اختلاف السلف في التفسير؛ نماذج تطبيقية (2)

عدد المشاهدات : 389
تمثل قضية تعدد الأقوال ظاهرة بيِّنة في تفاسير السلف، ومن ثَمَّ كانت دراسة هذه الأقوال وبيان طبيعة الاختلاف الحاصل بينها أمرًا له أهميته الكبرى في ضبط التعامل مع تفسير السلف وحُسن فهمه، خاصّة مع مركزيته التي لا تخفى في التفسير. ومن هنا تأتي أهمية تسليط الضوء على كتاب «اختلاف السلف في التفسير بين التنظير والتطبيق» لمؤلفه د. محمد صالح سليمان، الذي قام بدراسة هذا الاختلاف نظريًّا وحشد فيه العديد من التطبيقات، حيث يستعرض أقوالَ السلف في تفسير الآية، ويناقشها، ويحدِّد سبب الاختلاف ونوعه وكيفية التعامل معه. وفي هذه السلسلة نستعرض أهم النماذج التطبيقية من هذا الكتاب بشيء من الاختصار والتصرّف.

قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[ الفاتحة: 2][1]

أولًا: ما ورد في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّـهِ}:

الأقوال الواردة في معنى قوله تعالى: {الحَمدُ لِلَّـهِ}:

  1. الحمد لله، هو: الشكر والاستِخذاء لله[2]، والإقرار بنعمته، وهدايته، وابتدائه، وغير ذلك. عن ابن عباس من طريق الضحاك.
  2. الحمد لله: كلمة رضيها لنفسه، وأحبَّ أن تقال. عن عليّ بن أبي طالب.
  3. الحمد لله: ثناءٌ على الله. عن كعب الأحبار.
  4. الحمد لله: رداءُ الرحمن. عن الضحاك.

التعليق:

{الحَمدُ لِلَّـهِ}، أي: الثناء الكامل والمدح التامّ لله وحده، فهو الحقيقُ بأن يُحمَد، والمستحِقّ لِأَنْ يُشكَر دون سواه، والحمد نقيض الذّم.

بيان نوع الاختلاف:

الاختلاف هنا اختلاف تنوّع يرجع إلى معنى واحد، وهو: الثناء الكامل بقصد التعظيم والإجلال للمحمود.

سبب الخلاف:

التعبير عن المعنى بألفاظ متقاربة.

الجمع بين الأقوال:

القول المرويُّ عن الضحاك فيه إثباتُ قدرٍ زائدٍ متعلق بصفة الحمد، وهو الرّداء، ونحن مع هذا القدر الزائد أمام توجيهات أربعة:

  • إما أن نُثبته، وهذا باطل؛ إذ لا يَثْبُتُ مثلُه إلا بنصٍّ من القرآن أو السنة الصحيحة.
  • وإما أن نؤوِّله، وما يقال في تأويله يقال في أي صفة أخرى من صفات الله، فيقال: السمع رداء الرحمن، والحياة رداء الرحمن، وهذا -أيضًا- باطلٌ، كما أن التأويل خلاف الأصل.
  • وإما أن ننسب الضحاك إلى الخطأ والوهم، وهذا لا بد فيه من صحة الإسناد إليه، ولم يصحّ؛ فبطل هذا أيضًا.
  • فلم يبق إلا الاحتمال الرابع، وهو ضعف هذا السند عن الضحاك؛ لأن راويه عنه قد نصَّ الأئمة على نكارة مروياته عنه في التفسير، وإلصاق الخطأ بضعف السند أولى من إلصاقه بإمامٍ كالضحاك.

وأما بقية الأقوال المذكورة عن ابن عباس وعليّ بن أبي طالب -رضي الله عنهما- وكعب الأحبار فهي أقوال متقاربة، لا اختلاف بينها، فمن شَكَر الله وخَضَع له وأقرّ بنعمه فقد حمده، ومن أثنى عليه فقد حمده، واللهُ يحِبُّ حمدَه وشكره، ويحبُّ الشاكرين.

ولو جَمَعْتَ عبارات السلف الواردة في تفسير الحمد، وتأملْتَ ما قاله اللغويون في تفسير الحمد؛ وجدتَ أن تفسير السلف قد اشتمل على أهمّ ما ذكره اللغويون بأوجز العبارات وأخصرها.

ثانيًا: ما ورد في قوله تعالى: {الْعَالَمِينَ}:

الأقوال الواردة في معنى: {العالَمِينَ}:

  1. الحمد لله الذي له الخَلْقُ كلُّه؛ السماوات والأرض ومَن فيهنّ وما بينهنّ مما يُعْلَم وما لا يُعْلَم. عن ابن عباس من طريق الضحاك.
  2. {العالَمِينَ}: الجنّ والإنس. عن ابن عباس من طريقي عكرمة وسعيد بن جبير، وعن مجاهد، وسعيد بن جبير، وابن جريج.
  3. كلّ ما وَصَفَ من خَلْقِهِ. عن قتادة من طريق مطر الوراق، ومن طريق سعيد: «كلُّ صِنف عالَمٌ».
  4. الإنسُ عالَمٌ والجِنُّ عالَمٌ، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالَمٍ، أو أربعة عشر ألف عالَمٍ من الملائكة على الأرض، وللأرض أربع زوايا في كلّ زاوية ثلاثة آلاف عالَم وخمسمائة عالَم خلقهم لعبادته. عن أبي العالية[3].

بيان نوع الاختلاف:

اختلاف تنوع يرجع إلى معنى واحد، وهو: كلّ ما خلق الله في السماوات والأرض وما بينهنّ من الجنّ والإنس والملائكة، وغير ذلك مما يعقل وما لا يعقل، ومما يُعْلَم ومما لا يُعْلَم، على اختلاف الأزمان والبلدان وغير ذلك.

سبب الخلاف:

العموم في لفظ: {العالَمِينَ}.

الجمع بين الأقوال:

من فسّر {العالَمِينَ} بالخلق كلّه كابن عباس وقتادة فقد فَسّر بعموم اللفظ وما يشمله، ومن فسّرها ببعض ما يدل عليه اللفظ كالجِنّ والإنس والملائكة؛ نَظَرَ إلى أنّ كل جنس من هذه الأجناس يُسَمَّى عالَمًا، أو نَظَر إلى دلالة لفظة: {العالَمِينَ} في سياق آية من الآيات كقوله: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}[الفرقان: 1]؛ ففسّر اللفظ بالجنّ والإنس؛ لأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أُرْسِل إليهما خاصة[4]. فبعضهم فسَّر بالعموم، وبعضهم أشار إلى فرد من أفراده على سبيل التمثيل.

ولفظ: {العالَمينَ} لفظٌ عامٌّ مستغرِق لأجناس كثيرة، كلّ منها علامة على وجود الخالق، واختلاف الأجناس إنما هو اختلاف تنوّع تحت عمومٍ شامل، دليلُ ذلك علاقة الإضافة في تخصيص النوع حين نقول: عالَم الإنسان، أو عالَم الماء، أو عالَم النار...، فكلمة (عالَم) ثابتة الدلالة، والمتنوّع هو المضاف إليه المخصص لنوع العالَم، وإذًا فالكلمة تتخصص بالإضافة، فإذا تجردت عن الإضافة عادت إلى عمومها في الدلالة[5].

فالأئمة الذين فسّروا اللفظة ببعض ما تدلّ عليه لم يقصدوا حصر كلّ المراد بالعالَمِين في هذا القول أو ذاك، وإنما لمَّا كان لفظُ (العالَم) يصلح للدلالة على مجموع العَوالِم، وكان صالحًا -أيضًا- للدلالة على عالَم واحد أو أكثر بخصوصه -لم يكن في حَمْله على العموم أو تخصيصه ببعض هذه العوالِم مانعٌ يمنع من ذلك؛ فالقول بالعموم هو الأرجح.

 

[1] اختلاف السلف في التفسير بين التنظير والتطبيق  (ص: 278)، ويلاحظ أننا قمنا باختصار المادة التي عرضها الكتاب في هذا الموطن، واكتفينا فقط بعرض الأقوال التفسيرية الواردة في المقصود بالآية، وذكر سبب الخلاف بينها ونوعه، والراجح منها، وكذا ما أورده من اجتهادات أخرى في غير أقوال السلف، ومناقشتها.

[2] الاستخذاء: الخضوع والانقياد، يقال: خَذِئَ له وخَذَأَ له يَخْذَأُ خَذَأً وخَذْءًا وخُذُوءًا: خَضَع وانقادَ له. لسان العرب: مادة خذأ. (2/ 1116).

[3] تفسير الطبري (1/ 63)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 27). وتعقّبه ابن كثير بقوله: «وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح» اهـ. تفسير القرآن العظيم (1/ 24).

والناظر فيه يجد أن الغرابة في تحديد عدد الملائكة، ووصف أماكن وجودها، ومثل هذا لا بد فيه من دليل صحيح، لكن لا غرابة في تفسير العالمين بأنها الملائكة أو غيرها؛ ولهذا ترك الباحثُ في الجمع بين الأقوال ما فيه غرابة، واقتصر على غير الغريب، ثم إن هذه الغرابة لا علاقة لها بالمعنى، ولا تأثير لها فيه.

[4] قال الأزهري: «الدليلُ على صحة قولِ ابن عباس قولُهُ -عزّ وجلّ-: {تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا}؛ وليس النبي -صلى الله عليه وسلم- نذيرًا للبهائم ولا للملائكة، وهُمْ كلُّهم خَلْق الله، وإنما بُعث محمد -صلى الله عليه وسلم- نذيرًا للجنّ والإنس» اهـ. لسان العرب (4/ 3085).  

[5] الاشتراك اللفظي في القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق (ص: 188) بتصرف يسير.

الكاتب

فريق موقع تفسير

موقع مركز تفسير للدراسات القرآنية

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))