التعريف بكتاب (الخطاب القرآني ومناهج التأويل) للدكتور عبد الرحمن بودرع

عدد المشاهدات : 333
نشطت الدراسات النقدية للقراءات التأويلية المعاصرة للنص القرآني، وتأتي هذه المقالة لتُعرِّف بإحدى هذه الدراسات، وهي: (الخطاب القرآني ومناهج التأويل)، وتبرز محتوياتها وأهم نتائجها.

  صدر كتاب (الخطاب القرآني ومناهج التأويل؛ نحو دراسة نقدية للتأويلات المعاصرة) للدكتور عبد الرحمن بودرع أستاذ التعليم العالي بجامعة عبد المالك السعدي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، ضمن منشورات مركز الدراسات القرآنية، بالرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، سلسلة دراسات قرآنية، الطبعة الأولى، 1434هـ/2013م، في مجلد متوسط يتكون من 269 صفحة.

الكتاب يتألف من فصلين وخاتمة؛ فالفصل الأول خصصه المؤلف للدراسة النقديّة للتأويلات المعاصرة، فكان ردًّا على نماذج من الكتابات التأويلية المعاصرة التي أخرجت النصّ القرآني عن مواضعه ومقاصده، وقد بيَّن المؤلف الخلل فيها ناقدًا ما يستحق النقد في مناهجها، كما استطاع أن يستعرض بعض المحاولات التأويلية الأصيلة التي تلتزم بشروط التأويل الموضوعي، وتستثمر ما بالنصّ من إمكانيات جديدة من الفوائد والاستنباطات.

أما الفصل الثاني فخصصه لمقتضيات ولوج باب التأويل، وهي قراءة لسانية في البناء النصّي للقرآن الكريم، من خلال المفاهيم التي تعالج قضايا انسجام النصّ وتماسك أجزائه، فقد بيّن فيه المؤلف بعض خصائص البيان القرآني في مخاطبة الإنسان، كما بيّن أن فقه البيان العربي ودلالة اللفظ على المعنى من صميم فقه معاني القرآن.

أولًا: الخطاب القرآني والتأويل:

إذا كان الكتاب دراسة نقديّة للتأويلات المعاصرة، فإن القارئ يجد نفسه أمام كلمة التأويل بدون مقدمات تُبيِّن تطوره والتغييرات التي طرأت عليه، وقد تطرّق المؤلف لذلك في آخر الفصل الأول، في المبحث التاسع تحديدًا، مما يجعلنا نعيد طرح السؤال حول المفهوم؛ حتى يتأتّى لنا جلاء الصورة بين بداياته وما وصل إليه مؤخرًا عند الدارسين.

التأويل بين اللغة والاصطلاح:

حدد المؤلف مدار التأويل في لغة العرب على مادة (أَوْل) التي تعني الرجوع والعَوْد، كما حصر التأويل في الكتاب والسنة فيما يوافق المعنى اللغوي من كونه يدل على حقيقة ما يؤول إلى الكلام وإن وافق ظاهره.

ويذكر المؤلف أن التأويل بسبب تعدّد الاصطلاحات صار له ثلاثة معان، هي:

الأول: يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام وإن وافق ظاهره.

الثاني: يراد به التفسير، وهو اصطلاح كثيرٍ من المفسرين.

الثالث: في عرف المتفقهة والمتكلمة والمتفلسفة والمتصوفة، هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل منفصل يقترن بذلك، وهذا تأويل محدث.

وبهذه الأنواع الثلاثة التي ذكرها المؤلف فهي تتناسق مع ما هو معروف من كون مصطلح التأويل تتحدد دلالته بالتفريق بين جيلَيْن: الأول: السلف الصالح، والثاني: متأخري المتفقهة والمتكلمة والمحدِّثة والمتصوفة وغيرهم.

فعند الأوائل له معنيان: المعنى الأول: تفسير الكلام وبيان معناه، سواء أكان موافقًا لظاهره أم مخالفًا له، ومن ثَمّ يكون التأويل والتفسير شيئًا واحدًا، أي مترادفَيْن، وهذا هو المعنى نفسه الذي استعمله محمد بن جرير الطبري (ت:310هـ) حيث يقول عند تفسيره لآي الذكر الحكيم: «القول في تأويل قوله: كذا وكذا»، و«اختلف أهل التأويل في هذه الآية»، ونحو ذلك. والمعنى الثاني: هو نفس المراد بالكلام، فإذا كان الكلام عن طلوع الشمس فالتأويل هو نفس طلوعها، أي هو نفس الحقيقة الموجودة في الواقع الخارجي.

أما عند متأخري المتفقهة والمتكلمة والمحدِّثة والمتصوفة، فالتأويل: (هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به)، وهذا التأويل هو الذي نجد المتكلمين قد استعملوه في معظم كتبهم، ويتجلى ذلك في موقفهم من آيات الصفات.

دعوة القرآن إلى أحسن تأويل:

وهنا أريد أن أؤكد -كقارئ للكتاب- على المعنى الوحيد الذي دعا إليه القرآنُ الكريم المؤمنين واعتبره أحسن تأويلًا، في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}[النساء:59]. وقد جاء هذا التأويل في سياق طاعة الله -سبحانه وتعالى- في المرتبة الأولى، وطاعة رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- في المرتبة الثانية، وطاعة العلماء المتخصصين في الكتاب والسنة في المرتبة الثالثة، وكلّ ذلك في إطار الإيمان بالله واليوم الآخر، معتبرًا أن ذلك هو الميزان المعنوي الصحيح لوزن سلوك الأمة المسلمة المتجدد عبر الأزمنة والأمكنة المختلفة؛ لأن القرآن الكريم كتاب الزمان كلّه والمكان كلّه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد استُعملت جملة: {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} في مجال الميزان الحسي للكيل والوزن في قوله تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}[الإسراء:35].

وبهذا المعنى يتبيّن لنا أن التأويل الصحيح المأمور به هو ردُّ كلّ ما اختلَف فيه الناسُ من المسائل المتنازَع فيها بعد عصر النبوة إلى الكتاب والسنة، كما يرجعون إلى الكيل والميزان في بيعهم وشرائهم؛ لأن ذلك هو الميزان الحقّ الذي سماه القرآن الكريم خيرًا وأحسن تأويلًا.

يقول المؤلف في الصفحة (14) من الكتاب: «إن تنزيل أحكام الشريعة المستنبطة من النصّ القرآني على واقع الناس إنما يُراعَى فيه هذا الواقع بأعرافه وتقاليده ونظمه وأسلوبه في الحياة وثقافته وفكره، وهي خصوصيات جديرة بأن تُراعَى في فهم النصّ والاستنباط منه لتنزيل الأحكام، إذا كانت تستحق ذلك ولا تعارض صريح الدين والقطعي من الأحكام».

ثانيًا: التأويلات الحديثة في فهم الخطاب القرآني:

إذا كان من القدماء من أساؤوا التأويل مثل الجهمية والقرامطة وغُلاة الباطنية وغُلاة الصوفية والروافض والزنادقة الذين قَلَبُوا دلالات النصوص رأسًا على عقب، وغيرهم في الرّفض باطنية المتصوفة الذين قَلَبُوا الحقائق، وباطنية الفلاسفة الذين ادّعوا أنهم أعلم من سلف الأمة، إذا كان أولئك قد أساؤوا التأويل، فإن مِن العلماء الربانيين في جميع العصور مَن أحسن التأويل وأطر المؤمنين، وبيّن لهم نصوص القرآن الكريم وفق روح القرآن والسنة الصحيحة.

وقد حدد المؤلف أنَّ تبوُّأَ تأويل النصّ القرآني للصدارة كان بدايةَ عصر النهضة وما بعده؛ قَصْد فهم النصّ الشرعي وقراءته قراءة تأويلية جديدة.

وقد وُفِّق المؤلف في التمييز بين نوعين من التأويلات المعاصرة؛ الأول: على يد المنحرفين عن مقاصد النصّ الشرعي، والثاني: على يد الجادين في التأويل والملتزمين بشروطه الموضوعية؛ وذلك باستثمار ما بالنصّ من أعماق ومناطق جديدة من الفوائد والاستنباطات.

الانحراف عن مقاصد الشرع:

يقول المؤلف في الصفحة (42) عن هذا الانحراف: «لقد اشتهر المؤوِّلة الجدد بمذهبهم إلى أن الدين شعبة من شعب الأنثروبولوجيا ونتيجة للتفاعل الاجتماعي، كسائر الأنشطة التي ينتجها المجتمع، وصنعة يخترعها الإنسان ويطوّرها بحسب حاجاته وظروف عيشه، والقول بنسبية الدين قول بأن القرآن الكريم صالح لزمانه وقومه الذين أنزل عليهم، ويزعمون أن الناس لم يفهموا مقالتهم، ويعيبون على المخالفين لهم بأنهم لا يفهمون القرآن الكريم حقّ فهمه، أما هم فقد عرفوا فلزموا، وتأملوا ففهموا، وماذا فهموا؟ زعموا أنهم توصلوا إلى أن القرآنَ كتابٌ تاريخي، محكوم بزمان ومكان وظروف محددة، وأنه خطاب لأقوام سادوا ثم بادوا، ومضوا ثم قضوا، وزمانهم غير زماننا وأحوالهم غير أحوالنا، وأن الإسلام لم يعد اليوم بحاجة إلى أركان أو فرائض أو سنن، فليتحرر المسلمون اليوم من قيوده، كما تحرر النصارى من قيود الكنيسة، وليمرقوا منه كما يمرق السهم من الرميَّة».

فمن خلال هذا التقرير يتبيّن أن أصحاب هذا التوجه من المؤولة الجدد الذين أبانوا عن نيتهم في هدم الشريعة من أساسها، قد أساؤوا التأويل إلى أبعد الحدود. فجاءت تأويلاتهم وقراءاتهم الحداثية لتمحو خصوصية النصّ القرآني؛ وذلك عندما انتقدت الآيات على طريقتها، متملصة من قاعدة العقيدة التي بُني عليها النصّ القرآني.

وفي نظر القارئ أن هذه النماذج هي طبيعية في عُرف القرآن الكريم؛ فقد اعتاد عليها منذ بدايات نزوله، يقول -تعالى- في حقهم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ}[الأنعام:112، 113]. وبهذا تحتاج مناهج هؤلاء إلى نوع من التجاوز والبحث عن إمكانية قراءة حداثية معاصرة منطلقة من النصّ القرآني والسنة النبوية الصحيحة، مصححة كلّ الهفوات المرتكبة في حقّ النصّ القرآني، مع إرساء قواعد التأويل الأحسن.

القراءة الحداثيّة المبدعة، وتصحيح مذاهب المؤوِّلة الجدد:

في إيجاد القراءة الحداثيّة المبدعة اعتمد المؤلف على فكر طه عبد الرحمن -الذي كانت له دراسات في نفس الموضوع، وأخصّ بالذكر كتابه (روح الحداثة)- معلنًا أن لا حداثة إلا بالتحرّر من الوصاية الحداثية الغربية والخروج إلى فضاء الإبداع، طارحًا سؤالًا منهجيًّا يتمحور حول كيفية تحقيق الإبداع في قراءة الآيات القرآنية، وأشار إلى أن الفعل الحداثي المبدع يُشترط فيه أن يجدد الصلة بالقراءة النبوية، وأن يقوم على التفاعل مع الدِّين لا التصارع معه، وهذا الشرط هو الذي سيُظهر خطأ القراءة الحداثية المقلّدة للغرب، وصواب رعاية التفاعل بين الحداثة والدين، مما سيكون حافزًا على توليد الطاقة الإبداعية؛ لأن هناك علاقة جدلية بين قوة الإيمان وتفتُّح ملَكة الإنتاج والإبداع.

محاولات تأويلية جادّة:

استعرض المؤلف عددًا من النماذج القرائية الجادّة لمؤولين معاصرين، منها على سبيل المثال: القراءة التدبرية -والمقصود بالتدبّر هو النظر في عواقب الأمور وما تؤول إليه- وبيّن أن التدبر في كتاب الله هو التفكّر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة.

وقد ساق نموذجين لهذا النوع من القراءة؛ الأول: كتاب (قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عزّ وجلّ) لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، حيث ساق بعض القواعد التدبريّة في الكتاب، والثاني: كتاب (النصّ القرآني، من تهافت القراءة إلى أفق التدبر؛ مدخل إلى نقد القراءات وتأصيل علم التدبر القرآني) لقطب الريسوني، وأعطى خلاصة حول محتويات الكتاب، وأكد أن القراءة الراشدة -فضلًا عن قيامها على آداب ممهدة لحسن الفهم ومنتجة لسلامة القصد- فهي تقوم على جملة قواعد تتمثل في تحقيق المفردة القرآنية معجمًا وأسلوبًا ومعهود الاستعمال عند التنزيل، وقاعدة السياق القرآني، كما أوضح أن للتأويل الجاد روافد كثيرة يتزوّد منها، وهي: الرافد اللغوي، والرافد النقلي، والرافد الاجتهادي، والرافد الواقعي، ورافد المناهج الحديثة مجردة عن التوظيف السياسي والمذهبي، ورافد الموهبة.

كما أن للتأويل القرآني المبني على التدبر الراشد ضوابط تعصمه من الزلل، منها المقصدية وعلاقة الإرسال بالتلقي، ومنها دلالة السياق بأنواعه: المقامي، والنصي، والثقافي.

كما ساق نماذج من قراءات معاصرة أخرى تتمثل في القراءة التناسبية من خلال كتاب (التناسب البياني في القرآن؛ دراسة في النظم المعنوي والصوتي) لأحمد أبو زيد، والقراءة البنائية من خلال كتاب (الوحدة البنائية للقرآن المجيد) لطه جابر العلواني، والقراءة الحجاجية من خلال كتاب (الحجاج في القرآن؛ من خلال أهم خصائصه الأسلوبية) لعبد الله صولة، والقراءة التساندية من خلال كتاب (التأويلية العربية؛ نحو نموذج تساندي في فهم النصوص والخطابات) لمحمد بازي.

وبعد أن خصّ المؤلفُ الفصلَ الثاني لقراءة في البناء النصي للقرآن الكريم، خلص في النهاية إلى أن التأويلات المعاصرة ليست كلّها منحرفة وفاسدة، لكن فيها التأويلات الجادة التي تستوعب حركة التاريخ، وتُزاوِج بين علوم القرآن والفقه والأصول وبين المناهج الحديثة التي أثبتت جدارتها في مقاربة النصّ ومساءلته في خصوص وقائع العصر والنوازل الحادثة، مما يزيد في تنوع الاستنباطات وإحكام التنزيلات.

الكاتب

الأستاذ عبد الكريم عزيز

الأستاذ الجامعي بالمغرب له عدد من المؤلفات والمشاركات العلمية في الدراسات القرآنية.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))