كتاب "القرآن"
للمستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير
عرض وتقويم

المؤلف : نبيل صابري
يُعَدّ بلاشير واحدًا من أبرز روّاد الاستشراق النقدي، ولرؤيته للمصادر الإسلامية -خصوصًا السيرة والحديث- أهمية كبيرة في الدرس الاستشراقي، وكتابه (القرآن) من أبرز الكتب حول تاريخ القرآن وبنيته، هذه المقالة عرض للكتاب وتقويم منهجي له.

مقدمة:

  اجتهد المستشرقون الفرنسيون في دراسة عادات وتقاليد وتراث المجتمعات العربية والإسلامية من خلال دراسات تفصيلية معمّقة، محاولين بذلك التعرّف على مكامن الضعف والقوة في هذه الجوانب، ولعلّ أبرز ما تمّت معالجته في مخابرهم الطابع الديني الذي يعتبر الركيزة الأولى في تركيبة الفرد المسلم.

ونجد من هؤلاء: المستشرق ريجيس بلاشير، الذي أولى عناية كبيرة بالقرآن الكريم ولغته، وبذل وُسعه في ترجمته ومقاربة علومه، غير أن معرفة إنصافه من إجحافه؛ مرهون باستكشاف منهجه العلمي، ومدى التزامه بقواعد البحث.

وقد جاء هذا المقال ليعرض كتابه أولًا، ثم يناقش أدواتِه المنهجية المعتمدة في أحد منشوراته، وهو كتاب (القرآن)، مجيبًا عن الإشكال الذي طالما طُرح عن أهداف المستشرقين، بمعنى: هل كانت دوافعهم العلمية أيديولوجية تحقيرية أم بحثية أكاديمية؟ خاصة وأنّ بلاشير أثيرت حوله الشكوك. فبعضهم يصفه بصاحب الرؤية الصائبة، ويدين له بالأستاذية، كمحمد أركون، حتى إنّ مترجم كتابه (القرآن) قال في كلمته الإهدائية: «إلى كلّ مَن له رغبة في إطلالة موضوعية على القرآن أرفعُ هذا الكتاب»، بل وصدر سنة 2019م كتاب يمجّد شخصيته؛ كونَه أحدَ رجالات الثقافة والفكر والتقارب بين الحضارة الغربية والشرقية، ورمزًا مشعًّا يلهم العقول ويضيء مسالك المستقبل، في حين لا يستثنيه بعضهم الآخر من جملة الجناة الطاعنين.

كان المنهج المتّبع في المقالة مراوحًا بين الوصفي حين عرض مضمون الكتاب، والنقدي حين تناول منهجية المؤلف، علمًا أني اعتمدت على ترجمة رضا سعادة لكتاب (القرآن)، والذي وضع له عنوانًا آخر هو «القرآن؛ نزوله تدوينه ترجمته وتأثيره»، ويقع في 179 صفحة من غير الملحقات.

وفي ضوء ذلك ستأتي مقالتنا مقسومة لقسمين؛ أحدهما لعرض كتاب بلاشير وبيان مضامينه، وثانيهما لتقويم الكتاب ومناقشته، وذلك بعد مدخل تمهيدي نعرف فيه تعريفا موجزا ببلاشير ونذكر أهم ملامح مدرسة الاستشراق الفرنسي.

مدخل تمهيدي:

أولًا: ترجمة المؤلف (بلاشير):

1- نشأته ووظائفه:

 وُلِد[1] في 30 يونيو سنة 1900 في ضاحية مونتروج Montrouge بجنوب العاصمة الفرنسية باريس، الْتَحق بالمدرسة الابتدائية وكان صاحب قدرة فائقة على القراءة وحب التعلُّم، ثم سافر مع أبويه إلى المغرب في 1915، حيث كان أبوه موظفًا في متجر، ثم موظفًا صغيرًا في الإدارة الفرنسية في مراكش، وقضى دراسته الثانوية في المدرسة الفرنسية (ليوطي) في الدار البيضاء حين كان له اهتمام كبير بالعربية التي كانت موضع تهميش من طرف الأوروبيين.

عُيِّن ملاحظًا في مدرسة مولاي يوسف في الرباط بعد حصوله على البكالوريا، فالتحق بالجامعة وحصل من جامعة الجزائر على الليسانس في سنة 1922، ثم أمضى السنة التالية في مدينة الجزائر حيث تابع دروس (وليام مارسي) و(هانري ماسي)، وفي سنة 1924 نجح في مسابقة (الأجريجاسيون)، وعاد بعد ذلك إلى الرباط حيث عيّن مدرسًا في مدرسة مولاي يوسف، وفي 1929 عين في (معهد الدراسات العليا المغربية) بفضل (ليفي بروفنصال)؛ واستمر في عمله هذا حتى 1935، وفي 1936 حصل على دكتوراه الدولة من جامعة باريس برسالتين: الأولى عن: «شاعر عربي من القرن الرابع الهجري؛ أبو الطيب المتنبي»، والثانية: ترجمة فرنسية لكتاب «طبقات الأمم» لصاعد الأندلسي، مع تعليقات وفيرة مفيدة.

وفي إثر ذلك عيّن أستاذًا للغة العربية الفصحى في (المدرسة الوطنية للغات الشرقية) في باريس، واستمر في هذا المنصب حتى 1950، حيث شغل كرسي اللغة والأدب العربيين في السوربون إلى حين تقاعده في 1970، وقد خَلَف (وليام مرسي) في 1942 = أستاذًا في القسم الرابع من (المدرسة العملية للدراسات العليا) الملحقة بمبنى السوربون في باريس، وشغل منصب مدير (معهد الدراسات الإسلامية) الملحق بجامعة باريس من 1956 حتى 1965، وانتخب عضوًا في أكاديمية النقوش، إحدى أكاديميات معهد فرنسا 1972.

وأشرف على مجلة (المعرفة) التي ظهرت في باريس باللغتين العربية والفرنسية، ومدير جمعية (استقبال طلاب الشرق الأوسط)، وكان عضوًا في مجلس إدارة الإرسالية العلمانية الفرنسية (اللاييك) التي كانت توفر دراسة فرنسية عربية مختلطة في الشرق الأوسط، وذلك حتى عام 1956م، حيث كوّن حينها جمعية للنهوض بالدراسات الإسلامية، وكوّن سنة 1962 (معهد المعجمية العربية) وألْحَقَهُ بـــ(المعهد الوطني للبحث العلمي CNRS)، وكان مستشارًا في لجنة المعهد الفرنسي للدراسات الأثرية في القاهرة، والمجلس العلمي للمعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، وعضوًا في (أكاديمية العلوم)، وعضوًا شرفيًّا بــ(المجمع العلمي العربي في دمشق).

كان بلاشير أحد الأعلام المشهورين في الساحة الاستشراقية، ويرجع ذلك لتمكّنه من لغة وثقافة ضفتي البحر المتوسط، وقد تأثر به كثير من الدارسين في الغرب والشرق، وما زالت الدراسات حتى يوم الناس هذا تحاول أن تصنّف مجهوداته وتحلل كتاباته، خاصة وله مواقف مناهضة للمحتلّ الغاصب، حيث وقف إلى جانب الدول المحتلّة وساندها في اختيار مصيرها واستقلال أراضيها.

2- وفاته وآثاره:

توفي في السابع من شهر أغسطس سنة 1973، وقد وضع على امتداد حياته النشطة 13 مؤلفًا، وأسهم في وضع 3 أخرى، وأكثر من 100 مقال مدون في أشهر المجلات والحوليات ودوائر المعارف والموسوعات؛ المهتمة بمواضيع التراث الأدبي القديم والعربي المعاصر والرحلات والشعراء والجغرافيا وتاريخ العلوم عند العرب والإسلام، وما لا يقل عن 300 عرض عرّف فيها بأبرز المؤلفات المتعلقة باختصاصه ونقدها، ونذكر من أهم أعماله:

أ- تاريخ الأدب العربي Histoire De La Litterature Arabe، بحث فيه نشأة التدوين التاريخي في الإسلام حتى نهاية القرن الخامس عشر، توفي دون أن يتمّه؛ وقد ظهر منه ثلاثة أجزاء تنتهي عند 125هـ.

ب- ترجمة القرآن إلى اللغة الفرنسية مع مقدمة طويلة وتفسير قصير، وقد رتّب القرآن في هذه الترجمة وفقًا لما ظنه أنه ترتيب نزول السور والآيات، وفي طبعة أخرى عامة واسعة الانتشار 1957 عاد إلى الترتيب الأصلي الوارد في المصحف، والجزء الأول ظهر في 1949، والثاني 1950، في (1239) صفحة.

ج- معضلة محمد Le Problème De Mahomet، ويلخص فيه أبحاث المستشرقين الذين كتبوا عن حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

د- نحو العربية الفصحى Grammaire De L'Arabe Classique بالاشتراك مع (ماوريس ديمومبين).

هـ- قواعد في نشر النصوص العربية وترجمتها (بالتعاون مع جان سوفاجي).

ثانيًا: ملامح المدرسة الاستشراقية الفرنسية:

يتركز الحديث في الملامح عن المراحل التاريخية للاستشراق الفرنسي بدايةً من الجذور ومرورًا بالنشأة والتكوّن حتى الاستقرار، ثم يعرض لطرف من الوسائل المعتمدة والأساليب المنتهجة.

1- المراحل:

إنّ الاحتكاك بين الشرق والغرب يرجع لقرون بعيدة، حين كان التواصل أثناء فتوح المسلمين، هذا الاحتكاك ولّد حبّ اكتشاف الآخر، فحزّ في نفوس الغربيين وجوبُ تعلُّم حضارة الفاتح القويّ، ومعرفة علومه والاطلاع على عوامل تمدّنه، فبدأت الترجمات تسري في ثقافتهم، وأُنشئت الكراسي العلمية لتعليم اللغات الشرقية والثقافة الإسلامية.

ومن بين أهم الصلات المتبادلة، صلة فرنسا بالشرق، والتي يؤرخ لنشأتها «عندما وصلت جيوش المسلمين بقيادة عبد الرحمن الغافقي إلى جنوب فرنسا بالضبط عند جبال (البرانس)، إذ تصدى (شارل مارتل) بالجيوش التي تمكن من حشدها في وقعة (بواتييه)، التي سمّاها العرب بلاط الشهداء، وكانت تلك مناسبة كبرى مكّنت الفرنسيين من التعرُّف على المسلمين، وتوطدت تلك الصلات في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، حيث كانت هناك مراسلات وهدايا بينه وبين الإمبراطور (شارلمان)، ثم بعد ذلك جاءت الحروب الصليبية لتزيد من اهتمام فرنسا أكثر بالشرق العربي، ولا ننسى بهذه المناسبة دور فرنسا البارز والفعّال في شن هذه الحروب على البلاد الإسلامية، وتحمسها الشديد لها إلى درجة أن أول مؤتمر للصليبيين عقد في فرنسا بمدينة (كليمون) في شهر نوفمبر عام 1095م»[2]، كما احتضنت أول ترجمة للقرآن عام 1143م وهي الترجمة اللاتينية التي أشرف عليها (بطرس المبجل).

ثم بعد تواني الحروب الصليبية فكّر الغربيون في تغيير إستراتيجياتهم الحربية وتحويلها إلى علاقات تتسم بالسّلم والتواصل المعرفي، والبحث عن المنجزات الحضارية العربية والعكوف عليها والاستفادة منها، لدرجة أن كثيرًا من الرهبان اتجهوا للأندلس واغترفوا من بحور اللغة والعلوم المختلفة، وفي خضمّ تلكم الظروف نشأت المدرسة الاستشراقية الفرنسية[3] الموازية للخطة الحربية في الأهداف والنوايا، ثم ارتبط بها التنصير والاستعمار.

تُعَدّ المدرسة الفرنسية من أهم المدارس وأقدمها، فهي منبع جامعات أوروبا وقدوتها، وقد سابقت في إنشاء الكراسي العلمية والجامعات والمكتبات والتي كانت تحوز الآلاف من المخطوطات، وتوسعت دائرة الاهتمام بالشرق منذ الثورة الفرنسية سنة 1789م؛ حيث نشأت مؤسسات جديدة هي مدرسة اللغات ومدرسة اللغات الشرقية سنة 1795م، وكانت اللغة العربية أول اللغات التي دُرست بها[4].

ثم بعد ظهور المدرسة الألمانية ومنجزاتها الإبداعية فقدَت فرنسا صدارتها، ولم تنشط من عقالها إلا بعد مجيء عميد المستشرقين الأوروبيين قاطبة، وهو (سلفستر دي ساسي) حيث أعاد المجد للاستشراق الفرنسي بوضع مبادئ منهجية منظمة خاصة مع تزامن الحملة الفرنسية على مصر، ويدل على ذلك تفوقه في كثير من اللغات وتخرّج عدد كبير من العلماء والمترجمين تحت يديه، ويكفي أنه كان من مؤسسي الجمعية الآسيوية سنة 1822م ورئيسًا لها.

استمرت المدرسة في حركتها الاستشراقية، ففي سنة 1873م عقد بباريس أول مؤتمر دولي للاستشراق، ثم بدأت البحوث تكتسب أبعادًا جديدة بمناهج حديثة -دون أن يفصحوا في الغالب عن العداء والعنصرية المقيتة التي تلبّست بعقولهم وإن كانت بناهم التحتية امتدادًا لرؤية الأوائل-، وأُنشئت المدرسة العلمية التطبيقية للدراسات العليا بباريس، وشكّل توالي المستشرقين الجدد دفعة قوية أمثال: (لويس ماسنيون)، (جورج مارسي)، (هنري ماسي)، (ريجيس بلاشير)، (مكسيم رودنسون).

ثم مدّت المدرسة الفرنسية بساطها على الدول العربية فوسّعت من ظلالها بإنشاء الجامعات والمكاتب والمطابع بها، وأوكلت لرئاستها ثلة من القامات البارزة، منها: مدرسة الآداب العالية في الجزائر 1881م، ومعهد قرطاجة في تونس 1895م، ومعهد الدراسات المغربية في الرباط 1931م.

ومع منتصف القرن العشرين تبلورت عدّة مفاهيم بحثية، وحُيّدت نظراتهم التنقيبية، وأَكتفي بما صرّح به الموسوعي (أندريه ميكيل) في إحدى مقابلاته قائلًا: «وعلى أيّ حال يمكنني أن أؤكد لك أن الزمان قد تغيّر، الزمان الذي أريد للتقليد الجامعي الغربي فيه ألّا يهتم إلّا بالأموات، ذلك الزمان الذي كان يستحيل فيه تقديم أطروحة دكتوراه إلا بعد أن يكون الكاتب المدروس قد توفي، ولحسن الحظ يمكننا الآن البحث في الواقع والعمل حول ما هو حيّ ومعاصر»[5].

والآن، ما زالت المدرسة مستمرة في أطروحاتها ومتتابعة في مشاريعها وإن كان ذلك بصورة متضائلة خاصة في المجال القرآني.

2- الوسائل والأساليب:

تعددت وسائل المدرسة الفرنسية وأساليبها رغبة في إيصال أفكارها بشتى الطرق الممكنة، وقد أرخصت في سبيل ذلك مقدرات هائلة من الجهود الشخصية والجماعية والأوقاف والتبرعات، ويمكن حصر الوسائل في النقاط الآتية:

أ- التأليف والطبع:

ويتمثل ذلك في جمع المخطوطات وتحقيقها، وإصدار الموسوعات العلمية ودوائر المعارف الإسلامية، وصنع المعاجم اللغوية، وترجمة الكتب الإسلامية والعربية للغاتهم، وإصدار المجلات والصحف والدوريات، مع العناية بإنشاء المطابع لطبعها.

ب- إنشاء المؤسسات العلمية من:

مدارس، ومكتبات، ومعاهد، وجامعات، وكليات، وجمعيات، وكراسي جامعية، وقد تم إنشاؤها في الوطن الغربي والعربي الإسلامي.

ج- عقد المؤتمرات والملتقيات والندوات والأيام الدراسية ولقاءات التحاور.

د- إنشاء المتاحف الشرقية[6].

أمّا الأساليب فتنوعت آلياتها هي الأخرى لتحقيق التأثير الأكبر، ويمكن في الحديث عنها الكلام عن تسخير المبشِّرين والأقليات اليهودية والنصرانية المتواجدة في البلدان الإسلامية لتجميع المعلومات الأولية والدراسات الميدانية، واعتماد أسلوب ضخ أكبر عدد من المستشرقين إلى بلدان الشرق الإسلامي، وخلق أرضية الارتباط الروحي والمعنوي بفرنسا والعمل على تشويه الثقافة الإسلامية، والدعوة إلى تطوير الإسلام كأسلوب للدسّ فيه وتشويه معالمه، وتوصيتهم للحكومات المتعاقبة بالتجزئة للبلاد الإسلامية وتدمير البنى التحتية لها، وترتبيّة وإعداد قادة مسلمين بالمنهج العلماني، وإحياء الفكر القومي والطائفي، والدعوة إلى بعث الحضارات القديمة وإحياء اللغة العامية، وغيرها من الأساليب التي يطول سردها ويكثر تعدادها[7].

القسم الأول: عرض مضمون الكتاب:

طرح المستشرق بلاشير في كتابه (القرآن) سبع قضايا كبرى في سبعة فصول متفرقة، مع مقدمة تمهيدية، وتفصيل مضامينها الكبرى كالآتي:

مقدمة:

أوضح المؤلف في مقدمته عن سبب تأليفه للكتاب، وذلك أنّ القرآن -من وجهة نظره- كتاب ألغاز ويطبع عليه الغموض، ويصعب تتبعه في سياقه الذي لا يرافق تاريخ الوحي، وأنه وبحكم سبق نولدكه في تقديم أطروحته التاريخية التي أزالت اللبس وتخطت بالقارئ من جوّ القلق إلى فضاء الاطمئنان، فقد جاء عمله (بلاشير) في سياق المدرسة الألمانية ليُستعمل كمقدمة لقراءة الكتاب الموحَى إلى محمد بمنهج تجريدي يبرز طابع الكتاب الديني، ويتضمن في جنباته التذكير بالآراء التي شغلت عقول غير المسلمين وكيف كان موقف أوروبا المسيحية البالغة التشويه إزاءها.

كما عرَض بوجه سريع ردود أفعال العالَم البيزنطي ورجال الدين واللاهوتيين والأوساط الكنسية في طليطلة تجاه الرسالة، وتاريخ تراجمهم للقرآن ومدى موضوعيتها أو زيفها.

الفصل الأول: المصحف بنيته وتكوينه:

عرَض في مستهل كتابه لكلمة «القرآن» ومعناها وأصلها الذي قد يعود للسريانية، وبيّن أن سيرة محمد متناقضة في سرد ظروف تلقِّيه لابتداء الوحي الذي دام 23 سنة، والذي لم يمر في البداية دون أن يقلقه، حيث كان انعكاسًا لصعوبات مذللة، وجهاد روحي وحربي، ما سوّغ إنشاء جيل تعليلي للرسالة، ثم تحدث عن ترتيب نولدكه وجهود الألمان في تعقّبهم التاريخي للقرآن وفق النزول الذي حقق إيجابيات كثيرة غير أنه لم يسلم من النقاط القابلة للاعتراض.

بعدها انتقل للحديث عن مراحل تكوين المصحف، وكيف كانت بداية التدوين في حياة النبي ثم بعد وفاته في عهد أبي بكر وبعده في عهد عثمان الذي كاد أن يكون تدبيره هتكًا للقدسيات بإتلاف جميع المصاحف الأخرى، ثم في عهد عليّ وانشقاق الشيعة، واختتم بالمرحلة الثالثة من تكوينه على يد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وما هي الإضافات التحسينية التي أُدخلت على المصحف، إضافةً للإشادة بدور القراء في الحفاظ على التلاوة السليمة.

 وتسلسلًا في الأفكار، رَبَط الكلام بالقراءات القرآنية وبيّن أنها كانت في البداية تشكل تسامحًا وفسحًا للمجال في إمكانات النص القرآني، ولكن ما لبثت أن شكّلت تهديدات لقداسته ومنبعًا للاختلافات، فذهب ابن شنبوذ لتسوية الروايات ذات المصدر الشيعي، وفي النهاية توافقوا على السبع القانونية مع سبعٍ أخرى تحفظية، وقد رافق هذه العمليات مقاومات فردية بدايةً مع مصحف ابن مسعود، ثم أشد فاعلية مع الغلَيان الديني العراقي ونفذ الاستغلال إلى الشيعة والخوارج والمعتزلة سوى الإمامية الذين امتنعوا عن الغلوّ، وللأسف لم تحمل المصاحف المحفوظة اليوم أية شهادة تزوير أو حذف.

أشار بعدها لترتيب المصحف، وأنه وفق تدرج هبوطي من أطول سورة لأقصرها كعادات الساميين والشعراء، وقد أثار ترتيب عثمان بعض الأخطاء؛ وذلك لأن السور المكية جعلت في الآخر والمدنية في الأوّل ما يعني أنّا نقرأ القرآن معكوسًا، سوى الفاتحة التي هي مدانة بوضعها في الأول لأهميتها في إقامة الصلوات.

كما ذكر أن تقسيم القرآن إلى ثلاثين جزءًا ليس إلا لمجرد الباعث العملي في الاحتفالات الدينية وتسهيلًا لتلاوته ولا علاقة بينه وبين التقسيم إلى سور، هذا التتابع في السطور طرح سؤالًا محرجًا، مفاده: هل نظام السور توقيفي أم اجتهادي؟ وفي النهاية رُجحت نظرية إلهام الله، وبهذه النظرية أُرجع تصديق كل ما عرضه مصحف عثمان من الأمور المتعذر إثباتها، ثم تحدث قليلًا عن مواضيع القرآن وتعدُّدِ عناصره، وشبَّه قوافيه بسجع الكُهّان، مع عدم المبالغة في التشبيه لأن القرآن تميز بأسلوبه الغزير ورنّته الموسيقية وقوّته التعبيرية، وأن تسميات السور هي عادات قديمة تستخرج غالبًا من أول السورة أو من إشارة عرضية فيها، كما تتعدد تبعًا للاهتمامات الدينية.

وقد بين كذلك أن القرآن باعتباره أكثر كتاب ديني -والذي هو رسالة تحريم وجهاد أكثر من أيّ رسالة أخرى-بين الكتب الدينية الشرقية- تثير قراءاته بَلبلة لدأبنا الفكري، حيث إن وجوده على هذا النسق السيِّئ في ترابطه أو المصطنع اصطناعًا لا يساعد على فهمه خاصة لمعشر الغربيين وغير المطلعين على العربية وينتهي الأمر بهم معه إلى الرفض والتنافر، فإنه وحتى يتيسر استيعاب القرآن وتكون قراءة المصحف سهلة بل ممتعة يلزم العثور على الركيزة التاريخية والظروف التي أمْلَتْه، وذلك كائن في تجربة نولدكه.

الفصل الثاني: الرسالة القرآنية في مكة:

شرع في مستهل الفصل بالحديث عن اللحظات الأولى للدعوة وذلك في تتابع سور القرآن من قصير إلى أقصر بداية من سورة النجم، وكيف كانت -من وجهة نظره- مخيّلة النبي محمد مضطربة بما يسمع من آيات الساعة والحساب.

ثم بيّن أنّ الفن القصصي والطباق ثابت في الآيات المكية على غرار الشعر في العالم الساميّ عامة وعند العرب خاصة، وهو شديد التأثير على العقول، كما أن التذكير بالملذات الفردوسية يمثل أفضل من كل ما سواه في الأسلوب، إضافة إلى موضوع الألوهية وصفات الرب المتسمة بالرحمة والشفقة على الخلق أجمعين، ويلحق بذلك موضوع المهمة التي كُلّف بها محمد والرسالة التي أُرسل بها وصراعه مع الوثنيين وتشديد القرآن في الإعلان عن زيغهم.

وأشار إلى أنه بعد النصوص الأولى توجد مواضيع أخرى كهجر الوثنيين والحض على التوبة والصدقة وقيام الليل، وقد ذكر أن فاتحة الكتاب التي كان المهتدون الأوائل يقرؤونها لها دور مماثل لفاتحة التعبد المسيحي، وعلى كل حال، فالسور النازلة في الفترة المكية الأولى تتميز بوحدة الأسلوب، والقافية الموحدة، والسجع، والتكرار، والقسم الكوني، والطابع الغنائي الساحر.

على أن الفترة الثانية من الدعوة المكية والتي هي محصورة بين سورتي الكهف والنجم تظهر بنصوصها الموسعة والمختلفة العناصر والأكثر اتفاقًا مقارنة بسابقتها المشتتة، وتتميز بكثرة استعمال اسم الرحمن والتناقض بين الأمة الفتيّة وخصومها، وعقيدة التوحيد الإلهي.

ثم بين أنه لكي تبلغ الدعوة غايتها فإنها كانت ترجع لأساطير الأولين من قصص عاد وثمود ولوط ونوح بالاستناد إلى قصص قومية وإلى قصص مأخوذة من التوراة، ثم تضفي عليها بجمال اللغة العربية ميزات تمايز القصص التوراتية، ولا شك أن أسلوب هذه المرحلة يختلف جذريًّا عن الأول، ثم ضرب لذلك بعض الأمثلة، وعطف على ذلك بالقول أنّ خطابه المدني بـ{يَا أَيُّهَا النَّاسُ} هو خطاب للمدنيين ثم لعالم البدو بمكة.

وكذلك بين أن موضوعات الفترة تبدو مرتبة وفقًا لأبواب ثلاثة: التذكير بالأخلاق الذي حصل للأنبياء، والتأكيد على أن الإسلام في حقيقته السامية هو الشاهد على القدرة والرحمة، والشعور بأنه ينبغي على الأمة الصغيرة التي تبعت محمدًا أن تعيش بالتقوى والاستسلام لمصيرها، وخلال هذه الفترة عندما كان يذكّر القرآن بإخفاق الأنبياء السابقين فإنه يخلص إلى أن يحدّد في تعاقبٍ تاريخي النظامَ الذي أتى فيه المرسلون، وأن نهاية المعارضين هي نفس نهاية المعارضين السابقين، وربما ابتدأت ترتسم في هذه الفترة معالم تطور غريب في التقدير الإسلامي لشخصية إبراهيم، حيث تقرر أن يكون من الآن فصاعدًا مؤسسًا للحنيفية ولعبادة الكعبة.

الفصل الثالث: رسالة القرآن في المدينة:

تكلم بلاشير في هذا الفصل عن هجرة محمد إلى المدينة، وكيف أصبح زعيم أمة تحكم باسم الرب، وأن الإسلام ابتدأ يميل إلى أن يكون إطارًا دينيًّا واجتماعيًّا يخضع فيه المؤمنون لشريعة جديدة، ثم تحدث عن علاقة محمد بطوائف اليهود المدنيين وعن مشركي مكة، وأشار إلى بعض المناورات العسكرية، وإلى نبوغ محمد في أداء فريضة الحج الأصغر وذكاء أصحابه في صلح الحديبية الذي توّج بالانتصار والفتح وبسط المدينة الثيوقراطية نفوذها على جميع قبائل الجزيرة العربية حتى وفاة محمد.

ثم ألمح إلى الارتباط القائم بين تاريخ الأمة المدنية وبين منزلات السماء التي مكّنته من مجابهة الصعوبات، وذكر بأن السور المدنية مبعثرة داخل المصحف وهي متداخلة المواضيع وذلك ظاهر الاصطناع، ومثّل لذلك بسورة البقرة والنور وكيف أنه يظهر فيهما انفكاك الصلة بين الأجزاء.

وأرجع اكتساب الوحي للقيمة الإلزامية المتزايدة إلى جوّ المدينة ونفوذ شخصية محمد كنبيّ وكزعيم ثيوقراطي، كما أن الأمر الإلهي لم ينفصل عن مُنفّذ بشري كائن من لحم ودم، ثم كشف عن أسلوب الخطاب المدني ومواضيعه التي ما زالت تتبع -من وجهة نظره- عدم التعاقب التاريخي بخلاف الكتب التاريخية المحفوظة في العهد العتيق، إضافة لتلميحات تلك المواضيع في الأمور السياسية والنزاع المسلح واتسامها بالسطحية، خلافًا لما ذهب إليه المفسرون من اكتناز ألفاظها بالمعاني العميقة، مبينا أنه حسبك في ذلك بالآية الرابعة والستين من سورة الأنفال، فإن إرشادها لا يلتقي مع القصص السّيَري، وكذا بقية الآيات، ولكنها لا تكترث إلا بتثبيت المؤمن وخزي الكافر، وبيان أن النصر هبة من الله بتوسط الملائكة وأنه لا يستحقه إلا الرجال الأتقياء.

انتقل بعد ذلك للحديث عن العلاقة بين المسلمين واليهود، وكرّر ما ذكره آنفًا عن إبراهيم، مع زيادات، وعن العلاقة أيضًا مع الطوائف المسيحية، وأن لهجة التبشير قد تغيّرت إلى الشجب مع أُولى مقاومات العالَم البيزنطي، ليجتمعوا مع اليهود تحت لعنة واحدة، ثم عاد ليحكي عن توجّهات السور المدنية ومقام محمد الرفيع وحلّه للقضايا ذات البُعد الحساس كحادثة الإفك، وما كان يجري له -من وجهة نظره- مع نسائه وخليلاته، وكذا مع المنافقين والمهتدين الجدد.

ولخّص في نهاية الفصل القول عن الدعاية للإسلام بوساطة الشعراء والإقرار للمدّاحين بالوحي المتأخر بعد التنديد الذي لا مردّ له، وعن محتويات الفترة من الصيغة البراغماتية في تقسيم الغنائم والتفاوت بين الجنسين والتحديدات المتعلقة بالعبادة والمحرمات الجنسية والغذائية والأخلاق وبعض فرائض الكفاية كالجهاد.

الفصل الرابع: الواقعة القرآنية وعلوم القرآن:

ذكر المؤلف في هذا الفصل أن القرآن بحكم وظيفته وأصله لزم أن يدركه بعد ألف سنة مصير كل كتاب مقدس، وأن معنى الواقعة القرآنية هو ما أحدثه القرآن من انقلابات سياسية واجتماعية وتطورات فكرية وأخلاقية، أمّا ما أثاره القرآن من حب للاطلاع فهو يشكل أساسًا لعلوم القرآن، وأن التمدن ارتبط بوعي الواقع اللغوي حيث كانت دعوة محمد تتصل بمفهوم مستمد من الأسلاف وذلك بالمكانة التي تُوليها لفعالية الكلمة.

طرح بعدها تساؤلًا جعل إجابته مستحيلة، وهو: هل كان خطاب القرآن باللهجة المحلية المحكية في مكة؟ أم كان المقصود لغة شعرية عامة تستعمل إلى جانب اللهجات المحلية المحكية عند قبائل البدو؟ ثم عقّب بأن علماء الكلام أجابوا في القرن الثامن -ميلاديًّا- على ذلك بالقياس، وبين أنه مهما يكن فالمجال هنا فسيح للاعتراض على الصعيد اللغوي، والقول بثنائية اللغة الشعرية العامة والقرآن يفضي إلى القول أن القرآن كُتب بلغة قُبلت كلغة للسحر منذ قرون، ورفعت إلى لغة دينية بسبب استعمالها في الوحي فقط.

 أَردف الكلام عن الوسائل المغذّية والمدققة للغة القرآن؛ من إنشاء قواعد النحو والصرف، والإملاء، خاصة مع غموض الجهاز الخطي وتصويره الناقص كحال جميع الكتابات السامية، وأوضح أن الخط الكوفي إبّان ذلك الإنعاش الكتابي قد أُهملَ شيئًا فشيئًا لتحل محله الكتابة العادية والتي هي الأخرى لا تشكل أداة كاملة ولكن تجيب عن متطلبات ذلك الوقت.

وبين بعد ذلك أنه كان للواقعة القرآنية دور أساسي في تفتح النظريات النحوية وفي تأليف الدراسات في اللغة وتاريخها، وخلْق المذهب التفسيري التقديري بمدرسة البصرة، واستعمال التركيب القياسي، وعلم المعجمية، وأشار إبّان ذلك إلى تعدّد القراءات والمسلّمة القائلة بصيغة المصحف الواحدة، ثم عن إدخال الخصوصيات اللفظية في التلاوة، واسترسل في تعداد العلوم الناشئة من رحم القرآن، فتكلم عن علم البيان والإعجاز.

عاود بعدها القول في مشابهة القرآن المكي المقفَّى لسجع الكهان وأسلوب العرافة ربطًا بالإعجاز، وهو ما شعر به المعارضون المكيون فأخرجوا حجتهم ليؤكدوا أن محمدًا كاهن وشاعر، خاصة بالنظر إلى تأثيره العجيب في النفوس، وجمالية الأدب، وهو يظهر لنا بحق شبهه بالشعر الأصيل.

فكونه معجزة ليس بمحتواه وتعليمه فقط بل بتحفته الأدبية السامية على جميع ما أقرته الإنسانية وبجّلته من التحف، ويكفي شهادةً على ذلك إيمانُ بعض الجنّ وعمر بن الخطاب المعارض الفظّ عند سماع تلاوته؛ ولذا كان من الطبيعي أن يكون لتأسيس علم البيان الأرسطوطاليسي مكانته الخالدة والمرموقة، ثم أوجز معالم فكر الباقلاني المتأثر بالفكر الهليني والجُرجاني وعبد العزيز السُّلمي، وختم الفصل بالقول أن فاعلية الواقعة القرآنية ليست فاعلية منبه وإنما فاعلية عنصر مبدع تتوطد قوته بنوعيته الذاتية، وهو يشكل عاملًا أساسيًّا في بروز علوم القرآن، والذي يأتي في طليعته علم التفسير الذي هو ملكها.

الفصل الخامس: التفسير القرآني أصوله وأغراضه:

استفتح الفصل بالقول أن محمدًا كان شارحًا للقرآن في حياته حسب الحوادث والأسئلة التي ترِد عليه، ثم قام الصحابة بدور مماثل بعد وفاته، ومن بين العوامل المختلفة التي كانت أساسًا للتفسير عدم ثبات الخط العربي ونقصه المثير للغموض، فكان النص لهذا السبب مدعاة لفطنة القراء؛ وغالبًا ما أوجد تعدد القراءات حلولًا للمسائل المتعلقة بالنصوص، إلّا أن بعض الاستقراءات غير القانونية أفضت إلى الاختلاف العقدي والنزاع الكلامي، كما أن التفكير العميق بالنص القرآني أورث الإحساس بخطر القراءات المتعددة، ثم أشار إلى مشكلة الشيعة مع مصحف عثمان باحثًا عن تعليلات تكوّن التفسير.

وأوضح خلال ذلك عن شغف المفسِّر المسلم بعدم تفويت ومضة ولا غامضة ولا خاصية أسلوبية، ذلك الفضول الجشع الذي هيّج هذا الشغف -من وجهة نظره- وعرّضه لأسوأ الخيالات، ثم انتقل لمفهوم الإجماع ووجوب استحضار معناه في دراسة تاريخ التفسير القرآني كونه ضامنًا من الشروحات الزائغة، مع الإشارة إلى مذهبين مختلفين هما الشرح اللفظي والشرح التأويلي، وفئتين من المفسرين وهما النفوس العاقلة المحترمة للإجماع والحجة، والنفوس الباحثة المحلّلة بلا قيد.

وقد بين أن التفسير في مبدئه يقر بالشروحات النسبية خاصة في المقاطع الغامضة، وهو يمدّ بمفاهيم غير متناهية لفهم القرآن، وقد نشأ على أيدي محدِّثين بالرواية، وإنّ أسماء عكرمة ومجاهد هي مَن وثّقَت الصلة بين جيل الصحابة وتابعي التابعين، دون إغفال القُصّاص الذين تكاثروا في العراق وسورية والحجاز وأدخلوا الميول الشعبية ونمَتْ معهم التأثيرات اليهودية والعربية الجنوبية؛ أمثال كعب الأحبار ووهب بن مُنبّه، ثم توسّع التفسير في الكتابة على احترام القواعد دون التقوّل بالرأي المذموم، وصرح عن نفسه بأنه وضع تفسيرًا بالحديث في أحسن صيغة نموذجية له، وأرفق ذلك بالكلام عن الطبري وتفسيره ومشتغلات عصره بمناهج المعتزلة والقدرية والتفسير الباطني الصوفي ثم ما تلاه من المنهج الحججي على يد الرازي.

أكّد بعدها على ضرورة تماشي التفسير مع متطلبات العصر وما تحتاجه الأجيال الصاعدة، وقد أنتج أبو حيان تفسيرًا يواكب ذلك التطور، وكذا البيضاوي والنسفي والسيوطي، ومع توالي المحن كان التفسير يجدّد في كل مرة آلياته، وبرز ما يعرف بتفسير الوهّابية وتفسير مدرسة المنار، ثم بيّن طريقة هذا التفسير بإيجاز، وألمح إلى طنطاوي جوهري بأنه مثبط العزيمة وتفسيره تعميمي عجول وسطحي، وختم بالحديث عن تفسير المراغي الوعظي والشعبي المعادي للمتطرفين.

الفصل السادس: القرآن والسُّنة مصدر العقيدة والشريعة في الإسلام:

شرح في البداية مفهوم السنّة في الأصل والقرآن والاصطلاح، وأوضح أن الوحي القرآني لا يكتسب دقته النهائية إلا بجعل السنّة مرجعًا له، وهما الأساسان لإخراج العقيدة والشريعة، وقد لعبت السنّة بالنسبة للقرآن دورًا مماثلًا للتلمود في إخراج أسفار موسى الخمسة.

وقد بين أن العلماء ابتكروا وسائل منذ الزمن الأول لحلّ جميع المسائل التي أثارها المصحف على ضوء السنّة، ثم تكلَّم عن النَّسخ وأنه غير جدير بالاستناد إليه في كل الحالات، وأبرز مكانة القرآن والسنّة في بيان العقيدة والشريعة.

انتقل للحديث عن مدوّنة ابن إسحاق في السيرة وما حفظته من تعاليم محمد وخصاله الحميدة، وكشف عن مخالفة أفق مؤلفات السيرة عن أفق القرآن لدفاعيتها وقابليتها للتغير حسب المؤولين، ومثال ذلك المقايسة بين القصة القرآنية الجافة عن معركة حنين وبين المعطيات التاريخية المتفاعلة بالتأثيرات المختلفة المصادر في مؤلفات السيرة.

كما أشار إلى أنّ النبي محمدًا تجاوز دوره كنذير ليمثّل شخصية الزعيم بكامل عظمته وذلك بفضل التفسير بالسيرة، وأن التقاليد اليهودية المسيحية تظهر في القصص القرآني عن موسى وإبراهيم وعيسى، وفي التذكيرات التي تتعلق بالأنبياء العرب فإن المعطيات المحلية تظل أشد غموضًا، وبالنسبة لبعض العقائد الأساسية فإن القرآن أمدّ المتكلمين بتفصيل المواد، لتبقى المسائل التي ما زالت تشغل ضمير المسلمين كمسائل القدرية والمعتزلة والمشبّهة، ثم أبان عن إشكالاتها مع سلطة التأويل بالحديث مفسّرًا بعض الآيات القرآنية كما يراها.

ذكر بعدها كيفية استعانة الأجيال الإسلامية الأولى بالقرآن والسنّة لإخراج المذاهب الفقهية، والفرق بين معطيات السور المكية والمدنية في مصحف عثمان، ثم أشار لآيات الصوم والعدّة وسكر ثمرات النخيل وغيرها، موضحًا كيفية استنباط الفقهاء وتمايزهم في فهم النصوص لبناء المدارس الفقهية، وقال بأن التدرج في آيات الخمر قد أدَّى بالفقيه إلى إدخال قاعدة الناسخ والمنسوخ، والاختلاف فيه هل تحريمه جزئي أم قطعي؟ كما مثّل أيضًا للاختلاف في قسمة الأنفال التي غنمت من العدوّ.

أكّد من خلال ما سبق أن القرآن هو المصدر الأول في البناء الفقهي، وأن السنّة هي خادمة وطَيِّعَةٌ للوحي، إلّا أنه توجد ظواهر معاكسة مأخوذ أساسها من مقدمات الحديث وعادات النبي؛ ومثال ذلك الصلاة القانونية كأعداد الركعات وتفاصيلها العملية، ومما شدّ انتباهه هو عدم احتفاظ المخطوطات بالتطور المستمر للصلاة، حيث إنها فرضت في البداية ركعتين ثم زيدت في الحضر وأُقرّت في السفر كما في حديث عائشة، وكما جاء في حديث الإسراء عن خمسين صلاة وغيرها، فالإشارات في هذا مختصرة إلى حد بعيد.

ثم بين أنه وبحكم كثرة القضايا اللامتناهية مع تطور الإسلام أضاف الفقهاء الاجتهاد أو الاستنتاج القياسي لعدم كفاية القرآن والسنّة في الإجابة، وشكّل ذلك مقاومة من المتطرفين المتمسكين بحرفية النص، وحينئذ دخل الفقهاء والمتكلمون في مجال آخر قلّت فيه ثقتهم بمسيرتهم، ولم يتقدموا فيه إلا باحتراس، والمثال الصارخ على ذلك ما قدمه محمد عبده ومن جاء بعده من الإصلاحيين الذين نادوا بالرجوع للقرآن والسُّنة.

الفصل السابع: القرآن في الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي:

تكلم في فاتحة الفصل عن مكانة القرآن أو الواقعة القرآنية في الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية، وبتأثيره العميق على الفرد، وأرجع ذلك لتكوّن المسلم وفق تعاليمه منذ الطفولة ومرافقته له في أطوار حياته حتى تضفي عليه الرهبة تجاهه، خاصة مع الحفظ التغييبي عند الأكثرية الساحقة من الأطفال.

وبين أنه تحت التأثرات الجديدة غيّرت المدرسة القرآنية من تقاليدها البالية، وأدخلت إصلاحات على المواد المدروسة وعلى ثقافة المعلّم الذي كان قد حاك حوله كُتّاب العصر الوسيط قصصًا غريبة، وكذا على أُجرته التي لم تَعُد تقتصر على ما يجود به الأقرباء، سوى أصول التدريس فقد بقيت ثابتة، ثم سرد كيفية تلقي التلميذ للقرآن وخطوات تعلّمه، مؤكدًا مكانة الوحي في نفوس الصغار وحتى الكبار الذين اضطروا للحفظ التغييبي في كبرهم نتيجة تفريطهم في الصغر كي يندمجوا في حظيرة الإسلام، ويقرّ بالقول أنه مهما بلغت مقاومتنا قولًا وعملًا لهذا التعليم وطرائقه الهرمة فإن هذا التعليم يظلّ ضمانة تتخذها الأمة بصدد الوحي.

أثار بعدها مشكلة فهم التلاميذ للنص القرآني، وكيف يرتقي المراهق في سلّم التثقيف بعد اكتسابه مادة القرآن، ليستفيد من علوم اللغة والأدب والفقه وغيرها من العلوم الإنسانية، أمّا العوام أو الأغلبية المطلقة من الذين لم يتأثروا بالثقافة القرآنية فلا شكّ أن مواقفهم تتسم بالإجلال المصحوب بالمخاوف الخرافية، ولم يكن الدور الذي استأثر به القادرون على كتابة القرآن لا سيّما في الأوساط القروية دورًا غريبًا عن الإبقاء على جوّ قريب من السحر، والغريب أن المسلم حالة شبابه لا يتذكر من طفولته معاملته القاسية من قِبل أستاذه والفظاظة المتلقاة، وإنما يتذكر جوّ الأفراح والمناسبات وابتهاجاته الصبيانية ما يجعله عديم التجاسر والمباحثة في شأن القرآن إلّا صاحب العقل النابغ.

وتابع بلاشير في إشادته بقيمة القرآن ومركزيته الأساسية في حياة المسلمين، خاصة في رمضان حيث يحظى بكامل روحانيته، وأنه يتدخَّل في الحياة الفقهية كتدخُّل التوراة في المجتمع اليهودي، وفي الاعتقاد الشعبي يعلّق المصحف في الأعناق ويُتلى في الطلاسم للاعتقاد بأن بعض المقاطع تحمل قوة سحرية من نوع خاص، ويُستشفى به من الأمراض والعين والشعوذات إذا تُلِيَت مثلًا الآيات الستّ من سورة الإخلاص[8]، ويحظى بالقداسة التي تشترك فيها جميع الأديان أثناء قراءته بالتجويد والتلحين، حتى الفن الزخرفي وجد طريقه للتأثر بالإجلال المصحفي الخاص بمصحف عثمان، وراح يشرح فلسفة الفنّانين في الكتابة الجمالية.

بيّن بعدها قيمة الاحترام الجماعي من القراء والمفسرين أصحاب النوايا الطيبة، وإلى أيّ مدى وصل نشر القرآن في العصر الحاضر بواسطة الصوت المسجَّل والبث الإذاعي، وأن نشر المعارف القرآنية ونشر التعليم القرآني له ميزة الردّ على الماديين إضافةً لتعبيره عن الحماس الديني، حيث عرف القرآن رغم سموّه معارضات ممتدة في التاريخ من قِبل أفراد وجماعات حاولوا إنكار الإعجاز ودفع حقائقه، ولكن باءت محاولاتهم بالفشل.

القسم الثاني: قراءة تقويمية للكتاب:

بعد نظرة فاحصة للكتاب؛ انكشف لي بجلاء أن صاحب الدقة المنهجية والصرامة الموضوعية، تعكس منجزاته اتسامه بالذوق والانفعال، وأن ميولاته الاستنتاجية التي تُحمَل على الخطأ في التحليل أو الضعف في اللغة والعجز عن تمثل الثقافة ما هي إلا قراءات تعسفية تبريرية، لا تصمد أمام الحقائق التي سأوردها؛ علمًا أنّ الانتقادات المثبتة اهتمت بمناهِجه المستعملة دون الآراء المتشعّبة لأنها أصولها وقوامها، وفي ما يأتي توضيح لأهم العيوب المنهجية في طرح بلاشير والتي كانت أساسه في التحليل والاستدلال:

1- الشكّ:

إن أكثر ما قدّمه بلاشير من أطاريح وآراء قائم على منهج الشّك، وأسلوب الاحتمال لا يقوم على أحكام جازمة، فهو يحلّل من غير تثبت، ويستنتج بلا بيّنة، وكأنه يفكّك في قطعة تاريخية عريقة تنتمي لحضارة مندثرة قبل آلاف السنين، متذرّعًا في ذلك بكلمات: «أو»، «يبدو»، «ربّما»، «ويمكن أن» وغيرها من الأساليب الشّكيّة التخمينية، الدالة على التقدير والافتراض.

كما في كلامه عن أصل كلمة القرآن، حيث قال: «ففي بعض المقاطع القرآنية وردت كلمة قرآن بمعنى التلاوة، ويمكن أن تكون هذه الكلمة مأخوذة عن اللغة السريانية»[9]، وكما قال عن نشأة التدوين: «ويبدو أن فكرة تدوين مقاطع الوحي المهمة التي نزلت في السنوات السالفة على مواد خشنة من الجلود واللخاف لم تنشأ إلّا بعد إقامة محمد في المدينة، على أن هذه الحاجة إلى التدوين لم تظهر فيما يبدو إلّا بين الحين والآخر، وربما كانت تنشأ عن تحمس شخصي لبعض نصوص تشتمل على أدعية أو أحكام شرعية كانوا يرونها مهمة»[10]، وغيرها من النصوص التي ملأ بها كتابه.

ومما يلاحظ عليه في حديثه عن المصحف، أنه يربطه بشخصية عثمان -رضي الله عنه-، فيعبّر عنه أحيانًا بمصحف عثمان، وأحيانًا بالمصحف القانوني، ما يثير الشكّ في نفس القارئ حتى يوهمه أنّه الواضع له، ويمهد الطريق أمامه لاعتناق فكرة بشرية القرآن، وكأنّ في الإسلام عدّة مصاحف مختلفة، وكل مصحف له آياته الخاصة به دون البقيّة، وهذا ما يضعف الثقة بالوحي الإلهي، ليحل محله الظنّ والوهم.

والعجب من هذا أن منهجية الشكّ قادته للتشكيك في المسلّمات والقواطع وإيرادها في قالب المختلف فيه، كقوله بعد إيراد آيات الخمر: «إن هذه النصوص كما نتبين قد أدت بالفقيه إلى إدخال قاعدة الناسخ والمنسوخ، يبقى بعد ذلك تحديد ما إذا كان المقصود بتحريم الخمر جزئيًّا أو مطلقًا، وهذا ما اختلفت عليه مدارس الفقه»[11].

بل ذهب إلى أعمق من هذا في تشكيكه لكبرى العقديات الثابتة المعروفة عند الصغير قبل الكبير، والمقرّرة في أبسط الكتب الدينية المتداولة، وذلك مثل كلامه عن إبراهيم الخليل -عليه السلام-، حيث وسمه أكثر من مرة بأنه المؤسس لعبادة الكعبة[12]، ولا ضير أن تلك الأفكار هي من قبيل الخيال العلمي المردود بالعقل، المقبوح بالطبع.

2- إغفال المصادر، وانتقاؤها، وتحريفها:

تكرّر صنيعه في إغفال المصادر والمراجع التي استقى منها أفكاره، بل هو الغالب على منهجه والمطرد في جميع فصوله بلا استثناء، وهذا الإبهام يحرم الباحثين من التأكد والاستبيان، حتى إن مترجم الكتاب اشتكى في المقدمة[13] من عدم دقّة المؤلف في تحديد المراجع التي أخذ منها باعتبارها أكبر الصعوبات التي توقف عندها، لدرجة أنه يجمع في مقطع واحد كلمات متناثرة مأخوذة عن نص عربي طويل ويضعها بين مزدوجتين في سطرين أو ثلاثة أسطر.

ويلحق بالإغفال الانتقائية في استعمال المصادر الإسلامية، فتجده يركّز على بعض الكتب التاريخية أو الأدبية أو الفهارس في حين يهمل المصادر القرآنية المعتمدة، ولو اعتمدها فإنه ينقل منها تشويشًا لا تأسيسًا، يتماشى والطرح الذي يهدف للوصول إليه، كاعتماده على الفهرست لابن النديم، والمروج للمسعودي، وغيرها من الكتب التي تنقل الشواذ والأباطيل، وفي النص الآتي مثال يوضّح خلفية وبُعد النصوص المقتبسة؛ يقول في سياق الكلام عن الجمع القرآني: «وأكثر ما يمكننا هو الاستناد مع ضرورة الاحتراس القصوى، إلى تصريح شهير لصاحب الفهرست العراقي ابن النديم المتوفى بعد سنة 977م الذي يؤكد أنه رأى في الكوفة مصحفين قديمين يحويان نصوصًا ظاهرة الاختلاف في تنظيمها، وعناوين فصولها، وعدد آياتها مع مصحف عثمان القانوني، هذه الشهادة قيّمة بالتأكيد...»[14].

وقد وصل به الحدّ في الانتقائية إلى اعتماد كتب المستشرقين وأفكارهم، أمثال: لويس ماسينيون وماكدونالد وتيودر نولدكه، خاصة وهو شديد التأثر بالأخير في مجال ترتيب نزول القرآن، بل إنّ قدوته في تأليفه ترجع لأصداء عمله العظيم في (تاريخ القرآن) كما صرّح به في المقدمة[15].

وغير بعيد عن كلّ هذا تحريفه المتعمّد للمصادر، ولعلّ أهم مصدر طاله التحريف هو القرآن الكريم، فتارة يصف سورة الإخلاص بأنها ذات ست آيات[16]، ومرّة يذكر أن بين آيتي 19 و25 من سورة النجم تردد في شجب عبادة ثلاث من ربات المكيين[17]، وأخرى يدّعي فيها أن الفرق بين سورة الكهف والنجم هو اثنتان وعشرون سورة[18]، وهاته مغالطات غير مقبولة في الدرس الأكاديمي، بل ومرفوضة عند جميع الطوائف على اختلاف توجهاتهم العلمية، فكيف سوّغ لنفسه بنقلها على أنها حقائق غير قابلة للنقاش؟!

3- النزعة التأثيرية:

وهي ظاهرة في ثنايا كتابه، حيث يردّ القرآن لمصادر يهودية ونصرانية وسريانية وآرامية وغيرها ومن ثمّ يخليه من أصالته وإلهيته، شأنه في ذلك سالف الغربيين الدارسين لقضايا القرآن، خاصّة إذا وجد أدنى تشابه بينهما كما هو حاصل في القصص والألفاظ المعرّبة والأعلام، وهذه النزعة ظل يستحضرها في كل الفصول، مستصحبًا في ذلك تصوّره لأثر الحضارة اليونانية على النهضة الأوروبية الحديثة.

فتجده مثلًا في الأسطر الأولى من مطلع كتابه يقول: «ففي بعض المقاطع القرآنية وردت كلمة قرآن بمعنى التلاوة، ويمكن أن تكون هذه الكلمة مأخوذة عن اللغة السريانية التي يرِد فيها لفظ مشابه جدًّا هذا المعنى»[19]، حيث يلقي بأول شبهة تأثيرية يصطاد بها أيّ متصفِّح لرسالته، والغريب أنّ صيغة كلامه يطالها الإمكان والاحتمال، ولكن لا يتورع من الإشارة إليها بتقصّد لا عرضًا ومصادفة.

ويقول أيضًا عن الترتيب الهبوطي في الطول للسور أنه «يبدو مطابقًا لبعض العادات الخاصة بالساميين»[20]، ويدّعي أن سورة الفاتحة «تتخذ في العبادة دورًا مماثلًا لفاتحة [أبانا الذي في السماوات] في التعبّد المسيحي»[21]، وأن النبيّ المبشّر في الصحراء يستند إلى «قصص قومية وإلى قصص مأخوذة من التوراة... والقرآن يتبع عن كثب الديباجة التوراتية عامة إلا أن اللغة العربية تضفي على الرواية ميزة غريبة بسياقها المكثف وباهتمامها بالإيحاء أكثر من اهتمامها بالوصف»[22]، وهكذا يكيل التُّهَم من دون أيّ سند أو شاهد.

وليته توقف عند المصادر الدينية التي تحظى بالقداسة، ولكنه غاص في الطلاسم والسحر ليجعلها مادة مؤثرة وكائنة في التركيب القرآني المقلَّد، وأنقل هذا النص الذي يقول فيه: «وخارجًا عن بعض سور قصيرة جدًّا، هي في مجملها أدعية، لا بل أقوال في السحر»[23]، فهل سورة الفلق التي عناها بالذكر هي أقوال في السحر وليست أدعية، وبعد صفحات من هذا التقوّل رجع ليؤكد أن منزلات السور المكية «تمت بصلة إلى طرائق معروفة في الأوساط العربية منذ عهد قديم، إنّ استعمال القوافي المنظومة والمسجعة في هذا الأسلوب قد جعله ينتمي إلى أسلوب العرافة التي كان ينطق بها الكهان»[24].

4- عدم التجرد والخضوع للأهواء:

وهذا خلاف ما شرطه على نفسه في المقدمة، إذ نصّ على أنه سيسعى «بجهد تجريدي»[25] لتقديم القرآن على خلاف الصورة البالغة التشويه التي كوّنتها أوربا المسيحية عن محمد والقرآن، ولكن ما لبث ينقض أصوله ويهدم فروعه، بقلب الحقائق، وتحريف المعاني التفسيرية بكل تعسّف، ومعلوم أنّ الحقد الدفين والشديد على الإسلام يُفقِد الموضوعية ويقود لالتماس أيّ دليل يُضعِف قوّته.

فنجده مثلًا يفسّر قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}[المائدة: 82، 83]، بقوله: «إنّ الرهبان المسيحيين يستطيعون بإيمانهم وإحسانهم أن ينالوا ثواب الجنة»[26]، وغيرها من القراءات التفسيرية البعيدة عن الاعتدال والوسطية.

كما أنه وصف النبي المرسل بعدة أوصاف تدلّ على التشويه والتمويه النابع من الانطباعات المسبّقة، فنعته بمؤسس الإسلام[27]، وصاحب النساء والخليلات[28]، والحاكم بنظام الأوليغارشية[29]، ووسم رسالة الإسلام بأنها رسالة جهاد وتحريم أكثر من أية رسالة أخرى[30]، ورمى الترتيب المصحفي للآيات والسور مرات عديدة بالاصطناع والتنافر والتضارب، زاعمًا أن القراءة التاريخية تعصم من الفوضى وتتخطى بالمطّلع القلق الذي ينتابه عند الاطلاع على نص يغلب عليه الغموض وتكثر فيه الألغاز[31].

ولتحقيق مقصده الأكبر من التحيّز والذاتية ظل منتقلًا من فكرة لفكرة دون أن يشبعها حقها، وكأنّ همّه حشد أكبر عدد ممكن من الأفكار التي تلتقي تحت سقف واحد فقط دون رابط يجمعها، متجاهلًا في كل ذلك الحقائق التاريخية، ومستخدمًا أيّة وسيلة تقرّبه من طموحاته الشخصية، ودوافعه الاستشراقية النابعة من منهج القرون الوسطى.

خاتمة:

في ختام البحث، وبعد دراسة متأنية اتضح لي بكل تأكيد وصدق أن الكاتب لم يُرِد أن يتوصل إلى الحقائق أو يكشف عن ملابساتها ويتعمق في أسبابها وظروفها، وأن المادة الدسمة التي أطلق لها قلمه هي حوصلة أو عصارة ما يتبناه هو والاتجاه الاستشراقي خصوصًا من خلفيات متوارثة عن القرآن الكريم، ويكفيك شهادة على هذا الكلام أن معالجة فكرة واحدة من مجموع ما طرحه تستلزم أضعاف كتابه، فكيف بمئات الدعاوى والاتهامات.

إن نتاجه لكتاب القرآن جاء في إطار إكمال حلقات سلسلته عن الإسلام، فسواء (معضلة محمد) أو (ترجمة القرآن) أو (المدخل إلى القرآن)، هي في الأخير تتوافق على تشويه المعالم الدينية وتسيء إليها ولكن في صورة جمالية تعاطفية لا يفهمها أغلب القارئين؛ إذ يمزج بين التقديس والتدنيس، والأمانة والخيانة، ليخرج المطالِع بفكرة أحسنها الارتياب وعدم الاطمئنان إلى كلّ تراث إسلامي.

وتتمثل أهم عيوبه المنهجية التي أسس عليها كتابه (القرآن) في بث الشكوك، وإغفال المصادر وانتقائها وتحريفها، إضافة للنزعة التأثيرية وعدم التجرد للحق، والعجب أنه له جرأة كبيرة في اقتحام المشكلات التي أمسك عن التجاسر عليها علماء الأمة، مع ضعف رصيده اللغوي والثقافي والديني، وهذا يتنافى مع الشروط والأدوات التي ينبغي توفّرها لدى الباحث الذي يشتغل بالمجال القرآني.

وفي الأخير؛ أُوصي الباحثين عمومًا والمتخصصين في المجال الاستشراقي خصوصًا بمتابعة مستجدات منتوجاتهم، ورصد أعلامهم ومخابرهم ومعاهدهم وطرُق تفكيرهم ووسائل عملهم المستحدثة، والتعريف بها والتحذير منها على جميع المستويات، والخروج للعلن بفتح باب المناظرات والنقاشات المباشرة بمختلف اللغات، وتكثيف الجهود السمعية والبصرية.

 

 

[1] ينظر: معجم أسماء المستشرقين، يحيى مراد، ص263؛ المستشرقون، نجيب العقيقي، (1/ 316)؛ موسوعة المستشرقين، عبد الرحمن بدوي، ص127؛ ريجيس بلاشير، حسين الواد، ص9؛ مستشرقون سياسيون جامعيون مجمعيون، نذير حمدان، ص143؛ ترجمة النص العربي القديم وتأويله عند ريجيس بلاشير، حورية الخمليشي، ص157.

وانظر:

 André MIQUEL, « BLACHÈRE RÉGIS - 1900-1973 », Encyclopædia Universalis [en ligne], consulté le 16 décembre 2020.
www.universalis.fr/encyclopedie/regis-blachere

[2] آراء المستشرقين الفرنسيين في القرآن الكريم، أحمد نصري، ص18.

[3] لتفصيل القول حول اختلاف الباحثين في تصنيف مدارس الاستشراق يراجع: الاستشراق، محمد فاروق النبهان، ص21.

[4] الاستشراق الفرنسي والأدب العربي، أحمد درويش، ص9؛ التطور التاريخي للاستشراق الفرنسي حتى القرن العشرين، سلمى الموسوي، ص191.

[5] آراء في الاستشراق الفرنسي كما يراه أندريه ميكيل، جمال شحيد، ص166.

[6] المستشرقون، نجيب العقيقي، (1/ 151)؛ آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره، عمر رضوان، (1/ 49)؛ الاستشراق ومنهج نقده، أحمد السايح، ص449؛ الترجمة الأدبية من العربية عند المستشرقين "المدرسة الفرنسية أنموذجًا" أندلوسي محمد، ص68؛ الدراسات القرآنية عند المستشرقين، عبد الرزاق هرماس، ص120.

[7] ينظر تفصيلها: المدرسة الاستشراقية الفرنسية، فؤاد المقدادي، ص177؛ أجنحة المكر الثلاثة، عبد الرحمن الميداني، ص134.

[8] في عدد آيات سورة الإخلاص يقول أبو عمرو الداني: «وهي خمس آيات في المكي والشامي وأربع في عدد الباقين». (البيان في عد آي القرآن، ص296)، وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «وآياتها عند أهل العدد بالمدينة والكوفة والبصرة أربعٌ، وعند أهل مكّة والشّام خمسٌ؛ باعتبار {لَمْ يَلِدْ} آية، و{وَلَمْ يُولَدْ} آية». (التحرير والتنوير: 30/ 612). وأما ما ذكره بلاشير من كونها ستًّا فهو خطأ.

[9] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ترجمة: رضا سعادة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1974، ص23.

[10] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص28.

[11] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص148.

[12] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص64.

[13] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص8.

[14] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص37.

[15] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص21.

[16] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص162.

[17] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص51، قال خليل الهنداوي عنه: «وقع في خطأ جسيم حينما زاد على سورة النجم ما زعم أنه جاء في التنزيل وهو [تلكَ الغرانيقُ العُلا وإنّ شَفاعَتهُنّ لَتُرتجَى] إشارة إلى أن شفاعة هؤلاء الأصنام واردة في القرآن، ولا ندري كيف سوغ بلاشير لنفسه الأخذ بما وضعته بعض المصادر المشبوهة، وكيف يجيز شفاعة الأصنام وهو الذي كان من علمه الأول تحطيمها والقضاء على الوثنية». رحلة الكتاب العربي، ص112.

[18] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص54.

[19] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص23.

[20] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص37.

[21] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص53.

[22] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص56.

[23] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص39.

[24] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص101.

[25] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص11.

[26] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص78.

[27] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص82.

[28] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص83.

[29] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص80.

[30] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ص42.

[31] القرآن، نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ريجيس بلاشير، ينظر مثلًا: ص21، 69.

المؤلف

الأستاذ نبيل صابري

باحث جزائري في الدراسات القرآنية، وعلى وجه الخصوص: البحث في التراث والمخطوطات الصالحة للتحقيق، وله عدد من المداخلات والأعمال المنشورة.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))