من إيهامات فهارس المخطوطات
قراءة في نسبة تفسير الواقدي، والطلمنكي

لقوائم التراث المخطوط وفهارسه قيمة لا تخفى، إلا أنها تكون مضللة أحيانًا إذا لم يكن أداءُ واضعيها على أقوم طريق، وهذه المقالة تسلط الضوء على جانب من إيهامات فهارس المخطوطات فيما يتعلق بتفسيرَيْ الواقدي والطلمنكي، وتكشف عن الخطأ والوهم الواقع في نسبتهما في بعض الفهارس.

  لا تتبدَّى زينةُ المكتبات إلا بقوائمِ مُتَضَمَّنَاتِها، ولا تتمُّ فائدتُها من دون تنقيبٍ وتفحيصٍ، وتبقى مخبَّآتُها مخبَّآتٍ ما لم تَطَلها يدُ الفرز والتصنيف والفهرسة. إنّ «الفهرس بالنسبة للمكتبة هو مفتاحُ كنوزها، والقنطرةُ التي يعبرها الباحثُ وصولًا إلى مقتنياتها»[1].

غيرَ أنّ تلك القوائمَ والفهارسَ تعود هي الأخرى مغاليقَ وعقباتٍ إذا لم يكن أداءُ واضعيها على أقوم طريق، فإنه «لا بدَّ قبل الإقدام على فهرسة المخطوطات من أن يتسلَّح المفهرِس بالشروط التي تساعده على إتقان عمله وصحَّتِه، وأن يتبع في الفهرسة طريقًا سويًّا واضحًا»[2]، وإنما الفهرسة «فنٌّ قوامه الهواية، وسَدَاه الخبرة، ولُحمته الدربة الطويلة، والدراسة العميقة الدقيقة لكلّ جانبٍ في المخطوطة»[3].

وليست مشكلةُ غياب هذه المقوماتِ أو بعضِها مجردَ وقوع خطأٍ في فهرس مكتبةٍ ما، أو نقصِ معلومة، أو تردُّدٍ في موضع، بل قد يبلغ الإشكالُ حدَّ اختراعِ مصنَّفاتٍ لم تكن، أو إنشاءِ صِلاتٍ متوهَّمةٍ بين كتبٍ ومؤلِّفين، وبين نُسَخٍ ومكتبات، ثم يتعاظم الخَطْبُ إنْ تواردت على ذلك الفهارسُ تلو الفهارس، أو تَناقلَت الأوهامَ مقدماتُ المحققين، وترجماتُ المترجِمين للأعلام والمؤلِّفين.

سأعرض هنا لكتابَيْنِ من كتب التفسير، قاد سؤالان وصلاني عنهما إلى نظرٍ بالغٍ في نسبة أحدهما إلى مؤلِّفه من الأصل، وفي نسبة نسخةٍ للآخر في إحدى مكتبات المخطوطات العالمية إليه.

***

استفسر مني أحدُ أفاضل المشايخ حول ما ذكره صاحب كتاب: (الواقدي وكتابه المغازي)، في تعداد مصنفات محمد بن عمر الواقدي (ت 207هـ)، وهو قوله:

«وقد ذكر بروكلمان بعض الكتب للواقدي، وهي:

كتاب تفسير القرآن: يوجد في المتحف البريطاني في أول (832) وقال: انتفع به الثعالبي»[4].

كيف نتثبَّت من أمر هذه النسخة؟ بل كيف نحصل عليها؟

بعد مراجعة الموضع في أصل كتاب بروكلمان: (تاريخ الأدب العربي) (Geschichte der arabischen Litteratur)، نجد عبارته كما يأتي:

Brock., GAL I:136

«2. تفسير القرآن، استفاد منه الثعلبي (المتوفى 428هـ/ 1037م):

 المتحف البريطاني، 821».

ويجيء النصّ في الترجمة العربية هكذا:

«2- كتاب تفسير القرآن، انتفع به الثعالبي (المتوفى 428/ 1037)

 المتحف البريطاني أول 832»[5].

ويلاحظ أن «الثعلبي» تحرَّفت في الترجمة إلى «الثعالبي»، وأن رقم المخطوط اختلف من (821) إلى (832)، وسيأتي أن اختلاف الرقم حصل من بروكلمان في الطبعة الثانية من كتابه.

التقط العلَّامة الزركليُّ هذه المعلومة، فذكر «تفسير القرآن» في ترجمة الواقدي من كتابه: (الأعلام)[6]، ورمز له برمز وجود الكتاب مخطوطًا (خ)، وأحال في الحاشية إلى مصادر، منها الموضع السابق من كتاب بروكلمان.

ومثلُ ذلك جاء في بطاقات قاعدة البيانات الإلكترونية (خزانة التراث)، الصادرة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، مع الإحالة إلى نسخة المتحف البريطاني تحديدًا.

وبمراجعة المصدر الأصل، الذي إليه عزا بروكلمان في فهرسته، وهو فهرس Cureton, W. وC. Rie، المطبوع باللغة اللاتينية في القرن التاسع عشر الميلادي، نجد المخطوط ذا الرقم (DCCCXXI = 821) نسخةً من كتاب: (الكشف والبيان)، وهو تفسير الثعلبي.


Cureton, W. and C. Rieu, Catalogus codicum manuscriptorum orientalium qui in Museo Britannico asservantur. Pars secunda, codices arabicos amplectens, p. 372

وللتأكيد، فإن النسخة المفهرسة برقم (DCCCXXXII = 832في فهرس المتحف البريطاني، ليس لها علاقة بالواقدي ولا الثعلبي:


Catalogus codicum manuscriptorum orientalium qui in Museo Britannico asservantur,p.378

وعليه، فلم يكن بروكلمان يقصد أنّ نسخة من (تفسير الواقدي) محفوظة في المتحف البريطاني بالرقم المذكور، بل أراد أنّ الواقديّ ألَّف تفسيرًا استفاد منه الثعلبيُّ في تفسيره، ثم أحال إلى نسخةٍ من نسخ (تفسير الثعلبي)، ليقف الواقف على ذلك.

يقطع بذلك أنّنا بمراجعة ترجمة الثعلبي عند بروكلمان نفسِه، نجدُه ذكَر النسخةَ نفسَها ضمن نُسَخ (تفسيره).


Brock., GAL I:350

وقد تنبَّه إلى هذا قديمًا د. فؤاد سزكين في (تاريخ التراث العربي)، ونبَّه عليه، وتعقَّب الزركليَّ فيه، فقال في حاشية الكلام على (تفسير القرآن) من ترجمة محمد بن عمر الواقدي:

«ذكر بروكلمان في تاريخ الأدب العربي - الطبعة الألمانية (الأصل) كتابًا للواقدي بعنوان: (التفسير) للواقدي، وعبارته قد توحي بأنه قد وصلت إلينا في مخطوط المتحف البريطاني 221 (هكذا في الطبعة الأولى) أو 832 (كما في الطبعة الجديدة) على نحو ما فعل الزركلي في الأعلام (7/ 200). أما مخطوط المتحف البريطاني 821 فيضم نسخة من كتاب للثعلبي»[7].

يلاحظ أنه وقع في المطبوع الرقم (221)، وصوابه: (821) -كما يستفاد من السياق، ومن أصل الكتاب باللغة الألمانية-، ويلاحظ أيضًا، أن عبارة سزكين في الأصل الألماني كانت أصرحَ في توهيم مَن ظنَّ مِن عبارة بروكلمان غير الواضحة أن في المتحف البريطاني نسخةً من (تفسير الواقدي):


Sezgin, Geschichte des arabischen Schrifttums, I:297

الأمر الذي فات بروكلمان، وجاز على من تبعه، بل وبعض مَن سبقه -كما سيأتي-، هو أنّ الثعلبيَّ لم يتطرَّق إلى محمد بن عمر الواقدي بشيء!

قال الثعلبي في مسرد مصادره وأسانيده إليها بأول (تفسيره):

«تفسير الواقديّ:

 أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الحافظ -رحمه الله-، فيما أجاز لي لفظًا وخطًّا، قال: أنا أبو حامد أحمد بن محمد بن العباس الخطيب بمرو، قال: نا إبراهيم بن هلال، قال: نا علي بن الحسين بن شقيق، عن الحسين بن واقد»[8].

أطلق الثعلبيُّ: «الواقديّ» إذن، على الحسين بن واقد المروزي (ت 159هـ)، تفنُّنًا، ونسبةً إلى اسم والده.

وإسناد (تفسير الواقدي) عنده ينتهي إلى الحسين بن واقد، فلا شكَّ أنه هو المفسرُ المعنيُّ بذكر تفسيرِه والإسنادِ إليه، كالأمر في بقية المفسِّرين المذكورين في ذلك المسرد، وقد كان الثعلبي، كما ذكر د. خالد العنزي -أحد محققي تفسيره-، «ينسب الشخصَ أحيانًا إلى أبيه أو جده نسبَ القبيلة، كما فعل مع ابن واقد، ومع ابن قتيبة، حيث ينسبه: القتيبي، ومع ابن دريد فيقول: الدريدي»[9].

ومما يؤكّد ذلك: أنّ الثعلبيَّ نقل عن (الواقديّ) كليَّتَين تفسيريَّتَين؛ هما قوله: «كلّ شيء في القرآن: (لعلكم) فهو بمعنى: لكي، غير التي في الشعراء...»[10]، وقوله: «كلّ شيء في القرآن من (الظلمات والنور) فإنه أراد به الكفر والإيمان، غير التي في الأنعام...»[11]، ونقل ثالثةً تشبههما، ونصَّ فيها على أنّ قائلَها: الحسين بن واقد، وهي قوله: «كلّ صاعقةٍ في القرآن فهي العذاب»[12]. فتأيَّد أنّ (واقديّ) الثعلبي هو الحسين بن واقد.

نعم، ونقل الثعلبيُّ مرارًا عن محمد بن عمر بنسبته المجرَّدة (الواقدي)، ويظهر أن عامّة ما وقع من ذلك في أمور السِّيَر والمغازي والتواريخ، لكنَّ تخليص هذا من هذا يحتاج فحصًا لكلّ موضع، ونظرًا في أماراته وقرائنه يعطي قاعدةً جاريةً في الجميع.

ويُعلم من هنا أن ما كَثُر نقلُه عن الواقدي في التفاسير عقب الثعلبي، مما يوافق ما عندَه، فإنه يغلب على الظنّ أنه مقتبسٌ عنه، وينبغي أن ينصرف إلى الحسين بن واقد، لا إلى محمد بن عمر، إلا ما صحَّ أنه للآخر.

وليس (تفسير الحسين بن واقد) بغريب، بل هو من التفاسير المعروفة عند الأقدمين، وقد نصَّ عليه النديم في موضعين من (­الفهرست)، أحدهما في ذكر «الكتب المصنَّفة في تفسير القرآن»[13]، والآخر في ترجمة الحسين بن واقد ضمن «فقهاء أصحاب الحديث»[14].

وأمّا محمد بن عمر الواقدي، فعلى مَدِّ النديم حكاية أخباره وذكر مصنَّفاته[15]، فإنه لم يذكر له كتابًا صريحًا في التفسير، ولا رأيتُ ذلك لغيره من أصحاب التراجم، وفهرسةِ الكتب المصنَّفة، وطبقاتِ المفسرين، سوى إشارةٍ مجملةٍ من ابن خلدون في (مقدمته)[16]، لم يُسَمِّ فيها الواقديَّ المفسِّر، وسوى أن الأدرنوي (في القرن الحادي عشر) ترجم لمحمد بن عمر الواقدي في (طبقات المفسرين)، وقال: «صنَّف التفسير، اشتهر اسمه بتفسير الواقدي، كذا ذكره الثعلبي»[17]، فعاد الأمر إلى ما ذكره الثعلبي.

وقد ذكر صاحب (كشف الظنون)[18] في التفاسير: (تفسير الواقدي)، فقال: «هو: محمد بن عمر»، ثم أضرب عن ذلك بقوله: «وهو -على ما في (الكشف)، للثعلبي-: الحسين بن واقد»، فرجع إلى الصواب، وإن وافقه على قوله الأول صاحِبَا (هدية العارفين)[19]، و(معجم المؤلفين)[20]، وغيرهما.

وقد استند د. حازم سعيد حيدر، في إثبات (تفسير الواقدي)، إلى موضعٍ محتملٍ في كلام ياقوت على مصادر (تفسير الطبري) من ترجمته في (معجم الأدباء)، وهو قوله: «ولم يتعرَّض لتفسيرٍ غيرِ موثوقٍ به، فإنه لم يُدْخِل في كتابه شيئًا عن كتاب محمد بن السائب الكلبي، ولا مقاتل بن سليمان، ولا محمد بن عمر الواقدي؛ لأنهم عنده أظنَّاء»[21].

وهو مستندٌ قوي، لولا انفراده بين المصادر المتقدمة طرًّا، حتى إنّ ياقوت نفسَه لم يذكر للواقدي تفسيرًا في ترجمته[22]، والأظهر أنه ذكر الواقديَّ استطرادًا في الأظنَّاء، وأراد كُتُـبَه المشهورةَ في المغازي وغيرها، كما لا بدّ أن يطرأ احتمال التوهُّم في تعيين الواقدي بمحمد بن عمر، وإنما هو الحسين بن واقد.

* * *

ووردني من أحد الباحثين الأكارم استفسارٌ عن نسخة (تفسير أبي عمر الطلمنكي)، المحفوظة في مكتبة الفاتيكان، مرفِقًا به معلومات المخطوط من قاعدة بيانات (خزانة التراث)، وفيها رقم الحفظ نقلًا عن بروكلمان: (Borg 1538)، مع ملاحظةٍ فحواها تخطئةُ هذا الرقم، وتصويب كونه: (Borg 163/ 8)، نقلًا عن: (فهرس المخطوطات العربية الإسلامية في مكتبة الفاتيكان، 263).

وكان الباحث الكريم يعتزم تسجيل هذا (التفسير) في رسالته للدكتوراه، ويتلمَّس طريقةً للحصول على المخطوط المذكور، ثم رأيتُ أثناء البحث لجوابه تباشُرًا في بعض المواقع العلمية بوجود الكتاب مخطوطًا، وتطلُّعًا إلى تحقيقه، اعتمادًا على قاعدة البيانات المذكورة نفسها.

وقد وقعت الفهرسةُ في كتاب بروكلمان: (تاريخ الأدب العربي)، كما ذُكر أعلاه، بتقييد رقم الحفظ: (Borg. 1538)، لكن مع تفاصيل أخرى:


Brock., S I:729

ينصُّ بروكلمان هنا على أن النسخة المفهرسة عبارةٌ عن ورقةٍ واحدةٍ من الجزء الخامس من (كتاب) الطلمنكي، ويقول ضاربًا احتمالًا حول ذلك (الكتاب): «ربما هو التفسير الذي يقع في 100 جزء (في المطبوع: 10، خطأ)»، ويذكر أن تلك الورقة تتحدَّث عن تاريخ إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب.

لقد أوضح بروكلمان في مطلع كتابه[23] أنّ مرجعَهُ في فهرسة مجموعة بورجياني (Borgiani) هو فهرس جورجيو ليفي دلا فيدا (Giorgio Levi della Vida) المسمى: (فهرس المخطوطات العربية الإسلامية في مكتبة الفاتيكان)، والمنشور باللغة الإيطالية في الفاتكيان عام 1935م، في العدد 67 (في المطبوع: 62، خطأ) من دورية (دراسات ونصوص) (Studi e Testi)، وهو الفهرس الذي راجعه فريق مركز الملك فيصل لتصحيح معلومة بروكلمان المتعلقة برقم النسخة.

وبمراجعة ذلك الفهرس، نجد فيه المعلوماتِ التفصيليةَ التي أوردها بروكلمان، مع مزيد إيضاح، حيث جرى تقسيم المخطوط رقم (163) من مجموعة بورجياني (Borg 163) إلى 8 وحدات، وجاءت فهرسة الوحدة الثامنة كما يأتي:


Vida, Elenco dei manoscritti arabi islamici della Biblioteca Vaticana, I:263

«8 (ق133-133ب) الورقة الأخيرة من الجزء الخامس من (كتاب) [أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي عيسى] الطلمنكي [المقرئ] (340-429هـ)...، تتضمن قصص إبراهيم، إسحاق، يعقوب: يمكن أن تكون جزءًا من (تفسير) القرآن، الواقع في 100 جزء، الذي ينسب إلى الطلمنكي، أو من: (الدليل إلى معرفة الجليل)، الذي يقع في 100 جزء، لكن موضوعه غير معروف. الخط مغربي/ أندلسي...».

يلاحظ أن المفهرس وضع إضافاته على ما في المخطوط بين أقواس، مبيِّنًا بذلك أنها لم تقع في الأصل، وهي تلك المتعلقة بتسميةِ الطلمنكي وتكنيتِه، ووصفِه بالمقرئ، حيث لم يأتِ كلّ ذلك في الأصل، وإنما الذي فيه: «كتاب الطلمنكي» فقط، كما هو واضح من صياغة الفهرسة. وهذا أمرٌ لم يبيِّنه الجزم القاطع لبروكلمان ومَن تلاه في أنّ أبا عمر الطلمنكي عينَه هو مؤلفُ تلك الورقة.

كما يلاحظ أن المفهرس ضرب احتمالين في عَوْد هذه الورقة، واختار من مصنفات أبي عمر الطلمنكي ما بيَّنَت المصادرُ أنه مجزَّأٌ أجزاءً، وهما كتاباه: (التفسير)، و(الدليل إلى معرفة الجليل)[24]. وهذا أمرٌ لم يبيِّنه جنوح بروكلمان ومَن تلاه إلى احتمالية عَود الورقة إلى (التفسير) فحسب.

وممَّن تلا بروكلمان في هذين الإشكالين: مفهرسو (الفهرس الشامل)، الذين وقعت فهرستهم متفاوتةً في طبعتين لقسم التفسير، فجاءت في الطبعة الأولى كما يأتي:

«تفسير القرآن

للمعافري (أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي) ت 429هـ.

1- الفاتيكان / فيدا، 1538 Borg، ورقة واحدة من الجزء الخامس

بروك (م) 1/ 729»[25].

وجاءت في الطبعة التالية على النحو الآتي:

«المعافري (أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي) ت 429هـ.

أ- تفسير القرآن.

1- الفاتكيان (بورجياني) 1/ 262-263

[163/ 8] - ج5 (الورقة 133) - ق8هـ - (بروك (م) 1/ 729)»[26].

ومن الملحوظ أن الرجوع إلى أصل الفهرس الإيطالي أفاد في تصحيح رقم النسخة الواقع خطأً في كتاب بروكلمان، وإن كان حُذِفَ النصُّ الصريحُ في كون المخطوط ورقةً واحدةً، وأُحِلَّ مكانه عبارة: «الورقة 133»، وهذا ما قد يظنّ منه ظانٌّ أن المخطوط يقع في 133 ورقة.

وبعد، فقد رفعَتْ مكتبة الفاتيكان على موقعها الإلكتروني جملةً من مخطوطاتها، إمّا بتصويرٍ رقميٍّ واضح، أو بتصوير فيلمي (بالأسود والأبيض)، وكان من حسن الحظ أن المخطوط (Borg 163) من جملة تلك المرفوعات، وهكذا جاءت فيه الورقة الموصوفة أعلاه بوجهيها:

وكما هو ظاهر، فإنّ الناسخ ختم نسخته بعبارة: «تم الجزء الخامس من كتاب الطلمنكي»، هكذا، بلا تحديدٍ للكتاب، ولا تعيينٍ للطلمنكي.

ومجملُ مُتَضَمَّن الورقة فقراتٌ حول موت إبراهيم -عليه السلام-، وتعداد أولاده ونسلهم من بعده.

وفيها قول المؤلف: «قال محمد بن عطية، عن أبيه، عن إبراهيم، عن ابن عمر...»، في أثَرٍ أخرجه ابن عساكر في (تاريخ دمشق)[27] بإسناده الذي أخرج به كثيرًا من كتاب (المبتدأ) لأبي حذيفة إسحاق بن بشر، وهو يرويه عن محمد بن عطية، وليس عنده: «عن إبراهيم». وأبو حذيفة هذا متروك الحديث، متَّهم بالكذب، ومحمد بن عطية لعلّه ابن سعد العوفي، وهو ضعيف «عنده عجائب».

وفيها فقرةٌ أخرى مبدوءةٌ بقوله: «قال: وحدثني مقاتل، عن الضحاك...»، ويحتمل أنها عطفٌ على الإسناد الأول، فإن مقاتلًا من طبقة محمد بن عطية، ويروي عنهما أبو حذيفة المذكور. ومقاتل تالفٌ مكذَّب أيضًا.

ولا شكَّ أن صبغةَ هذه الورقة صبغةُ الأخباريين والمؤرخين والقصَّاصين، وأن لا شيءَ فيها يَشِي بعلاقتها بالحافظ السنّي الثبت أبي عمر الطلمنكي، وأن ما فيها من الاستطراد والحشو والواهيات والإسرائيليات مما يُنزَّه عنه أبو عمر، وتفسيره، وسائر مصنفاته.

ومن جملة ما سبق يتبيَّن أن علاقة تلك الورقة بتفسير أبي عمر الطلمنكي بُنِيَت على مقدمتين؛ إحداهما: أنّ الطلمنكيَّ المذكورَ هو أبو عمر. والأخرى: أن كتابَه المذكورَ هو (التفسير)، وليس في الأصل المخطوط ما يؤيد أيًّا من هاتين المقدمتين، بل ما فيه ينفيهما ويبعدهما، ويؤكّد فساد نتيجتهما.

* * *

وهكذا اتَّضح بالاستقصاء والتتبُّع أنّ «تفسير أبي عمر الطلمنكي» المذكور في بعض فهارس المخطوطات لا يعدو أن يكون ورقةً لا علاقة لها بأبي عمر الطلمنكي، ولا بتفسيره، إلا على سبيل الفرض الذي لم يستند إلى دليل، ولم يدعمه النظر العلمي، تمامًا كما اتَّضح قبلُ أن إيراد «تفسير القرآن» في ترجمة محمد بن عمر الواقدي، ثم الدلالة على موضع مخطوطته، لم ينشأ إلا عن قراءةٍ غير فاحصةٍ لمعلومتَيْن ملتبستَين.

ومنه، فإن معلومات الفهارس، وإن كانت هاديةً مرشدةً في كثيرٍ من الأحوال، إلا أنها في نفسِها كثيرًا ما تحتاج إلى تحرٍّ واستثبات، خصوصًا في الدلالة على النُّسَخ الفريدة، أو المصنَّفاتِ التي لا يكاد خبرُ وجودِها يستوي على ساقٍ.

 

 

[1] المخطوطات والتراث العربي، عبد الستار الحلوجي، ص28.

[2] قواعد فهرسة المخطوطات العربية، صلاح الدين المنجد، ص10، بتصرفٍ يسير.

[3] فهرسة المخطوطات العربية، عابد المشوخي، ص191.

[4] الواقدي وكتابه المغازي: منهجه ومصادره، د. عبد العزيز السلومي، ص86.

[5] تاريخ الأدب العربي، ترجمة د. عبد الحليم النجار، (3/ 17).

[6] (7/ 200) -الطبعة الثانية، (6/ 311) -الطبعات المتأخرة.

[7] تاريخ التراث العربي، ترجمة د. محمود فهمي حجازي، (1/ 2/ 105).

[8] الكشف والبيان، (2/ 103-104).

[9] السابق، (2/ 470).

[10] السابق، (3/ 394).

[11] السابق، (7/ 131)، (12/ 20).

[12] السابق، (24/ 558).

[13] (1/ 1/ 89)، وفيه: «الحسن بن واقد»، خطأ.

[14] (2/ 1/ 97).

[15] (1/ 2/ 307-309).

[16] (2/ 190).

[17]  ص29.

[18] (1/ 460).

[19] (2/ 10).

[20] (3/ 568).

[21] (6/ 2454).

[22] معجم الأدباء، (6/ 2598).

[23] S I:11.

[24] انظر: ترتيب المدارك، (8/ 33)، الديباج المذهب، (1/ 179).

[25] الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط، مخطوطات التفسير، 1407هـ، (1/ 153).

[26] الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط، مخطوطات التفسير وعلومه، 1410هـ، (1/ 93).

[27] (6/ 255).

الكاتب

الدكتور محمد بن عبد الله السريّع

حاصل على دكتوراه فقه السنة ومصادرها، ومحاضر بقسم السنة وعلومها بكلية الشريعة - جامعة القصيم، وله عدد من المؤلفات والتحقيقات المنشورة.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))