آراء شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض مسائل الإعجاز
عرض وتحرير

من المسائل التي اعتنى أهل العلم ببحثها مسألة إعجاز القرآن الكريم، وهذه المقالة تسلّط الضوء على آراء شيخ الإسلام ابن تيمية في ثلاث مسائل من مسائل الإعجاز، وهي: وجه الإعجاز، والقول بالصَّرفة، والقدر المعجز من القرآن، من خلال عرض وتحليل أقواله في هذه المسائل.

مقدمة:

  أنزلَ اللهُ تعالى كتابَه الكريم هدى للناس، وحثَّهم على تدبّره والعمل به. ولم يزل العلماءُ منذ زمن نزول القرآن الكريم وهم يثوِّرون القرآن ويبحثون فيه ويستنبطون منه الحِكَمَ والهدايات.

هذا، وإنّ من الجهود التي بُذِلَت في ذلك، أنْ بحثوا في عظمة القرآن التي أسَرَت القلوب، وهابته النفوس، وآمن له الناس، وأذعنوا له بالفصاحة والبلاغة والبيان. ومن المسائل التي بحثوها في ذلك: إعجاز القرآن الكريم.

ومِن العلماء الأعلام والأئمة الكرام الذين كان لهم في هذا الشأن كلام، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، المعروف شهرةً بابن تيمية، الذي وهبه الله تعالى المواهب السنيّة، فبلغ في العلم المراتب العليّة.

ومؤلَّفات شيخ الإسلام كثيرة جدًّا، حتى أوصلها بعضُهم إلى أكثر من ثلاثمائة كتاب ورسالة، وهي في فنون مختلفة ومواضيع متفرّقة. والناظر فيها لا يجد أنّ شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- قد أفرد كتابًا يتعلّق بمسألة (إعجاز القرآن الكريم) وذِكْر المسائل المندرجة فيه، وهذا لا يعني أنه ليس له كلام في هذا الباب، بل كلامه فيه كثير، وهو متفرِّقٌ في مصنَّفاته.

ومن المعلوم أن شيخ الإسلام -لوفرة عِلْمِه وسعة اطلاعه- أحيانًا إذا تكلّم في مسألة يطيل فيها ويفرّع عليها المسائل، أضف إلى ذلك أسلوبه الرصين وقلمه السيّال، حتى إنّ القارئ لكلامه أحيانًا قد لا يهتدي لمقصده في مسألةٍ ما إلا بعد جهد وتعب.

وقد أردتُ في هذه المقالة تسليط الضوء على آراء شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في بعض مسائل عِلْم (إعجاز القرآن الكريم)؛ ليقرب تناولها على الباحثين، ويسهل فهمها على الراغبين، ويقل حجمها على القارئين.

والناظر إلى ما كتب العلماءُ حول إعجاز القرآن الكريم؛ سواء في كتاباتهم المفردة في الموضوع أو في أثناء تعرضهم له من خلال المواضيع العلمية المختلفة = يجد أنّ هناك مسائل اتفقوا غالبًا على طرحها ومناقشتها، وأخرى اختلفوا في إيرادها أو عدمها.

فمِمّا اتفقوا على إيراده مسائلُ تعتبر أشهر مسائل ومباحث هذا الموضوع الكبير، ومنها: وجه الإعجاز، والقول بالصَّرْفَة، والقَدْر المعجِز من القرآن[1]؛ لذا سأكتفي بالحديث عنها في هذا البحث المختصر.

هذا، وبعد البحث عن طريق قواعد البيانات الإلكترونية -كدار المنظومة وغيرها-، والمكتبات العامة؛ لم أظفر بشيء مما يتعلق بجمع كلام شيخ الإسلام في إعجاز القرآن الكريم إلا في مقالة واحدة ورسالة علمية واحدة:

- أمّا المقالة فهي بعنوان: (الإمام ابن تيمية وإعجاز القرآن)، نُشِرَتْ في مجلة الوعي الإسلامي، التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت، العدد: 248/ شعبان 1405هـ، من إعداد: الدكتور/ عبد الفتاح محمد سلامة.

وهي مقالة مختصرة جدًّا، حيث تقع في ثلاث صفحات فقط، ذكر فيها الباحث كلام شيخ الإسلام حول آيات التحدي في القرآن، وأشار إلى وجوه إعجاز القرآن الكريم عند ابن تيمية، وقوله في (الصَّرْفَة)، وأنّ نظم القرآن يشهد أنه ليس من جنس كلام البشر، ثم ختم بذكر كلام شيخ الإسلام الذي بيَّن فيه التفاوت بين شرائع الله تعالى وشرائع البشر.

وليس فيها مقدّمة ولا خاتمة، وهذا نظرًا لطبيعة المقالة والمجلة المنشورة فيها، والله أعلم.

- وأمّا الرسالة العلمية فهي بعنوان: (إعجاز القرآن الكريم عند شيخ الإسلام ابن تيمية مع المقارنة بكتاب إعجاز القرآن للباقلاني)، وهي رسالة علمية مقدمة لنيل درجة العالمية (الماجستير) في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، للأستاذ الدكتور/ محمد بن عبد العزيز العواجي، وإشراف: د/ محمد عمر حويه الشنقيطي. حصل فيها الباحث على درجة الماجستير بتقدير ممتاز، وكانت المناقشة بتاريخ 10/ 6/ 1414هـ. وطبعت الرسالة الطبعة الأولى سنة 1427هـ عن دار المنهاج بالرياض.

تتبع فيها المؤلِّف -حفظه الله تعالى- مؤلَّفات شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى[2]- و«رصد ما فيها من الدرر والشذرات، فاقتنصها واعتنى بدراستها بالنقد والمقارنة والتحليل... فأظهر لنا جانبًا مهمًّا مِن عِلم هذا العالِـمِ الجليل، وعنايته بالمنهج التطبيقي لعلم إعجاز القرآن»[3].

أوَّلًا: وجه إعجاز القرآن الكريم عند شيخ الإسلام:

القرآن الكريم معجزة النبي -صلى الله عليه وسلم- الكبرى؛ فما معنى كون القرآن معجزًا؟ وما وجه -أو أوجه- الإعجاز التي في القرآن، والتي من خلالها حَكَمْنَا على القرآن الكريم بأنه معجِز؟ وهل إعجاز القرآن الكريم هو في اللفظ فقط، أم في المعنى فقط، أم في مجموعهما؟

اختلف العلماء في ذلك على أقوال عديدة، ليس هذا موضع بسطها والحديث عنها. والذي ذهب إليه شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أن القرآن معجِز من أوجه متعدّدة، واعتذر للأقوال التي ذكرت وجهًا واحدًا في إعجاز القرآن بأنه لا يلزم من قولهم أن يكون وجه الإعجاز واحدًا، «بل كلّ قوم تنبهوا لما تنبهوا له»[4]، وبيَّن أنه مَن عرف المعاني والأوجه المعجِزة التي اشتمل عليها القرآن ظهر له إعجاز القرآن من ذلك الوجه، ومَن لم تظهر له، فإنه يكتفي بالوجه الظاهر الذي لا يخفَى على أحد، وهو عجز جميع الخلق عن الإتيان بمثل القرآن مع تحدي النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم وإخباره بعجزهم عن ذلك، فإنّ هذا الوجه ظاهر لكلّ أحد[5].

قال -رحمه الله تعالى- في بيان أوجه الإعجاز، وأن القرآن الكريم لا يختصّ إعجازه بوجه دون آخر: «وكون القرآن أنه معجزة: ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط، أو نَظْمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط، ولا من جهة سلب قدرتهم على معارضته فقط.

بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة: من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك، ومن جهة معانيه، التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بيّن فيه من الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية التي هي الأمثال المضروبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54]. وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: 27- 28].

وكلّ ما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن، هو حجة على إعجازه، ولا تناقض في ذلك، بل كلّ قوم تنبهوا لما تنبهوا له»[6].

ويقرِّرُ ما سبق -من كون وجوه إعجاز القرآن متعدّدة- في موضع آخر، فيقول: «نفس نَظْم القرآن وأسلوبه عجيب بديع، ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة، ولم يأتِ أحد بنظير هذا الأسلوب، فإنه ليس من جنس الشِّعْر ولا الرجز ولا الخطابة ولا الرسائل، ولا نَظْمه نظم شيء من كلام الناس عربهم وعجمهم، ونفس فصاحة القرآن وبلاغته هذا عجيب خارق للعادة، ليس له نظير في كلام جميع الخلق»[7]، ثم يُبَيِّنُ أنّ ما اشتمل عليه القرآن من الحديث عن توحيد أسماء الله تعالى وصفاته، وما وردَ فيه من الإخبار عن الملائكة والعرش والكرسي والجنّ وخلق آدم، وتفاصيل الدين والشرائع؛ هذا كلّه عجيب خارق للعادة، لم يوجد مثل ذلك في كلام بشر، لا نبي ولا غير نبي. ولكن مع ذلك ينصُّ على أنّ الإعجاز في معنى القرآن الكريم «أعظم وأكثر من الإعجاز في لفظه، وجميع عقلاء الأمم عاجزون عن الإتيان بمثل معانيه أعظم من عجز العرب عن الإتيان بمثل لفظه»[8].

ثانيًا: موقف شيخ الإسلام من القول بالصَّرفة:

ذهب جمهور أهل العلم إلى أنّ القرآن الكريم معجزٌ بذاته، واختلفوا في أوجه إعجازه، هل هو وجه واحد أم تتعدّد أوجه الإعجاز؟ وفي المقابل خالف هؤلاء الجمهورَ قومٌ زعموا أن القرآن ليس بمعجز في ذاته، وأنّ العرب لم يعارضوه لعدم استطاعتهم، بل إنهم حِيل بينهم وبين معارضته، وهذا ما عُرِفَ عند العلماء بـ(الصَّرْفة)[9].

ومن الممكن أن نأخذ من كلام شيخ الإسلام تعريفًا للصّرفة عند من يقول بها، وهو: «أنّ الله صرف قلوب الأمم عن معارضته مع قيام المقتضي التام»[10].

واختلف القائلون بـ(الصَّرفة)؛ فبعضهم ذهب إلى أن المراد أن الله تعالى نزع من قلوب الناس إرادة معارضة القرآن، وبعضهم ذهب إلى أن الله تعالى سلب منهم قدرتهم على الفصاحة والبيان -مع إرادتهم للمعارضة-، إلى غير ذلك من الأقوال.

وقد ردَّ وأبطل هذا القولَ شيخُ الإسلام من عدّة وجوه، وبيَّن أنه من أضعف الأقوال، فقال -رحمه الله تعالى-: «ومِن أضعف الأقوال قولُ من يقول من أهل الكلام: إنه معجز بصرف الدواعي مع تمام الموجب لها، أو بسلب القدرة التامة، أو بسلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبًا عامًّا»[11].

وقد سلك -رحمه الله تعالى- في إبطال (الصَّرفة) عدة أساليب:

1) الأسلوب الأول: على سبيل التقدير والتنزيل، بأنّ الناس كانوا قادرين على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولكنهم صُرِفوا عن ذلك:

فبيَّن أنهم إن كانوا قادرين على ذلك فامتناعهم جميعًا عن هذه المعارضة -مع قيام الدواعي العظيمة إلى المعارضة- لَمِن الآيات الخارقة للعادات الدالة على أنّ هذا القرآن الكريم معجزٌ[12].

2) الأسلوب الثاني: وهو غاية التنزل معهم، بأن يُقال:

إنّ الناس وقت نزول القرآن على حالين:

أ. إمّا أن يكونوا قادرين على المعارضة، فإن كانوا قادرين على ذلك ولم يعارضوه بل صُرِفوا؛ فلا يخلو الأمر من حالين:

- إمّا أن الله تعالى صرف دواعي قلوبهم ومنعها أن تريد معارضته، مع هذا التحدي العظيم.

- أو سلبهم القدرة التي كانت فيهم قبل تحديه.

وعلى كِلا التقديرين يكون هذا من أبلغ الخوارق، وهذا كحال رجل يقول: معجزتي أنكم كلكم لا يقدر أحد منكم على الكلام ولا على الأكل والشرب، فإنْ تحقق ذلك فهذا في نفسه يكون أمرًا خارقًا للعادة؛ لأن المنع من المعتاد كإحداث غير المعتاد.

ب. وإمّا أن يكونوا عاجزين عن المعارضة، فإن كانوا كذلك = فقد ثبت أنه خارقٌ للعادة[13].

قال شيخ الإسلام: «فثبت كونه خارقًا على تقدير النقيضين: النفي والإثبات. فثبت أنه من العجائب الناقضة للعادة في نفس الأمر»[14].

ومما يلاحظ فيما سبق أن شيخ الإسلام أشار إلى تجويز القول بالصّرفة على جهة التنزّل مع الخصم في المجادلة، مع إنكاره لها وإبطال القول بها. وهذا ينبه إلى أنّ ما ظنّه بعض الباحثين[15] -من أن ابن تيمية قد تضاربت أقواله في هذه المسألة- قول لا يصح، وكذا لا يصح قول مَن ذهبَ إلى أن ابن تيمية يجيز القول بالصرفة مطلقًا؛ كما سبق تقرير ذلك في كلامه رحمه الله تعالى[16]. لذلك قال بالحرف الواحد: «الصواب المقطوع به أنّ الخلق كلهم عاجزون عن معارضته، لا يقدرون على ذلك، ولا يقدر محمد -صلى الله عليه وسلم- نفسه من تلقاء نفسه على أن يبدل سورة من القرآن، بل يظهر الفرق بين القرآن وبين سائر كلامه لكلّ من له أدنى تدبّر، كما قد أخبر الله به في قوله عز وجل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]»[17].

وذكر أدلة على إبطال (الصَّرفة)، منها:

1) أنّ القرآن تحدّى الناس غير مرّة في أن يـأتوا بمثله، بله أن يأتوا بأقصر سورة منه، وهم كانوا في أوجِ فصاحتهم وبلاغتهم وكانوا أرباب الفصاحة والبيان، ومع ذلك لم يُعرَف عنهم أنهم أتوا بشيء يعارضون به القرآن، بل أُثر عن بعضهم -كمسيلمة الكذّاب- ما يُضحك الصبيان؛ لذلك يقول شيخ الإسلام: «فالناس يجدون دواعيهم إلى المعارضة حاصلة، لكنهم يحسّون من أنفسهم العجز عن المعارضة، ولو كانوا قادرين لعارضوه»[18].

2) أنّ الناس لم تختلف قدرتهم في الفصاحة والبيان وعِلمهم باللغة بعد نزول القرآن عمَّا كان قبل نزوله، فلا وجه لقول أنهم سُلِبوا تلك العلوم؛ قال شيخ الإسلام: «[والناس] يعرفون أنه لم يختلف حال قدرتهم قبل سماعه وبعد سماعه، فلا يجدون أنفسهم عاجزين عمّا كانوا قادرين عليه كما وجد زكريا عجزه عن الكلام بعد قدرته عليه»[19].

ثالثًا: القدر المعجز من القرآن الكريم عند شيخ الإسلام:

تتبَّع أ.د/ محمد العواجي كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وبيَّن أنه لم يجد له كلامًا يصرِّح فيه بالقدر المعجز من القرآن[20]، لكننا نستطيع من خلال كلامه العام أن نعرف قوله في هذه المسألة، وذلك من خلال الأمرين الآتيين:

1. في معرض حديثه عن (تكرار الألفاظ) ذكر أن القرآن ليس فيه تكرار للفظ بعينه عقب اللفظ الأول قط، ثم بيَّن أنّ «القرآن له شأن اختصّ به لا يشبهه كلام البشر، لا كلام نبي ولا غيره، وإن كان نزل بلغة العرب. فلا يقدر مخلوق أن يأتي بسورة ولا ببعض سورة مثله»[21].

2. ردّ شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- كلام ابن عقيل الحنبلي الذي ذكر فيه أنه لا يحصل التحدي بالسورة القصيرة -وذكر مثالًا لها سورة (تَـبَّتْ)- ولا بالآية والآيتين، حيث قال ابن عقيل: «وإنما يبين تعجيز القوم إذا طال، وجمع بين استعاراتهم وأمثالهم وحقائقهم، ولا يبين عوار الألفاظ إلا إذا طالت، ولهذا لا يحصل التحدي بمثل: ﴿تَـبَّتْ﴾[22] [المسد: 1] ولا بالآية والآيتين، ولهذا جعل حكم القليل منه غير محترم احترام الكثير الطويل، فسوّغ الشرع للجنب والحائض تلاوته، كلّ ذلك لأنه لا إعجاز فيه»[23]. وقد ذكر ابن تيمية أن هذا القول ينازعه فيه أكثر العلماء، وإنما الصحيح أن السورة معجزة، وذكر ردَّ بعض الحنابلة على قول ابن عقيل أن الآية والآيتين ليس فيها إعجاز، فقال: «ما ذكره من أن السورة القصيرة لا إعجاز فيها مما ينازعه أكثر العلماء، ويقولون: بل السورة معجزة. بل ونازعه بعض الأصحاب في الآية والآيتين؛ قال أبو بكر بن العماد -شيخ جدي أبي البركات-: قوله: (إنما جاز للجنب قراءة اليسير من القرآن لأنه لا إعجاز فيه)، ما أراه صحيحًا؛ لأنّ الكل محترم، وإنما ساغ للجنب قراءة بعض الآية توسعةً على المكلّف ونظرًا في تحصيل المثوبة والحرج مع قيام الحرمة، كما سوغ له الصلاة مع يسير الدم مع نجاسته»[24].     

الخاتمة:

تناوَلَتْ هذه المقالة آراء شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض مسائل خاصة بمسألة إعجاز القرآن الكريم، وهي: وجه الإعجاز، والقول بالصَّرفة، والقدر المعجز من القرآن، وقد ظهر من خلال المعالجة عناية شيخ الإسلام بعلوم القرآن الكريم، ومنها: علم إعجاز القرآن، وعدم وجود كتاب له مستقلّ في المسألة لا يعني عدم خوضه غمار هذه المسألة، كما تبيَّن ذلك جليًّا في كلامه رحمه الله تعالى. وكذلك ممّا بدا لنا جليًّا أنّ جَمْع كلام العلماء المتفرّق يعين على تصوره تصورًا شاملًا صحيحًا، ومِن صور ذلك ما ظهر مِن ردّ شيخ الإسلام القولَ بالصرفة، وعدم قَبوله له، خلافًا لمَن نسب إليه القول به محتجًّا بكلامٍ له أُخرج من سياقه.

إنّ جَمْع كلام العلماء المتفرق في كتبهم في مسألة واحدة مطلبٌ ذو أهمية، ولا يقلّ عنه رتبة تقريب علومهم وبيانها للناس، فمّما يوصي به الباحث الحرص على تقريب علوم أئمة العلماء -ولا سيما المبرزين منهم الذين قد يغمض فهم كلامهم أحيانًا-، خاصة في المسائل المشكلة التي تحتاج إلى سبر وفحص وطول تأمُّلٍ.

والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 


[1] بتصرف من (إعجاز القرآن الكريم عند شيخ الإسلام ابن تيمية مع المقارنة بكتاب إعجاز القرآن للباقلاني)، ص107- 109.

[2] انظر ص18- 22 من الكتاب، فقد ذكر فيه منهج عمله بالتفصيل، ومن ذلك أنه جرد خمسة وعشرين مؤلَّفًا من مؤلفات شيخ الإسلام، منها: (مجموع الفتاوى)، و(درء تعارض العقل والنقل)، و(منهاج السنّة النبوية)، وغيرها.

[3] باختصار من (تقديم) أ.د. حكمت بن بشير بن ياسين للكتاب، (ص: أ). ولم يقل هذا من اطلاع سريع، بل هو أحد المناقشين الذين ناقشوا هذه الرسالة، فكلامه هذا إنما وقع بعد اطلاع وسبر غور لهذا المؤلَّف النَّافع.

[4] الجواب الصحيح (5/ 429).

[5] انظر: الجواب الصحيح (5/ 435).

[6] الجواب الصحيح (5/ 428- 429).

[7] الجواب الصحيح (5/ 433).

[8] الجواب الصحيح (5/ 434).

[9] القائلون بالصَّرفة، منهم من يقول بها ويورد أوجهًا للإعجاز، ومنهم من ينفي أوجه الإعجاز ويتمسك بالصَّرفة فحسب.

[10] الجواب الصحيح (5/ 429).

[11] الجواب الصحيح (5/ 429).

[12] انظر: الجواب الصحيح (5/ 429).

[13] انظر: الجواب الصحيح (5/ 429- 431).

[14] الجواب الصحيح (5/ 431).

[15] وهو د. سامي عطا حسن، حيث قال: «ومنهم [أي: من علماء أهل السنّة] مَن تضاربت أقواله بين القول بالصرفة أو نفيها، مثل: ابن تيمية، وابن القيم»، الصرفة.. دلالتها لدى القائلين بها وردود المعارضين لها، ص127.

[16] انظر: القول بالصرفة، ص60، فقد أشار إلى هذه القضية.

[17] الجواب الصحيح (5/ 431).

[18] الجواب الصحيح (5/ 431).

[19] الجواب الصحيح (5/ 432).

[20] انظر: إعجاز القرآن الكريم عند شيخ الإسلام ابن تيمية مع المقارنة بكتاب إعجاز القرآن للباقلاني، ص356.

[21] مجموع الفتاوى (16/ 536).

[22] في كثير من الطبعات وقعت الكلمة هنا: بيت. ولا وجه لها هنا البتة، وإنما مراد ابن عقيل سورة المسد.

[23] الواضح في أصول الفقه (4/ 34).

[24] مجموع الفتاوى (20/ 482).

الكاتب

أحمد سليمان المنيفي

حاصل على بكالوريوس التفسير والحديث من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت، وله بعض الأعمال العلمية المنشورة.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))