بحث: جمع القرآن، لـ"هارالد موتسكي"
"عرض وتقويم"

المؤلف : محمود عماد
تُعَدّ قضية تاريخ القرآن من أهم القضايا على ساحة الدرس الاستشراقي، وتهتم ورقة موتسكي: (جمع القرآن)، ببحث النظريات الغربية حول تاريخ القرآن، كما تقدِّم نقدًا لمعظم هذه النظريات في ضوء التطوّرات المنهجية الحديثة، هذا المقال هو عرض لورقة موتسكي وتقويم لها.

  نُشِرَتْ مؤخّرًا ترجمة ورقة بحثية لأحد الباحثين الغربيّين، والتي تناوَل فيها الباحثُ أحد الموضوعات المهمّة؛ جمع القرآن، وهي ورقة: (جمع القرآن؛ إعادة تقييم المقاربات الغربية في ضوء التطوّرات المنهجية الحديثة)[1] للباحث/ هارالد موتسكي[2]، وفي هذه المقالة سنحاول تقويم ورقة موتسكي وبيان الموقف منها، وستأتي معالجتنا النقدية مقسومة لقسمَيْن؛ أحدهما لعرض البحث باختصارٍ لا يخلّ به، والثاني لتقويمه، وذلك بعد تمهيد نعرّج فيه أولًا حول الاستشراق عمومًا وكيفية التعاطي مع الفكر الغربي ومناقشته، وثانيًا حول تناوُل الاستشراق لجمعِ القرآن.

تمهيد:

أولًا: التعاطي مع الاستشراق:

إنَّ الدّرْس الاستشراقي المعاصر قد قام بجهود مكثّفة في حقل الدراسات القرآنية، لا سيّما المتعلّقة بالتأريخ لجمع المصحف الشريف، وهذه الجهود -على تباين مستوياتها- بحاجة إلى أنْ توضع على مائدة الفحص والدَّرْس، فهي منذ ظهور الاهتمام الاستشراقي وإلى وقتنا هذا تتربّع على عَرْش الدراسات القرآنية وتظلّ في ضوء الاهتمام من جميع الباحثين المختصِّين بهذا الحقل، ومع الحراك العلميّ الذي يشهده واقعنا المعاصر في العلوم المتعلّقة بدراسة النصّ القرآنى كالنقد النصِّي وتقدير أعمار المخطوطات وتطوّر علم الميثودولوجي (المناهج) وغيرها؛ صار لزامًا علينا ملاحقة هذه الجهود الاستشراقية، وإخضاعها للفحص والدَّرْس؛ تأثيرًا وتأثّرًا واستفادةً منها وإضافةً لها. كما صار من الواجب تجاوز هذه الحالات الشعورية غير المتزنة التي تقف إحداها من الاستشراق وقفة المستهجِن الصادّ الرادّ كلَّ شيء أتى من قِبَلِهم، وإن كان فيه حقٌّ. والأخرى التي استسلمتْ لسطوة الدَّرْس الاستشراقي قلبًا وقالبًا ووقفتْ منه موقف السمع والطاعة. وسبيل الأمة الوَسَط أنْ تنظر لهذا الطَّرْح الاستشراقي بعين التقويم بِغَضّ النظر عن جهة صدوره.

وهذه مقاربة نقديّة نأمل أن تكون منصفة وشارحة لمنهج موتسكي قَدْرَ الاستطاعة، واقفة على أهم ما يميّز هذا المنهج وأبرز ما اعتراه من نَقْصٍ وإشكال، مع اقتراحٍ لمعالجة هذا النقص في إيجاز شديد.

وتأتي أهمية الدراسة محلّ النقد من كونها تتصدّى لدراسة أهم ما تم إنتاجه من دراسات حول تاريخ القرآن الكريم في الدَّرْس الاستشراقي؛ لما في هذا من النّقْد الحادّ للمناهج والمرتكزات الأساسية التي قام عليها البحث الغربي والتشكيك في مدى عِلْمِيّة هذه المناهج، مع طرحه وتطبيقه لنظريات نقد المتن والسند الحديثة على مرويات جمع القرآن.

ونحن إِذْ نتصدّى لهذه المحاولة بالعرض والنقد فلا يعني هذا أنّنا نبغي الاختلاف معها جملةً وتفصيلًا، وإنما نرمي إلى تناول الإشكالات التي اعترت البحث والوقوف على نقاط الضعف؛ كي نحاول الاستفادة من طَرْحِه وتقديم منهجية أفضل لدراسة تاريخ جمع القرآن.

لكن قبل الشروع في عرض البحث وذِكْر نتائجه سنُعرّج في سطور قليلة لاستعراض البحث الاستشراقي لمسألة جمع القرآن وأبرز الباحثين في هذا الحقل.

ثانيًا: تناول الاستشراق لجمع القرآن:

يُعَدّ ثيودور نولدكه أول باحث يقدّم دراسة غربيّة عن القرآن بكتابه الشهير: (تاريخ القرآن)، والذي أصبح حجر أساس لكلّ الباحثين مِنْ بعده، وقد كان يتبنّى السردية الإسلامية عن جمع المصحف، ثم أخذت البوصلة تتغير بعد نشر إجناس جولدتسيهر كتابه: (دراسات محمّدِيّة)؛ حيث ضرب بكلّ السردية عرض الحائط واقترح أن الأحاديث والمرويات لا يمكن التعويل عليها ولا التثبّت منها، وأنها تشكّلَتْ في عصر الدولة الأُموية والعباسية، ويمكننا القول أن جولدتسيهر أصبح الأب الروحي للاتجاه التنقيحي الذي سيظهر فيما بعد، تتحوّل البوصلة بشكلٍ أكثر تطرفًا ليخرج علينا بول كازانوفا ويقدّم أطروحة مفادها أن القرآن تم جمعه في عهد عبد الملك بن مروان في القرن الثاني الهجري، وبعد أن نشر جوزيف شاخت كتابه: (أصول الفقه المحمّدي) محاولًا تثبيت فكرة جولدتسيهر عن التشكيك في كون الأحاديث منسوبة للرسول ويمكن الاعتماد عليها في البحث التأريخي للإسلام؛ ليتولد تيار يُعرف بـ(الاتجاه التنقيحي) الذي يحاول التقليل من موثوقية المصادر الإسلامية ويعتَبِر الاعتماد عليها غير علمي، وأمثال هذا الاتجاه: جون وانسبرو، بورتون، بالإضافة إلى باتريشا كرون، ومايكل كوك. في مقابل هذا الاتجاه برز اتجاه آخر يحاول التوفيق بين التشكيك ونقد المصادر، ويعمل على المقاربة بين رؤية المسلمين للقرآن ورؤية الباحثين التنقيحيّين؛ بُغية الوصول لنتائج أكثر دقّة وعِلْمِيّة -من وجه نظرهم- وأمثال هذا الاتجاه: أنجيليكا نويفرت وفريقها؛ جينبول، غريغور شولر، مونتجمري وات، بالإضافة إلى صاحب هذه الدراسة هارالد موتسكي[3].

القسم الأول: بحث هارالد موتسكي؛ عرض وبيان:

هدف البحث:

يهدف البحث إلى نقد الدراسات السابقة عليه وبيان الخَلَل المنهجي الذي يعانيه الباحثون الغربيّون في دراسة النصوص التاريخية للمسلمين، ومَثّلَ لذلك بدراسة تاريخ مرويات جمع القرآن؛ لذا ينقسم بحث موتسكي إلى قسمين رئيسين:

أولًا: العرض والنقد لأهم البحوث الاستشراقية لتاريخ القرآن.

ثانيًا: تطبيق نموذج موتسكي (التحليل الحديث لمرويات جمع القرآن).

أولًا: العرض والنقد لأهم البحوث الاستشراقية لتاريخ القرآن:

ركّز موتسكي على أربعة باحثين لاستعراض أهم النتائج التي توصّلوا إليها وبيان المنهجيّات المستخدَمة من قِبَل ِكلّ واحد منهم، ويجب أن نؤكّد على أن شِدّة التعبيرات المستخدَمة في وصف تلك الدراسات إنما هي من استعمال موتسكي؛ ونحن هنا ننقل فقط رؤيته لتلك البحوث، وهؤلاء الباحثون هم: (شيفالي)، و(منجانا)، و(وانسبرو)، و(بورتون).

1- فريدريش شيفالي (لم يجمع أبو بكر المصحف):

قام شيفالي -متأثّرًا بما طرحه جولدتسيهر عن الأحاديث والتشكيك في موثوقيتها- بإعادة تنقيح كتاب نولدكه: (تاريخ القرآن)، ونشر الجزء الأول منه عام 1909م، والثاني 1919م، ليرفض ما قرّره نولدكه من جَمْع أبي بكر للمصحف خلافًا للرواية الإسلامية المعروفة، وعلّل شيفالي رَفْضَه بوجود علاقة زائفة بين موت القُرّاء والخوف على القرآن من الضياع في هذا التوقيت، واستنكاره أن يكون زيد بن ثابت عضوًا في لجنة جمع المصحف في عهد عثمان وهو مُكلَّف بالجمع في عهد أبي بكر، كما أبدى تحفّظَه من دعوى أنّ نُسْخَة مصحف أبي بكر التي ورثها عمر هي نسخة رسمية للخلافة؛ بحُجّة أنّ هذه النسخة ذهبتْ إلى حفصة بنت عمر ولم تذهبْ إلى الخليفة عثمان، وبهذه الأسباب يصلُ شيفالي إلى نتيجة مفادها أن مرويات جَمْع المصحف الأول هي مرويات غير صحيحة تم وضعها لاحقًا لإعطاء مصحف عثمان -المثير للجدل بين المسلمين بحدِّ تعبيره- سُلْطَة رسمية.

نقد موتسكي لطرح شيفالي:

كان موتسكي شديدًا في نقده لشيفالي؛ حيث طرح كلَّ الفرضيات التي ذكرها أرضًا وبيّنَ مَواطِنَ الخَلل والضَّعْف الواقع فيهما شيفالي؛ والحقيقة أنّ شيفالي قَدّم أطروحته على طبق من ذَهَب لكلّ من يريد انتقاد منهجه، وجاء النقد في النقاط الآتية:

1- التناقض الواضح بين قبول شيفالي لجزء من الرواية القائلة بجمع أبي بكر الأول ورفض الجزء الآخر؛ حيث رفض شيفالي كون المصحف الأول رسميًّا لأن حفصة هي من ورثته بدلًا من عثمان، في حين أنّ ذات الرواية تقول أنّ عمر قد ورثه من الخليفة أبي بكر مما يثبت أنه المصحف الرسمي.

2- تناقضه في قبول الروايات التي تذكر جَمْعَ عثمان ورفضه لروايات جمع أبي بكر، وهو مَنْ قرّر أنّ مرويات جمع عثمان بها تناقضات، إلّا أنه قَبِلها واعتمد عليها في تضعيف مرويات جمع أبي بكر بدون الاستناد على دليل علمي واضح.

3- إغفال التقييم التأريخي للمرويات، بيدَ أن شيفالي استخدم مرويات كثيرة حول جمع القرآن إلا أنه لم يقم بعملية تحليل لمصادر النصوص وتطبيق المنهج العلمي في نقدها، وإنما استبعد بعض الروايات وفق ما تراءى له، ولعلّ هذه الطريقة ليستْ من بنات أفكاره بل هي مما استقاه من نظرية جولدتسيهر كما ذكرنا آنفًا.

2- ألفونس منجانا (الحَجَّاج صاحب فكرة المصحف):

نشر منجانا مقاله عام 1916م بعنوان: (نقل القرآن)، مُتبنيًا رأي كازانوفا بأن المصحف الرسمي الأول تم جمعه في عهد عبد الملك بن مروان 86هـ باقتراح من وزيره سيّئ السُّمْعَة الحَجّاج بن يوسف الثقفي، وقد بنى هذه النتيجة على أُسس لمنهجه تتلخّص في:

1- اعتبار أوّل مصدر حديثي مكتوب يصل إلينا هو طبقات ابن سعد 229هـ، وهو يبعد 200 عام عن تاريخ وفاة النبيّ وهي مدة زمنية كبيرة، والتشكيك في النقل الشفاهي للمرويات، علاوة على عدم ذِكْر مرويات جمع عثمان في طبقات ابن سعد بينما ظهرت في كتاب البخاري 256هـ الذي يبعد 27 عامًا عن كتاب ابن سعد؛ مما يرجح عدم وجود هذه الروايات قديمًا وظهورها في وقت لاحق.

2- رفضه للمصادر الإسلامية والتشكيك في موثوقيتها والاعتماد على مصادر مسيحية يمكن الاعتماد عليها كمصدر تاريخي أفضل -بالنسبة له- يمكن الوثوق به، وبناء على ذلك فقد قام بجمع بعض المصادر في القرن الهجري الأول والثاني من المخطوطات المسيحية السريانية مثل المناظرة المسجّلة بين عمرو بن العاص وأسقف أنطاكيا يوحنا الأول 18هـ، وتاريخ يوحنا بن الفنكي المكتوب 70هـ في أوائل خلافة عبد الملك بن مروان وغيرها من المصادر التي لم يجد فيها منجانا أيَّ ذِكْر عن مصحف رسمي للخلافة، مما قدح ذهنه ليقول بعدم وجود مصحف رسمي قبل خلافة عبد الملك، وأنّ مصحف عثمان ما هو إلّا مصحف شخصي كما كان لبعضٍ من الصحابة مصاحفهم الخاصّة، غير أنه يوجد ضمن مصادر بحثه (رسالة الدفاع) التي كتبها عبد المسيح بن إسحاق الكندي (216هـ) للدفاع عن العقائد المسيحية، وهي تُعَدُّ واحدة من أقدم الأدلة غير الإسلامية على جمع القرآن، وقد ذكر فيها الكندي عدّة نقاط عن تاريخ المصحف ذكر فيها:

- جمع أبي بكر للمصحف مع اختلاف سبب الجمع عن موت القُرّاء.

- جمع عثمان بطريقة مماثلة للروايات الإسلامية.

- جمع الحَجّاج للمصحف مع ذكره للتخلّص من المصاحف الأخرى وإصدار (6) ستة مصاحف توزّع على الأمصار كما فعل عثمان في الرواية الإسلامية.

وهنا يجب التنويه على أنّ الكندي أوضح أن مرجعيته في هذا هي الروايات الإسلامية. وحتى مع استشهاد منجانا بتلك الرسالة، بيدَ أنه يصل إلى نتيجة عدم اعتبار مصحف عثمان سوى مصحف شخصي كالمصاحف المفردة التي كانت توجد مع الصحابة الذين يكتبون القرآن، وأنّ جمع الحَجّاج للمصحف هو المصحف الرسمي الذي تم جمعه وتنقيحه اعتمادًا على المصاحف المكتوبة والمحفوظة شفهيًّا.

نقد موتسكي لطرح منجانا:

كان بحث منجانا لُقْمَة سائغة استطاع موتسكي مضغها وهضمها، لا سيّما وأن منجانا ارتكز على مسلَّمات تُعَدُّ الأساس لمنهجه ويسهل التشكيك فيها، وهي:

- عدم الاعتماد على موثوقية الأحاديث؛ لأنها منقولة مشافهةً.

- المرويات الموجودة في المصادر الأقدم أكثر موثوقية وتهدم المصادر الأحدث منها، ومثال ذلك عدم اعتباره روايات البخاري لجمع أبي بكر وعثمان روايات صحيحة لأنها لم تُذكر في طبقات ابن سعد الأقدم من البخاري.

- اعتبار المصادر المسيحية أكثر موثوقية من المصادر الإسلامية؛ لأنها مكتوبة وسابقة عليها.

وقد شكّك موتسكي في هذه الأُسُس وبيّن أنها على درجة كبيرة من التهافت ولا ترقى لأنْ يُبْنَى عليها أيٌّ من الاستنتاجات التي توصَّل لها منجانا، حيث اعتبر أنه وقع في عِدّة أخطاء، وهي:

1- استدلاله بمغالطة عدم العلم على العلم بالعدم أكثر من مرّة في طرحه؛ فقد استنتج أنّ المصحف الرسمي لم يكن بين أيدي المسلمين لأنّ المصادر المسيحية في القرن الأول والثاني لم تورد ذكر ذلك، وبالقطع يُعَدُّ ذلك خطأ في الاستدلال.

2- عدم الاعتراف بروايات البخاري بحُجّة عدم وجودها في طبقات ابن سعد، بيدَ أن ذات الروايات موجودة بشكلٍ مشابه لتلك المذكورة في رسالة الكندي وهي موجودة قبل (40) أربعين عامًا من روايات البخاري، مما يثبت صحة روايات البخاري، وأنّ لها وجودًا سابقًا عند المسلمين قبل أن ينقلها البخاري في كتابه.

3- غياب كامل لتقييم رواية اللاهوتي المسيحي (الكندي) في ضوء الروايات الإسلامية، واعتبر موتسكي أنه بعقد المقارنة ستظهر رواية الكندي كنسخة مشوّهة من المرويات الإسلامية.

وبذلك تُدحض النتائج التي توصّل إليها منجانا كنتيجة طبيعية لبطلان الأُسُس والمرتكزات التي يقوم عليها بحثه، واعتبار أنّ تأريخه للمرويات الإسلامية يفتقر إلى كثير من التحرّي الدقيق.

وهنا يجب التنويه على أنّ نتائج منجانا لمقاربته في تأريخ القرآن ظهرت في كتاب: (الهاجرية) 1977م على يد باتريشا كرون ومايكل كوك رغم عدم إشارتهما لمقالة منجانا[4].

ومع استكمال نقد موتسكي إلى الأبحاث الآتية يلوح في الأفق من بعيد نظريتا جولدتسيهر وشاخت وتظهر واضحة جليّة في مناهج كِلَا الباحثَين التاليين، فقد جعلَا أساس منهجهما قائمًا على تلك النظريات، ولم يقدِّما تحليلًا نقديًّا حقيقيًّا لمرويات جمع القرآن.

3- جون وانسبرو (لم يكن هناك وجود للمصحف قبل القرن الثالث):

انطلق وانسبرو من تقريرات شاخت حول التشكيك في المرويات كمسلَّمات منهجية يبني عليها بحثه، بالإضافة إلى دراسة تحليلية للنصّ القرآني والتراث الإسلامي لتفسيره، ونشر دراسة عام 1977م بعنوان: (دراسات قرآنية) توصّل فيها إلى نتيجة أنّ القرآن الحالي بما فيه من حذف وتكرار واحتوائه على تقاليد مختلفة هو نتاج تطوّر عضوي لعددٍ كبيرٍ من البشر قام على أصلٍ قوامه مرويات متفرّقة خلال فترة طويلة من النقل الشفهي = أي أنّ مرويات جمع القرآن لم يكن مقدرًا لها الظهور إلّا بعد فترة طويلة من موت النبيّ، وأنها قد تشكّلَت في بداية القرن الثالث الهجري.

نقد موتسكي لطرح جون وانسبرو:

انقسمت دراسة وانسبرو إلى شقّيْن من حيث المنهج:

أولًا: الشقّ المتعلّق بدراسة وتحليل بنيوي/ شكلي للنصّ القرآني وتحليله على غِرار الأنواع الأدبية لتحليل النصوص، لا سيّما المتعلّقة بالتراث التفسيري للقرآن.

وهذا الشقّ لم يتعرّض له موتسكي بالنقد حيث إنه خارج منهجية البحث قيد الدراسة، واكتفى بالإشارة إلى مراجعة قام بها جينبول مع آخرين لهذه الدراسة: (دراسات قرآنية).

وهنا يمكن التنويه بالدراسات التي تقوم بها أنجيليكا نويفرت وفريقها في هذا الشأن وقيامهم بدراسة وحدة السورة الموضوعية في القرآن[5].

ثانيًا: الشقّ المتعلّق باعتقاد وانسبرو الجازم بأنّ شاخت قد أثبت -بما لا يدع مجالًا للشكّ- أنّ مرويات القرن الأول لا تصلح للاستشهاد التاريخي، وقد دحض موتسكي تلك النظرية في العديد من الدراسات التي نشرها قبل ذلك؛ مثل دراسة: (فقه الزهري)، وغيرها.

4- بورتون (مصحف مُحمّد):

لم يقدّم بورتون منهجًا جديدًا، فقد سار على خُطَى شاخت بخطوات واثقة في التشكيك والرفض لكلّ المرويات بعد وفاة الرسول، وجادل بورتون في كتابه: (جمع القرآن)، أنّ كلّ المرويات التي تتحدّث عن جمعٍ للقرآن بعد وفاة الرسول مختلَقة قد تكوّنت بفعل نقاشات علماء الأصول حول مرجعية المصادر الإسلامية، وأنهم قد احتاجوا ومن أجل أن يمرّروا آراء فقهية ليس لها نصّ مرجعيّ، إلى وضع تلك الروايات عن وجود جمع للقرآن قد تم إسقاط بعض نصوصه (نسخ آيات بعد العرضة الأخيرة) يعطي شرعية لهؤلاء الفقهاء للتشريع، وتعطيهم حُجّة للردِّ على مَن يخالفونهم لعدم وجود دليل في المصحف الحالي، هكذا كانت نظرة بورتون للأمر، فقد رأى أنّ جميع المرويات التي تتحدّث عن جمعٍ للقرآن أو عن قراءات مختلفة للنصّ كلّها زائفة ومختلَقة ولا يوجد أيّ دليل ماديّ على موثوقية القرآن سوى النصّ الحالي نفسه!

حسنًا، ومَن الذي قام بجمع المصحف الحالي؟ يجاوب بورتون ويقرّر بأنَّ النبيَّ محمدًا هو مَنْ قام بكتابة وجمع المصحف الموجود بين أيدينا الآن، وكلّ ما يوجد عن مرويات ومصاحف بها قراءات أخرى هي زيادات تم وضعها من علماء الفقه لتبرير معتقداتهم.

نقد موتسكي لطرح جون بورتون:

يمكن القول بأنّ موتسكي قد كان أشدّ قسوة على بورتون من جميع رفاقه السابقين، فقد وصف الدراسة بأنها غير منطقيّة ولا ترقى لكي تنبني عليها نقاط منهجية لكي يتم نقدها، فقد تعثّرَت الدراسة حين توصّلَت إلى أنّ جامع المصحف هو النبي محمد دون أن يقدِّم أيّ دليل، بالإضافة إلى أنه وضع جميع المرويات في سلّة واحدة واصفًا إياها بالزائفة بفعل الفقهاء، ولم يعرِض تحقيقًا حول تلك الدعوى بفحص وتأريخ تلك الروايات، وبَدَا بورتون متعثّرًا شديد التعثّر؛ حيث إنّ المنهج الذي سار عليه على درجة كبيرة من الهشاشة[6]. بذلك يكون موتسكي قد انتهى من نقدِ مناهج الباحثين ليقوم بدراسة المرويات والآثار وتطبيق منهجية جديدة يزعم أنها تبلور أدلة تفيد في معرفة تاريخية علميّة لجمع القرآن.

ثانيًا: تطبيق نموذج موتسكي (التحليل الحديث لمرويات جمع القرآن):

بدأت رحلة موتسكي عام 1991م حيث كتب مقالة باللغة الألمانية حول مرويات جمع القرآن في ضوء تطوير المناهج الحديثة جنبًا إلى جنب مع ظهور بعض المخطوطات التي لم تكن متوفّرة قبل ذلك؛ مثل مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة وتاريخ المدينة لابن شبة، ثم أُتيحت له مصادر جديدة فقام بتحديث المقال وأضاف المعلومات الجديدة في هذه الدراسة: (جمع القرآن) التي نقوم بمراجعتها الآن[7].

 المنهج الذي اتبعه الباحث:

قامت الأسس المنهجية لدراسة موتسكي على خطوتَيْن أساسيّتَيْن:

1- جَمْع المرويات التي تختصّ بجَمْع القرآن في عهدَيْ أبي بكر وعثمان -رضي الله عنهما- من كلّ المصادر المتاحة وحتى تاريخ وفاة أبي داود 316هـ (صاحب آخر جامع لكتب السُّنّة المعتمدة).

2- تطبيق منهج تحليل المرويات الحديث والذي يقوم به كلٌّ من:

أ- جينبول، الذي يعدُّه موتسكي أول من قام بتطوير تحليل وحدة الإسناد ليكون أداة قوية في البحث.

ب- غريغور شولر، الذي يقوم بتحليل متون الأحاديث بناء على الاختلافات النصّية بين الروايات المختلفة لذات الحدث مع المقارنة بتحليل الإسناد السابق ذكره، ومن ثم يتسنّى للباحث تكوين صورة أكثر موضوعية وموثوقية للتأريخ المنضبط للرواية.

وقبلهما تطوير نظرية منتجمري وات عن (النواة الأساسية من المواد الأصلية) التي تفترض وجود أساس من الروايات الصحيحة داخل النصوص التراثية للإسلام[8].

تطبيق المنهج:

قام موتسكي بجمع المرويات التي ذكرت في المصادر المتاحة حتى عام 316هـ.

أولًا: روايات جمع أبي بكر؛ وهي (20) رواية موجودة في (11) مصدرًا، تُكوِّن (29) سلسلة إسنادية.

والمصادر هي:

1- جامع البخاري.

2- مسند ابن حنبل.

3- فضائل القرآن، لأبي عبيد.

4- تفسير عبد الرزاق.

5- مسند الطيالسي.

6- مغازي موسى بن عقبة.

7- كتاب المصاحف، لابن أبي داود.

8- جامع الطبري.

9- مسند أبي يعلى.

10- سنن النسائي الكبرى.

11- الجامع الصحيح للترمذي.

ويمكن تلخيص الأحداث الرئيسة في تلك الروايات التي تتشابه كثيرًا مع بعضها -وتختلف في نصّها- على ثلاثة أحداث رئيسة:

1- اجتماع أبي بكر مع عمر للنقاش حول مسألة جمع القرآن في مصحف واحد.

2- اجتماع زيد بن ثابت مع الخليفة (في وجود عمر) لعرض الأمر عليه، ومن ثم تكليفه بالمهمّة.

3- جمع زيد للقرآن المكتوب من الصحابة، وضمّ الآيات الموجودة عند أبي خزيمة الأنصاري.

تتقاطع هذه السلاسل الإسنادية كلّها مع راوٍ واحد هو ابن شهاب الزهري (124هـ)، وهو مِن تابعِي المدينة وأحد فقهائها، ويسمَّى تقاطع السلاسل هذه بـ(نقطة الالتقاء)، وفوق هذه النقطة التلاميذ الذين أخذوا الرواية منه: إبراهيم بن سعد، ويونس، ويطلق عليهم (نقاط التقاء فرعية)، وتحت ابن شهاب طُرُق مفردة عن ابن السباق عن زيد بن ثابت.

ملاحظة يجب الانتباه لها: اعتبر موتسكي الطريق بين زيد بن ثابت وابن شهاب طريقًا مفردًا به (ابن السباق) فقط؛ لأنه استثنى الراوي الآخر وهو خارجة بن زيد بن ثابت، وسيأتي الكلام عن هذه النقطة بالتفصيل فيما بعد حين نعرض لتقويم البحث[9].

وبذلك يكون:

- نقطة الالتقاء/ (مدار الإسناد) (الزهري): قد روى عنه (5) خمسة من الرواة، هم: شعيب، وإبراهيم بن سعد، ويونس، وعمارة بن غزية، وإبراهيم بن إسماعيل؛ (واستثناء موسى بن عقبة لعدم وجود إسناد).

- نقطة الالتقاء الفرعية: يمثّلهما إبراهيم بن سعد ويونس:

أ- إبراهيم بن سعد: قد روى عنه (6) ستة من الرواة. ب- يونس: قد روى عنه راويان.

كما هو موضح بالشكل الآتي:

ثانيًا: جمع الروايات في عهد عثمان؛ وهي (16) رواية موجودة في (8) مصادر من المصادر المذكورة آنفًا، وهي تُكوّن (22) سلسلة إسنادية.

تتجمع أيضًا السلاسل عند نقطة التقاء واحدة وهي ابن شهاب الزهري بالإسناد عن الصحابي أنس بن مالك، وفوق الزهري يوجد (3) نقاط فرعية، هم: إبراهيم بن سعد (روى عنه 9)، ويونس (روى عنه 3 أو 4)، وعمارة بن غزية (روى عنه اثنان) من الرواة.

وعلى ذلك يقرّر موتسكي أنه بعد الفحص التركيبي لسلاسل المتن مع السّنَد قد بات من المعلوم أنَّ الروايتَيْن اللتَيْن انتشرتَا حول جمع المصحف المعمول بهما على نطاق واسع في الدراسات الإسلامية قد نشرهما الزهري، ويمكن تأريخهما في الرّبع الأول من القرن الثاني الهجري حيث تاريخ وفاة الزهري وهو أقدم تاريخ ممكن إثباته.

ويتساءَل موتسكي عن إمكانية أن يكون الزهري قد نقل الروايات التي وصلته ممن سبقوه بالفعل، فبخلاف ادّعاء شاخت وجينبول اللذَيْن افترضَا أنّ الزهري قد اختلق هذه الروايات يجادل موتسكي بأنّ الاحتمالَيْن على نفس الدرجة، وقد يكون الزهري نقل الروايات بالفعل عن ابن السباق (ناقل رواية جمع أبي بكر) والصحابي أنس بن مالك (ناقل رواية جمع عثمان)، وأنه لا يوجد ما يمنع من افتراض عكس ذلك إلّا بوجود قرائن تسمح بذلك، كوجود تعارض بين أعمار الزهري ومن ينقل عنهم أو وجود دوافع محتملة للتزوير، ويشير موتسكي إلى أنّ الزهري والجيل التالي عليه من أوائل مَن نشرَ المرويات بين طلّابه بطريقة منهجية، وحوّلها من النظام السائد وقتها إلى الفصول المنتظمة التي كانت نواة التعليم المؤسّسي[10].

نتائج البحث:

يصل موتسكي إلى نتيجة أنّ الأبحاث السابقة عليه والتي افترضت وجودًا تاريخيًّا لمرويات جمع القرآن بعد الرُّبْع الأول من القرن الثاني الهجري كالذي قرّره وانسبرو وبورتون وشيفالي =كلّها خاطئة تمامًا وعلى درجة واحدة من التهافت؛ لذلك يفترض صحة السردية الإسلامية لأنها أقدم من أيّ دراسة غربيّة حاولتْ أن تنسج سردية بديلة أكثر موثوقية ومنطقية عن السردية الإسلامية لكنها فشلتْ في ادّعاءاتها بتقديم تأريخ حقيقي لهذه المرويات، مع تأكيده على أنه لم يستطع أن يتأكّد من صحة الوقائع المذكورة في المرويات الموجودة حاليًّا ولا أن يثبت أن هذه المرويات تعود لشهود عيان لتلك الأحداث[11].

وبذلك نكون قد انتهينا من عرض بحث موتسكي، والآن ننتقل لمراجعة ما قرّره في بحثه وبيان أهم الأخطاء التي وقع فيها الباحثُ عن عمد أو دون عمد، لكن أولًا نقف على أهم ما جاء في دراسة موتسكي من مميزات وأبرز ما يمكن الاستفادة منها حتى لا نبخسه حقّه.

القسم الثاني: بحث موتسكي؛ نقد وتقويم:

أهم مزايا البحث:

ينطوي البحث على بعض الميزات، أهمّها ما يأتي:

أولًا: محاولة النقد الجادّة لمنهجيات الدراسات القرآنية الغربية السابقة:

استطاع موتسكي ببراعة وجرأة أن يُمْسِك بتلابيب البحث الاستشراقي، ولم يكتفِ بالقيام بنقد عميق وقويّ للبحوث الغربية السابقة عليه؛ بل اشتبك نقديًّا، وهزّ الأُسس المنهجية التي قامت عليها هذه البحوث هزًّا عنيفًا، وخلخلها خلخلةً كشفَت عن العوار الذي يعتريها والهشاشة التي قدّمَتها أصولُ ومرتكزات بحوث التنقيحيّين في العقود الأخيرة أمثال وانسبرو وبورتون، وأنّ الحديث عن مرويات القرآن التي ظهرتْ في القرن الثاني أو الثالث الهجري كما يقولون هي محض خيالات وإرهاصات لا تُقيم وزنًا ولا يُلتفت إليها، وأنها ساقطة من زُمرَة التأريخ النقدي للمرويات.

ثانيًا: تعضيد التنظير بالتطبيق:

استطاع موتسكي بمساندة منهجَي (جينبول وشولر) أن يطوّر نظرية شاخت عن نقطة الالتقاء (أو المدار)، وأنْ يقوم ببحث عملي تطبيقي لهذه النظريات على مرويات جمع القرآن، ومع تباين درجة اتفاقنا أو اختلافنا لمدى نجاحه في تطبيق هذا المنهج إلّا أنّ محاولة تطبيق هذا عمليًّا لَهُوَ أمر محمود في ذاته، ونحن هنا نلفت نظر الباحثين والدارسين إلى أهمية معرفة هذا المنهج وجوانب تطبيقه التي يمكن الاستعانة بها في دراسة المرويات والآثار بشكلٍ عام.

أهم إشكالات البحث:

ينطوي البحث على بعض الإشكالات؛ منها ما هو خارج عن منهج البحث، ومنها إشكالات طالت المنهج من الداخل، وأهمها ما يأتي:

أولًا: إشكالات داخل منهج البحث:

1- الخطأ في جمع مادة البحث:

أولًا: أخطأ موتسكي في جمع مادته البحثية، حيث ذكر أنه سيقوم بجمع كلّ المصادر الموثوقة والمعتمدة حتى تاريخ وفاة أبي داود (316هـ)، لكنه أغفل -دون قصد- رواية موجودة في مسند أبي بكر المروزي (292هـ) بالإسناد عنه، وذكر بها السلسلة ذاتها (عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن ابن السباق عن زيد)، لكن راويها هو سويد بن سعيد وهو راوٍ جديد لم يذكره موتسكي مع مَنْ نقلَ من إبراهيم بن سعد، وعلى الأرجح أن هذا الخطأ لم يقصده موتسكي حتى بعد أن تأكّدنا من أنّ المصدر كان متاحًا ومنشورًا قبل نشر موتسكي لبحثه بفترة كبيرة.

ويأتي نصّ الرواية كالآتي:

حدّثنا سُويدُ بنُ سعيدٍ قال: حدّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابن شهابٍ، عن عُبيد بن السّبّاق، عن زيد بن ثابتٍ قال: «أرسلَ إليَّ أبُو بكرٍ مقتل أهل اليمامة فأتيتُهُ وعندهُ عُمَرُ، فقال: إنّ عُمَر أتاني فقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقُرّاء القُرآن، وإنّي أرى أن تأمُر بجَمْع القُرآن، قال: وكيف أفعلُ شيئًا لم يفعلْهُ رسُولُ اللّه -صلّى اللهُ عليه وسلّم؟! فقال عُمَرُ: هُو واللّهِ خيرٌ، فلم يزل يُراجعُني حتّى شرح اللّهُ صدري للّذي شرح لهُ صدر عُمر، ثُمّ قال: إنّك غُلَامٌ شابٌّ عاقلٌ، لا نتّهمُك، وقد كُنتَ تُكتبُ الوحي لرسُول اللّه -صلّى اللهُ عليه وسلّم-، فتتبّع القُرآن فاجمعهُ، فقُلتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعلهُ رسُولُ اللّه -صلّى اللهُ عليه وسلّم؟! فقال أبُو بكرٍ: هُو واللّهِ خيرٌ، فلم يزل يُراجعُني حتّى شرح اللّهُ صدري للّذي شرح لهُ صدر أبي بكرٍ وعُمر -رضي اللّهُ عنهُما-، واللّه لو كلّفَانِي نَقْل جبلٍ من الجبال ما كان أثقل عليَّ من الّذي كلّفاني، قال: فتتبّعتُ القُرآن أجمعُهُ من العُسُب، والرّقاع، وصُدُور الرّجال، قال: ووجدتُ آيةً مع خُزيمة أو أبي خُزيمة -شكّ إبراهيمُ- كُنْتُ أسمعُ رسُول اللّه -صلّى اللهُ عليه وسلّم- يقرأُ بها في التّوبة: {لقد جاءكُم رسُولٌ من أنفُسكُم عزيزٌ عليه ما عنتُّم}[التوبة: 128] إلى آخر الآية، فكتبتُها، وكانت الصُّحُفُ عند أبي بكرٍ حياتهُ، ثُمّ عند عُمر حياتهُ، ثُمّ عند حفصة ابنة عُمَر، قال ابنُ شهابٍ: وأخبرني أنسُ بنُ مالكٍ أنّ حُذيفة بن اليمان قَدِمَ على عُثمان، وكان يُغازي أهل الشّام مع أهل العراق وفتح أرمينية وأذربيجان، فأفزع حُذيفة اختلافُهُم في القراءة، فقال لعُثمان: يا أمير المُؤمنين، أدرك هذه الأُمّة قبل أن يختلفُوا في الكتاب كما اختلفت اليهُودُ والنّصارى، فأرسل عُثمانُ -رضي اللّهُ عنهُ- إلى حفصة أن أَرْسِلِي إلينا بالصُّحُف ننسخها في المصاحف ثُمّ نرُدّها إليكِ، فأرسلتْ بها إليه، فأمرَ زيدًا، وعبد اللّه بن الزُّبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرّحمن بن الحارث بن هشامٍ أن ينسخُوا الصُّحُف في المصاحف، فإن اختلفُوا في شيءٍ من القُرآن فاكتُبُوهُ بلسان قُريشٍ؛ فإنّ القُرآن نزل بلسانهم، ففعلُوا ذلك حتّى إذا نسخُوا الصُّحُف في المصاحف ردّ عُثمانُ الصُّحُفَ إلى حفصة، فأرسل إلى كُلّ أُفُقٍ بمُصحفٍ ممّا نسخُوا، وأمر بما سواهُ من القُرآن في كُلّ صحيفةٍ أو مُصحفٍ أن يُمحى أو يُحرق»[12].

ثانيًا: أغفل موتسكي روايات أخرى موجودة في (جامع البخاري) فيما يتعلّق بجمع أبي بكر، حيث ذكر أنّ (البخاري) يحتوي على أربع روايات وسبعة أسانيد، في حين أنّ البخاري يحتوي على ستّ روايات وتسعة أسانيد، وإذا كنّا نقول بالخطأ غير المتعمّد في النقطة الأولى فهنا نقطع بإسقاط الروايات الأخرى برغبة موتسكي ذاته؛ لسببينأوّلهما: أنّ الروايات موجودة في ذات المصدر، لا سيّما وهو من أهم المصادر التي اعتمدها موتسكي في بحثه فمن المؤكد أن يكون اطّلع عليها. وثانيهما: أن ّإحدى الروايتَيْن اللتَيْن لم يذكرهما في جمع أبي بكر سندها يمرّ من طريق (شعيب عن الزهري عن خارجة بن زيد عن أبيه زيد بن ثابت)، وهو ما سنتعرّض له بمزيد من التفصيل فيما سيأتي[13].

2- التعاطي الخاطئ مع منهج المحدِّثين (رواية عمارة بن غزية نموذجًا):

يبدو أنّ موتسكي لم يهتدِ سبيلًا لاستيعاب منهج المحدِّثين في التصحيح والتضعيف للرواية؛ فمِن جانبٍ يحتفي بجينبول باعتباره أوّل مَن وضعَ منهجًا لتحليل الإسناد، في حين أن المحدّثين قد وضعوا حجر الأساس لمنهج تحليل السند والمتن كلّ على حِدَة قبل ذلك بكثير، فيقول ابن حجر -رحمه الله-: «إنه لا تلازم بين الإسناد والمتن؛ إِذْ قد يصحّ السَّند أو يحسن لاجتماع شروطه من الاتصال والعدالة والضبط دون المتن لشذوذ أو علّة»[14].

وأوضح مثال على ذلك هو ما فعله موتسكي بروايات عمارة بن غزية، فقد روى الطبري روايةً بسندَيْن متّصِلَيْن بينه وبين عمارة مذكورًا فيها قصة جمع القرآن في عهدَيْ أبي بكر وعثمان، لكن خَلَطَ عمارة بين الروايتَيْن ولم يذكر سند رواية جمع عثمان؛ مما جعل موتسكي يقرّر إسقاط رواية عمارة ويصنّفها على أنها ضعيفة المتن والسند ولا يمكن التعويل عليها، واحتج على فعله بما قاله الخطيب البغدادي وابن حجر -رحمهما الله[15]-، بيدَ أن موتسكي لم يَعِ كلامهما جيدًا لأنهما لم يُضعّفَا روايته إنما ضبطوا سند النصف الثاني من الرواية الذي يخصّ جَمْع عثمان وأسندوه إلى أنس بن مالك كما تُوضح كلّ الروايات الأخرى، لكنهم لم يقدحوا في روايته ولم يقلْ أحدٌ منهم أنّ سند رواية عمارة عن الزهري به إشكال؛ لذلك نبيّن أنّ موتسكي لم يتعاطَ جيدًا مع منهج المحدِّثين ولم يرهق ذهنه كي يفهم أُسُس التضعيف والتصحيح لكلّ من الراوي والرواية.

ثانيًا: إشكالات خارج منهج البحث:

1- إسقاط روايات في ذات البحث لعدم اعتمادها:

بعد أن بينَّا أخطاء وقعت من موتسكي في شطري المنهج (جَمْع المصادر وتطبيق المنهج)، سنصل إلى أخطاء في النتائج التي توصّل إليها أو حتى في ضعف التدليل على تلك النتائج. حسنًا، لننظر قليلًا إلى الأخطاء التي وقع فيها موتسكي ونرى إن كنّا نحن على خطأ أو لم نفهم طريقته في البحث بشكلٍ صحيحٍ.

- بالنسبة للرواية التي أسقطها من مسند أبي بكر، هل يمكن أن يكون قد اطّلع عليها ولم يدرجها في مصادره لأنها لن تغيّر من نتائج البحث، يبدو أنّ هذا الاحتمال صحيح في حالة أن تكون سلسلة السند ومتن الرواية قد تكرّر ولن يُضيف جديدًا إلى البحث وهذا بكل تأكيد لم يحدث؛ فالرواية تحتوي على راوٍ جديد لم يذكره من قبل ويمكنه تدعيم نقطة الالتقاء الفرعية (إبراهيم بن سعد) براوٍ آخر حسب تطبيق منهجه.

- بالنسبة للرواية التي أسقطها من البخاري (من طريق شعيب عن الزهري عن خارجة)؛ هل يمكن أن يكون قد أسقطها من مصادره لأنها مختلفة المتن عن باقي روايات البخاري فقرّر استبعادها، ويبدو ذلك احتمالًا منطقيًّا وفق منهج موتسكي، لكنّنا من الممكن أن نسجّل عليه نقطتين هنا:

1- كان يجب عليه أن يُورد الروايات كاملة ثم يستبعد ما يشاء ويعلّل سبب الاستبعاد بنفس الطريقة التي أورد بها رواية عمارة من الطبري، أمّا أن يهمل الرواية ولا يُورِدها من البداية فلا يصحّ.

2- كان الأمر سيبدو طبيعيًّا إذا كان سند الرواية مكرّرًا مع باقي المرويات، بيدَ أنّ الرواية المذكورة في البخاري بسند متصل آخر (من يونس عن الزهري عن خارجة)، وتلك الرواية تتشابك مع رواية عمارة في الإسناد عن خارجة بن زيد بن ثابت مما يقوّي هذا الإسناد الذي ضعّفَه موتسكي بحجة أنَّ رواية عمارة بها إشكالات في المتن والسند، في حين أنه لو أَوْرَد هذه الرواية سيصل لنتيجة أنّ عمارة لم يكن بمفرده حين أسند روايته عن الزهري عن خارجة.

إنَّ ذلك يعني أنّ نتائج بحث موتسكي قد تختلف عن دعواه أنَّ رواية الزهري عن مَن سبقوه طرُق مفردة إلى زيد بن ثابت، بل تمثّل طريقَيْن هما ابن السباق وخارجة. ويمكن الاعتراض على ذلك بأنه لن يغيّر من نتيجة البحث = في أن الزهري هو ناشر الروايات الوحيد (نقطة الالتقاء الرئيسة)، إلّا أنّ وجودَ شخصَيْن قد روَى عنهم الزهري قصة جمع القرآن دليلٌ يمكن الحِجَاج به أمام من يشكّك في كلام الزهري ويعتبره واضعَ الروايات، ويضاف على أدلة موتسكي التي يدافع فيها عن الزهري ويعتبره ناقلًا للروايات عن أساتذته، كما هو موضح في الشكل المقترح الآتي:

2- نقده غير المتخصّص لدراسة وانسبرو:

لم يوفَّق موتسكي كثيرًا في نقده لجون وانسبرو؛ ليس لصحّة ما طرحه وانسبرو، إنما لعدم تخصّص البحث في أطروحته، فقد كان بحثه: (دراسات قرآنية) يدرس التحليل البنيوي لنصوص القرآن، وبحث موتسكي يقوم بالأساس على تحليل وتأريخ المرويات، وهو بعيدٌ كلّ البُعْد عن ما يقدّمه وانسبرو؛ مما جعل نَقْد موتسكي يبدو ضعيفًا وغير متجانس، أمّا بالنسبة لما تعرّض له وانسبرو عن مرويات جمع القرآن وتقرير نتائج شاخت فقد كان من الممكن أن يشير إليه في لمحة بسيطة في بداية البحث كما فعل مع آخرين، بالإضافة إلى أنه قد نقد نظرية شاخت بالفعل عند تعرّضه لبحث بورتون؛ لذا كان من الأفضل ألّا يُورِد دراسة وانسبرو في متن البحث ويفرد له جزءًا من النقد وهو بعيد عن منهجه.

3- إهمال نتيجة أعمار المخطوطات القرآنية وعدم اعتمادها:

أهمل موتسكي أعمار المخطوطات المبكّرة للقرآن الكريم واحتج بقوله أنّ العلماء لم يَصِلُوا إلى اتفاق حول أعمار المخطوطات وأن المخطوطات ليست كاملة ولا يُعْلَم إنْ كانت تمثّل الشكل الأول للمصحف القديم أم لا، وعليه قرر أن المخطوطات لا تساعد في تحديد موثوقية المصحف كمصدر تاريخي[16].

والحقيقة أن تلك الادّعاءات يسهل الردّ عليها بأنَّ تحديد أعمار المخطوطات عملية تخضع للبحث التجريبي، ويمكن التأكّد من تحديد أعمار المخطوطات بطرق محايدة كثيرة وبذلك يمكن الوثوق في تاريخيّتها، أمّا مسألة أنّ المخطوطات غير كاملة فحجته تتهاوَى أمام ما يقوله زميله شولر في ذلك الشأن والذى نشره في دراسته (تدوين القرآن): «لدينا مخطوطة من صنعاء كما ذكر فون بوتمر، تحوي مواضع من القرآن، وتعود المخطوطة إلى النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وتشتمل على النصّ العثماني كما هو موجود الآن دون أيّة تغييرات، وتضمّ هذه المخطوطة أوّل سورة وآخر سورة من القرآن، واللتان لا توجدان عادة في غير المصاحف العثمانية»[17].

ولو استعان موتسكي بدليل المخطوطات في بحثه كان سيضيف دليلًا جديدًا يدعم ما توصّل إليه من نتائج في أنّ المرويات الخاصّة بجمع القرآن كانت متداولة في القرن الأول الهجري، بل أكثر من ذلك كان سيزيد أطروحته بدلائل تشير إلى أنّ مصحف عثمان له وجود سابق على الزهري وأنه ناقل للرواية عن سابِقِين.

4- بناء نتيجة البحث على مغالطة القِسْمة الثنائية:

نجد فجوة واضحة فيما قال إنه قد توصل إليه في نتائج بحثه من أنّ الزهري هو نقطة الالتقاء للروايات المتعلقة بجمع القرآن، وأنَّ تأريخ الروايات الصحيح -من وجهة نظره- هو تاريخ وفاة الزهري 124هـ، وبين ما قرّره في خُلاصة البحث من قبوله للسردية الإسلامية، ويرجع ذلك إلى ما يسمَّى مغالطة القِسْمة الثنائية أو مغالطة إمّا/ أو، وهي أنْ تختزل المسائل في احتمالَيْن فقط وتدحض واحدًا منهما وتثبت الآخر، مع إنه قد يكون هناك وجه ثالث أو حتى عدّة أوجه للمسألة وأنت لم تُلْقِ لها بالًا؛ لذلك بَدَا موتسكي مضطربًا فيما قرّره في خُلاصة البحث، ولا يُفْهَم من ذلك أنّنا نقول بعدم صحة السردية الإسلامية، بل نحن نحاكم موتسكي إلى منهجه الذي قرّره لنفسه.

خاتمة:

وبعد هذا النَّظَر في فحص هذه الدراسة التي قدّمها موتسكي، وتمحيص هذه البناءات منهجيًّا تبيّن لنا عدّة جوانب إيجابية؛ فقد رأينا نقدًا قويًّا من داخل الدرس الاستشراقي لكلّ المناهج السابقة عليه، وتفنيد أُسس المنهج المتهالك الذي يقدّمه الاتجاه التنقيحي للتعامل مع مرويات التراث الإسلامي، والذى يبعد إلى حَدٍّ بعيدٍ عن وصف أطروحتهم بالطَّرْح العلمي المنهجي، كما عرضنا تطبيق موتسكي لمنهج التركيب التحليلي للسند والمتن الذي طبّقه في بحثه والذي يمكن تطبيقه على مرويات أخرى في موضوعات أخرى كثيرة ويمكن للباحثين المسلمين تطبيقه والاستفادة منه، إلّا أنه بالطبع لم تخلُ الدراسة من أخطاء تُمثّل خللًا في المقدِّمات قد ترتّب عليها خللٌ في النتائج، كما وجدنا ضعفَ موتسكي في تعامله الخاطئ مع منهج المحدِّثين، وهذا لُبّ الأزمة بين التراث الإسلامي وعلاقة المستشرقين به مما يعتريها من الخلل المنهجيّ، والقراءة غير المنضبطة، والغفلة أو التغافل عن قضايا تراثية لا يفهمها الباحثُ الغربي بشكلٍ معتدلٍ -عن قصد أو دون قصد- تُوصِلُه إلى نتائج بعيدة عن الصحة، ونسأل اللهَ أن يكون قد وفّقنا في عرض وتقويم هذا البحث، وأن يغفر لنا الزّلل الذي لا نُبرئ أنفسنا من الوقوع فيه ولا بدّ.

 

[1] جمع القرآن؛ إعادة تقييم المقاربات الغربية في ضوء التطوّرات المنهجية الحديثة، هارالد موتسكي، ترجمة: مصطفى الفقي، مركز تفسير للدراسات القرآنية، وهي منشورة على موقع تفسير للدراسات القرآنية تحت الرابط الآتي: tafsir.net/translation/98.

[2] جمع القرآن؛ إعادة تقييم المقاربات الغربية في ضوء التطوّرات المنهجية الحديثة، هارالد موتسكي، ص2.

[3] جمع القرآن؛ إعادة تقييم المقاربات الغربية في ضوء التطورات المنهجية الحديثة، هارالد موتسكي، ص21- 32.

[4] جمع القرآن؛ إعادة تقييم المقاربات الغربية في ضوء التطورات المنهجية الحديثة، هارالد موتسكي، ص28، الحاشية رقم (2).

[5] القرآن في سياقه: تحقيقات تاريخية وأدبية في المحيط القرآني، أنجيليكا نويفرت، ليدن: بريل، 2010، رقم ISBN 978- 9004176881.

[6] جمع القرآن؛ إعادة تقييم المقاربات الغربية في ضوء التطورات المنهجية الحديثة، هارالد موتسكي، ص39.

[7] جمع القرآن؛ إعادة تقييم المقاربات الغربية في ضوء التطورات المنهجية الحديثة، هارالد موتسكي، ص42.

[8] جمع القرآن؛ إعادة تقييم المقاربات الغربية في ضوء التطورات المنهجية الحديثة، هارالد موتسكي، ص16.

[9] جمع القرآن؛ إعادة تقييم المقاربات الغربية في ضوء التطورات المنهجية الحديثة، هارالد موتسكي، ص59 و62، الحاشية رقم (2).

[10] جمع القرآن؛ إعادة تقييم المقاربات الغربية في ضوء التطورات المنهجية الحديثة، هارالد موتسكي، ص66.

[11] جمع القرآن؛ إعادة تقييم المقاربات الغربية في ضوء التطورات المنهجية الحديثة، هارالد موتسكي، ص69.

[12] مسند أبي بكر الصديق، أحمد بن علي المروزي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة، ص81.

[13] صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن كثير، رقم 4784.

[14] توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، صلاح محمد عويضة، دار الكتب العلمية، (1/ 177).

[15] تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ابن جرير الطبري، تحقيق: عبد الله التركي، دار هجر، (1/ 54).

[16] جمع القرآن؛ إعادة تقييم المقاربات الغربية في ضوء التطورات المنهجية الحديثة، هارالد موتسكي، ص8.

[17] تدوين القرآن - تعليق على أطروحتي بورتون ووانسبرو، غريغول شولر، ترجمة: حسام صبري، ص27، وهي منشورة على موقع تفسير للدراسات القرآنية تحت الرابط الآتي: tafsir.net/translation/22.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))