطوطة، وأنا أمثِّل له بكلمة: {لِأَهَبَ} عند من يقرؤها بالياء، والذي أراه أنه يصح رسمها بالياء الخالصة: (لام، ياء، هاء، باء) هكذا: {ليهب}، لِمَ؟ لأننا وجدناها هكذا في المصحف المخطوط بالمتحف البريطاني برقم (2165)، وقد غرّدتُ بها في حسابي على Twitter مع الصورة[3]، وهو يعود تقديرًا إلى النصف الثاني من القرن الأول الهجري، هذه حُجّة لا يمكن جحدها ولا نكرانها، وهي مؤيدة لقراءة متواترة.

قد يقال: صحيح أن الإمام الداني[4]كان ينظر في المصاحف القديمة؛ لكن إذا جاء إلى مجال الترجيح، فإنه يميل غالبًا إلى الروايات.

نقول: نعم، هو -رضوان الله عليه- يميل إلى الروايات؛ لطبيعته الحديثية، هو رجل محدِّث، وليس له كبير عناية بالخطوط والكتابات القديمة، فموقفه منها موقف حذر نوعًا ما، باعتبار أنه ينظر فقط ويصف الذي يراه فيما عنده من المصاحف، ولكن انظر -مثلًا- إلى الإمام السَّخَاوي (ت: 643هـ)[5] عنده مُكْنة ومقدرة على النظر في الخطوط القديمة والتفريق بينها والتمييز، ولذلك عندما جاء عند المصحف الموجود في مدينة دمشق، بمسجد بنواحي الموضع المعروف بـ(الكشك) -على وصفه-، قال: «قلتُ: وقد رأيتُه أنا كذلك {لا إلى} في بعض المصاحف القديمة الشامية، وهو مصحف قديم مرت عليه الدهور» اهـ[6]، وقال: «...لأني كذلك رأيته في مصحف لأهل الشام عتيق، يغلب على الظن أنه مصحف عثمان -رضي الله عنه-، أو هو منقول منه» اهـ[7]، فهو عنده علم بالمخطوطات والخطوط القديمة، ويستطيع التمييز بينها؛ وبالتالي كان الرجل حُجة في مسألة (الرسم)، بل كان يُعِيد ويردّ بعض المسائل التي قررها الإمامُ الداني؛ وهو يشرح (العقيلة)، والعقيلة هي نظمٌ لكتاب (المقنع)، وهو في كثير من الأحيان يناقش ما يقوله الإمام أبو عمرو من إطلاقه القول «أنها في جميع المصاحف بكذا»، لماذا؟ لأنه كان يَطَّلِع على المصاحف ثم يقول بما رَأَى فيها[8].

ثم إنه بعد ذلك قلَّ جدًّا النظرُ إلى المصاحف القديمة، لكنه لم ينقطع؛ فهذا ابن الجزري في القرن التاسع الهجري (ت: 833هـ) نَظَر في المصاحف القديمة في عدة مواضع وأَثْبَتَ الذي رآه في كتابه (النشر)، وهي حجج من هؤلاء الأئمة في النظر للمصاحف القديمة، فلِمَ لا نعود إليها نحن في زمننا هذا؟! وما الذي يمنعنا من اتخاذها حجة كما اتخذها الأئمة؟!

يقولون: نحن لا نعلم هل هي حقيقية أم مزوَّرة؟! ونحن نقول: إن هناك من المتخصصين في الخطوط والمخطوطات القديمة من يعرف إن كانت حقيقية أو مزوَّرة، ومَن يعلم حجة على مَن لا يعلم، فخبراء المخطوطات يستطيعون تقييم المزوَّر وغير المزوَّر، وتعليمَه. فقد يكون هذا صعبًا متعذرًا على أناس، لكنه ليس كذلك على آخرين ممن وفقهم الله إلى الدراية بهذا المجال، وبالتالي فيكون الحكم في ذلك إليهم.

ومن خلال تجربتي الشخصية أقول: إن هناك بعض الرقوق التي عُرضت عليَّ شخصيًّا، وهي قليلة جدًّا، لا تتجاوز الثلاث حالات فيها تزوير، وحكمتُ عليها بذلك، ونبهتُ عليه، وهي رقوق يملكها أشخاص ولا تملكها جهات رسمية؛ لأن الجهات الرسمية عندها من يُقيِّم لها تلك الرقوق، ويحكم عليها، ومن ثَم تَقْتَنِيها بعد ذلك.

والبعض منهم يتعللون بأنه لا يُعرَف مَن نَسَخَها، فهي مجهولة النُّسَّاخ.

فنقول في الإجابة عن مسألة (مَنْ كتَب هذه المصاحف؟): هل اشترط الناقلون في الكتب المرويّة المسنَدة ذِكْر أسماء الناسخين؟ وهل لا نأخذ من المخطوطات إلا ما عُرِف ناسخوها؟ من قال بهذا؟ ومن حكم به؟ لأننا إن طبقنا هذا الأمر فإنه يجب علينا ترك كثير من المخطوطات التي نعرف يقينًا نسبتها إلى مؤلفيها، ولا نعرف نُسَّاخها.

والنظر إلى المصاحف القديمة مثل ذلك، فنحن نوقن أنه كلام الله تعالى، ولا يضرنا جهالة الناسخ والكاتب لها، ثم لنا أن نسأل القائلين بهذا إن كان أحد ممن يوثق بعلمه قال بمثل ذلك؟ وهل الأئمة حين ألَّفوا كتب الرسم كانوا يذكرون الناسخين للمصاحف التي ينقلون عنها؟ الذي نجده عكس ذلك؛ فإنهم ينقلون كيفيات الرسم، دون الكلام عن ناسخ المصحف، وهذا الأمر هو الذي عليه كتبهم، فنقول: يَسَعُنا ما وسع مَن قبلنا، ولم يُذْكر ممن لهم مصاحف نَسَخُوها ونَقَل عنها علماءُ الرسم إلا ثلاثة -فيما أعلمُ- وهم: عطاء الخراساني، والغازي بن قيس، وحَكَم بن عمران، والمصاحف القديمة -في زمنهم- أكثر من أن تُعَدّ، وهم كانوا ينقلون عن مصاحف ولا يقولون: كَتَبَه فلانٌ، بل تُنْقل الكيفيات التي فيه بغير نسبة إلى أشخاص إلا نادرًا، والنسبة إلى الأشخاص لا تعني بالضرورة أنهم كَتَبوا مصحفًا نَنْقل عنه، بل هم رُواة لما هو موجود في المصاحف التي رَأَوْها بغضّ النظر عن كاتب هذا المصحف أو ذاك.

ففي النتيجة لا تهمُّ مسألة معرفة الناسخ من عدم معرفته، وما الذي سيزيد من قيمتها إنْ علمتَ ناسخَها؟! هَبْهَا مجهولة الناسخ، وهبك أنتَ وجدتَ نسخة عتيقة من (صحيح البخاري)، ثم وجدت الأوراق الأخيرة منه معدومة؛ كونه قديمًا، فإن جهالتك بالناسخ لا تغضّ من قيمته مطلقًا، حتى لو جَهِلْنا الناسخ، لِمَ؟ لأن كتاب البخاري موجود عندنا، منقول بطرق أخرى كثيرة، وكذلك القرآن موجود عندنا منقول بطرق أخرى كثيرة[9].

وأكثر بقايا المصاحف القديمة معدومة البدايات والنهايات، والتي قد تكون محل ذكر اسم الناسخ وتاريخ النسخ.

ويبقى أن المصاحف القديمة لا تزيد في النصّ القرآني شيئًا ولا تنقص، فقط تعطينا كيفيات كتابة بعض الكلمات التي لم يَنْقل الأئمةُ الكلامَ عنها؛ ولذلك إذا نظرتَ في (معجم الرسم العثماني)[10] ستجد أن كثيرًا من الكلمات أول ما أبتدِئُها أقولُ: «رأيتُ»، ولا أقول: «ذَكَرَ الإمامُ فلان كذا»، ومعنى هذا أنه لم يذكر هذه الكلمة أحد من أئمة الرسم الذين رجعتُ إليهم، وهذا موجود بكثرة ظاهرة؛ لأنهم لم يلتزموا أصلًا أن يَذْكُروا جميع كلمات القرآن الكريم، وإنما ما رَوَوْه عن مشيختهم، كما قال الإمام الداني في أول كتاب (المقنع)[11]، وكما يذكر غيرُه، وإنما يذكر صاحبُ كلّ كتاب ما يعرفه من رسم المصاحف، ولذلك -مثلًا- الإمام الداني ذَكَر بعض الكلمات في كتابه (المقنع)، وبعضها ذكره في (المحكم)، ولم يذكرها في (المقنع) حتى يقال إنه مستوفٍ، والحقّ أنه لا يوجد كِتَاب في الرسم مستوفٍ لجميع كلمات القرآن[12]، ويكفيك كلمة الإمام الأندرابي أحمد بن أبي عمر (ت: 471هـ): «فصلٌ: واعلم أن هجاءات المصاحف واختلاف كتابتها أكثرُ من أنْ يُؤتَى عليها كلّها، وقد ذَكَرْنَا منها ما هو أنفع للقارئ وأكثر فائدة للناظر، وما فيه الكفاية والاعتبار لِمَا لم نذكر فيها إن شاء الله» اهـ[13]، ووفاة هذا الإمام متأخرة، فقوله هذا باستقراءٍ لِمَا سبق، ولِمَا رَأَى من كتب الرسم، ثُم للمصاحف القديمة.

ولذلك انظر اليوم في كتب (الرسم)، ستجد هذا يقول بالإثبات وآخر يقول بالحذف، ولا حرجَ ولا تَنافِيَ في ذلك؛ لأن المصاحف فِعْلًا على هذا؛ فهناك مصاحف كتبت كلمات بالحذف، ومصاحف أخرى كتبتها بالإثبات، ومصاحف بالإبدال، ومصاحف بالزيادة... إلخ، وهذا موجود ومعروف لمن يتابع بقايا تلك المصاحف.

وبعد هذا كله.. ما الضّير من النظر في المصاحف؟

أنا لا أقول بمسألة حذف ألِفات لا علاقة لها بالنطق، لا، أنا أقول: لا بأس بإدخال بعض الكلمات التي لها علاقة بقراءات معيَّنة مؤثِّرة، مثل: {لِأَهَبَ} {لِيَهَبَ}، لأنها مثلُ: {فَتَوَكَّلْ} {وَتَوَكَّلْ} التي هي موجودة في المصاحف أصلًا، لكن {لِأَهَبَ} {لِيَهَبَ} ليست موجودة، ولم يذكرها الأئمة ونحن وجدناها في المصاحف القديمة، فكيف لا نعمل بها بدعوى: عدم تيقننا من تلك المصاحف، كيف يُقال ذلك؟! لا أحسب أن إنسانًا عنده علم، ثم يدعوه الشكُّ إلى أن يُبْطِل المصاحف القديمة ويقول: لسنا في حاجة إليها -كما قال بعضهم-، وهو غير صحيح مطلقًا.

نحن لن نستطيع الفهم الحقيقي لمسيرة حفظ القرآن وتدوينه إلا بالنظر إلى تلك المصاحف ومعرفة ما فيها، فكلّ شيء في هذه المصاحف يفيدنا: النقط، والضبط؛ ضبط الإعجام، والأخماس، والأرباع، والأعشار، والتقسيمات، فالمصاحف المخطوطة هي مصدر ثَرٌّ بالعلم، ومفيد في تحرير كثير من القضايا العلمية؛ ولذا يتوجب على الدارسين الاهتمام به وإدامة النظر فيه وعدم إهماله وإغفاله.

س3: وفقًا لما طرحتموه الآن من سبيل التعامل مع مخطوطات المصاحف وكلام الأئمة باعتبار الحكم الرئيس هو المصحف المخطوط، تُشْكِل بعض النصوص لبعض الأئمة، مثلًا نصّ الإمام الشوكاني -رحمه الله- في جَعْل (الرسم) هو الركن الأعظم في إثبات القرآنية[14]كما في «الإرشاد»، فكيف نفهم هذا النص؟

د/ بَشير الحِمْيَرِي:

الأصل في نقل القرآن الروايةُ، حتى لو قال الإمامُ الشوكاني -وهو من المتأخرين- خلافه، وانظر فتاوى الأئمة الذين قبله: النووي، وابن تيمية[15]، وابن الجزري[16] في مسألة: «لو صح لإنسانٍ بسندٍ صحيحٍ قرآنٌ؛ ليس مكتوبًا أو هو مخالفٌ للرسم العثماني، فما حكم الصلاة به؟»، وسُئِلَ ثلاثتهم هذا السؤال، وقالوا: للعلماء فيها قولان، وحَكَوا الخلاف، واعتبروه، وهو مسلك أئمة الفقه في الدين من أصحاب الأئمة الأربعة.

تخيل معي! ليس موافقًا للرسم، بل هو زائد على ما رسم لكن عنده إسناد صحيح به! انظروا ذلكم وقارنوه بقول من يُلْزِم بموافقة خط المصحف، مع أن موافقة المصحف حرفيًّا لم تَثْبُت لأي قارئ، وإنما الموافقة في الكلمات جملةً، وليست في تفصيلات الأحرف في كلّ كلمة.

لم يقل أحدٌ مطلقًا من الأئمة أن القرآن يُؤخذ من الرسم، القرآن يؤخذ مشافهةً من أفواه الرجال المتقنين، والإنسان يقرأ كما عُلِّم، لقول النبي: (اقرؤوا كما عُلِّمْتُم)[17]، أما المكتوب فهو حافظٌ ثانوي[18].

وأما كلام الإمام الشوكاني فمحَوَّلٌ عن وجهه؛ لأنه لم يقصد كيفيات الرسم مطلقًا، إنما قصد أنها مكتوبة في المصاحف، وذلك حين ناقش كون (البسملة) من القرآن أم ليست منه، فهو لا يتكلم عن الرسم، وإنما يتكلم عن أنها موجودة ومكتوبة في المصحف، وكلّ ما هو مكتوب في المصحف فهو القرآن، وهو الحجة في الأخذ، وهذا في إجمال الكلمات وليس في تفردات الأحرف في الكلمة، فإن وقع نقص في أحد حروف الكلمات الواردة عن أحد القراء فيصح أن يقال أن هذه الكلمة موجودة في المصحف، مثل زيادة هاء السكت على بعض الكلمات، فإنه لا يوجد مصحف مخطوط قط كُتبت فيه تلك الهاءات أبدًا، ومع ذلك فهي موجودة مكتوبة في المصحف الذي بين أيدينا، فالقول بوجود الكلمة، وليس بكيفية كتابتها بأحرفها.

س4: هذه العلاقة بين المصاحف المخطوطة وكتب الرسم التي كتبها المتقدمون، والتي تقضي -وفقًا لفضيلتكم- بأن تحكم الأولى على الثانية، لها -لا شك- أثرها على طريقة بناء الباحث تصوراته واستدلالاته في هذا العلم، ولا شك هذا له لوازمه الكثيرة والمتنوعة في الصلة بالمصاحف المخطوطة وامتلاك المُكنة العلمية في التعامل معها، فلو تطلعوننا -في ضوء خبرتكم في التعامل مع هذه المصاحف- على أهم ما يحتاجه الدارس لإحسان التعامل معها، والجدوى المتحصلة له من وراء ذلك، وهل لهذا من أثر على الرسم العثماني الحالي والمتداول للمصحف؟

د/ بَشير الحِمْيَرِي:

نعم، أنا أوصي مرارًا بقراءة المصاحف المخطوطة القديمة ومراجعة الحفظ منها مثل ما يفعله مع المطبوعة، ويتخذ الطالبُ ذلك ديدنه؛ فيجمع منها ما استطاع، ويطبعها طباعة مُلوَّنة، ويجلّدها، ويعايشها ويصاحبها، ويكفي التفكر في بذل هؤلاء الناس -مع قِلّة الإمكانات عندهم- أنفسَهم وأوقاتهم خدمةً لكلام الله بأن يكتبوه.

وهذا سيكسبه أشياء كثيرة، منها:

- تمييز الخطوط، بحيث يستطيع أن يقول: «هذه تشبه الذي قرأتُه من المكتبة الفلانية»؛ لأنه بدأ يستوعب الإمكانات الخاصّة لكلّ مخطوط على حِدة، ونوعية الخط، وحركة القلم، وترتيب الكلمات في الأسطر، وما يلحق بذلك.

- أيضًا يمكنه أن يستفيد منها في عدّ الآي: «هذه مخطوط تَعُدّ على العدد الفلاني، وأخرى لا تعدّ على أي عدد يعرفه»؛ فيَكُون من الأعداد الشاذة التي لم تُنْقَل إلينا، مثل القراءات الشاذة تمامًا.

- كذلك الضبط: «هذا المصحف يضبط بالضبط الفلاني؛ إذن هو قريب من رواية فلان»، وقد تجد ضبطًا لا يوافق ما تعرفه من قراءات، فيكون حينئذٍ على قراءة مما لم يُنقَل إلينا من القراءات الشاذة.

الحاصل: أن النظر والقراءة في تلك البقايا من المصاحف سيفتح له آفاقًا كثيرة جدًّا لدراسات القرآن الكريم، وإنما كُتِبَتْ هذه المصاحف لتُقْرَأ، لا لتُخَزَّن ولا لتُحْفَظ ولا لتُعْرَض، وها نحن نسير على ما أرادوا ونستفيد منها في التطبيق العملي.

نحن لا ندعو إلى تغيير المرسوم في المصاحف، وأنا أرى أنه لا بأسَ بأن يُرسَم المصحف على أي وجه من الأوجه التي ذكرها الأئمة، ولا يُخَطَّأ أحدٌ رَسَمَ أي كلمة من الكلمات القرآنية على أحد الأوجه التي ذكرها العلماء؛ بشرط أن يكون من العلماء الأقدمين، لا المتأخرين، لمَ؟

لأننا نسأل هؤلاء المتأخرين ما هي حجتهم في ذكر تلك الكلمات على تلك الصورة؟ فلو جاء عالم متأخر فذكر حذفًا لبعض الأحرف المحذوفة رسمًا في سورة البقرة مما لم يذكره الأئمة السابقون، ولم يذكرها أحد قبله؛ فمن حقنا أن نقول له: أين مصدرك في قولك هذا؟

وأنا -مثلًا- حين أذكر في (معجم الرسم) كلمة على صيغة معيّنة من أوجه الرسم، ستعرف أني أرجع إلى المصاحف القديمة؛ لأني أنصّ لك في أولها بقولي أني: «وجدتُها في المصاحف القديمة بكذا، ووجدتُ في المصحف الفلاني بكذا وكذا»، فعندي لقولي مصدر.

أما الشخص الذي يكتب كلمات كثيرة جدًّا مخالفة للرسم الإملائي، ولا مصدر له فيها إلا مجرد القياس على كلمات أخرى، أو الظنّ أن الإمام الفلاني أَطْلَقَ الكلام فيها؛ فتَحْتَمل، فهذا هو الكلام الذي يحتاج إلى نظر وتمحيص وفحص.

فالذي ينقل عن المصاحف القديمة يُكلمك عن يقين، والذي يذكر كلمات لا مصدر له فيها فهو يحدثنا عن احتمال، فنحن نكلمك عن يقين رؤيته، وأنت تكلمنا عن احتمال قصده الإمام لَمّا أطلق الكلام في كلمة معينة.

وعليه؛ فالنظر في المصاحف القديمة عبادةٌ وطاعةٌ؛ مثل النظر في المصاحف المطبوعة حديثًا، بل أرى أن طالب القراءات خصوصًا يجب عليه أن يفعل ذلك، وأن يُمَرِّس نفسه بقراءتها والعودة إليها، ويحمد نعمة الله على ما هو فيه من توافر الأوراق والأقلام؛ أشكالًا، وألوانًا.

س5: إذا جاوزنا مصادر علم الرسم وجدليتها فلا شك أن هناك جانبًا آخر يمثل جدلية أخرى في هذا الفنّ وهو المتعلق بالمفاهيم، حيث لا يخفى على دارس قدر الخلاف المتشعّب في العديد من المفاهيم المركزية في علم الرسم من مثل مفهوم (الجمع) و(الأحرف السبعة) و(القراءة التفسيرية) و(المصحف الإمام)، وهي مفاهيم متداخلة مترابطة، فالإشكال في واحدة يُشكِل في الأخرى، فهل تتفقون معنا -أولًا- في هذا التوصيف لما يعتور هذه المفاهيم من إشكاليات؟ وما هي رؤيتكم لهذه المفاهيم؟

د/ بَشير الحِمْيَرِي:

نعم، أتفق معك، وربما كلّ من له عناية بالرسم يتفق مع هذا ويعلم ما في استخدام هذه المفاهيم في الواقع المعرفي المعاصر من إشكالات.

 سأحاول أن أستعرض نظرتي حول هذه المفاهيم وضمنها الحديث عما يعتورها من إشكالات،
 فنبدأ -أولًا- بـ(مفهوم الجمع):

الجمع الذي قام به أبو بكر -رضوان الله عليه-:

من المعلوم أن القرآن كان ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنه كان إذا نزل عليه شيء من القرآن دعا أحد كتَبة الوحي وأملى عليه ما نزل؛ فيكتبه الكاتبُ، وانتهينا. ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ به في صلاته وفي شتى الأحوال، فيأخذه عنه الناس شفاهةً، وظلّ الأمر على هذه الحال، أن القرآن لم يُجمع في مكان واحد، لكنه كُتِبَ جميعُه بأحرفه السبعة مفرقًا، وكلّ فرد يكتب بما أعطاه وأملاه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-.

ثُم لَمَّا وقعت بعد موته -صلى الله عليه وسلم- حرب المرتدين وشارك فيها كثير من الصحابة، وكان بعضهم حُفّاظًا قُتِلُوا، فجاء عمر -رضي الله عنه- إلى أبي بكر -رضي الله عنه- بأنه كَثُرَ القتل في القُرّاء يوم اليمامة، وأنه يخاف أن يضيع شيء من القرآن، وأنه يرى جمعه، فتردّد أبو بكر، ثم رأى الخير في هذا، واستدعى زيدًا وأخبره، فتردّد زيد قليلًا ثم شرح الله صدره لما شرح له صدر أبي بكر وعمر، فبدأ يجمعه[19].

عندنا نقاط في مسألة الجمع:

  • قال زيد: «فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسُب والرِّقَاع واللِّخَاف وصدور الرجال»[20]، فالقول بأنه قد شُكِّلت لجنة في جمع أبي بكر، كلام لم يقل به أحدٌ، إلا إن أردنا أن نضع نحن سيناريو من عندنا.
  • أما الاستدلال بقول أبي بكر لعُمَر وزيد: «اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله؛ فاكتباه»[21]؛ فهذا خبرٌ معضلٌ باتفاق الأئمة[22]، حتى ولو أقاموا عليه حُجَجًا؛ فإن إقامة الحجج على حديث معضل في أمر عظيم الشأن كالقرآن الكريم أمر عسير، قد يُقبل هذا في التواريخ والسير دون بأس، أما في قضية كهذه، فلا.
  • أبو بكر كلّم زيدًا، وجمعه زيدٌ وحده؛ لكن زيدًا خشيةً من الله كان يتأكد مما يكتب، فينظر في الذي عنده من اللخاف، وينظر في صدور الرجال الحفّاظ الآخرين غيرَه؛ ليَتَثَبَّت ويتقوّى مما عنده فيكتبه، وعلى ذلك فإن زيدًا كتبه على حرفٍ واحدٍ؛ هو حرفه الذي أقرأه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، ولم يكن مُكلّفًا أن يتتبع الأحرف الأخرى وأن يقرأها لا تَعَلُّمًا ولا تعليمًا، لم يكن النبيُّ يكلفهم ذلك، إنما يقول: «اقرؤوا كما عُلِّمتُم»[23]، وأقرهم النبي أن جميع ما يقرؤون به أُنزل: «هكذا أُنْزلت هكذا أُنْزلت» في قصة الخلاف بين عُمر وحكيم[24]؛ فأخذوا من هذا أن كلّ واحد يقرأ بما حمله عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من القراءة، وبالتالي زيد كتب المصحف على حرفه الذي أقرأه النبيّ، ولا يستقيم أن يكتبه على أكثر من حرف.
  • بل صرّح الداني بأنه جمع في عهد عثمان على حرف زيد، والجمهور على أنه كُتِبَ -في المصاحف بأمر عثمان- على حرف واحد، وهو حرف زيد، كذا ذكره ابن شَبَّة[25]، وابن عبد البر[26]، والبغوي[27]، وابن تيمية[28]، والفيومي[29]، والخزاعي[30]، وهو الصحيح.

وهذا يحتاج منا أن نعرف ما المقصود بـ(الأحرف السبعة)؟

 وقد وقع الخلط الكثير في المقصود بها ومعانيها، والسيوطي يذكر في الخلاف بين الأئمة في شرحها أقوالًا بالعشرات، لكن لِمَ لا نأخذ من القرون المفضَّلة؟! لم لا نعود لمتقدِّمي أهل العلم والاعتبار؟!

مثلًا ابن قتيبة: ذكر في (تأويل مشكل القرآن) معنى هذا الحديث، وذكر سبعة أوجه بنظره في اختلاف القراءات[31]؛ فنأخذها منه، وهو من القرون الثلاثة المفضلة، وهذا هو الأقرب الذي نفهمه للأحرف، وهي أنها أنحاء في القراءة مختلفة بعضها عن بعض.

 وهذا لَمّا تأخذ به، يحلّ عندك إشكاليات متتالية، مثلًا: مصطلح (القراءة التفسيرية): لا يوجد شيء اسمه (القراءة التفسيرية)، يقولون: الصحابي في بعض الأحيان كان يكتب بعض التعاليق في المصحف، فيظنها مَن لا يعرف أنها من القرآن، هذا مشكل، النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نهاهم عن أن يكتبوا مع القرآن شيئًا، قال: (لا تكتبوا عَنِّي، ومَن كَتَبَ عني غير القرآن فليمحُه)[32]؛ فيُعلم أن هذا الكلام غير صحيح، وأن كلّ ما كتبوه كان قرآنًا، وعلى ذلك فإنهم لم يكونوا يكتبون في المصحف أيّ شيء زائد على القرآن، كيف وقد نهى بعضُهم عن كتابة اسم السورة وغيرها من البيانات في سطر معلومات السورة.

وأنا أريد أن أعرف: أين التفسير في إضافة كلمة «متتابعات» من قراءة ابن مسعود: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (متتابعات) ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ}؟ تُفَسِّر ماذا؟ تفسير لأي شيء؟ ولَمّا يقرأ سعد بن أبي وقاص: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ (من أم) فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ}؛ ما هو الموجود في النصّ يريد أن يفسره فقال: «مِن أمٍّ»؟ ولماذا جميعهم يفسرونه بهذه الصورة التي توافق أن يكون مضبوطًا في الآية؟! ومثل مَن قرأ: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (وهو أب لهم)}،«وهُوَ أب لهم»؛ تفسير لماذا؟!

ثُم إن الأئمة السابقين الذين يذكرون القراءات كالفَرّاء وغيره لم يقولوا: (هذه قراءات تفسيرية)، وإنما كانوا يقولون: (وقَرَأَ فلانٌ)، لكن غالب المتأخرين ضاق عطنهم عما نُقل عن السابقين؛ فما استطاعوا أن يُوزِنُوا الأمور، فقالوا: «زيد كتبه بسبعة أحرف»، ولَمّا قالوا هذا القول؛ لزمهم أن يُؤَوِّلوا جميع ما نقله الأئمة من قراءات الصحابة المختلفة له، فقالوا: «هذه قراءة تفسيرية»؛ فالذي يُخْطِئ الخطأ الأول سيجرُّه الخطأ إلى أخطاء وهو يحاول الاتساق مع ما قَرّر ابتداءً، والحقائق تُثْبِت نفسها وتصطلح مع أخواتها، أما ما يتناقض فمزيَّف، ولا يُستطاع الخروج من ورطاته بعد ذلك.

والصحيح أن زيدًا لم يكتبه على سبعة أحرف، وإلَّا فكيف وهو لا يعرف إلا ما أقرأه النبي من حرفه فقط؟! هو لم يَعلم أن النبي أمر بعضهم بأن يقرأ بجميع الأحرف التي نزل بها القرآن. هذا هو جمع أبي بكر.

بعض الناس يقولون: ذكر بعض الأئمة أن زيدًا كتبه بالسبع، نقول: وكذلك ذكر أئمة آخرون أن زيدًا كتبه بحرف واحد.

إنّ الواجب علينا في البحث ذكر جميع الأقوال وعدم إغفال بعضها مما لا يتفق مع ما نودّ تقريره، ولا تثريب على من أخذ بقول قال به بعض الأئمة، وارتأى أنه الأكثر انسجامًا مع تاريخ تدوين القرآن كلّه.

إنّ البعض قد يستشكل القول بأن زيدًا لم يكتب القرآن على سبعة أحرف وأنه كتبه على حرف واحد بدعوى أنه ليس من حقّ أحد أن يُنْقِص من القرآن، ومثل هذا نقول له: هي رخصة مثلما قال أبو جعفر الطبري (ت:310هـ)[33]، والرخصة قد يتنازل الإنسان عنها ولا يَأْثَم؛ والرُّخَص جاءت تيسيرًا لأمور العباد، فإذا عُلِمَ أن الرخصة انقلبت مشقّة، كان الأَوْلى أن تُتْرَكَ، مثلما حدث في حديث حذيفة، لَمّا رجع إلى عثمان، وقال: «أدرِكْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهود والنصارى»[34].

ومما يتعلق بالجمع مصطلح (المصحف الإمام): وهو يُطلق على كلّ مصحف يُرجع إليه في أي مصر من الأمصار، فعندنا في البصرة مصحف إمام الذي أرسله عثمان، ونسميه: (إمام أهل البصرة)، والمصحف الذي أرسله إلى دمشق (إمام أهل الشام)، والمصحف الذي أرسله إلى الكوفة (إمام أهل الكوفة)، والذي أرسله إلى مكة (إمام أهل مكة)، وهكذا.

فالمصحف الإمام هو الذي تعود إليه المصاحف نسخًا منه، وكانت عادة الأئمة أن توضع هذه المصاحف في المساجد، ويشهد له الحديث أن مصحف المدينة في الصندوق بجوار الأسطوانة[35]، فكانت هذه المصاحف توضع في المساجد، وكان الذي يريد أن ينسخ يأتي ويفتح المصحف وينسخ ما يشاء.

 

[1] ومن تحقيقاته أيضًا:

  • تحقيق وشرح قصيدة الإمام الجعبري في علم العدد الموسومة: (عقد الدرر في عدد آي السور).
  • حقق كتاب: (سور القرآن وآياته وحروفه ونزوله)، للإمام الفضل بن شاذان، على نسخة فريدة.
  • تصحيحات ابن الجزري في كتابه: (غاية النهاية في طبقات القراء)، وهو جمع لكلّ ما استدركه الإمام ابن الجزري على غيره.
  • تحقيق ما يتعلق بعلم العدد من كتاب (الإيضاح في القراءات العشر)، للأندرابي.
  • ضبط وإخراج (ناظمة الزُّهْر) للإمام الشاطبي، في عدّ آيات القرآن.
  • تحقيق قصيدة الإمام شعلة الموصلي المسمَّاة: (يتيمة الدرر في النزول وآيات السور)، وهي في العدد الكوفي، ثم ترتيب النزول للسور.

[2] ومن شروحه المرئية كذلك:

  • شرح (اللؤلؤ المنظوم في ذكر جملة من المرسوم) للمتولي.
  • شرح (ناظمة الزُّهْر في عدّ آي السور) للشاطبي.
  • محاضرات تطبيقات بحثيّة في المصاحف القديمة.

[4] الإمام الحافظ المحدِّث المقرئ عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد الأموي بالولاء، القرطبي المولد والنشأة، عُرِفَ بـ(ابن الصيرفي)، ثم غلب عليه نَسَب (الداني) بعد أن صار إلى شرق الأندلس ونزل بـ(دانية)، تُوفي (444هـ).

[5] أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب الهمداني المصري السخاوي، المقرئ النحْوي، الملقَّب بـ(عَلَم الدين)، وُلِد بسخا (558هـ)، وتوفي (643هـ).

[6] الوسيلة إلى كشف العقيلة، تح د. مولاي الإدريسي الطاهري: 158.

[7] السابق: 131.

[8] وانظر نصوصه عن نظره وتكشيفه مصاحف أهل المدينة، وأهل مكة، والعراق، والمصحف الشامي: (الوسيلة): 178، 214، 218، 219، 221، 222، 224: 229، 231، 233: 235، 238، 241، 246، 247، 252، 257، 259، 262، 276، وغيرها بطول الكتاب.

[9] وأما مسألة تأريخ النسخ، فإن الإمام الداني -ومِثْلُه أبو داود- نقلوا عن مصحف الغازي بن قيس (ت: 199هـ)، ونقلوا عن حَكَم بن عمران الناقط (ت: 227هـ)، ومِثْلُه الإطلاق الذي يذكره الداني من نَقْلِه عن مصاحف التابعين، ونَقَلَ عن مصاحف حمص، ومصاحفُهم منتسَخَة عن مصاحف دمشق، وعن مصاحف بغداد وهي متأخرة عن الكوفة والبصرة في النشوء، وعن مصاحفهم الأندلسية، ونَقَل عن المصاحف الجديدة مع القديمة، وفِعْلُه هذا يعدّ اعتمادًا لهذه المصاحف.

وكذا فَعَل الأئمة في النقل عن المصاحف القديمة كالإمام السخاوي -وهو مُكثِر-، وابن الجزري -وهو مُقِلّ-، وتكلَّمَ ابن عاشر (ت: 1040هـ) عن الإسناد إلى شيوخِ النّقْلِ وإلى كُتّابِ المصاحف، فقال في النوع الثاني من التنبيهات في شرح الأبيات من البيت 45 إلى البيت 47: «والثاني: إنما حَمَلْنَا الجميعَ والأُمَّةَ في كلام الناظم على كُتّاب المصاحف، وأنه من الحُكْم المطلق، ولم نَحْمِلْه على شيوخِ النقلِ حتى يكون من المقيَّد؛ لأنه أنسب بالترجمة، ولنفيه الخلاف بين الأمة، والخلاف والوفاق المعتبران إنما هو خلافُ كتّاب المصاحف ووفاقهم، فالمصاحف القديمة حجة قائمة بنفسها» اهـ. (مقدمة معجم الرسم: 33، 34).

[10] (معجم الرسم العثماني)، له، الصادر عن مركز تفسير للدراسات القرآنية بالرياض، في سبعة مجلدات لطبعته الأولى (1436هـ/2015م)، ضمن الإصدار التاسع عشر للمركز، قدَّم له أ.د. عبد الله بن عبد الرحمن العثمان؛ نائب رئيس مجلس إدارة المركز، ومدير جامعة الملك سعود سابقًا.

لمراجعة لقاء د. بشير حول معجمه مرئيًّا ضمن لقاءات مركز تفسير: https://bit.ly/2Pc6spd .

[11] «هذا كتاب أَذْكُرُ فيه -إن شاء الله- ما سمعتُه من مشيختي، ورَويته عن أئمتي من مرسوم خطوط مصاحف أهل الأمصار: المدينة، ومكة، والكوفة، والبصرة، والشام، وسائر العراق المصطلح عنه قديمًا، مختلفًا فيه، ومتفقًا فيه، وما انتهى إليَّ من ذلك، وصحّ لديّ منه عن الإمام مصحف عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وعن سائر النسخ التي انتُسخت منه، الموجَّه بها إلى الكوفة والبصرة والشام...» اهـ. (المقنع، للداني: مقدمة المصنِّف).

[12] «والأئمة لا يزالون يرون أن الكشف عن المصاحف القديمة مهم لرسم المصاحف، فقد قال الجعبري: «وليس في باقي الباب نصٌّ على ياءٍ ولا ألفٍ؛ فيَمْتَنِعُ الآخَرُ، فيُتَّبَعُ فيه الكَشْفُ». انظر: جميلة أرباب المراصد (2/ 599، 602)، وقوله: «فيَمْتَنِعُ الآخَرُ» معناه: أنه لا يُؤخذ بمفهوم المخالفة فيما لم يذكروه رسمًا أو حذفًا، بل يَنْظُر إلى النصوص الأخرى، فإن لم يوجد نصٌّ؛ فيُنظَر في المصاحف القديمة لمعرفة حكم رسم الكلمة، وهاتان القضيتان من أعوص ما تَكلّم فيه المتأخرون فخبطوا عشواء وخلطوا صبحًا بمساء، وهو يجيب عن سؤال صعب، وهو: هل استوعب الأئمة في كتبهم جميع كلمات القرآن، حتى يكون ما لم يذكروه من الكلمات بالرسم الإملائي؟ فالجعبري نبّه أنهم يذكرون في كتب الرسم ما وصل إليهم، ولم يقصدوا الاستقصاء والإحاطة، حتى يكون ما لم يذكروه على الأصل بالإثبات؛ لأنهم لم يقولوا ذلك، ولم يَفهم المتقدمون عنهم هذا» اهـ. (مقدمة معجم الرسم: 1/ 34).

[13] الإيضاح في القراءات، للأندرابي: 33.

[14] «وقد ذَكَر جماعةٌ من أهل الأصول في هذا المبحث ما وقع من الاختلاف بين القرّاء في البسملة، وكذلك ما وقع من الاختلاف فيها بين أهل العلم؛ هل هي آية من كلّ سورة، أو آية في الفاتحة فقط، أو آية مستقلة أُنزِلت للفصل بين كلِّ سورتين، أو ليست بآية، ولا هي من القرآن، وأطالوا البحث في ذلك، وبالغ بعضُهم فجعل هذه المسألة من مسائل الاعتقاد، وذكرها في مسائل أصول الدين.

والحقّ أنها آية في كلّ سورة لوجودها في رسم المصاحف، وذلك هو الركن الأعظم في إثبات القرآنية للقرآن، ثم الإجماع على ثبوتها خَطًّا في المصحف في أوائل السور، ولم يخالف في ذلك من لم يُثبت كونَها قرآنًا من القراء وغيرهم. وبهذا الإجماع حصل الركنُ الثاني وهو النقل، مع كونه نقلًا إجماعيًّا بين جميع الطوائف. وأما الركن الثالث، وهو موافقتها للوجه الإعرابي والمعنى العربي فذلك ظاهر» اهـ. (إرشاد الفحول: 175، 176) تح: سامي العربي.

[15] حكى ابنُ تيمية الخلاف في وجوب متابعة الرسم مما صحت روايتُه، فذكر بعض الأوجه الشاذة الخارجة عن المصحف، ثم قال: «فهذه إذا قُرِئَ بها في الصلاة ففيها قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد، أحدهما: تصح الصلاة بها؛ لأن الصحابة الذين قرؤوا بها كانوا يقرؤونها في الصلاة ولا يُنْكَرُ عليهم، والثاني: لا؛ لأنها لم تتواتر إلينا» اهـ. (مجموع الفتاوى: 12/569-570، 13/394، 397)، وانظر: كلام ابن القيم في تجويز الصلاة بها، (إعلام الموقعين: 4/263).

[16] كذا حكى ابنُ الجزري الخلافَ في (النشر)، بَيْدَ أنه جَعَلَ القول بالمنع لأكثر العلماء، ثم ذكر مَذهبًا ثالثًا، وهو أنه إنْ قَرَأها في ما القراءة فيه واجبة، مثل: (الفاتحة عند القدرة على غيرها، لم تصح صلاته؛ لأنه لم يتيقن أنه أدَّى الواجبَ من القراءة... وإن قَرَأ بها في ما لا يجب؛ لم تَبْطُلْ؛ لأنه لم يتيقن أنه أتى في الصلاة بمبطِلٍ» اهـ. (النشر في القراءات العشر: 1/ 14-15).

[17] أخرجه أحمدُ وغيره، وهو صحيح.

[18] «ولذلك حتى المواضع التي يُقال: إنها تُقرَأُ على رسم المصحف لم يتفق عليها جميع القراء، فأحدهم يقرؤها بما يوافق الرسم، والآخر غير ذلك؛ فعَلِمْنَا أنها كلها رواية، وأن الصحابة سمعوها كذلك من الرسول، فكتبوها كما سمعوها، ولم يُمْكِنْهُم في الكلمة الواحدة أن يكتبوها برسمَيْن أو أكثر، فكتبوها على أحدها، ثم قَرَأَ كلٌّ بما رَوَى، أو كتبوها في موضع بصورةٍ، وفي موضع آخر بصورة أخرى.

ومِثْلُهُ المفصول والموصول وياءات الإضافة والياءات الزائدة، فإن القول إنها تُؤخذ من الرسم فقط خطأٌ محض، لا يساعده قول ولا يعضده دليل، بل يُؤخذ القرآن تلقيًا وليس من المصحف، لم يختلف في ذلك أحد؛ لأن القراء لم يتفقوا -أيضًا- في حذف الياء وإثباتها قراءةً، بل قد يُثْبِتُها القارئ وهي محذوفة من الرسم، أو لا يُثْبِتُها وهي مكتوبة، بل لا يزال القرّاء وغيرهم يحذِّرون من القراءة بما ليس للإنسان فيه رواية... إذ الرسم لا يفيد إن لم تكن هناك رواية بتلك القراءة، وعليه؛ فإن من التزم موافقة خط المصحف، إنما قرأ بذلك لأنه يرويها كذلك فوافقت قراءتُه رسمَ المصحف، فنبَّه على هذه الموافقة، وليس أن الموافقة للرسم هي الأصل، بل هي تتبع الرواية» اهـ. (مقدمة معجم الرسم 1/23، 25).

قال الطاهر ابن عاشور مُفْتَتَحَ سورة الأعراف: «على أن رسم المصحف سُنة سَنّها كُتّاب المصاحف؛ فأُقِرَّتْ. وإنما العمدة في النطق بالقرآن على الرواية والتلقي، وما جُعلت كتابة المصحف إلا تذكرة وعونًا للمتلقِّي» اهـ. (التحرير والتنوير: 8/9).

ولمزيد النظر في أقوال أهل العلم في المسألة؛ راجع:

- دليل الحيران للمارغني، شرح مورد الظمآن للخراز: 168-169، 172.

- المقنع للداني، الفقرة: 359، ص: 72.

[19] صحيح البخاري، رقم: (7191)، وروايات الحديث عنده برقم: (4679، 4986، 4989).

[20] الحديث السابق. (واللِّخاف جمع لَخْفة، وهي: حجارة بيض رقاق، والعُسُب جمع عسيب، وهو: سَعَف النخل، وأهل الحجاز يسمونه الجريد أيضًا)، (غريب الحديث، لأبي عبيد: 4/ 156)

[21] أخرجه ابن أبي داود في كتاب (المصاحف)، بسنده إلى عروة بن الزبير، (باب: جمع القرآن).

[22] قال ابن كثير: «منقطع»، وقال ابن حجر: «رجاله ثقات مع انقطاعه».

[23] سبق تخريجه.

قال الآجُرّي (ت: 360ه): «فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُلَقِّنُ كلّ قبيلة من العرب القرآن على حسب ما يحتمل من لغتهم، تخفيفًا من الله تعالى بأمة محمد، فكانوا ربما إذا التقوا، يقول بعضهم لبعض: ليس هكذا القرآن، وليس هكذا عَلَّمَنَا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويَعيب بعضهم قراءة بعض؛ فَنُهُوا عن هذا: (اقْرَؤُوا كما عُلِّمْتُمْ)، ولا يَجْحَدْ بعضكم قراءة بعض، واحذروا الجدال والمراء فيما قد تَعلَّمتم« اهـ. (الشريعة، باب ذكر النهي عن المراء في القرآن: 471).

[24] أخرجه البخاري برقم: (2419)، وفيه: إقراراه -صلى الله عليه وسلم- لهما -رضي الله عنهما- بقوله لكلٍّ منهما معقبًا على قراءته: (هكذا أُنزِلتْ)، ثم قال: (إن القرآن أُنزل على سبعة أحرف؛ فاقرؤوا منه ما تيسر).

[25] أخبار المدينة لأبي زيد عمر بن شبة النميري البصري، (ت: 262هـ): (3/998)، تحقيق: علي دندل، وياسين بيان، 1417هـ -1996م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

[26] التمهيد لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، (ت: 463هـ): (8/293، 299)، تحقيق: مصطفى العلوي، ومحمد البكري، 1387هـ، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، والاستيعاب له: (2/539)، تحقيق: علي محمد البجاوي، الطبعة الأولى، 1412هـ، دار الجيل، بيروت، لبنان، والاستذكار له أيضًا: (2/187، 485)، تحقيق: سالم عطا، ومحمد معوض، الطبعة الأولى، 2000م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

[27] شرح السنة، وأورده مسندًا من قول عثمان، وأن الصحابة وافقوه: (4/524).

[28] فتاوى ابن تيمية: (13/395).

[29] المصباح المضيء لأبي عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن حديدة الأنصاري، (ت: 783هـ): (1/95)، تحقيق: محمد عظيم الدين، 1405هـ، عالم الكتب، بيروت، لبنان.

[30] تخريج الدلالات السمعية لأبي الحسن علي بن محمود الخزاعي، (ت: 789هـ): (183)، تحقيق: د. إحسان عباس، الطبعة الأولى، 1405هـ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان.

[31] انظر: (تأويل مشكل القرآن، باب الرد عليهم في وجوه القراءات 33: 49)، تح: السيد أحمد صقر. وهي عنده:

1- الاختلاف في إعراب الكلمة أو حركة بنائها، لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها، مثل: {هـؤُلاءِ بَناتي هُنَّ أَطهَرُ لَكُم}، بنصب (أطهر) ورفعها.

2- الاختلاف في إعراب الكلمة أو حركة بنائها بما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في الكتاب، مثل: {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} و{رَبُّنَا بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}.

3- الاختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها بما يغير معناها ولا يزيل صورتها، مثل: {وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا} و{نُنشِرُهَا}.

4- الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتاب ولا يغير معناها، مثل: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً} و{زَقْيَةً}.

5- الاختلاف بما يزيل صورتها ومعناها، مثل: {وَطَلْعٍ مَّنضُودٍ} في موضع: {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ}.

6- الاختلاف بالتقديم والتأخير، مثل: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} وفي موضع آخر: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بالْمَوْتِ}.

7- الاختلاف بالزيادة والنقصان، مثل: {وَمَا عَمِلَتْ أَيْدِيهِمْ} و{وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ}.

[32] أخرجه مسلم (الزهد والرقائق/5326)، وغيره.

[33] «فإن قال: فما بالُ الأحرف الأُخَر الستة غير موجودة، إن كان الأمرُ في ذلك على ما وصفتَ، وقد أقرَأَهنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابَه، وأَمَرَ بالقراءة بهنّ، وأنزلهنّ اللهُ من عنده على نبيه -صلى الله عليه وسلم-؟ أنُسِخَتْ فرُفِعَتْ؟ فما الدلالة على نسخها ورفعها؟ أم نَسِيَتْـهُنّ الأُمة، فذلك تضييع ما قد أُمِروا بحفظه؟ أم ما القصة في ذلك؟

قيل له: لم تُنْسَخ فتُرفَع، ولا ضيَّعتْها الأمة وهي مأمورة بحفظها، ولكن الأمة أُمِرَت بحفظ القرآن، وخُيِّرَت في قراءته وحفظه بأيِّ تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أُمِرَت إذا هي حنثت في يمين وهي مُوسِرة، أن تكفِّر بأيِّ الكفارات الثلاث شاءت؛ إما بعتقٍ، أو إطعامٍ، أو كِسوةٍ، فلو أجمَعَ جميعُها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث، دون حظْرها التكفير بأيّ الثلاث شاء المكفِّرُ؛ كانت مصيبةً حكمَ الله، مؤدية في ذلك الواجبَ عليها من حقّ الله. فكذلك الأُمة أُمِرَتْ بحفظ القرآن وقراءته وخُيِّرَت في قراءته بأيّ الأحرف السبعة شاءت، فرأت -لعلةٍ من العلل أَوْجَبَت عليها الثباتَ على حرف واحد- قراءتَه بحرف واحد، ورفْضَ القراءةِ بالأحرف الستة الباقية، ولم تحْظُر قراءتَه بجميع حروفه على قارئه، بما أذن له في قراءتِه به.

فإن قال: وما العلة التي أوجبت عليها الثبات على حرف واحد دون سائر الأحرف الستة الباقية؟... إلخ» اهـ. (جامع البيان: 1/ 53 وما بعدها) ط: دار هجر، والمسألة بطولها تبدأ من ص: 20، (القول في اللغة التي نزل بها القرآن من لغات العرب).

[34] رواه البخاري، برقم: (4988)، بسنده عن ابن شهاب أن أنس بن مالك -رضي الله عنه- حدّثه: «أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان -وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق- فأَفْزَع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين؛ أدرِكْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهود والنصارى؛ فأرسل عثمان إلى حفصة...» الحديث.

[35] جاء في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه-: «أنه كان يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف، وقال: رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتحرّى الصلاة عندها». وتسمى أسطوانة عائشة، وهي التي كان يوضع عندها الصندوق الذي فيه المصحف الإمام الذي أمسكه عثمان -رضي الله عنه- لأهل المدينة عند توزيعه المصاحف على الأمصار، كما قاله شُرّاح الصحيح.

وراجع: (الدرة الثمينة في أخبار المدينة، لابن النجار، ت: 643هـ، باب: ذكر المصاحف التي كانت بالمسجد).

المؤلفون

محمد الحناوي

باحث في علوم اللغة العربية وآدابها، وشارك في إعداد مجموعة من الحقائب التعليمية لعدد من المؤسسات التعليمية.

الدكتور بشير الحميري

خبير المخطوطات بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات، والأستاذ المساعد بقسم الدراسات القرآنية، جامعة طيبة.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))