مقاربة في تحرير منطلق العمل في قواعد التفسير

في ضوء حالة الجدل حول منطلقات العمل في قواعد التفسير، تحاولُ هذه المقالة تحريرَ المنطلق الأوْلى بالصدورِ عنه في العمل في قواعد التفسير، وتقترح -في ضوء هذا المنطلق- مسارًا للعمل في قواعد التفسير ينطلق من ضرورة استقراء قواعد المفسرين أولًا.

  لا شك أن البحث في قواعد الفنون يُعَدّ من أهم المسارات البحثية التي يجب النهوض بها، لما يفيده هذا النوع من البحث في دفع حركة العلم للأمام والنهوض بها، والعمل على إثراء الواقع النظري للفن وتتميمه وتطوير القائم منه وتثويره والارتقاء به على صعد مختلفة، الأمر الذي من شأنه تحويل العلم لصناعة لها قواعد وأنساق نظرية تمكّن من تيسير نقلها وتعليمها وحسن مزاولتها وممارستها.

وفي ضوء ما ذكرته بعض الدراسات من عدم تقرر قواعد التفسير عبر التاريخ وعدم وجود دراسات تراثية نهضت بهذه الغاية، وكذلك ما أثير من نقد للتأليف المعاصر في قواعد التفسير -الذي حاول تحقيق هذه الغاية- وصل حد التشكيك في الثروة القاعدية التي اشتغل بها هذا التأليف وإبطال قاعديتها بالكلية، فإننا سنحاول في هذه المقالة تحرير المنطلقات التي يجب أن نتبناها في العمل في قواعد التفسير، وكذا نقترح في ضوء ما سنحرر من هذه المنطلقات مسارًا يُعِين على ضبط سير العمل في قواعد التفسير، وذلك بعد تمهيد نلقي فيه ظلالًا على منطلقات التأليف في قواعد التفسير قديمًا وحديثًا وطبيعة الإشكالات المحتفّة بهذه المنطلقات.

تمهيد:

لا شك أن ضبط المنطلقات الرئيسة للأعمال في أحد الميادين المعرفية له أهمية كبيرة في ضبط حركة البحث في هذا الميدان وتحقيقها لأغراضها وغاياتها؛ فالمنطلق الفاسد لا يمكن أن يترتب عليه عمل صحيح يحقق المقصود، وفي ضوء وجود محاولات للتقعيد للتفسير قديمًا وحديثًا، فإننا سنعرّج على كلّ واحدة منها ونقوم بتقويمها وبيان الموقف منها لما لذلك من أثرٍ بيِّنٍ في ضبط المنطلقات الواجبة في العمل في هذا الباب الجليل:

- منطلقات التقعيد للتفسير في الدرس التراثي:

برغم ندرة التآليف التي تصدّت للتقعيد للتفسير في التراث وقلّتها، إلا أننا لا نعدم وجود كتابات حاولت الخطو لذلك وإنتاج تأصيلات تُعِين على ضبط التفسير، ومن ذلك ما نجده خاصة في القانون الذي وضعه الطوفي في صدر كتابه: (الإكسير في قواعد التفسير)، وفي تأصيل ابن تيمية في المقدمة، وفي طرح الكافِيَجِي في: (التيسير في قواعد علم التفسير)، وكذلك نلحظه في طرح الفراهي: (التكميل في أصول التأويل)، وفي كتب علوم القرآن.

وإنّ المتأمل في هذه الكتابات وطبيعة المنطلق الذي تصدر عنه في التأصيل والتقعيد للتفسير يجده يتمثل في طرح تنظيرات ضابطة للتفسير دون استقراء قواعد المفسرين أولًا[1]؛ فهذا المسلك ظاهر الوضوح جدًّا لمن تأمل في الكتابات التي ذكرنا والتي لا يظهر فيها الاتجاه التطبيقي بأيّ صورة من الصور لاستقراء قواعد المفسرين وتركيب قواعد التفسير من خلال النظر في القواعد المشتركة، وإنما تتجه مباشرة لذكر تقريرات نظرية ضابطة للتفسير ذاته.

وإن الناظر في هذا المسلك يستشكله ولا ريب؛ فبناء تقرير نظري للممارسة المتصلة بأحد العلوم التي فيها تطبيقات هائلة كالتفسير، لا بد أن يسبقه تتبُّع موسّع لقواعد المفسرين أولًا، ثم يجري تركيب ما اشتركوا فيه من قواعد وأصول عامة ونَصْب ذلك باعتباره السياج العام الضابط للممارسة التفسيرية، وخلاف ذلك يجعل التأصيلاتِ محضَ افتراضات لا يمكن نسبتها للتفسير هكذا بإطلاق، بل إنها تخلق وضعية شديدة الإشكال؛ كونها تدفع نحو تحييد النتاج التفسيري وأهمية استقراء قواعده للوصول من مشتركات هذه القواعد إلى قواعد التفسير الحاكمة للعملية التفسيرية، والتقعيد للتفسير بصورة تجريدية بمعزل عن تطبيقات المفسرين واستقرائها، الأمر الذي لا يعين فقط على استكشاف قواعد التفسير بصورة صحيحة بل ويصد عن ذلك أصلًا، وكذلك يفضي لمحاكمة النتاج التفسيري عند درسه لهذه التأصيلات المفترضة تجريديًّا باعتبارها قواعد مقررة للتفسير، وهو ظاهر الإشكال على صُعُدٍ عديدة.

- منطلقات التقعيد للتفسير في الدرس المعاصر:

تتابَع التأليف المعاصر في قواعد التفسير في الآونة الأخيرة واتخذ نمطًا محددًا، صارت فيه لقواعد التفسير دلالة واضحة يتوارد عليها الباحثون، وتلتقي هذه الدلالة مع المقرر في شأن القواعد عامة من اعتبارها حكمًا كليًّا، وقد برز عبر هذا التأليف عدد كبير من القواعد المسبوكة على غرار ما هو قائم في بعض الفنون الناضجة في بناها القاعدية؛ كالفقه واللغة والأصول[2].

وقد يكون المتوقع للوهلة الأولى من الدراسات في بابٍ كقواعد التفسير أنها تتجه لبناء القواعد وتقرير قاعديتها، إلا أن الناظر يجد أن هذه الدراسات سلكت مسارًا مختلفًا يتمثل في جمع القواعد ومحاولة شرحها اعتمادًا على القول بتقرُّر هذه القواعد عبر السابقين، وهو الأمر الذي أثبتته إحدى الدراسات التي توسعت في تقويم هذه التأليف، وهي دراسة«التأليف المعاصر في قواعد التفسير؛ دراسة نقدية لمنهجية الحكم بالقاعدية»[3].

وقد ناقشَت الدراسة هذا المنطلق الذي صدر عنه التأليف المعاصر في قواعد التفسير وبيّنت أن «القول بتقرُّر قواعد التفسير الكلية قول لا يشهد له تاريخ التفسير ولا واقع التأليف النظري فيه ولا كلام العلماء وصنيعهم، بل هو مصادم تمام المصادمة لذلك كله»[4]، وساقَت في نقد هذا المنطلق العديدَ من الدلائل.

وكذلك ناقشَت المؤلفات وطريقة جمعها للقواعد من خلال هذا المنطلق وبيّنت خلو صنيع المؤلفات من محددات منهجية تدفع لقبوله، ومن ثم أبطلَت الدراسة صحة قاعدية سائر القواعد التي أتى بها التأليف المعاصر.

وفي ضوء ما سبق يمكننا القول أنّ المنطلقات المشكلة التي صدر عنها التأليف التراثي والمعاصر في العمل في قواعد التفسير مثّلَت سببًا رئيسًا في الحيلولة دون أن يكون لهذا التأليف دور مؤثر ومهم في بناء قواعد التفسير وسدّ الثغرة المتعلقة بضعف هذا البناء.

ومن ثم فإننا بحاجة ماسّة قبل الخطو للعمل في ميدان قواعد التفسير إلى ضبط الخارطة الكلية لهذا العمل وتحرير طبيعة المنطلقات الواجب علينا الصدور عنها، وقبل الشروع في هذا الغرض يجدر الإنباه لأمرين:

الأول: انتقد بعض الفضلاء دراسة «التأليف المعاصر في قواعد التفسير؛ دراسة نقدية» التي اعتمدنا عليها، ومن أبرز ذلك ما طرحه الأستاذ الفاضل/ محمد الأنصاري[5]، وأساس الإشكال الذي ينطلق منه نقدُه أنَّ مِن مسالك الفقهاء في صياغة القاعدة وإبرازها تتبُّع تعليلات المتقدّمين، ثم تأصيل تلك التعليلات لاحقًا وسبكها، إضافة لاستقراء الجزئيات، والاستنباط المباشر من نصوص العلماء، وعليه انتقد الأنصاري نعي الدراسة على المؤلفين المعاصرين في القواعد بأنهم «اكتفوا بجهد السابقين في تقرير القواعد التفسيرية وتأصيلها، فلم يكن لديهم سوى الجمع والتصنيف لا غير»؛ لأنه يرى أنَّ فِعلهم ليس أجنبيًّا عن تقعيد العلوم، وحتى لو لابسه إشكال كما ذكرَت الدراسة فإنه يظل صحيحًا كمسلكٍ في التقعيد وليس كما قررت الدراسة من عدم وجود مَن سبق التأليف المعاصر في قواعد التفسير إلى القول بتقرر قواعد التفسير وفق مفهوم التأليف المعاصر في قواعد التفسير[6]. وبغض النظر عن العرض والمناقشة المفصلة لما طرحه أ/ الأنصاري، إلا أنّ نقده غير صحيح ولا يتنزل على الدراسة في شيء؛ فالدراسة مأطورة بمؤلفات تناقِش قاعدية قواعدها في ضوء طبيعة منطلقات هذه المؤلفات ذاتها في اعتبار القاعدية؛ فالمؤلفات قيد الدراسة لم تصرح بأنها هي التي تقعّد بنفسها وتستنبط القواعد من كلام العلماء وتعليلاتهم...إلخ، حتى تُناقشها الدراسة في هذه المسالك وكيفيات عملها من خلالها، ولكنها صرّحت بجمع القواعد -وفقًا لمفهوم معيّن في القاعدة- اعتمادًا على تقرير السابقين للقواعد؛ ولذا ناقشَتها الدراسة في دعوى التقرر لقواعد التفسير في ذاتها وهل هي قائمة أم لا في ضوء المفهوم الذي تبنّته المؤلفات في القواعد، ثم ناقشتها في كيفيات حكمها بتقرير المصادر لهذه القواعد التي جمعتها، ولما بيّنت الدراسة أن فكرة تقرُّر قواعد التفسير غير صحيحة في ذاتها وأن المصادر التي جُمعت منها القواعد لم تتجه لتقرير القواعد بالصورة التي صورتها المؤلفات ولم يكن من غاياتها التقعيد للتفسير =صار استخراجُ القاعدة من المصادر والحكم بأنها قاعدة دون غيرها من بقية نصوص المصادر أمرًا يرجع للمؤلفات وليس للمصادر المدَّعى أنها هي مَن قررت القاعدية، وفي ضوء عدم امتلاك المؤلفات أيَّ منهجية في انتقاء النصوص المحكوم بقاعديتها وخلوها من أيّ دلائل لإثبات هذه القاعدية اللهم إلّا جملة قرائن استنبطتها الدراسة بعد لَأْيٍ كأنْ يكون النص مفيدًا في ضبط التفسير وأن يكون قاعدةً في علم آخر أو يكون مستندًا ترجيحيًّا...إلخ =أبطلت الدراسة الحكم بقاعدية القواعد التي أتت بها المؤلفات.

فالدراسة نعَت على المؤلفين الخطو لجمع القواعد اعتمادًا على تقرير السابقين للقواعد؛ لأنها أبطلت وجود تقرير لقواعد التفسير وفق المفهوم الذي تبنّته المؤلفات في القاعدة التفسيرية وأن هذا الغرض لم تنتهض له مصادر معروفة، وحكمَت ببطلان قاعدية القواعد التي أتى بها هذا التأليف في ضوء مناقشتها لمنهجيته هو في الحكم بتقرير المصادر والدلائل التي اعتمدها في ذلكم السياق.

إنّ صنيع المؤلفات وإنِ اتفق في جانب منه مع المسلك الشائع في التقعيد في التراث من الاستنباط المباشر من نصوص العلماء وإبراز مستنداتهم وتعليلاتهم، إلا أن المؤلفات لم تصدر عن ذلك في عملها وحكمها بالقاعدية؛ ولذا لم تعالج الحديث عن هذه المسالك في مقدماتها النظرية من قريب أو من بعيد، ولكنها صرحت بغرض الجمع اعتمادًا على تقرير المصادر وهذا ما جرى نقاشها فيه؛ ومن هاهنا كان الاستدراك على الدراسة في نقاشها للمؤلفات بأن مسلك التقعيد الذي سارت عليه هذه المؤلفات هو مسلك تراثي شائع =هو استدراك غير صحيح ولا يتجه أصلًا في ضوء واقع مؤلفات لا تقوم بالتقعيد بنفسها، ولا تُعَدّ مستنبطةً للقواعد ومقررة لها بأيّ صورة من الصور الشائعة في التراث، بل تصرح بخلافه، فحاصل هذا الاستدراك افتراض صورة غير موجودة في واقع التأليف المعاصر والنظر لنقاش الدراسة في ضوء هذه الصورة المفترضة، وعليه فلا يرِد على الدراسة شيء من هذا الاستدراك؛ لأن الدراسة مأطورة في نقاشها بصنيع المؤلفات التي تناقشها ومنطلقات هذه المؤلفات في بناء القاعدية[7].

الثاني: قصَدتْ دراسة «التأليف المعاصر في قواعد التفسير؛ دراسة نقدية» لنقاش منطلقات التأليف المعاصر فقط وبيان الموقف منها، إلا أنها -وفي ضوء طبيعة إشكاليتها- لم تتطرق للتفصيل في طبيعة المنطلق الواجب للعمل في قواعد التفسير وترتيب مسار العمل من خلاله؛ ولذا تأتي مقالتنا هذه كمحاولة تكميلية في سياق نقاش وضعية التأليف المعاصر في قواعد التفسير؛ فتجتهد في تحرير المنطلق الذي يتوجب بنظرنا على التأليف المعاصر في قواعد التفسير التقيد به في البحث، وتتأمل المسار العملي في ضوء هذا المنطلق، الأمر الذي يطور النقاش برأينا حول وضعية البحث المعاصر في قواعد التفسير ويدفع بهذا النقاش نحو مجاوزة واقع هذا البحث الذي لا يختلف أحد على وجود إشكالات فيه بغض النظر عن التباين في رؤية هذه الإشكالات وتقويمها، لاقتراح مسار النهوض بهذا الواقع وكيفية تحقيقه، وهو ما يتيح تكثيف النقاش حول النقطة المركز التي لا يُختلف عليها والتي يرجو الجميع الوصول إليها وهي تطوير واقع البحث المعاصر في قواعد التفسير وكيفيات النهوض بهذا الواقع.

 وفيما يأتي نحاول تحريرَ هذا المنطلق الواجب في العمل في قواعد التفسير واقتراحَ مسارٍ عملي للسير من خلاله، والذي يكفل برأينا دَفْع التأليف في قواعد التفسير لتحصيل غاياته على نحو منهجي محرّر.

- منطلق التقعيد للتفسير؛ ضبط وتحرير:

في ضوء هذه الوضعية السالفة لمحاولات التقعيد للتفسير والإشكالات المتعلقة بهذه المحاولات، فإن المنطلق الذي يجب أن يحكم إطار العمل في قواعد التفسير برأينا هو بناء وتقرير قواعد المفسرين أولًا ليتم تركيب قواعد التفسير الكلية منها لاحقًا؛ فنحن بحاجة لعمل مدونة لقواعد المفسرين أولًا ثم يجري من خلالها بناء المشتركات لتكون بمثابة جملة قواعد حاكمة للعملية التفسيرية وليس وضع تأصيلات عامة دون بناء وضبط قواعد المفسرين.

إن هذا المنطلق هو ما يتسق مع الفنون وطريقة تأسيس بنيتها النظرية الضابطة لممارستها العامة؛ كونه يُعِين أولًا على فهم واقع التقعيد القائم في مدونات التفسير وعدم الانفصال عنه، الأمر الذي يُثري ساحة البحث التنظيري للتفسير بقوة ويدفع بها للارتباط بمفاصل العملية التفسيرية عند المفسرين والكشف عن أصولها ومرتكزاتها، وكذا بناء الأصول والقواعد المعيارية الضابطة لكتاب الله من خلال الاشتباك مع الموروث المعرفي وتقويمه وبيان صحيح قواعده من ضعيفها، وبدون هذا الطريق فإن التقعيد للتفسير يتحول لساحة تنظيرية تجريدية بحتة تتشكّل بحسب ما يراه الناظرون مفيدًا في ضبط التفسير من وجهة نظرهم، الأمر الذي يصيب عملية التنظير للتفسير بالعقم النظري؛ كونها تأتي مقطوعة الصلة بمصدر ثرائها وغناها وهو التطبيق التفسيري، كما يتعذر معه بناء سياج ضابط كلي محكم للعملية التفسيرية؛ فهذا السياج لا يتكوّن بحق إلا من خلال تتبُّع مشتركات حاصلة توارَد عليها أرباب التفسير، وكذلك يفضي لعدم فهم التركة التفسيرية الهائلة وبناءاتها المنهجية في الممارسة وإنتاج تأصيلات تتصادم مع واقعها[8]، وأيضًا يخلق لنا حالة معرفية مأزومة وكأننا مَن سيُنتج التفسير من جديد وفقًا لهذه التقريرات ولسنا أمام تراث نعمل من خلاله، ولا شك أن تحييد الموروث المعرفي وعدم الاشتباك معه يفضي لموت هذا الموروث وهموده وعدم استمرار حالة المراكمة عليه، وهو ظاهر الإشكال.

إن بناء قواعد المفسرين أولًا هو الطريق اللاحب للوصول إلى قواعد التفسير المعيارية، وفيما يأتي سنحاول أن نقدّم تصورًا لكيفية العمل في بناء قاعدة تفسيرية لأحد المفسرين، والمستلزمات الواجبة للقيام بذلك.

- بناء قواعد المفسرين؛ مسار مقترح:

إن عمل التأليف المعاصر في قواعد التفسير من خلال منطلق تقرُّر القواعد كان سببًا في صدّ هذا التأليف ليس فقط عن بناء قواعد المفسرين، ولكن كذلك حجبه عن مجرد التفاكر النظري في كيفية بناء هذه القواعد والتأصيل لطرائقها وكيفياتها، وكذلك بيان فروع القاعدة التفسيرية وماهية هذه الفروع بحسب الواقع التطبيقي لكتب التفسير، وكذلك صدّه عن التعمق في بحث مقومات القواعد وشروطها وأركانها في واقع الميدان التفسيري، وغير ذلك من القضايا النظرية المهمة التي يحتاجها البحث في قواعد المفسرين والرامي لتقرير هذه القواعد باعتبارها أحكامًا كلية ضابطة لطريقة ممارستهم للتفسير.

وقبل الخطو لطرح ما لدينا في هذا الصدد يجدر الإنباه لما يأتي:

أولًا: لا شك أن معالجة سائر مستلزمات السير البحثي في بناء قواعد المفسرين مما يحتاج لدرس موسع؛ ومن ثم فإننا سنعمد في طرحنا للمسار الذي نريد من بناء قواعد المفسرين إلى محاولة تقديم تصور يبرز الإطار العام للمسار المقترح والخطوات الكلية التي يمكن أن تنتهجها الدراسات المندرجة فيه، وطبيعة الخبرة الواجبة عند الدارس في هذا الميدان، بحيث يكون ذلك فاتحة لمزيد من التباحث في هذا الأمر ومستلزمات تحقيقه[9].

ثانيًا: من المعروف أن مفهوم التفسير وحيثيته مما وقع فيه اختلاف بين المفسرين، إلا أنه من المهم برأينا أن يقع الاشتباك التقعيدي مع المعنى التفسيري أولًا في كتب التفسير، واستكناه البنية القاعدية الضابطة لهذا المعنى عند المفسر، فسواء أكانت حيثية التفسير ومفهومه يتجسد في بيان المعنى فقط أم هذا البيان إضافة لأمور أخرى، فإن المعنى يظل له مركزيته الشديدة في العملية التفسيرية؛ فبدون ضبط المعنى التفسيري أولًا لا يمكن الانطلاق لبيان فائدة أو تحصيل حكم...إلى آخر ذلك مما يرِد عند موسّعة مفهوم التفسير عن بيان المعنى كما بينّاه مفصلًا في غير هذا الموضع[10]، وبالتالي فانصباب التقعيد على المعنى التفسيري في التفاسير هو الأكثر أولوية؛ إذ يبرز عبر التقعيد له أدوات هذا المعنى عند المفسرين، وكذا تظهر كيفيات تصريف هذه الأدوات عند المفسرين خاصة في حالات التقديم والتأخير لهذه الأدوات أو حالات الإعمال والإهمال لها عند التعارض وضوابط هذه وتلك في كل حال، الأمر الذي يقودنا لبناء النظريات التفسيرية عند المفسرين بشكل متكامل، وييسر الوصول لغاية الضبط التقنيني للعملية التفسيرية لاحقًا وبناء القواعد والنظريات المعيارية الخاصة بها.

ثالثًا: هناك طرائق للتقعيد منها ما يكون عبر الاستقراء وتتبّع الجزئيات ومنها ما يكون عبر الاستنباط من النصوص وغير ذلك، إلا أننا سنركز على طريقة بناء القاعدة التي هي حكم كلي استقرائي لا غير وبيان مستلزمات السير وفقها؛ لمناسبة هذه الطريقة لواقعنا المعاصر من ناحية، ولأنها تظل المهيع الأوسع للتثبت من التقريرات والتقعيدات النظرية المبتناه وفقًا لغير طريقة الاستقراء.

وفيما يأتي بيان لمسار السير في بناء قواعد المفسّرين ومستلزماته:

أولًا: الخبرة الجيدة بالتفسير:

فلا يمكن ممارسة التقعيد لأحد المفسرين دون الإحاطة المعمقة بطبيعة المجال التفسيري ذاته، وذلك يعني الإحاطة بعلم التفسير ومقدماته، ومعرفة الإشكالات المتعلقة بهذا العلم لا سيما مفهومه وحيثيته والجدل المتعلق بذلك والموقف منه[11]، وكذلك معرفة طبيعة وضعية هذا العلم في التاريخ والمراحل التي مر بها، وكذا الإلمام الجيد بكتب التفسير وكثرة مطالعتها ومعرفة تصنيفاتها والفروق العامة بينها...إلخ مما يعمق نظر المقعّد في المجال الذي يقعّد لأحد رجاله؛ فمن غير المتصور أبدًا أن يُقبِل باحثٌ على التقعيد لأحد المفسرين وهو خالي الوفاض من المعرفة بالتفسير وجدالاته النظرية وإشكالاته البحثية، وكذلك من غير الممكن أن يشتغل باحثٌ بالتقعيد لمفسرٍ وهو لم يتشبع بمطالعة مدونات العلم الرئيسة ويأخذ حظًّا مطولًا من مدِّ البصر في هذه المدونات وإجالة النظر في مسالكها وأنساقها وما كتب حولها، وتكون لديه خبرة جيدة بمسارات هذه المدونة وواقعها التطبيقي وتنوعاته وأطيافه عبر التاريخ[12].

ثانيًا: الاطلاع على الإطار النظري للتقعيد في العلوم الشرعية:

فالعلوم الناضجة في بناها القاعدية كالفقه والأصول خلّفت لنا إطارًا نظريًّا فيما يتعلق بعملية التقعيد والمقومات الخاصة بالقاعدة والشروط المنهجية الواجب توافرها في القواعد، فكان من الطبيعي بل والبدهي في محاولة التقعيد للتفسير الإلمام بواقع هذا الإرث النظري، واستجلاء خطوطه العريضة ومعالمه الرئيسة وكيف نظَّر له المنظِّرون وطبّق عليها المطبِّقون، وما الأُطُر التي انطلقوا منها والضوابط التي وضعوها للقواعد وشروط الاستقراء المعتبر للحكم بالقاعدية، وكيف تم التفريق بين ما هو قاعدة وما هو غير ذلك، وما المحددات والمقومات التي تتكون منها حقيقة القاعدة وتكتسب منها ماهيتها، وما أركانها وشروطها وخصائصها...إلخ.

ومعرفة مثل هذه الأمور للمقبِل على التقعيد لأحد المفسرين ظاهرة الأهمية، والإحاطة بها ضرورية حتى ينتظم للدارس تصوُّر عام لعملية التقعيد والجدل المتعلق بها والاختلافات التي تحتفّ ببعض النقاط فيها، ويستطيع أن يختط لبحثه ما يراه مناسبًا، ولتقعيده مقوماته وأُطُره التي سيدرج عليها: أركان القاعدة وشروطها وخصائصها، عدد الجزئيات التي يلزم استقراؤها للحكم بقاعدية القاعدة...إلخ، وينطلق بحثه بعد في استخراج القواعد على بصيرة وهدى وقد وضحت أمامه صُوى الطريق ومعالمه وأُضيئت مناراته وأوقدت مشاعله.

ثالثًا: بناء القاعدة وفق مقومات التقعيد:

وهذه هي الغاية الرئيسة، وبناء القاعدة والوصول للحكم الكلي وفق الاستقراء يستلزم جملة استقراءات على الحقيقة؛ أهمها:

- استقراء عام للنطاق التفسيري الذي يُبتغى التقعيد له، حيث يقوم المقعِّد بجردِ هذا النطاق كاملًا واستقرائِه استقراءً حسنًا يمكنه من الإحاطة به وفهمه على الوجه الأكمل والنحو الأمثل؛ فالمقعّد يجب أن ينطلق في عمله من إطار تفسيري محدد يتشبع بالنظر فيه وفي ممارساته ويقرأ ما كتب حوله قديمًا وحديثًا، ثم يحاول بعد ذلك أن يقعّد لجانب من ممارسته؛ ذلك أنّ «تأسيس القاعدة الصحيحة عن طريق الاستقراء يحتاج إلى نظر بعيد سديد؛ إذ الغالب أنّ تأسيس القاعدة تابع لفهم المستقري وحسن تصوره أو خطئه»[13]، وهو الأمر الذي لا يتأتى إلا بالاستقراء الوافي الذي يُعِين على:

- الفهم الدقيق والإحاطة الشاملة بمكونات النطاق محل التقعيد.

- معرفة قضايا نطاق التقعيد ومسائله الجلية والخفية والظاهرة والمستترة التي ستُشكّل المجالات التي يمكن للتقعيد أن يتأطّر بأحدها في العمل.

- تجنيب التقعيد الوقوعَ في انتقائيات معيّنة والانشغال بها وإهمال بعض الجوانب ذات العلاقة في الموضوع محلّ التقعيد.

- ترتيب أولويات التقعيد وما ستكون البداءة به لبروزه وأهميته وغزارة مادته وما ليس كذلك، وهكذا.

ومن الأمثلة التفصيلية التي تجلي أهمية استقراء النطاق قيد التقعيد وأثر ذلك في فهم هذا النطاق، ما ذكره -وإن كان في سياق مختلف- الأستاذ الفاضل/ أبو مالك العوضي، حيث قال: «يمكن تشبيه الأساس المعرفي للعلوم اللغوية برجل دخل مستودعًا كبيرًا فوجده مليئًا بملايين الأشياء المتناثرة هنا وهناك متركبة ومتراكبة لا يتميز منها شيء ولا ينفصل بعضها عن بعض، فيبدأ بالتجوال بين هذه الأكوام ويتأمل في أشياء منها وأشياء، وبعد مدة يلاحظ أن بعض الأشياء كبير وبعضها صغير، ويلاحظ أن بعضها أصفر وبعضها أحمر، ويلاحظ أن بعضها ثقيل وبعضها خفيف، ويلاحظ أن بعضها كرويّ وبعضها مضلّع، وشيئًا فشيئًا يبدأ في ملاحظة الخصائص والصفات المختلفة لهذه الأشياء المتراكمة. ثم يبدأ مرحلة أخرى هي مرحلة الترتيب والتصنيف، فيضع الأشياء الكروية متجاورة، ويضع الأشياء الكبيرة موضعًا منفصلًا، ويجعل الخفيف مع الخفيف والثقيل مع الثقيل، وهكذا. وبعد مرحلة التصنيف والترتيب يلاحظ خصائص أخرى وبعد مرحلة التصنيف والترتيب يلاحظ خصائص أخرى وأشياء أكثر إمتاعًا؛ مثل أنّ الأشياء الخفيفة كثيرة جدًّا، والثقيلة قليلة جدًّا، وأن اللون الأصفر يكثر في الأشياء الكروية واللون الأحمر يكثر في المضلّعة، وهكذا. ويلاحظ أن بعض الأشياء لها حوافّ مترابطة فيمكن تركيب أحدها مع الآخر حتى يكونا شيئًا آخر، ويلاحظ أنّ بعض الأشياء تتجاذب معًا وبعضها لا يتركّب معًا. ويلاحظ أيضًا أن بعض الأشياء ليست مفردة كما كان يظن، بل مركّبة من عدة أشياء، لكنه لم يلحظ ذلك ابتداء، ثم عرفه بعد أن لاحظ ما تتركّب منه في أماكن أخرى من المستودع، فيبدأ في تفكيكها ودراستها. وعندما ينتهي من جرد ما في المستودع يلاحظ أن بعض الأشياء تنقسم إلى قسمين وبعضها إلى ثلاثة أقسام وبعضها إلى عدد كبير من الأقسام. ويلاحظ أنّ بعض الأشياء منطقية ويمكن تفسيرها، وبعضها غير منطقي ولا يَعرف له تفسيرًا»[14].

- استقراء خاص للتحقق من قاعدية القاعدة وكليتها: فالتقعيد يبدأ بوجه عام[15] بالملاحظة كأنْ «يرى العالِم في النص أو المنقول... أمرًا ما يحتمل أن يكون جاريًا على طريقة معيّنة أو على منهج معين، ويحتمل ألا يكون كذلك، إلا أن الأشبه بالعقل والحكمة أن يكون جاريًا عليه، وقد تحصل الملاحظة بأن يرى نصَّين بينهما تشابه في وجه من الوجوه فيظن أن لهذا التشابه أصلًا»[16]، ثم يبدأ بعد ذلك بالتحقق من قاعدية القاعدة التي لحظها عند المفسر باستقراء الشواهد والتطبيقات التي يمكن أن تندرج تحت هذه القاعدة وتحليلها وغير ذلك مما يلزم من مقومات تمكنه من اعتبار قاعدية القاعدة وتفضي به إلى القطع بكليتها؛ فكلية القاعدة هو مقومها الرئيس الذي بدونه تفقد كونها قاعدة؛ إذ لا معنى لقاعدية القاعدة ما لم تكن كلية منطبقة على عدد من الجزئيات، ولا يمكن القطع بكلية القاعدة الاستقرائية التي نحن بصدد الحديث عن بنائها عند المفسرين إلّا عبر استقراء هذه الكلية استقراء يكشف عن صدقها ويجليها، وذلك أن الكلية تستلزم عدم التطرق لنقض القاعدة بكثرة الاستثناءات ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا بالاستقراء الذي يجعل القاعدة محررة مستكملة لما يجب لها من قيود وضوابط[17].

وهذا الاستقراء يحتاج لصبر مطول وعمق في جمع المادة التطبيقية وتحليلها حتى لا يقع المستقري في غلط التعميم بدون دليل وإهمال شروط وضوابط معينة للقاعدة، وغير ذلك من الإشكالات النابعة من قصور الاستقراء[18].

فيظهر بذلك ما لبناء القاعدة من أهمية في طور التقعيد حيث يحتاج لجهد كبير؛ إذ يندرج في هذه المرحلة الكثير من العمليات الجزئية؛ كالقراءة المتكررة للنطاق قيد التقعيد، والتصنيف والترتيب للنظائر والمتشابهات، ووضع الملاحظات والفروض وتسجيلها، ثم التعمق التحليلي الاستقرائي لأحد الفروض التي يظن قاعديتها وجمع مادتها وتحليلها.

يقول الفارابي في بيان كيفية الوصول للكليات في مجال اللغة: «فتؤخذ ألفاظهم المفردة أوّلًا إلى أن يؤتى عليها، الغريب والمشهور منها، فيُحفَظ أو يُكتَب، ثمّ ألفاظهم المركَّبة كلّها من الأشعار والخُطَب، ثمّ من بعد ذلك يحدث للناظر فيها تأمّل ما كان منها متشابهًا في المفردة منها وعند التركيب، وتؤخذ أصناف المتشابهات منها وبماذا تتشابه في صِنف صنف منها، وما الذي يلحق كلّ صنف منها، فيحدث لها عند ذلك في النفس كلّيّات وقوانين كلّيّة...فيصيّرون عند ذلك لسانهم ولغتهم بصورة صناعة يمكن أن تُتعلَّم وتُعلَم بقول، وحتى يمكن أن تُعطى عِلَل كلّ ما يقولون»[19].

رابعًا: تحرير القاعدة:

وهي آخر مراحل التقعيد، حيث يحتاج المقعِّد بعد ثبوت القاعدة عنده والتحقق من كليتها باستقراء الجزئيات المندرجة تحتها إلى تحرير هذه القاعدة وسبكها والتدقيق في انتقاء العبارات المعبرة عنها، وتأمُّل مستثنياتها وقيودها لإثباتها في نص القاعدة، وكذلك مراعاة ضرورة تجريد القاعدة عند صياغتها عن الجزئيات والفروع والأعيان لتلبس ثوب الإجمال والعموم ويكون «الحكم الذي تقوم على أساسه القاعدة موضوعيًّا جامعًا مستوعبًا، صالحًا للانطباق على كلّ أو أغلب الجزئيات المعلولة بعلّته، من غير أن يكون صالحًا ببعضها دون بعض؛ لأنه إذا كان خاصًّا بعين الجزئية لا بموضوعها وعلّتها لم تقم به حينئذ قاعدة وإنما يصح أن ينعقد به الحدّ وما شابه ذلك»[20].

ويلاحظ أنه وقع خلاف بين المعاصرين ممن كتبوا في القواعد في اشتراط أن تكون القاعدة مصاغة صياغة موجزة؛ فصاحب «نظرية التقعيد الفقهي» جعله مقومًا رئيسًا لا تصح القاعدة بدونه، بينما اعتبره صاحب «القواعد الفقهية» من المحسِّنات والمكمِّلات، وأمّا صاحب «نظرية التقعيد الأصولي» فقد جعله شرطًا في صحة صياغة القاعدة لا القاعدة ذاتها، أيْ إنه شرط كمال للقاعدة لا شرط صحة. فهم لا يختلفون جميعًا في اشتراط أن تكون القاعدة مصاغة صياغة موجزة وأنه من الأمور الحسنة، ولكنهم يختلفون في كونه مقومًا رئيسًا تفقد القاعدة حقيقتها بدونه أم أنه من مكمِّلاتها ومحسِّناتها[21].

إننا ومن خلال هذه المستلزمات السابقة نلحظ صعوبة العمل في القواعد وأنه بحث إبداعي يحتاج لملكات وطاقات بحثية معيّنة، ويحتاج لصبر وأناة وقدرة على التحليل والتركيب، وهذه الصعوبة يفرضها علينا فرضًا واقعُ البحث في القواعد نفسُه، وإلا فالعمل التقعيدي شديد الخطر، والخطأ فيه يفضي لإشكالات عديدة.

خاتمة:

ظهر معنا فيما سبق أن التأليف في قواعد التفسير قديمًا وحديثًا قد شاب منطلقات العمل فيه خلل وإشكالات، ومن ثم لم يتمكن هذا التأليف من سدّ ثغرة عدم تقرر قواعد التفسير وتكوين سياج نظري ضابط للعملية التفسيرية.

وفي ضوء ما حررنا من أن المنطلق الصائب للعمل في قواعد التفسير هو الانطلاق من عدم تقرر قواعد التفسير وضرورة استقراء قواعد المفسرين أولًا ثم تركيب قواعد التفسير لاحقًا من خلالها؛ اقترحت المقالة مسارًا للتأليف في قواعد التفسير ينطلق من استقراء قواعد المفسرين، وحاولت أن تقدم جملة مستلزمات وخطوات إجرائية للسير في هذا الميدان، ونأمل أن يكون ما طرحناه في هذه المقالة سبيلًا لضبط خارطة سير التأليف في قواعد التفسير، والإسهام في تيسير بلوغ هذا الدرس لمقاصده من الإسهام الجاد في سدّ ثغرة ضعف البناء القاعدي للتفسير، ومجاوزة مختلف الإشكالات التي وقعت في ساحة التأليف في قواعد التفسير قديمًا وحديثًا.

وفي ضوء خطورة العمل التقعيدي وحاجتنا الملحّة إلى الخطو المرتَّب فيه لا سيّما وأن الجهد الفردي لا يسعف فيه كثيرًا، فيطيب للمقالة دعوة المراكز البحثية إلى التضلع بهذه المسؤولية الكبيرة، وأن يتم تحويل مدونة قواعد المفسرين لمشروع كبير تسهر على رعايته هذه المراكز؛ فتعقد حلقات نقاش وورش عمل حول الأمر وبناء تصور موسع لمستلزماته؛ من بناء مسار نظري متكامل وإنتاج نموذج تطبيقي معياري لقاعدة تفسيرية لأحد المفسرين، ووضع برنامج علمي لتدريب الباحثين على العمل في قواعد المفسرين وغير ذلك من الإجراءات التي تكفل بروز معالم الاشتغال بقواعد المفسرين وتيسيره، وأن يكون عندنا مدونة ومعْلَمة قواعد المفسرين، والله الموفق.

 

[1] جدير بالنظر أننا في ضوء اختلاف النظر للبناء النظري للتفسير ورغبتنا في ضبط النظر لهذا البناء وطبيعة المنطلقات التي يجب علينا أن نتبناها في العمل في هذا الجانب المهم =فقد ألزمنا ذلك الاشتباك مع البناء النظري للتفسير ومناقشته بتوسع، وقد عقدنا لذلك بحثًا مطولًا بعنوان: (البناء النظري للتفسير؛ نقد وتقويم- قراءة في البناء النظري للتفسير ومدى اعتباره سياجًا ضابطًا للتفسير)، حيث أتينا بسائر أوعية البناء النظري للتفسير قديمًا وحديثًا واستعرضناها وقمنا بنقاشها وفقًا لمعايير محددة، وما ذكرناه هاهنا من أن بعضها يقعّد للتفسير مباشرة دون استقراء قواعد المفسرين هو أحد النتائج التي خرجنا بها في هذا البحث، وقد اكتفينا بذكر هذه النتيجة دون توسع في استعراض واقع الكتابات التراثية حتى لا يخرج بنا ذلك عن الغرض، خاصة وأنها ظاهرة بصورة عامة لمن نظر في واقع محاولات التأصيل التراثي للتفسير وتأمل مسالكها الكلية في هذا التأصيل.

[2] يراجع: التأليف المعاصر في قواعد التفسير؛ دراسة نقدية لمنهجية الحكم بالقاعدية، (ص62) وما بعدها.

[3] هذه الدراسة من إصدارات مركز تفسير 1441هـ- 2019م، وقام بتأليفها ثلاثة من الباحثين: محمد صالح سليمان، خليل محمود اليماني، محمود حمد السيد. كما حكّمها ثلاثة محكمين: أ.د/ عبد الرحمن بن معاضة الشهري، أ.د/ مساعد بن سليمان الطيار، أ.د/ عبد الحميد مدكور. وقد أتاح مركز تفسير هذه الدراسة للقراءة والتحميل المباشر، وذلك على الرابط الآتي: tafsir.net/publication/8018، وسنعتمد على هذه الدراسة في رصد واقع التأليف المعاصر في قواعد التفسير والانتقادات المنهجية الموجهة له كونها قامت بالتحليل المتوسع لمنهجية الحكم بالقاعدية في هذا التأليف وكشفت عن طريقته في العمل في القواعد، وقد تأطرت في عملها بخمس عشرة دراسة من دراسات قواعد التفسير جاءت شاملة لأقدم هذه التآليف وأكثرها شهرة وهو كتاب: (قواعد التفسير؛ جمعًا ودراسة) للدكتور خالد السبت، كما اشتملت على نتاج متنوع من مختلف الجامعات العربية والإسلامية. وجدير بالنظر أن هذه الدراسة تعرّضَت لانتقادات سنعلّق عليها فيما يأتي.

[4] التأليف المعاصر في قواعد التفسير؛ دراسة نقدية لمنهجية الحكم بالقاعدية، (ص101).

[5] وذلك في ورقة بعنوان: (مساءلة بحثية لكتاب «التأليف المعاصر في قواعد التفسير»)، وهي منشورة على موقع تفسير تحت الرابط الآتي: tafsir.net/article/5259.

[6] يقول الأنصاري: «ومحل النقد في نظري: أنَّ هؤلاء [يقصد المؤلفين المعاصرين في قواعد التفسير] وإنِ اخترعوا أيَّ مفهوم لقواعد التفسير، ولكن نهجهم الذي سلكوه ليس خطأ في ذاته، وموجب قولي ما ثبت من تتابع العلماء في استخراج القواعد العلمية من نصوص أئمتهم والمتقدمين عمومًا في العلم كما سبق، وإن قيل: المراد التفسير وليس العلوم الأخرى، يقال: إنه ليس بمنأى عن غيره من العلوم في طريقة التقعيد العامة، والمعنى المتأخر للقواعد في التفسير وإن كان حادثًا كما هو الشأن في الصناعة العلمية ككلّ، لا يُرَدُّ بهذا السبب الذي ذكروه، والأخطاء في التطبيق لا تعود على الأصل بالإبطال متى كان ثابتًا وجرى عليه العمل من قبل، والنقد ضرورة في العلم ولا حرج فيه، لكنه يتجه للمتقدمين ابتداء في كافة الفنون.

وهنا لا أزكي فعل أرباب تلك الدراسات في القواعد، فلديهم بالتأكيد ثغرات جوهرية في استخراج القاعدة وفي التأصيل لها (كما أثبت البحث)، وإنما المهم هو إثبات قيمة الطريقة التي نصُّوا على اتباعها في التقعيد: مصدرية المادة التفسيرية، فتتبع كليات ونصوص الأئمة بدقة في بطون تفاسيرهم من أهم ما يُسهم في التأسيس، ومجمل النظريات المعرفية للفنون كانت بهذه الصورة من خلال التطبيقات».

[7] تجدر الإشارة لأمرين:
الأول: لو تجاوزنا لزوم مناقشة المؤلفات في ضوء صنيعها واعتبرناها مصرحة بغرض التقعيد المباشر فإن الحكم معها لن يختلف برأيي كثيرًا وستظل قواعدها محل استشكال؛ لأن قواعدها لم يتعاقب عليها المحررون نقدًا وتقويمًا في إطار حركة علمية متكاملة للعناية بالجانب التنظيري للتفسير ما يؤذن بضبط هذا التنظير وتنقيحه والتثبت من صحته كما حصل مع الثروة الفقهية مثلًا، هذا بافتراض دقة الممارسين لهذا التقعيد المعاصر ابتداء وهو أمر غير حاصل أصلًا في ضوء ما كشفته الدراسة من إشكالات علمية ومنهجية هائلة تجعل من قياس واقع صنيع المعاصرين مع ما هو قائم من مسالك التراث في التقعيد أمرًا بالغ البُعد.
الثاني: في ضوء ما رأيت فإن من يناقشون الدراسة يبتعدون في النقاش عن إشكاليتها ومحددات بناء هذه الإشكالية وأنها تناقش تأليفًا محددًا له منهجية معينة في الحكم بالقاعدية، ويتعرّضون في نقاشهم لزوايا لا تتصل بالدراسة أصلًا ولا يرد على الدراسة منها أيّ شيء، كالقول بأن الدراسة لم تتناول المؤلفات في قواعد الترجيح إلا لمامًا أو أنها لم تتناول بعض المحاولات التراثية الجادة في التأصيل للتفسير وغير ذلك مما لا يتصل بالدراسة وليس هو بنقاش لها في الحقيقة. يراجع في مثل ذلك: النقاشات التي ذكرها بعض الفضلاء في الحلقة النقاشية التي عقدها مركز تفسير للدراسة، وهي منشورة على الرابط الآتي: tafsir.net/video/4285.

[8] يراجع مثلًا: مناقشتنا للتأصيل التيمي لتوظيف المرويات الإسرائيلية للتفسير، منشورة على موقع تفسير ضمن ملف (المرويات الإسرائيلية في كتب التفسير).

[9] بعض المستلزمات تتعلق بالباحثين وبعضها يتعلق بمسار البحث ذاته، وقد آثرنا سردهما معًا بلا تفريق.

[10] يراجع: معيار تقويم كتب التفسير؛ تحرير وتأصيل، خليل محمود اليماني، مقالة منشورة على موقع تفسير تحت الرابط الآتي: tafsir.net/article/5110.

[11] عقد موقع تفسير ملفًّا مهمًّا عن إشكالات علم التفسير، ونشر فيه عددًا من المواد التي تعالج هذه الإشكالات. يراجع هذا الملف على قسم الملفات بالموقع.

[12] نذكر هذا والنقطة التي تليه تنبيهًا على أهمية تدريب الباحثين العاملين في بناء قواعد المفسرين وإعداد برامج علمية لهم حتى يتمكنوا من خوض غمار البحث في هذا الميدان الخطير، خاصة وأننا نلحظ إشكالًا في برامج تدريس التفسير في المؤسسات والأكاديميات التعليمية، وبإذن الله تعالى تكون لنا كتابة خاصة في إشكالات تدريس التفسير في واقعنا المعاصر وكيفية النهوض به.

[13] الاستقراء وأثره في القواعد الفقهية والأصولية؛ دراسة نظرية تطبيقية، الطيب السنوسي، دار التدمرية-دار ابن حزم، ط: الثالثة، 1430هـ- 2009م، (ص316).

[14] صناعة الاستدلال اللغوي، لأبي مالك العوضي، (ص143- 144)، بحث ضمن كتاب: صناعة التفكير اللغوي، مجموعة بحوث، تحرير: مقبل بن علي الدعدي، تكوين للدراسات والأبحاث، ط: الأولى، 1435- 2015م. يلاحظ أن كلام العوضي يتصل بسياق أوسع مما نحن بصدده غير أننا نحاول الإفادة منه -ومن غيره مما سنورد مما يتصل ببناء كليات العلوم- في سياق توظيفه في بناء قاعدة عند أحد المفسرين لمناسبته لذلك وأن الولوج التقعيدي لأحد المفسرين يناسب العمل فيه ما ذكره من تمثيل ونظر.

[15] ذلك بعد أن يقوم بتحديد المجال الذي سيقعّد فيه والذي أظهره الاستقراء العام للنطاق محل التقعيد كما سبق.

[16] صناعة الاستدلال اللغوي، أبو مالك العوضي، (ص144- 145).

[17] تجدر الإشارة إلى أن كلية القاعدة هو مقومها الرئيس الذي بدونه تفقد كونها قاعدة؛ إذ لا معنى لقاعدية القاعدة ما لم تكن كلية منطبقة على عدد من الجزئيات.

[18] لبيان مداخل الاستدلال الخاطئ بالاستقراء، يراجع: الاستقراء وأثره في القواعد الفقهية والأصولية؛ دراسة نظرية تطبيقية، الطيب السنوسي، (ص309) وما بعدها.

[19] كتاب الحروف، أبو نصر الفارابي، (1/ 42). أفدت هذا النقل من بحث «صناعة الاستدلال اللغوي» لأبي مالك العوضي.

[20] نظرية التقعيد الفقهي، محمد الروكي، (ص72).

[21] ينظر: نظرية التقعيد الفقهي للروكي، القواعد الفقهية ليعقوب الباحسين، نظرية التقعيد الأصولي لأيمن عبد الحميد البدارين.

الكاتب

خليل محمود اليماني

مدرس مساعد بجامعة الأزهر، شارك في عدد من الأعمال العلمية المنشورة.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))