قراءة في كتاب
(مفهوم الترتيل في القرآن الكريم؛ النظرية والمنهج)
للدكتور/ أحمد عبادي

الكاتب : مصطفى فاتيحي
يهدف كتاب (مفهوم الترتيل في القرآن الكريم؛ النظرية والمنهج) إلى توضيح واستجلاء معالم الترتيل باعتباره مفهومًا قرآنيًّا ينطوي على أبعاد ودلالات معرفية ومنهجية، ويحاول هذا المقال تسليطَ الضوء على هذا الكتاب، وبيان مقاربته للموضوع وكيفياتها، والموقف منها.

تمهيد:

 بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلَّم على نبيِّه الأمين، وبعد:

  لا نبالغ إذا قلنا إنّ دراسة قضايا وموضوعات القرآن الكريم يَشُوبها نوعٌ من القُصور المنهجي، مما يستدعِي القيام ببحوث تنشغل بالإجابة عن هذا الإشكال وتحليل عناصره وتفكيك تشابكاته، ومن أهم الموضوعات تلكم المتعلّقة بالمفاهيم المحورية في القرآن باعتبارها مفاتيح للفهم تنهج التفكير وتوجه مسار الاشتغال. فتنظم ما تفرّق وتنسّق ما تباين وتناثر، فتتعاضد المعاني وتتواشج الدلالات بما يفضي إلى انبلاج معالم الهُدى والرشاد.

من هنا تبرز أهمية كتاب (مفهوم الترتيل في القرآن الكريم؛ النظرية والمنهج)[1]، للدكتور/ أحمد عبادي[2]، باعتباره منتوجًا علميًّا يسعى المؤلِّف من خلاله إلى البناء على جهود السابقين ولا يتنكّب عنها، وهو محاولة تستبطن أهمية المنهج وأبعاده المعرفية والعلمية والتهمُّم بضرورة امتلاك أدوات الفهم ومفاتيحه وقدح جذوة الإبداع الخلّاق الموصول وليس المفصول، عبر تناوُل مفهوم مركزي في القرآن الكريم وهو مفهوم الترتيل، باعتباره مفهومًا لم يحظَ بالتناول العلمي الذي يستأهله.

والكتاب إذن، جدير بالقراءة لِمَا يفتح من آفاق ويطرق من قضايا علمية تندرج ضمن صُلْب الدراسات القرآنية المعاصرة.

وفيما يأتي قراءة تفاعلية مع الكتاب وبيان لكيفية مقاربته للموضوع والموقف منها:

محتويات الكتاب:

تضمّن الكتاب مقدّمة وتمهيد وبابَيْن وخاتمة، أمّا المقدّمة فقد بَيّنَ فيها كيف تبلور الموضوع عنده، واتضحت معالمه وظهرتْ جدواه، أمّا التمهيد فقد بَيّنَ فيه بشكلٍ مُجْمَل تطوّر الحركة التفسيرية إلى أن أسفرَتْ عن التفسير الموضوعي، ثم تحدّث عن هذا النوع من التفسير، وتصوُّر الباحثين له وتعريفهم إياه، وأبرز مواقفهم ومذاهبهم فيه.

أمّا الباب الأول: فقد جعله للحديث عن معالم نظرية الترتيل من خلال البرهنة على بنائية القرآن المجيد، وإبراز الارتباط العضوي والنسقي بين الوحدة البنائية والوحدة المعرفية، ثم بعد ذلك ينتقل إلى تناوُل مفهوم الترتيل ومستوياته وضوابطه.

وتم تفصيل ذلك على الشكل الآتي:

في الفصل الأول: تناوَل العلاقة بين الوحدة البنائية والوحدة المعرفية، مبينًا أهمية بنائية القرآن المجيد في المجال المعرفي، وتحدّث عن علوم التسخير وعلوم التيسير.

أمّا في الفصل الثاني: فقد جعله للحديث عن بيانات حول نظرية الترتيل عبر دراسة مصطلح الترتيل وتطبيقاته عند النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين، وتطبيقاته عند بعض أئمة السلف. وفي الفصل الثالث: تناول مستويات وضوابط الترتيل.

وجعل الباب الثاني: لأنموذج تطبيقي تناوَل فيه أُسس منهج إخراج الإنسان الصالح في القرآن المجيد، وتنزيل ذلك عبر فصلين: في الفصل الأول تناول الأُطر المرجعية؛ وتتمثّل بالنسبة إليه في: الوحي، والقبلة، والوجهة، والمنهجية الآياتية، والصلاح. أمّا الفصل الثاني: فهو محاولة لاستشراف ترتيل تنزيلي، وذلك عبر: ضبط تصوّرات الإنسان وعلاقاته والتنشئة على محوري الربانية والقوة.

وخلص في الخاتمة إلى أنّ الترتيل لا مَحِيد عنه مسلكًا ومنهجًا، لمن أراد الاستبصار بهدى القرآن واتّباعه مسرًى ومدلجًا، داعيًا الباحثين إلى تَسَلُّم مشعل البحث واستئناف المسير كشفًا للمزيد وتنقيبًا عن الجديد.

هدف الكتاب:

رام المؤلِّف من الجهد المبذول في الكتاب توضيح واستجلاء معالم الترتيل باعتباره مفهومًا قرآنيًّا ينطوي على أبعاد ودلالات معرفية ومنهجية، ومن ثم إثبات نفعه وجدواه، وبيان مسالكه، وتأسيس مناهجه، مع شفع ذلك بتطبيق أنموذجي، على أمل أن يشحذ هذا الكسب بالمباحثة والمساءَلة، ويبرد بالمناظرة والمداولة، ليُنفى زبده، ويُبقى عتده[3].

الإشكالات الأساسيّة للكتاب:

نستشف الإشكالات الأساسية للكتاب من خلال ذِكْر المؤلِّف لمسار تشكُّل الموضوع عنده، إِذْ كانت نيته كما ذكر في البداية، هي عرض الجهود التي بذلت في مجال التفسير الموضوعي، وتصنيفها، وتبويبها، وترتيبها، ثم توضيح معالم هذا المنهج الجديد، مع إبداء ملاحظات تعديلية وتصويبية، من أجل إحكام الصياغة وتدقيق العبارة.

فإذا بداعي البحث يصطدم بمشكلة المفاهيم التي يخال أنها مقتولة بحثًا وما هي كذلك، مما اقتضى أن يشكّل البحث تشكيلًا أقرب إلى نهج التأسيس منه إلى أيّ نهج آخر، وهنا يبرز مفهوم الترتيل باعتباره مفهومًا محوريًّا في الموضوع والذي طمرته البداهة، فحجبتْ مدلولاته وغطّت مكنوناته. وهو مفهوم -على أهميته ومحوريته في القرآن الكريم- لم ينل من الدراسة ما يستحقّ، وهو جدير بأن يمثّل المنهج الأوفق لنَيل هداية القرآن.

لتحليل الإشكال وتفكيكه عمد المؤلِّف إلى استعراض أهم مدارس التفسير واللون الذي صبغ كلّ مدرسة؛ منها ما هو لغوي ومنها الأثري ومنها العقلي ومنها الفقهي ومنها المذهبي، ليصل في النهاية إلى الطابع الغالب على المدرسة الحديثة والمتمثّل في التفسير الموضوعي، الذي -وعلى أهمية البحوث المقدَّمة فيه- لم يرقَ -حسب المؤلِّف- ليشكِّل منهجًا قائم الدعائم في التعامل مع القرآن الكريم، ويؤطّر فهمه بحيث توضع المواضيع الجزئية في إطارها الكلّي الذي هو المحور الأساسي المتطرّق إليه في السورة مما لا يضيع الهدف الذي جاءت تحقّقه في نفوس العباد[4].

ومن الحديث عن التفسير الموضوعي ينتقل إلى الحديث عن بنائية القرآن المجيد التي تشكّل أحد أهم وجوه الإعجاز فيه، وتفتح المجال أمام القراءة المنهجية للآيات/ البصائر صعدًا نحو مآلات معرفية لا حصر لها. وهو أمر ليس بجديد كلّ الجدة بل دَنْدَنَ حوله الكثيرُ من العلماء، كما يقرّ بذلك المؤلِّف تحت عناوين مختلفة؛ فتارة سمّوها النّظْم، وتارة سموها الترتيب، وأخرى سموها الاتساق، أو المعمارية، أو البنائية مباشرة[5].

ومَثَّل لذلك بما ورد عن الجرجاني في (نظرية النَّظْم)، وعبد الله دراز (في النبأ العظيم)، ومنى أبو الفضل في (نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدّمات والممهدات). بحيث كان للجرجاني فضل السّبْق في التأسيس للموضوع واكتشافه، ولمن بعده فضل الاستئناف والإحياء والبيان والاستثمار.

إنّ القرآن المجيد في اتساق وحدته البنائية يحقّق للبشرية وحدة معرفية تُلَمْلِم شتات الإنسان المعرفي، وتوحِّد بين زوايا إدراكه، بما يشبه إكسابه جهاز تنسيق معرفي يمكنه من الخروج من التفرّغ الإدراكي ومرحلة الشركاء المتشاكسين إلى صيرورته سَلَمًا لله ربّ العالمين، فيطفق في السير سويًّا على صراط مستقيم[6].

وبهذا يكون المؤلِّف قد حاول تأسيس علاقة نسقية بين بنائية القرآن الكريم والترتيل، الذي هو: تنسيق بين الآيات، وإنْ تفرّقَت منزلًا في القرآن المجيد، وإن كان المتبادر إلى الذِّهن عند سماعه جانبه الصوتي[7].

ذلك أنّ الترتيل الأول الذي قام به جبريل -عليه السلام- بأمر من الله: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}[الفرقان: 32]، كان تبليغًا، ولكنه أيضًا كان إرساءً لمنهج تبياني وتنزيلي وتوظيفي للآيات في واقع الناس[8].

الترتيل إذن ليس مجرّد ضبط للأداء الصوتي على أهميته، ولكنه قبل ذلك وبعده منهج استمر تعليمه النبي -صلى الله عليه وسلم- طيلة ثلاث وعشرين سنة، فتعلّمه النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعلّمه منه أصحابه. وإلى تطبيق هذا المنهج (الترتيل) يتوجّه الأمر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلى أصحابه الكرام، وإلى الإنسان في كلّ زمان وفي كلّ مكان، بقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}[المزمل: 4][9].

ويذكر مجموعة من الحوادث التي عُولجت بمنهج ترتيل القرآن بمعنى التنسيق بين الآيات.

ذلك أنّ البيانات التي ينبغي أن تُطلب من القرآن المجيد بمقتضى الترتيل هي بيانات هداية تستجيب لحاجة الإنسان فردًا وجماعة؛ إذ القرآن في أول تنزّله نزل مرتلًا مستجيًبا لحاجات الجماعة المسلمة التأسيسية معرفيًّا وتربويًّا وسياسيًّا وتعبديًّا واجتماعيًّا وتشريعيًّا واقتصاديًّا وأخلاقيًّا، محليًّا ودوليًّا، ماديًّا ووجدانيًّا[10].

وسعيًا منه لاستجلاء الدلالات المنهجية والمعرفية لمفهوم الترتيل يستحضر المؤلِّف سياقات وروده في القرآن الكريم، فالأمر بالترتيل موجّه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلى كلّ إنسان مؤمن بهذا القرآن بعده، في كلّ زمان ومكان. وفعل الترتيل الذي يخالط شغاف قلب الفرد وينداح من خلاله إلى كلّ نواحي واقعه هو المكمِّل والممكِّن من وظيفة: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}[البقرة: 129]. وقد جاءت آيات سورة الفرقان واضحة بهذا الصدد إِذْ قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}[الفرقان: 32][11].

إنّ للترتيل وظيفة في تثوير القرآن وإطلاق قدراته التفسيرية للحياة والأحياء، وللإنسان وواقع الإنسان وما يموج ويضطرب فيه... وذلك لا يتم إلا بالنظر إلى هذا القرآن وفيه، بعضه في أثر بعض، بناءً على ما يستشكل ويعرض في أتون الحياة، حيث تستحيل الآيات والبصائر المستدعاة بمنهج الترتيل هادية إلى الحقّ، ممكِّنة الإنسان فردًا وجماعةً من تحديد موقعه، ومن إبصار وجهته، بالاهتداء إلى قِبلته[12].

وفي هذا الصدد يجيب عن سؤال مفترض مفاده: كيف تتم الإفادة من هذا المنهج بالمعاني التي ضمنها إياه؟ والجواب يجده المؤلِّف -حسب ما يرى- عند محمد باقر الصدر عندما يقول: «المفسِّر التوحيدي الموضوعي يجلس بين يدي القرآن الكريم، لا يجلس ساكتًا ليستمع فقط، بل يجلس محاورًا، يجلس سائلًا ومستفهمًا ومتدبرًا، فيبدأ مع النصّ القرآني حوارًا حول هذا الموضوع، وهو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح، والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النصّ من خلال مقارنة هذا النصّ بما استوعبه الباحث عن هذا الموضوع من أفكار واتجاهات»[13].

ويهدف من خلال ذلك إلى أن يصبح القرآن الكريم بهذا المنهج حاكمًا لرؤية الإنسان موجّهًا لها، وأن يكون متبوعًا لا تابعًا؛ كما شَكّل العقل المسلم عند الرعيل الأول على المستوى التصوّري الاعتقادي والمنهجي والمعرفي، فكانت محصّلة ذلك إنجازات حضارية جبارة وهائلة.

وإذا كان هذا واضحًا على المستوى النظري، فإنه عند التنزيل تقع إشكالات كبيرة؛ لأنّ تفسير القرآن للواقع الذي تحياه الجماعة المسلمة اليوم لن يقع بطريقة آلية، بل مشروط بسلامة المنهج، وذلك ما حاول المؤلِّف أن يجيب عنه من خلال تناوله لمستويات وضوابط الترتيل، أمّا المستويات، فمنها:

أولًا: ما هو مفاهيمي:

أشار فيه إلى أنّ الاستخدام الإلهي للمفردة اللغوية يرتقي بدلالاتها إلى مستوى المصطلح المحكم الدقيق خلافًا للكسب البلاغي البشري عامة. ويعطيها الطابع المرجعي الذي يحكم دلالاتها حيثما وُجدت في القرآن، فإذا تم التعرّف على دلالة مفردة لغوية قرآنية بالآليات المنهاجية المناسبة، وفي مقدمتها التعديل التعاضدي المقارن بين كلّ الاستخدامات في القرآن فإنه يتم الانفصال بالدلالة الحاكمة التي تفهم اللفظة بحسبها في القرآن كلّه[14]. وعليه فإنّ الألفاظ في القرآن مترابطة ترابطًا عضويًّا بعلم الله وإحاطته، ترابطًا يجعلها تَنِدُّ عن الزمان والمكان فتصبح غير نهائية المعاني التي يمكن أن تندهق منها[15].

وعليه، فإنّ ألفاظ القرآن الكريم حين لا ترصد مدلولاتها داخل القرآن نفسه بمنهج الترتيل ليوقف على حقيقتها ينفسح المجال -على مصراعيه- للتأويلات المضطربة، وذلك أنّ تحديد معاني الألفاظ القرآنية من خارج القرآن يفرض عليها مدلولات ليست مرادة[16].

ومن هنا؛ ضرورة الترتيل على المستوى اللفظي لتحقيق دلالات الألفاظ، في ضوء الاستبعاد الكليّ لاحتمال وجود ترادف في القرآن بالمعنى الشائع للترادف[17].

إنّ مَن لم يدرك بنائية القرآن ووحدة ألفاظه العضوية، يمكن أن يقع في تعضيةٍ وتمزيعٍ خطيرين بإدخاله فيه من خارجه مدلولات ألفاظ لا تَمُتُّ إليه بصِلَة[18].

يتنبّه المؤلِّف إلى وجود جهود للعلماء السابقين في تحديد المصطلح القرآني سواء الفقهاء أو اللغويين، غير أن جهودهم على وجاهتها تظلّ مفتقرة إلى الشروط التي تجعل من نتائجها مفاتيح للفهم الكلي النسقي للقرآن الكريم، لغيبة الإحصاء في دراسة مفاهيم الألفاظ، وتجميعها وتوثيقها وتصنيفها معجميًّا... مما من شأنه أن ييسر الترتيل على هذا المستوى أيّما تيسير[19].

ولا تخفى أهمية تحديد ألفاظ القرآن باعتبارها مفاهيم ومفاتيح لفهمه وتفجير مكنوناته، ومن ثم فإنّ الترتيل يصبح ضرورة لاستبانة حمولتها؛ إذ القرآن مرتّل، حسن النضد -متّسق كنسيج الرُّتَيْلاء التي ترتّل بيتها بإتقان ونظام- تتفاضى الآيات فيه والبصائر التي صرفت فيه على شاكلة يتيسر معها الذِّكْر، وتمكِن معها الهداية[20].

ويقترح المؤلِّف مراحل للتعامل مع المفاهيم بمنهج الترتيل:

1- إحصاء لجميع مشتقات الجذر اللغوي للّفظ القرآني.

2- ثم تصنيف النصوص المحصاة بعد استخلاصها، حسب الأهم فالأهم من المشتقّات.

3- دراسة معاني المشتقات في المعاجم اللغوية.

4- ثم تأتي مرحلة التدبّر والتفهّم والتبيّن لكلّ مشتقّ في كلّ النصوص التي وردَ فيها.

5- تصنيف نتائج التفهم، وذلك بمراعاة العناصر المكوّنة للمفهوم والعلاقات مع غيره من المفاهيم وكذا الضمائم والقضايا التي ترتبط بالمفهوم وتعريف لفظ المفهوم تعريفًا يحيط بكلّ عناصره، ثم الخلوص إلى تركيب النسق المفهومي العام، للخلوص بعد ذلك إلى الفهم الكلي النسقي للقرآن الكريم[21].

يرى المؤلِّف أنّ المراحل المشار إليها آنفًا خطوات ينبغي أن تتم وفقها عملية الترتيل من أجل الانفصال بمدلولات المفاهيم؛ إِذْ ضبط المفاهيم المكوّنة لنسق القرآن المجيد هو الذي يمكن من الاهتداء، فمن يتمكن من المفاهيم في نسقها القرآني فقد تمكن من الإبصار، ومن فاتته فاته الإبصار[22].

يروم إذن، المؤلِّف اعتبار الترتيل مهيعًا للكشف عن دلالات أعقد المفاهيم التي أدى سوء إدراكها في غيابه إلى تشاكسات وخلافات لم تُحسم بعدُ. وحتى لا يبقى كلامه نظريًّا يُحيل إلى بعض العلماء السابقين الذين أعملوا الترتيل كرؤية ومنهج، وإن لم يرِد عندهم كمفهوم مثل صنيع ابن تيمية أثناء تناول مفهوم التأويل.

ولكن الإشكال لا يزول إلا إذا انضاف إلى المستوى المفاهيمي للترتيل المستوى المرجعي:

ثانيًا: المستوى المرجعي النسقي (بناء الأُطر المرجعية والأنساق القياسية):

ويقصد بالأُطر المرجعية: التضافرات المفاهيمية التي تنتج لنا أنساقًا تمثيلية مجالية تكون بالنسبة للتصوّر الكلي الكامن في القرآن المجيد بمثابة المركبات الإدراكية المشكلة لما يشبه القطاعات له، والتي يتمكّن المرتل من تحديد موقعه في الخارطة العامة لهذا التصوّر الكلي... وتسميتها بالأنساق القياسية؛ أي أنها ترد إليها مدلولات المفاهيم التي يتوصل إليها لقياس صوابيتها... وبهذا يكون الباحث/ المرتل كالذي يعمل في مرصد مستعملًا منظاره ليستوعب أكبر مساحة ممكنة من الرؤية[23].

ثالثًا: المستوى التنزيلي:

يوضح المؤلِّف قصده بالمستوى التنزيلي -الذي يتواشج مع ما سبقه من مستوى مفاهيمي ومستوى مرجعي نسقي- من خلال بيان الفَرق بين الإنزال جملةً إلى السماء الدنيا والتنزيل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فالتنزيل كان ترتيلًا بأمر الله. واستدلّ بكلام للزمخشري في مقدّمة (الكشاف) يقول فيه: «الحمد لله الذي أنزل القرآن كلامًا مؤلّفًا منظمًا، ونزّله بحسب المصالح منجّمًا».

إنّ إحلال الآيات البصائر -ترتيلًا- في واقع الناس هو العمل الذي قام به محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- مع الجماعة المسلمة الأولى التي تعتبر مقياسًا شاخصًا لا تتخوفه الأحداث، فهو -صلى الله عليه وسلم- شبّه عمله -ضمنًا- بعمل الفلاح البصير الذي يعالج الأرض الصالحة متحينًا أوقات الحراثة، مترصدًا تقلّب الأنواء، محددًا أنواع الوظائف والمهام التي يرتّبها على نفسه[24].

وهو يجيب عن سلامة المنهج في تحقيق تفسير القرآن الكريم للواقع؛ ينتقل إلى تناول ضوابط الترتيل مبتدئًا بالضابط المنهاجي والمتعلّق بتأصيل المفاهيم، ذلك أنّ العقدة المنهجية في سياق الترتيل تتمثّل في القدرة على استيعاب الفوارق بين مستوى العمل على بناء المفاهيم، وبين مستوى التعامل على بناء الأطر المرجعية التي تنتظم المفاهيم.

ثم الضابط التمثلي: ويقصد به تلك النظرة الكلية في التعامل مع القرآن الكريم، والتي من شأنها أن تؤطر كلّ مستويات الترتيل: اللفظي/ المفاهيمي، والنسقي/ المرجعي، والتنزيلي التأويلي؛ والتي تزكو ثمراتها بمقدار ما تحقّقه من استيعاب لأبعاد النظرة الكلية في تعاملها مع الآيات والبصائر، دمجًا وتأليفًا بين الأجزاء في إطار الكليات، وبحثًا في العلاقات والروابط عموديًّا وأفقيًّا في اتجاه تحديد المفاهيم وتحديد الأنساق القياسية التي تنتظمها في أفق تنزيلها شفاء وهداية لواقع الناس[25].

إنّ الترتيل، وهو يربط بين المفاهيم والمباحث المتفرّعة في الموضوع قيد الدرس، يوفّر لنا الرؤية الكلية المستمدة من طبيعة القرآن المجيد الشاملة، ويقدّم لنا الأطر المرجعية الحافظة لوحدة فروع الموضوع المدروس، كما يمكننا من إقامة علاقات التناسب بينها، كما يؤمنها من الانشطار في تفريعات مبعدة عن الغايات الكبرى.

ثم الضابط اللغوي: وذلك بالانضباط لقوانين اللسان العربي، مع الأخذ بعين الاعتبار تميّز عربية القرآن. وبعد ذلك يأتي الضابط المقاصدي: ويتمثّل في أنّ الوحي جاء لتحقيق مقاصد للعباد ينبغي أن يكون الوعي الإجمالي بها حاضرًا أثناء الترتيل، وهو ضابط ينصرف أساسًا إلى مستوى بناء الأُطر المرجعية[26].

وفي الأخير يشير المؤلِّف إلى الضابطين المآلي والتكاملي؛ لارتباطهما المباشر بالتنزيل.

وباجتماع مستويات الترتيل وضوابطه تسلم الوجهة وتتضح الرؤية في سبيل تفتيق مكنونات القرآن واستخراج جواهره ودُرَره. وهذا المسلك يبرهن على أنّ القواعد المنهجية لا تشكّل عوائق للفهم ولا تؤدِّي إلى احتكاره، بقدرِ ما تشكّل مفاتيح معينة ومسهلة؛ تلافيًا للزّلَل والخطل.

وانتقل المؤلِّف بعد ذلك إلى الجانب العملي التطبيقي من خلال الكلام عن أُسس منهج إخراج الإنسان الصالح في القرآن الكريم كموضوع تربوي مهمّ.

فمن خلال المنهج الترتيلي -مستويات وضوابط- يستجلي المعالم الكبرى للإنسان الصالح في القرآن المجيد، ثم يتناول الصلاح من خلال أُطر مرجعية؛ وهي الوحي والقِبلة والوجهة والمنهجية الآياتية والصلاح. وهو في كلّ ذلك يسعى إلى أن يجيب عن سؤال جوهري مفاده: كيف تتم عملية إخراج الإنسان الصالح لتكوين الأمة المصلحة؟ وقد أقرّ بالاستفادة من المشروع التربوي للدكتور/ ماجد عرسان الكيلاني في كتابه: (إخراج الأمة المسلمة والإنسان الصالح).

أبرز مزايا الكتاب:

أولًا: بالنظر إلى وضوح الجانب النظري الذي تناوله المؤلِّف والخطّة التي اقترحها وكذلك النموذج التطبيقي الذي طبّقه، فإنه يمكن أن تتم عملية معالجة الكثير من موضوعات القرآن وفق تلك الخطة، وستكون فرصة لاختبار نجاعة ما قدّم وما رام تحقيقه من البحث. وهذه خصيصة محمودة في المؤلَّفات إِذْ تتيح للباحثين وتفتح أمامهم آفاقًا وفرصًا بحثية سانحة ومهمّة.

ثانيًا: يمكن الزعم بأنّ المؤلِّف اقتدر على التعامل مع مفهوم الترتيل بأبعاده المعرفية والمنهجية، وهو مسلك محمود الغِبّ ومأمون النتائج من حيث الحرص على الانطلاق من بنية القرآن لفهم القرآن والحذر من الانزلاق إلى التعسّف في الإسقاط.

ثالثًا: ومن مزايا الكتاب أيضًا النّفَس الاستشكالي الذي طبعه بالنظر إلى أهميته في تكوين الحسّ النقدي عند القارئ وتوجيهه إلى طَرق القضايا المفصلية وتحقيق النظر فيما يُظَنّ أنه قُتِل بحثًا وهو ليس كذلك.

رابعًا: يفيد الكتاب بشكلٍ كبيرٍ في تدقيق كثير من مباحث أصول التفسير، سواء ما تعلّق بضبط الدلالات الإفرادية أو الدلالات التركيبية. أي: ضبط الألفاظ بطريقة علمية منهجية، وكذلك العناية ببنائية القرآن المجيد وآفاقها في بيان انسجامه ووحدته العضوية، وهو ما يمكّن مِن ردّ بعض دعاوي القراءات المعاصرة الساعية إلى التقويض والتفكيك.

كذلك يفيد الكتاب في الاستدلال على إمكانية التجديد في التعامل مع مناهج تفسير الخطاب القرآني دون التنكّر للكسب العِلْمِي السابق، بل البناء عليه واستثماره واستئناف النظر فيه. ولذلك نجد في الكتاب أمهات المظانّ المعتبرة في القدم هي عمدة الموضوع ونسغه ونسيجه، ثم تأتي بعدها المراجع الحديثة.

خامسًا: لغة الكتاب لغة علمية سلسة تنهل من معجم القرآن الكريم ومطبوعة بروحه وبالاقتباس منه. بالإضافة إلى خلوّه من كثرة الاستطرادات التي تسم جُلّ الأعمال العلمية.

أهم الملاحظات:

أولًا: لم يصرح المؤلِّف بالمنهج المعتمد لديه وإن كان يمكن استنتاجه من خلال أسلوب المعالجة وهو المنهج التحليلي الذي يُنظر إليه في بعض الأدبيات المنهجية على أنه عملية تفسير ونقد لإشكالات معرفية، القصد من ورائها الوقوف على حقيقتها وطبيعتها العلمية[27].

ويضم هذا المنهج عمليات ثلاث، وهي: التفسير، والنقد، والاستنباط. فالتفسير: هو عرض الأعمال العلمية على سبيل التأويل والتعليل، ذلك أن التراث الإسلامي اليوم محتاج إلى فهم صحيح لمقاصده، من خلال مصطلحاته ونظرياته. أمّا النقد: فهو عملية تصحيح وتقويم وترشيد وليس نقضًا. وأمّا الاستنباط: فهو الاستنتاج الاجتهادي، والتجديد العلمي. فكلّ عمل يهدف إلى وضع نظرية علميةٍ ما أو تركيبها، أو بناء قاعدة في الفقه أو الأصول أو التفسير...إلخ، أو تأصيل فتوى، أو مجموعة من الفتاوي، يدخل ضمن الطريقة الاستنباطية من المنهج التحليلي[28].

وهو ما نجده عند المؤلِّف ونستنتجه استنتاجًا واضحًا.

ثانيًا: لم يستعرض البحوث السابقة في الموضوع وإن كانت حاضرة في الاقتباس والاستدلال، ولكن يحتاج الأمر إلى بيان أين وقفت بالموضوع ومن أين سيبدأ؟ لا سيّما أن تركيب نظرية يحتاج إلى جمع شتات الموضوع واختراق الكتابات الواردة فيه واستثمار ما ورد فيها والتنسيق فيما بينه.

ثالثًا: كثرة الاقتباسات أحيانًا على أهميتها سبّبت عدم التناسق بين المباحث والفصول، وحالَت دون تمحيص الخلاصات والاستنتاجات، وجاءت بعض الفقرات مكثفة جدًّا فلم يتّضح المقصود منها.

ويتعلّق الأمر بالاقتباس من كتابَيْ محمد عبد الله دراز في (المدخل إلى القرآن) و(النبأ العظيم)، ومنى أبو الفضل، في كتابها (نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدّمات والمقومات)، من أجل إبراز بنائية القرآن الكريم.

أمّا عدم التناسق فيتجلّى ذلك -على سبيل المثال- أثناء الانتقال من الحديث عن بنائية القرآن الكريم بشكلٍ وصفي تقريري في الفصل الأول[29] من الباب الأول إلى الحديث عن نظرية الترتيل في الفصل الثاني من نفس الباب. والحال أن الاستدلال على البنائية أعمق من الاستشهاد بنصوص وصفية ثم الانتقال إلى الترتيل دون تركيب عميق للعلاقة؛ لأنّنا بصدد بناء نظرية كما سنرى في النقطة الموالية.

رابعًا: كان البحث أحيانًا يشير إلى نظرية الترتيل، لكن ما تم تقديمه على أهميته لا يرقى إلى أن يُوسَم بنظرية، وإنما هو أرضية ومقدّمة لتركيب نظرية. بالإضافة إلى أن بناء النظرية يحتاج إلى تحديد كثير من المفاهيم وبيان منطق ومبرّر الاستبقاء والاستبعاد، وهو الأمر الذي لا نجده في الكتاب بالشكلِ المطلوب.

ذلك أنّ للنظرية شروطًا كما جلّى ذلك فريد الأنصاري عند حديثه عن المنهج الاستنباطي الذي يتخذ شكلَيْن:

«الاستنباط الجزئي، وهو الاجتهاد المتعلّق بقضايا جزئية، في أحد المجالات العلمية، على أساس الابتكار والتجديد.

والاستنباط الكلي وهو الاجتهاد المتكامل الأجزاء، الشمولي النظرة، الذي يهدف إلى تركيب، أو وضع نظرية عِلْمية... أمّا التركيب فهو جمعُ مادة علمية لإشكالٍ تم بحثه، في مجال علميّ ما، من طرف غير واحد من العلماء، إلا أنه لم يبلغ درجة من النضج، تمكن أحد القدماء من جمعِ أطرافه وتركيبها، بيدَ أنّ الكثير كَتَبَ فيه ما تيسّر له، مما أدّى إلى تراكم المادة العلمية، فإذا تبيّن بعد جمعها وتفحّصها، أنها مما يمكن تركيبه في نسق منهجي، وصياغته في نظرية متكاملة؛ رُكّبت ذلك التركيب وصِيغَتْ بتلك الصياغة، وأُضيفتْ إليها اللّبِنات التي قد يبدو خلوّ مواضعها أثناء عملية البناء، حتى تستوي نظرية قائمة كاملة.

وأمّا الوضع فهو الإنشاء الابتدائي لنظرية علمية، في مجالٍ ما، أي: ابتكارها كليًّا على أساس إشكال جديد»[30].

وقد أصبح يحيل مفهوم النظرية على النسق المحكم، والصياغة الدقيقة لمجموعة من القواعد، والمفاهيم الكبرى والمجرّدة التي تؤلّف في اجتماعها نظامًا مترابطًا يصبح مرجعًا ووحدة قياسية.

والمؤلِّف يقرّ بأن الموضوع في أصله كان مطروقًا عند القدامى وبعض المحدثين تحت مسمّيات أخرى كما ذكرنا سابقًا، ويروم هو تنظيمه وتركيبه بشكلٍ يجمع أطرافه، وقد جاء العمل كتمهيد لوضع نظرية في الموضوع.

ولذلك تناول في الفصل الثاني من الباب الأول بيانات حول نظرية الترتيل من خلال دراسة مصطلح الترتيل وتطبيقاته عند النبيّ -صلى الله عليه وسلم- والصحابة، ثم عند أبي حنيفة والشافعي، وذلك في صفحات معدودات. ولم يتّضح وجه العلاقة بين كلّ ذلك والنظرية بالمعاني السابقة، وما يمكن أن يوجد فيه بعض الشبه مع ما تحيل إليه النظرية هو ما ورد في الفصل الثالث عندما تحدّث عن مستويات الترتيل وضوابطه، بحيث كان المؤلِّف يروم التقعيد والتنظير والبحث عن المفاهيم الناظمة، ولكن بقي الأمر في حاجة إلى مزيد من الإيضاح والبيان. ولكنه مهّد الطريق أمام مَن عَلَت همّته وتوفَّزت عزيمته لاستئناف المسير واقتحام لجة البحث، فسيجد أمامه ما يمكن الاعتماد عليه.

خامسًا: على الرغم من أهمية المثال التطبيقي الذي قدّمه، لكن يمكن أن ترِد عليه جملة من الملحوظات، منها: عموميته وعدم وجود قدر من التركيب والتعقيد فيه، ليتضح بشكلٍ جلي فعالية المنهج النظري المصاغ. فهو قد اقترح لتقديم أنموذج تطبيقي الحديث عن أسس منهج إخراج الإنسان الصالح في القرآن المجيد، ولا شك أن هذا موضوع محوري في القرآن الكريم لكن عندما نستحضر تناول الموضوع من خلال مستويات الترتيل التي حدّدها وضوابطه التي قعّدها نجد هناك بعض الفجوات التي لا تسمح باختبار نجاعة الجانب النظري بالشكلِ المطلوب، بما يسمح باستلهام المنهج وتطبيقه على موضوعات أخرى تطرح إشكالات كبرى، ولا نجد في الكتاب تسويغًا من المؤلِّف لهذا الاختيار إلّا قوله: «إنّ محور عملية إخراج الأمة الصالحة المصلحة الأساسي هو الإنسان الصالح المصلح عن طريق ضبط تصوّراته لعناصر الوجود = الله، الكون، الإنسان، الحياة والآخرة. وضبط علاقاته معها، وإكسابه الخبرات التي تمكنه من أن يجري هذه العلاقات وفق مقتضيات تلك التصوّرات، وذلك عن طريق بذل جهد واعٍ ممنهج ومرحلي متوسّل بكلّ الوسائل المشروعة، ونستنتج من هذا أنّ عملية إخراج الأمة الصالحة المصلحة تتم عبر خطّيْن متوازيين: خطّ علمي ضابط للتصوّرات، وآخر عملي ضابط للعلاقات، وتندرج تحت كلّ منهما أقسام سوف نخلص بمجرد استيفاء عرضها إلى الحديث المباشر عن غايات عملية إخراج الأمة الصالحة المصلحة»[31].

ولا شَكّ أنّ مفهوم الصلاح في القرآن الكريم تم تناوله بشكلٍ واسع من طرف الباحثين والمهتمّين، ولم يبرهن المؤلِّف على الإضافة النوعية والجديد المتوصّل إليه من خلال منهج الترتيل؛ وحتى دراسة ماجد عرسان الكيلاني: (إخراج الأمة المسلمة والإنسان الصالح) التي أقرّ المؤلف بالإفادة منها، لم يشر إلى علاقتها أو عدمها بالمنهج المذكور.

خاتمة:

يعدُّ التناول المنهجي والعِلْمي لموضوعات القرآن الكريم حاجة عصرية ملحّة وواجب من واجبات الوقت ذات الأولوية، فسلامة المنهج تُفضي إلى سلامة النتائج، وفساده يؤدِّي إلى فسادها وبوارها وخداجها، لا سيما إذا استحضرنا القراءات القاصرة والجزئية للقرآن الكريم، سواء تلك التي انجرفت مع بريق المناهج المعاصرة فحاولتْ إسقاطها عليه بصلف وتعسّف وادّعاء وغرور، أو تلك التي عطّلت فيضه العميم وحجبتْ أنواره وبصائره وهداياته بالتوقّف عند ما تم تسطيره من أصول وقواعد، دون بذلِ الجهد في تحقيق النظر فيها وتفعيلها وإعمالها لتحقّق الأجيال المتعاقبة كسبها الذاتي من الوحي دون أن تبقى عالة على كسب غيرها، ويصبح القرآن الكريم مصدرًا أولًا لمعالجة الواقع والتفاعل البنّاء مع مجرياته وما يعتمل فيه من أحداث وقضايا.

ولذلك نخلص في الأخير إلى القول: إنّ المؤلِّف استطاع إلى حَدّ كبير أن يحدّد قصده بمفهوم الترتيل واستثمره كمنهج ثم حدّد مستوياته وضوابط تنزيله.

ويُعَدُّ الكتاب إضافة نوعية في حقل الدراسات القرآنية المعاصرة بما تضمّن من أفكار ورؤى نقدية وجرأة صاحبه في الاقتراح والاستشراف وقوّة طرحه وتماسك منهجية المعالجة لديه، فضلًا عن التساؤلات التي يمكن العثور عليها في ثنايا الكتاب والتي تحتاج إلى معالجة وبذل جهد معتبر في الإجابة عنها.

كذلك يمكن أن نسجل أن الكتاب ينتمي إلى الجهود الرامية إلى الانطلاق من القرآن أولًا من أجلِ التقعيد والتنظير والتحليل والتركيب، استنبات المفاهيم المؤطّرة للفكر في تُربة القرآن.

واللهُ الموفِّق للصواب

 

[1] الكتاب صادر عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى، سنة 2007م.

[2] الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء حاليًا، وأستاذ التعليم العالي مادة علوم القرآن والتفسير وتاريخ الأديان جامعة القاضي عياض سابقًا، من مؤلفاته:

- الإسلام وهموم الناس، ضمن سلسلة (كتاب الأمة) بقطر، 2006م.

- منهج ابن الجوزي في التفسير من خلال زاد المسير في علم التفسير، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة- مصر، 2007م.

- الوحي والإنسان: نحو استئناف التعامل المنهاجي مع الوحي، نشر دار النيل، 2013م.

[3] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم؛ النظرية والمنهج، لأحمد عبادي، ص8.

[4] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم؛ النظرية والمنهج، ص43.

[5] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم؛ النظرية والمنهج، ص52.

[6] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص63.

[7] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص83.

[8] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص84.

[9] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص84.

[10] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص97.

[11] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص97.

[12] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص100.

[13] المدرسة القرآنية، محمد باقر الصدر، ص19- 20.

[14] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم؛ النظرية والمنهج، أحمد عبادي، ص104.

[15] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص110.

[16] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص107.

[17] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص111.

[18] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص112.

[19] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص113.

[20] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص114.

[21] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص115

[22] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص117.

[23] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص122.

[24] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص133.

[25] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص139.

[26] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص142.

[27] مقدمة في مناهج البحث، مولاي مصطفى الهند، ص159.

[28] أبجديات البحث في العلوم الشرعية، فريد الأنصاري، ص97، 99.

[29] الفصل الأول من الباب الأول تضمن ثلاثة مباحث: (المبحث الأول تناول بنائية القرآن المجيد، عبارة عن اقتباسات من الجرجاني والبقاعي وابن العربي وابن حزم والزركشي والشاطبي. ثم المبحث الثاني كله عبارة عن نصّ لمنى أبو الفضل.

[30] أبجديات البحث في العلوم الشرعية، ص99.

[31] مفهوم الترتيل في القرآن الكريم، ص239.

الكاتب

الدكتور مصطفى فاتيحي

حاصل على الدكتوراه من جامعة القاضي عياض بمراكش - المغرب، وأستاذ التعليم التأهيلي الثانوي.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))