كتاب
كيف سحر القرآن العالم
أنجيليكا نويفرت
ترجمة: صبحي شعيب
عرض وتقويم

المؤلف : محمود عماد
يُعدّ كتاب (كيف سحر القرآن العالم) للألمانية أنجيليكا نويفرت، من الكتب الغربية المهمة الصادرة مؤخرًا حول القرآن، يقدّم هذا المقال عرضًا للكتاب، فيبرِز أهم أفكاره، ويلقي الضوء على مميزاته المنهجية، كما يطرح نقدًا لعددٍ من أفكاره الرئيسية والتفصيليّة.

   نُشرت ترجمة كتاب (كيف سحر القرآنُ العالمَ)[1] للباحثة: أنجيليكا نويفرت[2]، عام 2022م، وهو أوّل كتاب للباحثة يترجم إلى اللغة العربية رغم الاهتمام الواسع بأبحاثها في العالم العربي والإسلامي وترجمة العديد من أبحاثها إلى العربية، ونظرًا لأهمية الكتاب وأنّ مؤلِّفته واحدة من أهمّ الباحثين المعاصرين، وذات شُهرة واسعة في ساحة الدراسات القرآنية الغربية، فقد رأينا أهمية النظر في الكتاب، ومن ثم جاءت هذه المقالة لعرض أهم الأفكار التي قدمها الكتاب وتقويمها.

وستأتي معالجتنا النقدية مقسومة لقسمين؛ أحدهما لعرض أهمّ الأفكار التي عرضتها الباحثة باختصار لا يخلُّ به، ولكنه لا يغني عن قراءة الكتاب بحال، والثاني للنقد والتقويم، وذلك بعد تمهيد مختصر عن مجهودات الباحثة في الحقل الأكاديمي للاستشراق المعاصر.

وتعدّ هذه المقالة مقاربة نقدية نأمل أن تكون منصِفة وشارحة لمنهج الباحثة قدر الاستطاعة، واقفة على أهم ما يميز هذا الكتاب وأبرز ما اختلفنا معه من إشكال في إيجاز شديد.

 تمهيد:

أولًا: إسهامات أنجيليكا نويفرت في الدراسات القرآنية:

شهدت مؤخرًا الدراسةُ الغربية للقرآن بدءَ ظهورٍ لتناوُلٍ مختلِفٍ، وهو التناول التزامني (السانكروني)، والذي ينطلق من فرضية معاكسة تمامًا للفرضية التي ألجأَتْ لاستحضار المنهج التاريخي النقدي لدى غالب المستشرقين؛ وهي القول بأنّ النصّ القرآني -كما هو موجود الآن- نصٌّ متّسقٌ وله بُنْيَة تحتاج للكشف عنها والبحث فيها لفهمها، ومِن ثَمّ استثمار المنهج التزامني لا التعاقبي في الكشف عن هذه البنية وفهم أبعادها[3].

وتعدّ أنجيليكا نويفرت أهمّ روّاد هذا الاتجاه وخاصّة بعد صدور كتابها (دراسات حول تركيب السور المكية) عام 1981، والذي أثار اهتمامًا واسعًا في أكاديميا الدراسات القرآنية، فقد استطاعت الباحثة الألمانية أن تقدّم أفكارًا جديدة على ساحة الاستشراق الغربي حول دراسة النصّ القرآني باعتباره نصًّا أدبيًّا له ميزاته الخاصّة، وحدّدت السورة القرآنية لتكون وحدة هذا النصّ، بالإضافة إلى مُجادلتها المستمرة للتعامل مع القرآن باعتباره نصًّا مقدّسًا وإيجاد العلاقة بينه وبين الكتاب المقدّس، ويُعَدّ هذا الكتاب نموذجًا لهذه الأفكار. وبيان الفكرة بمزيد من التوضيح فيما سيأتي.

ثانيًا: تناول أنجيليكا نويفرت لعلاقة القرآن بالكتاب المقدّس:

تُعَدّ نويفرت -أستاذ الدراسات الساميّة والعربية في جامعة برلين الحرّة- واحدة من الباحثين التزامنيين، الذين ساروا على خُطى نولدكه في التعاطي مع سور القرآن وتقسيمها إلى مراحل أربع (3 مكية، ومرحلة مدنية)، رغم ذلك فهي لم توافق نولدكه في كلّ أفكاره، وقدّمت نقدًا قويًّا له وطوّرت على مشروعه الكثير، وبعد صدور كتابها الثاني والمعروف باسم: (القرآن كنصّ من العصور القديمة المتأخرة؛ مقاربة أوروبية)، حاولت طرح فكرة أنّ النص القرآني ليس مستقلًّا عن التراث الكتابي للتوراة والأناجيل وإنما هو امتداد لهم، مُحاوِلة الوصول لأصل نشأة القرآن ودراسة بداية ظهوره ومقارنتها بالتراث الموجود في تلك الفترة، مع مراعاة اللغة الأصلية للقرآن نفسه وسماع صوته الداخلي، وهي بذلك تطرح مقاربة للدارس الغربي الباحث عن تفسيرات للكتاب المقدّس بأنّ القرآن هو أصلٌ لاهوتي يمكن الرجوع إليه للاستفادة من تطوّر الرؤية النقدية بداخله.

إنَّ نويفرت تقرّر أنّ القرآن بدأ من نقطة تماسّ مع التراث السابق عليه من الكتاب المقدّس، وقد تطوّر بعد ذلك ليكون نصًّا مستقلًّا يخاطب أمّة حيّة تؤمن به وتتشكّل مع مرور الزمن مكونة هويتها الخاصة.

القسم الأول: كتاب (كيف سحر القرآن العالم)؛ عرض وبيان:

هدف الكتاب:

يهدف الكتاب إلى إيجاد علاقة بين القرآن ككتاب مقدّس ووضعه بشكل عملي في وسط قصة نشأة التاريخ المسيحي، وقراءته من خلال القضايا الدائرة في فترة العصور الكلاسيكية المتأخرة (القرن السادس الميلادي)، ودراسة المفاهيم التي تأثّرت وتغيرت بفعل بلاغ/ نزول القرآن؛ وقد أطلقت على هذا التغيير المفاهيمي مصطلح «السحر»[4].

محتويات الكتاب:

اشتمل الكتاب على عدّة مقدّمات، وتسعة فصول؛ أمّا المقدمات فجاءت كالآتي:

مقدمة المترجِم:

أشار فيها أ/ صبحي شعيب أنَّ هذا هو الكتاب الأول الذي سمحت الباحثة بترجمته للّغة العربية، وعبّر عن امتنانه لترجمة هذا الكتاب، وأكّد على حرصه الشديد على ترجمة النصّ الألماني كما هو بدون أن يُضيف أو يحذف أيّ كلمة من شأنها إيهام القارئ بمعنى لم تقصده كلمات المؤلِّفة. وقد وجد المترجِم بعض الأخطاء في الإحالات لبعض الآيات من القرآن فتركها كما هي ووضع التصحيح بين قوسين بدقة وأمانة عالية.

مقدمة مُراجِع الترجمة:

قام أ/ مازن عكاشة بالمراجعة العلمية للترجمة، وبدأ مقدّمته باستعراض تاريخ الباحثة الدراسي والمهني، وتوقف بالشرح لمشروعها الأكبر (كوربس كورانيكم) الذي يعمل على أرشفة وحصر المصادر المختلفة للقرآن، كما شرح السياق التاريخي لمباحث الكتاب الذي يركّز على دراسة مكان وزمان الفترة الزمنية لنزول القرآن، والتي تبدأ في القرن السادس الميلادي في الجزيرة العربية وما حولها، ووضح أنّ نويفرت تبني فكرتها على أنّ القرآن يجادل في أفكار ومعتقدات الديانات السابقة عليه؛ وخاصة المسيحية التي لم تكن استقرّت على تصوّر واحد حول علاقة الإله بالمسيح وطبيعته، ويحاول القرآن أن يحسم الأمر بوضع تصوّرات ثابتة مستقرة لا تقبل التأويل عن طبيعة المسيح البشرية، وفصله عن توحيد الله.

بَيَّن أيضًا القصد من مصطلح تكرّر كثيرًا في الكتاب وهو (العصور الكلاسيكية المتأخرة)؛ بأنه الفترة من القرن الثالث إلى القرن الثامن الميلادي حتى لا يلتبس على القارئ. ودعا الباحثين المسلمين للمشاركة في معترك البحث العلمي، والدخول مع الكتاب في حالة اشتباك فكري تقوم على منهجية نقدية سليمة تجابه العمل العلمي الذي تطرحه الباحثة في أعمالها، لا سيما في هذا الكتاب.

مقدّمة المُراجِع النقدي:

قام أ/ طارق حجي بالتقديم العلمي للكتاب والتعليق عليه، وفي مقدّمته قدّم لمحة مهمّة عن تاريخ دراسة القرآن في العالم الغربي، بدايةً من إبراهام جايجر ومنهجية التاريخ الفيلولوجي النقدي الذي يبحث في تاريخ النصّ، مرورًا بنولدكه واستقاء بعض الأفكار منه مثل التقسيم المكي لسور القرآن، وانتهاءً بالباحثين المعاصرين لها، والتي استفادَت من بعضهم وردَّت على بعضهم الآخر ونقدت منهجياتهم بجرأة، وهذا العرض غرضه إبراز أهمية دراسة نويفرت بما تمثّله من أفكار ومنهجيات لها وزنها داخل الحقل الغربي، وأيضًا لإعطاء القارئ تمهيدًا مختصرًا يتعرّف من خلاله على أفكار الباحثة والمنهجيات التي تعتمد عليها في اشتغالها على القرآن. كما أسهم الأستاذ طارق بالتعليق في هوامش كامل الكتاب بالتعريف والإيضاح لبعض البحوث والباحثين المذكورين من قِبَل المؤلِّفة، وبالتعليقات النقدية الجديرة بالنظر والاهتمام.

مقدّمة المؤلِّفة:

استفتحت نويفرت المقدّمة بتوضيح أنّ الكتاب هو عبارة عن سلسلة محاضرات ألقتها بكلية دراسات العقيدة في مدينة ريجنسبورج الألمانية تحت عنوان: (القرآن بين أظهُرِنا، سحر القرآن للعالَم)، وكان موضوعها عن العلاقة بين وجود الله وعقل الإنسان، وقد سحر القرآن المؤمنين به حيث أعطاهم حقيقة متجاوزة العقل البشري عن طريق الوحي الذي يتمثّل في (القرآن)، وتعتبر المؤلِّفة أنّ المفاهيم التي طرحها القرآن مأخوذة من الوسط الوثني العربي، والتغيرات الجديدة التي طرأت على تلك المفاهيم تُعَدّ نتاج الجدل للفترة المصاحبة لبلاغه طيلة 23 سنة. وتُحاول من خلال فصول الكتاب دراسة هذه التحوّلات المفاهيمية من خلال دراسة تاريخية لنزول سور القرآن وتتبّع خصائص السّور في كلّ مرحلة.

كما أشارت لمفهوم سحر آخر وهو سحر البيان الذي يتمثّل في بلاغة التراكيب والألفاظ التي أتى بها القرآن، والتي إنْ تشابهت مع الشِّعر العربي إلّا أنَّ تأثير وقع الكلمات على نفوس مستمعيها أصبح إعجازًا كما وضّح الجاحظ في كتابه: (رسائل الإعجاز).

وقد اعتبر رافضو القرآن في عصر النبوّة أنه سحر أيضًا لكن بمعنى سلبي، واعتبروه تلاعبًا بالحقيقة ومهددًا لمصالحهم ومكانتهم الاجتماعية، وكان بداية مفهوم السحر باستحضار العالم الأخروي ومصير الإنسان بعد الموت إلى العالم الدنيوي بل وتغلّبه عليه باعتباره الأصل، والحياة الدنيا جزء من هذا الأصل.

تريد الباحثة أن تتتبع ظاهرة سحر القرآن للعالم من خلال لغة البيان وعبر مفاهيم العالم الأخروي في بداية نزوله وخلال سنوات بلاغِه إلى فكّ هذا السحر في الفترة المدنية، والعودة بالعالم العلوي المتجاوز للعقل إلى العالم الدنيوي مرة أخرى.

وفى ختام المقدّمة ذكرت كلَّ مَن ساعدها على صدور الكتاب بالشكر والامتنان، كما وَجّهت شكرًا خاصًّا لمدينة القدس التي كتبت فيها هذا الكتاب واصفةً لها بالمدينة التي بدأ فيها البحث عن معنى التاريخ.

وأما فصول الكتاب فجاءت كالآتي:

أولًا: الفصل الأول والثاني (القرآن بلاغ):

كشف حيوية القرآن باعتباره نصًّا يمثّل جدلًا فكريًّا متبادلًا نتيجة الأفكار المحيطة بهذه الفترة بين أفكار الكتاب المقدّس من ناحية، وأفكار الوثنية المادية في الجزيرة، ومحاولة القرآن استخدام لغة بيانية شِعرية لقلب التصوّرات الخاطئة لدى القبيلة وتحويلها لتصوّرات تدعم الفرد ومجتمعه.

الفصل الأول:

دافعت الكاتبةُ عن فكرة أنّ النصّ القرآني ليس مستقلًّا عن تراث الكتاب المقدّس التفسيري وإنما هو امتداد له، وتبحث إمكانية الوصول لأصل نشأة القرآن ودراسة بداية ظهوره ومقارنتها بالتراث الموجود في تلك الفترة، كما دافعت عن أصل نشأة وتدوين القرآن من خلال مشروعها الكبير (كوربس كورانيكم) الذي رصد من خلاله دلائل مادية من نقوش أحجار ومخطوطات قديمة تثبت صحة الرواية الإسلامية عن جمع وتدوين المصحف، مما يعني أنه ليس نقلًا عن كتاب سابق له ولا هو من تأليف بعض الجماعات المسيحية العرب في عصور تالية لعصر المبلِّغ -النبي محمد- بحدّ تعبيرها، وفي ذات الوقت ترفض القول بالتصوّر الإسلامي بأنّ بداية القرآن تمّت بإرادة الله؛ لذا ترتكز على بحث صوت القرآن الداخلي وتَتَتَبّع سور القرآن ومحاولة ترتيب السور حسب أسلوبها وموضوعاتها الداخلية.

لذلك أول سورة ذُكرت في الكتاب هي سورة العلق والتي تدّعي المؤلِّفة أنها ليست أول سور القرآن كما جاء في التراث الإسلامي؛ بسبب أن باقي آيات السورة تتحدّث عن صلاة جماعية للمسلمين، والتي من المفترض أنها لم تتكون بعد، وبناء عليه تستبعد الرواية التي جاءت في سيرة ابن هشام أنّ أول 5 آيات من سورة العلق هي أول سور القرآن.

الفصل الثاني:

تقول المؤلِّفة أنّ الأسطورة ووجود تصوّرات عن الجنّ والملائكة كان مصاحبًا للتصوّر المعرفي الذي ظهر فيه الإسلام، وأنّ العرب قد تأثَّروا بالأدب اليوناني القديم كملحمة الأوديسة وكذلك بقصص العهد القديم مثل قصة قبيلة تغلب، ولكن لشيوع النقل الشفاهي للقصيدة العربية أصبحت شذرات القصص وخلاصتها هي التي تتناقل بين القبائل، مما يجعل القصيدة العربية بنتًا روحية للعصر الكلاسيكي.

تصف نويفرت القصيدة بكونها الفنّ الأدبي الذي انتشر وأصبح سلاحًا يمتلكه الشاعر لينتصر به على أعدائه في أيّ صراع تخوضه القبيلة، مما جعل من قوّة الكلمة القدرة على مواجهة العدوّ الغائر عليها، ويعطي للشاعر مكانة مميزة في مجتمعه.

ثم تنتقل لتحلّل موضوعات القصيدة العربية، والتي تتمثّل في:

1- النسيب: وهو الشكوى من الفناء بعد الموت.

2- التأمّل: أثناء السفر والترحال.

3- الفخر: ببراعة الشاعر اللغوية وقدرة قبيلته الهائلة على الانتصار بالصراعات.

وبذلك تكون القصيدة تعبّر عن سؤال المعنى والحيرة بالسؤال عن الفناء وعن الأسلاف السابقين الذين سكنوا الأطلال من قبل، والقرآن يقوم بمحاولة الإجابة عن تساؤلات الشاعر العربي.

تقول أيضًا أنّ القرآن يقوم بمحاججة الشِّعْر بشكلِ نظم أدبي يشبه القصيدة، بغرض الإعلام وانتقاد الأفكار التي تدمّر الذات؛ كالعشق المؤدّي للموت وفضيلة المروءة التي تحثّ على التضحية بالنفس للخلود في ذاكرة القبيلة ليقوم القرآن بقلب الصورة لصالح الفرد نفسه على حساب القبيلة.

وتفترض افتراضًا جريئًا بأنّ السور المكية الأُولى اعتمدت على طريقة السَّجْع العاطفي التي تشبه أسلوب الكهانة للتأثير على العرب، مستعينة بمثال سورة العاديات التي تشبه بداية القسم فيها أسلوب الكاهن سطيح الذي فسّر رؤيا ملك اليمن ربيع بن نصر كما ذكرت سيرة ابن هشام[5].

ثانيًا: الفصل الثالث والرابع (إعادة ضبط الزمان والمكان):

تعتقد الباحثةُ أنّ القرآن قام بترميز الواقع المادي في قالب التصوّر الروحي؛ حيث قام بتعديل الاعتقاد الوثني عن الفهم الدائري للعالم ليصبح اعتقادًا أخرويًّا له بداية للخَلق ونهاية للعالم، أي يسير في خطّ مستقيم، ويظهر التاريخ أنه فعل إلهي دائم الأثر. كذلك يكون المكان مؤقتًا ليس ثابتًا يمكن أن يُباد في أيّ وقت عندما تأتي نهاية الزمان، كما يوجد في العهد الجديد.

الفصل الثالث:  

تعتبر القرآن يؤسّس لقيام الزمان على بدايتين ونهايتين؛ بداية العلم الأوّليّ وبداية الخلق. وتقصد بالعِلْم الأوَليّ العلم الإلهي المتمثّل في «الكلمة القرآنية» التي سبقت خلق الإنسان، وضربت مثالًا بسورة الرحمن حيث سبَقَت آيةُ: ﴿عَلَّمَ القُرآنَ﴾ آيةَ: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ﴾، وقارنت بين هذه الفكرة وفكرة اللوجوس المسيحي، مثل ما جاء في الإنجيل: في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. تعبّر نويفرت عن التعبير (لوجوس logosللتعبير عن هذه الصفة بمعنى القوّة التي تتوسّط بين الله والبشر، أو بمعنى كلمة الله المتجسّدة في المسيحية، وتقول إنّ هذه الميزة يقرّ بها النصّ عندما يتحدّث الصوت الإلهي بصيغة (أنا) أو (نحن) داخل القرآن، وإنه لا يمكن إغفال هذه الميزة عند دراسة القرآن.

أمَّا النهايتان فهما نهاية تفكّك الخلق ونهاية استعادة وديعة العلم يوم الحساب، وتقصد بتفكك الخلق كارثة آخر الزمان، واستعادة وديعة العلم بقيام محكمة الحساب يوم القيامة، وبهذا تكون بداية الحياة من فعل الرب ونهايتها بيده.

تقوم سورة التين بتوصيل ذلك بلغة شِعرية رمزية، وكذلك سورة التكوير والانفطار تدلّلان على مخاطبة الإنسان بكونه جزءًا من عالَمين وليس عالـمًا واحدًا فقط؛ فهو يعيش حياة دنيا ثم يحاسَب في حياة أخرى تعتمد على أفعاله في الحياة الأولى.

وتحاول نويفرت الربط بين أسلوب سور العهد المكي وأسلوب الخطاب اليهودي والمسيحي لفترة الوحي.

الفصل الرابع:

يمثّل إعادة شغل المكان في السورة المكية أهمية كبيرة بدأت بسورة التين المنتمية للفترة المكية الأولى بذكر سيناء (المكان المقدس) ثم مكة التي اكتسبت مكانة مقدّسة بتجلي الإله فيها عن طريق رسالة النبي: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾.

أيضًا قامت سورة الشعراء بذِكْر بعض الأنبياء، وقصص للأمم السابقة، مما يعيد التاريخ المكاني والزماني للمنطقة العربية؛ والتي قدّمت إجابات عن تساؤلات الشاعر في حديثه عن الأطلال وسؤال أين ذهبوا مَن كانوا قبلنا؟

وتعتبر المؤلِّفةُ الخلافَ بين التراث اليهودي وقصص القرآن في أن العقاب جاء نتيجة عصيان وتَجَبّر الأمم للربّ وليس انتصارًا لشعب مختار كما تقدِّم اليهودية. كذلك تركيز القصص القرآنية على النبيّ في القصة، وخذلان قومه لِما جاء به من تعاليم، وأنّ الإيمان واتّباع النبي هو أصل الحياة الدنيا وليس العمران المادي والحضاري.

ثم عمد القرآن برسم صورة لمكان الحساب في اليوم الآخر وصورة لمكان خلود الإنسان من الجنة والنار، وعقدت نويفرت مقارنة بين الصورة التي جاءت في سورة النبأ المكّية وسفر المزامير وبيّنَت أوجه التشابه والاختلاف بينهما.

ثالثًا: الفصل الخامس والسادس (الرب العادل الرحيم):

تُحاول نويفرت تتبّع مفهومي العدل والرحمة في القرآن وتقفّي أثرهما في سور المراحل المختلفة مكية ومدنية، وتصوّر صفات الرب بما يقرّه القرآن مقابل التصوّر الوثني من ناحية والتصور اليهودي/ المسيحي من ناحية أخرى.

الفصل الخامس:

ترصد المؤلِّفة كلمة العدل في القرآن، وتجد أنّ الكلمة بالمعنى المسيحي والتوراتي (sedeqلم تتواجد طيلة الفترة المكية، بيد أن كلمات أخرى عكست هذا المفهوم الأساسي لدى الإله؛ مثل كلمات الصدق، الحقّ، والقسط الذي يتمايز عن عدالة التراث اليهودي بأنه مفهوم مطلق وغير محدّد بشريعة التوراة.

ومع الفترة المدنية يظهر مفهوم العدل بمعنى يهيمن على بقية المعاني للكلمة وهو معنى العدل الإلهي يوم الحساب؛ حيث يكون الربّ قاضيًا في جلسة المحاكمة السماوية للبشر، وتعتبر هذه الصورة إرثًا مسيحيًّا في العصر الكلاسيكي المتأخّر.

وفيما يخصّ التغيّرات على تصوّرات العرب، فترى أن القرآن يضع تعاملًا عادلًا مع الملكية بدلًا للكرم المبالغ فيه من قِبَل العرب بهدف إعلاء المكانة الاجتماعية، ومثال ذلك سورة البلد التي تمثّل مرافعة عن مبدأ العدالة ومراعاة للضعفاء والمهمشين في المجتمع العربي.

الفصل السادس:

تثبت الباحثةُ اقتران مفهوم الرحمة بالعدل كما يتوافق مع التصور اليهودي من أن الرحمة تتجلّى في عدالة الحكم على المذنبين وعقابهم كما عاقب الربّ قوم لوط.

أمَّا عن المفهوم ذاته في القرآن فترى تدرج ظهور صور الرحمة من اللغة التهديدية في بدايات المرحلة المكية إلى موازنة الصورة بين التهديد والترغيب، وصولًا إلى سورة الرحمن في آخر المرحلة المكية، والتي تُبرز صورة رحيمة لتحتل مركزية مهمة لدى الإله بقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.

هناك محاولة تبنّتها نويفرت للربط بين مفهوم الرحمة والهيكل من خلال قصة زكريا ومريم التي ترث منه الهيكل، وسوف نتوقّف لمناقشة هذه المحاولة في القسم الثاني الخاص بالمناقشة النقدية للكتاب بمزيد من التفصيل.

في نهاية الفصل تعرّضت بالعرض لسورتي الإسراء والفاتحة للكشف عن علاقة مفهوم الرحمة في الفترة المكية لسور القرآن؛ حيث ظهرت الرحمة في سورة الإسراء من خلال الصلاة التي تكوِّن علاقة حميمية بين الربّ والمؤمن مباشرةً دون وساطة للنبيّ، سورة الفاتحة أيضًا صورة محورية في الفترة الوسيطة والتي تُمثّل حجر الأساس في الصلاة التعبدية للجماعة المسلمة والتي تتصدّرها آيات الرحمة في بدايتها: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.

رابعًا: الفصول الثلاثة الأخيرة (إعادة فكّ السِّحْر):

بالانتقال إلى المدينة كانت الرسالة في حاجة للتعامل مع الواقع الحياتي للصمود والجدال مع اليهود أصحاب الكتب السماوية المقدّسة والتي تمتلك قراءة تفسيرية أخرى للعالم العلوي، مما يستدعي إعادة تفسير لبعض المرتكزات التي تؤمن بها الجماعة اليهودية، فنجد ترابطًا تطوريًّا بين (القدس/ مكة)، (وصايا موسى/ تصحيحات محمد)، (إبراهيم التوراتي/ إبراهيم الحنيف)، وهو ما تقصده نويفرت بالبحث والنظر في تغيّر القرآن المدني وإعادة تفسيره لما تم تصويره في القرآن المكي.

الفصل السابع:

تعتقد المؤلِّفة أن الظهور الأول لوصايا موسى العشر في القرآن جاءت في سورة الإسراء التي ذكرت محمدًا وموسى، مما يُوحي بالتشابه بين القصتين من حيث أنّ موسى هو مخلِّص بني إسرائيل وصاحب خروجهم من مصر، وبين النبي الجديد باعتباره مخلِّصًا للأمة المؤمنة، وقد ذكرت الآيات 22: 39 من السورة الوصايا العشر حتى وإن لم تتطابق كليًّا، إلا أنّ تشابهًا واضحًا تعكسه الآيات بين ثناياها، حيث تبدأ بالقضاء من الإله بصيغة الأمر لجماعة من الناس.

الجديد في وصايا القرآن:

عقدت نويفرت مقارنة بين الوصايا التي ذكرتها سورة الإسراء وبين الوصايا في سفر الخروج واللاويين من الكتاب المقدّس، وقد اختلف القرآن في أربع وصايا؛ وهي: مراعاة الأقارب والمحتاجين، وتحريم قتل الأطفال، ومراعاة اليتامى، والأمر بالتواضع. ويعدّ التغيّر الذي أتى به القرآن فكرًا ثوريًّا في تصوّرات العرب عن الفخر والاعتزاز بالقبيلة ومعاملة الضعفاء.

اقتران العاطفة بالوصايا ليصبح الأمر بالعطف والرحمة تجاه الوالدين وتجاه اليتامى والمحتاجين، وإبدال الشّعور بالانتماء للقبيلة بالشّعور بالانتماء لما يتجاوز القبيلة من الناس.

تحريم التبذير والترغيب في الزهد من الأوامر التي تعالج مفهومًا خاطئًا لدى الوثني العربي الذي يفخر بالتبذير والكرم المفرط حدّ الافتقار والشقاء.

تكرار ظهور الوصايا في العهد المدني:

تقول الباحثة إنّ مجادلة المسيحيين واليهود في المدينة لمسائل الحلال والحرام قد دفع القرآن لمواجهتهم بإبراز جوهر الدين وليس القضايا الهامشية التي يطرحونها، وهذا ما جاء في آيات (151: 153) من سورة الأنعام:

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

ثم ظهر مرة أخرى في سورة البقرة (83: 85) في صورة ذكر عدم الوفاء بالعهد من بني إسرائيل للوصايا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، ويشير ذلك الأسلوب إلى خطاب هجومي لليهود في المدينة الذين يقيِّمونهم بحسب الكتاب نفسه الذي لم يلتزموا بتعاليمه، وهو انتقال يجعل الوصايا في القرآن قابلة للاستخدام مرة أخرى لتوظيف حالي للمرحلة.

الفصل الثامن:

ما زالتْ في سورة الإسراء ولكن تتناول في هذا الفصل رحلة الإسراء وعلاقتها بتطوير القداسة المكانية لمكة بربطها بمدينة القدس المقدّسة، كذلك تعظيم دور النبي من خلال محاكاة رحلة إسراء النبيّ والتقائه بالأنبياء ثم لقائه بالربّ، لرحلة خروج موسى ورحلة اتصاله بالربّ، وكذلك محاكاة لرؤية المسيح للنبي إلياس ثم بعثه بروح القدس.

جعلت هذه الرحلة ركن الصلاة مركزية رئيسة لها، وكذلك سورة طه الآية 14: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ التي تأمر موسى بالصلاة، وعلى الأمة المسلمة اتّباع هذا الأمر واستكماله كما فعله موسى، وأكّدت على علاقة تربط بين محمد الحاضر الذي يستعيد دور موسى الغائب في أذهان المستمعين.

جعلتْ هذه الرحلة أيضًا من المكان الأقصى مكانًا مقدّسًا يمثّل قِبلتهم الأُولى في الصلاة كربط بوطن آخر مُتخيل، بعد شعورهم بالاضطهاد في وطنهم الأصلي، ثم بعد ذلك تم تغيير القِبلة إلى مكّة مرة أخرى وسحب البساط من القدسية التاريخية للقدس وتحويلها لمكة بشكل نهائي.

كما ذكرت في هذا الفصل مناقشة تاريخية لبناء قبة الصخرة وترجيحها لأنْ تكون قد بُنيت في عهد عبد الملك بن مروان.

أمَّا عن الخلاف بين كون الرحلة كانت بالجسد والروح أم الروح فقط؟ فتقول: إنّ الإسراء تم بالروح من المسجد الحرام إلى القدس حسب التفسيرات الإسلامية التي تردُّ على المشكّكين في الرحلة، وبحسب أوري روبين أنّ ظهور البيت المقدس في الرحلة قد يرجع إلى أبعاد سياسية متمثّلة في التطلّع إلى عودة القدس مرّة أخرى إلى البيزنطيين بعد أن سقطت في أيدي الفرس من 614 إلى 617م.

الفصل التاسع:

تعتبر قصة إبراهيم في القرآن هي البلورة الأخيرة لفكرة نويفرت عن سِحْر القرآن للعالم ثم إعادة فكّ السِّحْر بعد ذلك؛ ولتلخيص الفكرة فإنّ إبراهيم يظهر في بداية المرحلة المكية كنبي ضِمن أنبياء آخرين، والذي يتم تبشيره بولد رغم كبر سِنّه وهذا الولد هو بداية البشارة الكبيرة بحسب الكتاب المقدّس، إلا أنّ القرآن لا يذكر تاريخ البشارة مما يجعل من إبراهيم شخصية روحية خارج التاريخ في ذاكرة المتلقّين للقرآن.

ثم يتم الرجوع بالقصة إلى الخلف حيث شباب إبراهيم الذي عَرف فيه الربّ من خلال التأمّل والتفكير المنطقي ورفَض العبادة الوثنية، بل وحطّم الأصنام ودخَل في سجال قويّ مع أبيه وقومه، وهكذا تم تصوير إبراهيم كرجلٍ صاحب حُجّة ورافضٍ لدين الآباء ولديه القدرة على أخذ الموقف المناسب للمواجهة؛ مما يجعله مثالًا يجب أن يُحتذى به من قِبَل متلقي الوحي، وقد تكرّرت القصة 6 مرات بعبارات مختلفة، وفي مرّة واحدة وحيدة منهم في سورة الصافات يتم ذكر قصة التضحية بالذبيح بشكل مقتضب، مما يؤكّد على تصوّر إبراهيم كنبي ينتمي لعالم الروح وليس جزءًا من تاريخ معروف.

في المرحلة المكية الأخيرة يدخل إبراهيم إلى عالم الواقع لأوّل مرة بذكره في سورة الذاريات كشخص ذي قرابة رمزية بمريم المستقبلة للبشارة المسيحية (كما استقبل بشارة هو الآخر)، ثم في سورة إبراهيم حيث أسكنَ ولدَه إسماعيل مكة ليصبح أبًا للعرب؛ وبذلك يكون إبراهيم مرشد الأمّة المؤمنة التي تتكوّن، ويصبح للأمّة بُعد تاريخي لوجودها في مكة.

وفي الفترة المدنية كان إبراهيم يلعب الدور المحوري في التحوّل لقِبْلة المسلمين الجديدة في مكة وسحبِ البساط من القدس كمدينة وحيدة للقداسة والخلاص، فكما كان تأسّس الهيكل رمزًا فريدًا للوفاء بالوعد من الأب الأول لليهود إبراهيم وابنه إسحاق، أصبح العودة إلى مكة كقِبلة مقدّسة أمرًا يستلزم مبررًا تاريخيًّا بدأه إبراهيم بالدعاء لهذا الوادي غير الخصيب ثم بناء الكعبة ورفع قواعدها بيده هو وابنه إسماعيل.

وبهذا يصبح الحج والصلاة في الكعبة كما جاء في سورة الحج تلبيةً لدعوة إبراهيم بعد أن أذّن في الناس ليقيموا فيها الشعائر الدينية، وهكذا عاد إبراهيم ليحتلّ مكانة رئيسة في تأسيس الأمّة الجديدة التي طالبت -بدورها- بمكانها الخاصّ بين الموحّدين الذين يستندون في مرجعيتهم إلى إبراهيم، واستحقاقها لهذه المكانة مستند على الإيمان، مخالفًا لما تدافع عنه الجماعة اليهودية بالنسب لإبراهيم.

هكذا قدّمت المؤلِّفة فِكْرتها عن سِحر شخصية إبراهيم في وجدان المتلقين الأوائل للقرآن باعتباره شخصية روحية لا تنتمي لتاريخ محدّد، ثم انتقاله إلى قدوة يجتذب بها وأب مؤسّس تعتمد عليه الأمّة الجديدة في شعائرها وعبادتها.

أخيرًا صعود مكانة النبيّ إلى رسول صاحب رسالة مميزة عن باقي الأنبياء، وربط هذا الرسول على قرابة من إبراهيم، وطالَب اليهود والمسيحيين باتّباعه بصفته الممثّل الأقرب لملّة إبراهيم، ومن هنا كانت صلاة المسلمين اليومية تذكُرُ مباركة إبراهيم ومحمد، مما يعني تاريخًا لهذا الدين بدايته إبراهيم ونهايته محمد.

عبّرت المؤلِّفة عن طلبها في ختام كلامها بقبول الإسلام كدين ينتمي للديانات الإبراهيمية، وقبول صاحب الرسالة كنبي وجزء من منهج إبراهيم.

وقد ذُيّل الكتاب بفهرس بالصور الواردة فيه، وحوى الفهرس (15) صورة لمصادر مختلفة من نقوش ومخطوطات وخرائط جغرافية.

القسم الثاني: نقد وتقويم الكتاب:

أهم مزايا الكتاب:

ينطوي البحث على بعض الميزات، أهمها ما يأتي:

أولًا: اعتماد الباحثة على قراءة النصّ من داخله:

أشارت نويفرت في هذا الكتاب وفي معظم اشتغالها على القرآن إلى ضرورة إعادة النظر في الدراسات القرآنية، والتعامل مع القرآن من حيث هو نصّ له بُعد تاريخي وطبوغرافيا محدد، وله مُحاوِرون يتفاعل معهم وكلّما يزداد عددهم ودرجة إيمانهم كلّما تتغيّر لغة هذا النصّ؛ فهي تدرك أن للنصّ وعيًا بذاته، وتعتمد في دراستها على قراءة النصّ الداخلي كمصدر أصيل لنصوصه الأخرى، وتقوم بذلك من خلال دراسة الترتيب التاريخي لسور القرآن وتتبع التطوّر والتفسير للموضوعات في المراحل المختلفة للنزول.

 وتنبّه بعدم الميل للبحث التاريخي/ الكرونولوجي الذي يجتزئ النصوص والتركيز على طرق نقل المصحف، بينما يغفل عن دراسة النصّ نفسه من الداخل، كما أوصت بأهمية دراسة النصوص أدبيًّا وفيلولوجيًّا وتطبيق ذلك في المناهج الحديثة لدراسة القرآن.

وحتى البحوث الغربية المعنية بدراسة الإنجيل فقد لفتت النظر إلى أهمية دراسة نقد الكتاب المقدّس في داخل السرد القرآني، وأن هذا سيفيد كثيرًا الدراسات الإنجيلية النقدية.

ثانيًا: الجمع بين المنهج الأدبي والمنهج الفيلولوجي التاريخي النقدي:

قدّمت نويفرت دراسة لسور القرآن بمنهجية تاريخية تنظر من خلالها إلى الفترة الزمنية التي نزلت فيها السورة، لكنها في ذات الوقت تطبق المنهج التحليلي الأدبي للنصوص وتبنّيها نظرية الوحدة القرآنية للسورة القرآنية؛ مما يعطي بُعدًا آخر للدرس الذي تقدّمه الباحثة ويساعدها في الحصول على نتائج أفضل، يمكننا ألّا نجد وفرة في استخدامها التحليل الأدبي في هذا الكتاب لبعض السور المذكورة فيه، إلا أنه يمكن عزو ذلك إلى تطبيقها للتحليل الأدبي في دراسات سابقة.

ثالثًا: خطوة نحو مستقبل الدراسات القرآنية:

يُمثل هذا الكتاب بمنهجيتهِ العلمية الرصينة حجر أساس نحو مستقبل متَّزِن لحقل الدراسات الغربية، وربما تكون تلك الدراسة جسرًا يجمع رؤى مختلفة ويخفّف من وطأة الخلاف ويضبط جزءًا من الفوضى الحادثة في هذا الحقل؛ فمن جانب يمكن أن يقود الباحثين المسلمين لدراسات أكثر عمقًا وعلميةً يتقبّلها العالم الإسلامي، ومن جانب آخر يُلزِم الاتجاه التنقيحي للالتزام بالأدلة والمناهج الحديثة للتعامل مع القرآن.

أهم إشكالات البحث:

ينطوي البحث على بعض الإشكالات، وأهمها ما يأتي:

1- استخدام النظرية التيبولوجية للتعامل مع القرآن:

من المعروف لدى الدرس الاستشراقي دراسة القرآن في ضوء الكتاب المقدّس، ومن أثر ذلك تفسير المصطلحات القرآنية ومعانيه من خلال تفسير المعاني الموجودة في الكتاب المقدّس؛ بمعنى آخر يعتبر الكتاب المقدّس هو النصّ الأصلي الذي يستمدّ منه القرآن المرجعية المعرفية، وبالرغم من محاولات نويفرت لمعارضة هذه الفكرة ورفضها لدراسة القرآن كنصّ مستقلّ إلا أن الفكرة ذاتها ما زالت مستقرة في ذهنها ومؤثّرة عليها مما يدفعها لاستنتاجات مسبقة وسريعة دون تحرٍّ دقيق لاختبار الفرضيات الواسعة التي يتم إطلاقها بشواهد ضعيفة وواهية ولا ترقى لتكون دلائل، فهي تستخدم ما تطبّقه في دراسة الكتاب المقدّس بحذافيره لدراسة القرآن، ولا يمكن تطبيق التيبولوجي القائم على رؤية المسيح كأساس رمزي لكلّ التفسيرات السابقة في قصص العهد القديم على القرآن، حيث تختلف علاقة القرآن بالكتاب المقدس عن علاقة المسيح به وفق الرؤية المسيحية، وما فعلته المؤلِّفة من استخدامها للقراءة التيبولوجية الرمزية ومقارنة شخصيات الأنبياء كشخصيات غير مكتملة يأتي محمد ليكملها وإسقاط هذا التصور في قراءة النصّ القرآني إسقاط غير دقيق كما سنوضح في النقاط التالية[6].

2- الرابط العجيب (الربط بين الهيكل والرحمة):

محاولة الربط بين مفهوم الرحمة والهيكل من خلال قصة زكريا ومريم التي ترث منه الهيكل، وهو ربط غير مفهوم، فقد أشارت إلى مفهوم الرحمة في سورة مريم من خلال قصة زكريا ومريم، ودلّلت على وجود ذكر لكلمة الرحمة ومشتقاتها في ذِكْر القصّتين وهو تحليل منضبط نوافقها فيه، ثم انتقلت بربط لتعاقب القصّتين بأنّ استبدال الهيكل قد تم بالكنيسة: أي مريم هي مَن ورثت زكريا بالترميز المسيحي، وهذا تفسير غريب وإن كان له مرجعية تفسيرية في التراث المسيحي، غير أنه بالطبع إسقاط مثل هذا الترميز على القرآن لا يعبّر عن أيّ معنى ذكره القرآن ولا حتى على سبيل الإشارة[7].

3- تفسيرها للكبش العظيم في قصة إبراهيم (غرابة الدليل عن المدلول):

فسرت نويفرت الآية 102 من سورة الصافات: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، على أنّ السعي هنا المقصود به السعي في شعيرة الحج، أي أنَّ الأب والابن كانَا يقيمان شعائر الذبح، وبالتالي فسّرت الآية 127 من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، بأنها (الأُضحية) التي قد قامَا بإعداد المذبح لها (رفع القواعد)، وهذا تفسير لا يدلّ عليه سياق الآيات، فالقصتان مختلفتان، والسعي المقصود هنا أنّ إسماعيل كان لا يزال غلامًا قد استطاع السعي على قدميه بينما رفعُ قواعد الكعبة تم بعد ذلك.

وتقول إنّ وصف (الأضحية) بالكبش العظيم الذي افتدى به ابنه، يُظهر في الخلفية دلالة على إسقاط المسيح كـ(أضحية) رمزية تبولوجية، وهو ربط غير مفهوم إذا ما قُورن بنظرة القرآن عن المسيح التي تختلف تمامًا عن العقيدة المسيحية المرتبطة بالفداء والخلاص، وهو ما ترفضه النظرة الإسلامية بالكلية، وتعتبر المسيح عبدًا من عباد الله جاء بوحي ليبلِّغه للناس ولم يُطلَب منه فداء، ودليل ذلك أنّ القرآن رفض بشكلٍ قاطع قصة الصَّلب واستنكر حدوثها للمسيح. فكيف يتم هذا الرمز في هذا السياق؟!

4- رفض قصة سورة العَلَق كبداية نزول القرآن:

يبدو أنّ الباحثة لا تعتمد على توثيق الأسانيد والروايات في قبول أو رفض أيّ رواية، فقد رفضت رواية نزول جبريل على النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في غار حراء التي جاءت في سيرة ابن هشام، لكنها لو أمعنت النظر لوجدت روايات كثيرة تثبت القصة، ونذكر منها الإسناد الذي أخرجه البخاري ومسلم: أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم المُقْري، أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَرٍ، عن ابن شهاب الزُّهرِي، أخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: (أوّل ما بُدِئَ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم...) إلى آخر الرواية[8].

حتى إنها نقلت الرواية المنقولة عن ابن هشام نقلًا خاطئًا؛ حيث ذكرت أنّ جبريل أعطى للرسول ما يشبه اللافتة وطلب منه قراءة ما فيها، وهي إضافة غير موجودة في الرواية لكنها نقلتها عن مصدر مترجَم من كتاب حياة محمد لألفريد جيوم[9].

وعلّلَت رفضها للرواية أنّ السّورة منسجمة من ناحية القوافي مما يجعلها مركّبة من نفس العجينة، أي نزلَت كلّها مرّة واحدة، وحيث إنّ الآيات التالية تتحدّث عن اضطهاد للجماعة المؤمنة التي تشكَّلت بالفعل دليلٌ على أنّ السورة سبقتها سور أخرى.

وهذا أيضًا افتراض بغير دليلٍ كافٍ؛ لأنه ببساطة يُمكن أن تكون الآيات الأُولى نزلت في بداية الوحي، ثم بعد ذلك نزل باقي السورة بنفس القوافي والأسلوب، وهذا ليس بمستغرَب على القرآن، بل إنّ الباحثة نفسها تقوم بدراسة تحليلية للسور وتعرض مقاطع وآيات مدنية داخل السور المكية، وهو مشهور في علوم نزول القرآن بالآيات المكية في السور المدنية، والعكس.

5- افتراضات بدون أدلة واضحة:

أ- تفترض أنّ السور المكية الأُولى اعتمدت على طريقة السّجع العاطفي التي تشبه أسلوب الكهانة للتأثير على العرب مستعينة بمثال سورة العاديات المبدوء بالقَسَم، وقد وصفت الباحثة ذاتها هذا الافتراض بأنه افتراض جريء؛ حيث إنها لم تأتِ إلا برواية واحدة فقط عن طريقة السجع لدى الكهّان، وهل دائمًا ما يُستخدم القسَم في بداية حديثهم أم لا؟ وهذا بالقطع لا يُعَدّ دليلًا، ومن جهة أخرى لم تستطع الجزم أصلًا أنّ السور المكية في مراحلها الأُولى قد اعتمدت على القسَم في بدايتها حيث يوجد تنوع في أسلوب القرآن داخل المراحل المختلفة.

ب- افترضت أنّ التفسير اللاهوتي لعلماء المسلمين يعارِض دخول الجنة الفوري للرجل الصالح الذي جاء من أقصى المدينة لينصح قومه باتّباع الأنبياء المرسلين كما في سورة يس: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾، باعتبار أن هذا الرجل غير مسلم وأنه كتابي، وهذا افتراض غير صحيح ولم يعارِض أحد المفسرين هذا، بل لم يعترض أحد العلماء على دخول هذا الرجل المؤمن الجنة[10].

ج- افتراض أنّ المسلمين الذين أرادوا الردّ على المشكّكين في رواية الإسراء والمعراج -غالبًا تقصد بهم المعتزلة- قد قالوا إن الإسراء قد تم بالروح في المنام، هو افتراض غير صحيح؛ حيث إن الإسراء بالجسد والروح مستقرّ عند كلّ الفرق بما فيها المعتزلة[11].

-القاضي عبد الجبار المعتزلي قال في كتابه: (تثبيت دلائل النبوّة)، ما نصّه في بيان المعجزات الحسية: «إنه -صلى الله عليه وسلم- أُسري به في ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عاد من ليلته إلى مكة، ومدّة السفر في ذلك مقدار شهرين، أي ذهابًا وإيابًا، وهذا لا يفعله الله إلا للأنبياء»[12].

والخلاف بين العلماء كان في رحلة المعراج إلى السماء، وربما قد خلطت المؤلِّفة بين الإسراء والمعراج.

6- افتراض انطلاق القرآن أولًا من التراث الكتابي:

جادلت نويفرت في هذا الكتاب أنّ القرآن بدأ بأفكار التراث الكتابي في العصر المزامن له، وهذا يطابق إلى حدّ كبير مع ما كتبته في بحث سابق لها عن الفيلولوجية فتقول:

 «إنّ القرآن تعامَل مع المؤمنين بالكتاب المقدّس عن طريق ثلاث مراحل بدأت بالانطلاق منه: من حيث الشكل والمحاكاة في الجانب الليوتورجي التعبّدي للكتاب المقدّس (سفر المزامير) ليتغلغل في تفاصيل القصص التي تكلّمت عن أمّة بني إسرائيل والنبي موسى، ثم بدأ النصّ في التطوّر ومحاولة الهيمنة وإحلال بديل للنصّ بنصٍّ جديد يجب على اليهود الإيمان به، ورسولٍ جديد يجب الاتّباع له»[13].

وقد نتّفق مع الباحثة في جوانب من النظرية من حيث تغيّر أسلوب القرآن مع متغيرات الواقع في مكة والمدينة وفي حالات السِّلْم والحرب وفي أسئلة المؤمنين وغير المؤمنين للرسول الذي أجاب عنها القرآن، لكننا نختلف معها في تحليلها بأنّ القرآن انطلق في البداية من الكتاب المقدّس؛ وسبب ذلك أن النصّ يُعلِن منذ اللحظة الأُولى تصحيح الأخطاء التي وقع فيها الكتاب المقدّس.

وما تقوله عن عدم ذِكْر القرآن للاصطدام مع اليهود في بدايات العهد المكي فإنَّ هذا الادّعاء مردود عليه بكلام الباحثة نفسها! فقد ذكرت في مواضع أخرى أنّ عدم وجود اشتباك حقيقي مع عقائد اليهود في الفترة المكية وهذا التسلسل في التعامل مع اليهود إنما يعود لأسباب تاريخية وطبوغرافية تتعلّق بهجرة النبي -عليه الصلاة والسلام- من مكة إلى المدينة، ومع أوّل تعامل مع عقائد الأديان السابقة يقوم القرآن مباشرةً بالردّ على أيّ مخالفة توجد لديهم وبيان العقيدة السليمة دون مواربة؛ إِذْ لم يكن الأمر كما صوّرته بدأ بانطلاق من الكتاب المقدّس ثم تحوّل بعد ذلك، بل هو نصّ إلهيّ مستقلّ والتشابه بينه وبين الكتاب المقدّس يرجع لوحدة المصدر، وهذه التقسيمة الثلاثية لمراحل تعامل النصّ مع اليهود غير دقيقة ولا يمكن الاعتماد عليها. وما ذكرته عن النقل الشفاهي للنصوص الليوتورجية لمسيحيين سوريين يقطع بأنّ أهل مكة كانوا على اطّلاع به غير مثبت وغير كافٍ للتدليل به على معرفة المكيين لهذه النصوص.

خاتمة:

يعتبر كتاب (كيف سحر القرآن العالم) لنويفرت من الكتابات الغربية المهمة، وقد اعتنينا في هذه المقالة بعرض تقويمي لهذا الكتاب، فبعد أن أشرنا لإسهامات المؤلفة قدّمنا عرضًا لمحتويات الكتاب وبيان فصوله، ثم انتقلنا لتقويم الكتاب، وبينّا بعض المزايا التي اتسم بها؛ كعرضه لنظرية التحليل الأدبي لبعض السور القرآنية حسب مراحل نزولها، ومطالبته بدراسة النصّ القرآني باعتباره نصًّا مقدسًا، وأيضًا مطالبتها المستمرة بوضع القرآن على ساحة الدرس الاستشراقي موضع الدّين السماوي، وتعرّضنا بعد ذلك لنقد بعض التصوّرات التي تقرّها الباحثة، وكيف أنّبعض الاستنتاجات التي بُنِيَت عليها افتراضاتها إنما هو استنتاج يحتاج لمزيد من الأدلة لتدعيمه أو إلى إعادة النظر من جانبها؛ لذلك وجدنا أنه من المهم بحث هذا الكتاب وأفكاره من قِبَل الباحثين في العالم الإسلامي، ونؤكِّد في ختام البحث أنّ الدراسة العلائقية للقرآن الكريم مع الكتب المقدّسة السابقة عليه بها الكثير من الميزات التي يجب إضافتها للتفسير الحديث للقرآن.

ونسأل اللهَ أن نكون قد وُفِّقنا في عرض وتقويم هذا الكتاب، وأن يغفرَ لنا الزّلل الذي لا نُبرّئ أنفسنا من الوقوع فيه ولا بد.

 

 

[1] كيف سحر القرآن العالم، أنجيليكا نويفرت، ترجمة: صبحي شعيب، دار البحر الأحمر، 2022م. واسم الكتاب الأصلي:

(Die koranische Verzauberung der Welt und ihre Entzauberung in der Geschichte, 2017).

وترجمته الحرفية: (سِحرُ القرآن للعالَم وإبطال سِحرهِ في التاريخ). وقد راجع الترجمة الأستاذ: مازن عكاشة. وقدم للكتاب وعلق عليه الأستاذ: طارق حجي. وجاء الكتاب في (373) صفحة.
ونشير هنا إلى سلاسة الترجمة العربية التي قدّمها أ/ صبحي شعيب، للكتاب من نسخته الألمانية، فكما جاء في مقدّمته أنه تعامل مع الكتاب بحرص شديد في ترجمة المصطلحات ومحاولة ضبط المقابل العربي، والتعليقات اليسيرة التي وضعها بين قوسين حين ورود خطأ في حرف أو رقم الآيات كانت دليلًا وافيًا عن أمانة ودقّة ما تُرجِم.

[2] الدراسات القرآنية والفيلولوجي التاريخي النقدي، أنجيليكا نويفرت، ص2، وهو منشور على الرابط الآتي: tafsir.net/translation/41

[3] الاتجاه السانكروني (التزامني) في دراسة القرآن، مسؤولو قسم الترجمة في موقع تفسير، قسم الترجمات، وهي منشورة على موقع تفسير للدراسات القرآنية تحت الرابط الآتي: tafsir.net/translation/44

[4] كيف سحر القرآن العالم، أنجيليكا نويفرت، ترجمة: صبحي شعيب، ص48.

[5] كيف سحر القرآن العالم، أنجيليكا نويفرت، ترجمة: صبحي شعيب، ص119.

[6] كيف سحر القرآن العالم، أنجيليكا نويفرت، ترجمة: صبحي شعيب، تعليق المراجع النقدي، ص341.

[7] كيف سحر القرآن العالم، أنجيليكا نويفرت، ترجمة: صبحي شعيب، تعليق المراجع النقدي، ص223.

[8] أسباب نزول القرآن، الواحدي، دار الكتب العلميّة، 1991، ط1، (1/ 12).

[9] كيف سحر القرآن العالم، أنجيليكا نويفرت، ترجمة: صبحي شعيب، ص78.

[10] كيف سحر القرآن العالم، أنجيليكا نويفرت، ترجمة: صبحي شعيب، ص210.

[11] كيف سحر القرآن العالم، أنجيليكا نويفرت، ترجمة: صبحي شعيب، ص244.

[12] كتاب الانتصار في الردّ على المعتزلة القدرية الأشرار، فصل في إثبات الإسراء يقظة، ص651.

[13] الدراسات القرآنية والفيلولوجي التاريخي النقدي لأنجيليكا نويفرت؛ عرض وتقويم، محمود عماد، وهو منشور على الرابط الآتي: tafsir.net/paper/30

المؤلف

محمود عماد

باحث في التفسير وعلوم القرآن

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))