طبعة دار الكتب العلمية لتفسير الوسيط للواحدي؛ قراءة نقدية

عدد المشاهدات : 632
أصدرت دار الكتب العلمية كتاب الوسيط للإمام الواحدي، وكانت ثمة ملاحظات على التحقيق والتعليق على نصّ الكتاب، وهذه المقالة تناقِشُ بعض الملاحظات حول هذه الطبعة، وتعرِّفُ بأهم مخطوطات الكتاب التي أغفلها هذا التحقيق.

  الحمد لله ربّ العالَمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الخلق أجمعين، سيّد الأوّلين والآخرين، وبعد:

فإنَّ القرآنَ الكريمَ كلامُ الله -تعالى- ومعجزتُه العظيمة التي أعجزَ بها كلَّ لبيبٍ فصيح بليغ، ولقد تسابقَ العلماء على مدار تاريخ الأمّة في نيل شرَف تفسير كتاب الله -تعالى- وبيان معانيه، ووضَعُوا علومًا كثيرة تتعلق بكتاب الله -تعالى-.

وكانَ للإمام عليّ بن أحمدَ بن محمّد بن عليٍّ الواحِديِّ النَّيسابوريِّ الشّافعيّ[1] -رحمه الله- باعٌ كبيرٌ في هذا الأمْر.

قال الإمام عبد الغافِر: «الإمامُ المُصنِّف المُفسِّر النَّحْوي، أستاذ عصره، وواحِد دهْره، أنفقَ صِباه وأيّام شبابِه في التَّحصيل، فأتْقنَ الأصولَ على الأئمَّة، وطافَ على أعْلام الأُمّة، فتلْمذَ لأبي الفضل العَرُوضِيِّ الأديب، وقرأَ النَّحو عَلى أبي الحسَنِ الضَّرير، وسافَر في طلَب الفوائِد، ولازم مجالسَ الثَّعالبيّ في تحْصيل التَّفسير، وأخذ في التَّصنيف فجمَع كتاب (الوجيز)، وكتاب (الوسيط)، وكتاب (البسيط)، كلٌّ في تفسير القُرآن المجيد، وأحسنَ كلّ الإحْسانِ في البحثِ والتَّنقير، وقعد للإفادة والتَّدريس سنينَ، وتخرَّج به طائفةٌ من الأئمَّة سمِعوا منه وقرؤوا عليه وبلَغوا محلَّ الإفادة»[2].

وقال الذَّهبيُّ في (سِيَره): «إمامُ أهل التأويل».

وقال الدَّاووديُّ في (طبقات المفسّرين): «كان أوْحد عصره في التَّفسير».

مات -رحمه الله- بنيسابور في جمادى الآخرة، سنة ثمان وستين وأربع مائة.

قُلنا: وتفسيرُه (الوسيط بين المقْبوض والبَسيط) تفسيرٌ عظيم أجادَ فيه -رحمه الله-، روى فيه بإسنادِه عن شيوخه المعروفين، وهو مختصرٌ بين (البسيط) و(الوجيز)؛ كلاهُما من تأليفِه.

قال -رحمه الله- في مقدّمة (الوسيط): «وقديمًا كنتُ أُطالَب بإملاءِ كتابٍ في تفسير وسيطٍ ينحطُّ عن درجةِ (البَسيط) الَّذي تجرُّ فيه أذيالُ الأقْوال، ويرتفع عَن مرْتبةِ (الوجيز) الذي اقْتصَر على الإقْلال»[3].

قال القِفطيّ في (إنْباه الرُّواة): «وهو مخْتارٌ منَ (البسيط) أيضًا؛ غاية في بابه»[4].

بين يدَي طبعة تفسير (الوسيط):

طُبع هذا التَّفسير العظيم سنة (1415هـ - 1994م) في دار الكتب العلمية ببيروت في أربعة مجلدات، (2370) صفحة تقريبًا، بتحقيق مجموعة من الباحثين الفضلاء.

والنّاظر بتمحيص وتدقيق في تحقيق الكتاب يعلم أنَّ كتاب (الوسيط) لم ينلْ حظَّه من التَّحقيق العلمي الرَّصين، وأنَّ هناك غيرَ قليلٍ من أمارات التَّسرُّع وعدم التّمحيص، مع أنهم بذلوا جهدًا كبيرًا في تحقيق النصِّ لا يمكنُ إنكارُه -جزاهم الله خيرًا وباركَ فيهم- لكن الأصل في تحقيق التراث التأنّي وبذْل الوقت والجُهْد والمال من أجْلِ إخراج النَّصّ بصورةٍ لائِقة.

فإنَّ مِن أرباب هذا الفنِّ مَن كان يمكثُ في تحقيق كتاب قُرابة عقدَيْن من الزَّمان أو رُبع قرن، وخيرُ مثالٍ حاضر على هذا تحقيقاتُ الجيل المبارَك الممثّل في آل شاكر والأستاذ الطّناحيّ، وخليفتهم الأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب -رحمه الله- الَّذي قضى في تحقيق كتاب «نهاية المطلب في دراية المذْهب» لإمام الحرمَيْن الجويني -رحمه الله- رُبعَ قرنٍ من الزمان، حتّى خرج الكتاب في أبرزِ حُلَّة وأبهى صورة.

يقولُ -رحمه الله- في مقدّمةِ الكتابِ: «أمّا معاناة النصِّ المخطوط، قراءةً وفهمًا وتقويمًا وتوضيحًا، وإضاءةً لِغَوامضه، وحلًّا لمشكلاته، وجلاءً لمُعوصاته، فهذا هو عمل المحقِّق على الحقيقة، وهو لعَمري عملٌ ممتعٌ حقًّا، على ما يأكلُ من الوقت والجُهدِ، يعرف ذلك كلُّ من شرحَ الله صدره من أهل هذا الفنِّ؛ من أجْلِ هذا لم أكن أَضِنُّ على الكلمة أُصَوِّب تصحيفَها، أو الجملة أُقيم خَلَلَها، أو الفقرة أتبيَّن مغزاها ومَرْماها، باليوم واليومينِ، بل بالأسبوعِ والأسْبوعَين، بل أحيانًا تظلّ الكلمة أو الجملة تراوحني وتغاديني إلى ما شاءَ اللهُ، حتّى يفتح اللهُ لنا فيها وجهًا»[5].

ويمْكن إجمال المآخذِ على هذه الطَّبعة في النقاط التالية:

أولًا: فيما يخصُّ مقدّمة التحقيق.

ثانيًا: فيما يخصُّ التّعليق على نصّ الكتاب.

ثالثًا: فيما يخصُّ نصَّ كتاب «الوسيط».

أولًا: فيما يخص مقدمة التحقيق:

* ظهر الضَّعف الشَّديدُ في مقدّمتهم التي تجاوزَتْ أربعين ورقة، فلم نرَ لهم كلامًا عن مكانة الإمام الواحديِّ ودوره في التَّفسير، وبيان منهج الكتاب بصورة وافية شاملة، لكن يجدرُ التَّنبيه أنَّهم اهتموا بترجمة الإمام وبيان نشأته وحياته العلميَّة ورحلاته بصورة مختصرة.

* لم يعقِدوا مبحثًا لتوثيق اسم الكتاب وبيان الاختِلاف فيه، فجاء اسم الكتاب على الغلاف: «الوسيط في تفسير القرآن المجيد».

قلنا: واسم الكتاب في نُسخ خطِّية عتيقة: «الوسيط بين المقْبُوض والبسيط»، وكذا سمَّاه السَّمْعانِيُّ في «التَّحبير في المعجم الكبير» (3/378)، و«المنتخب من معجم شيوخ السَّمْعانِيِّ» (ص1840).

وفي بعض النُّسخ: «الوسيط بين الوَجيز والبسيط»، وفي بعضها أيضًا مختصرًا «الوسيط».

* انتَقلوا بعد ذلك إلى توصيفِ النُّسخ الخطيَّة التي اعْتمدوها وصفًا مختصرًا أهْملوا فيه خوارجَ النّصِّ.

* ولأنَّ الكتاب لم يحقَّق على منهج واحدٍ، وهذه إحْدَى عوراتِه، بل ذكروا أرْبعة مناهِج لتحقيق الكتاب خلالَ المقدّمة، كلّ منهج منها منفصل عن الآخر!

فأربع مرّات يذكرون منهجًا للتّحقيق مع توصيف للنُّسَخ، وبغضِّ النظر أنهم لم يلتزموا هذا المنهج في بعضه، فهم يقومون بعرضٍ للنُّسخ المعتمَدة في تحقيق الجزء الأوَّل، ثم يقومون بعدَها بعرضِ منهجٍ آخر للتّحقيقِ اتَّفق مع الأوَّل أو اختَلفَ، وعلى هذا المضْمار أرْبع مرّات يقومونَ بعرْض مجموعة من النُّسَخ المعتمَدة، ثم يقومون بعرض منهج التحقيق، وبغضِّ النَّظر عن أنَّ هذه النُّسخ ليستْ هي الأمْثل، وأنَّه يوجَد أعتق وأنفَس منها للكتاب[6]، ومع ذلك لم يلْتزموا المنهج الذي كرَّروا أغْلَبه أكثر من مرَّة، وسيأتي الكلامُ عليه.

* في المنهج الأول[7] ذكر المحقّق في البند (1) أنه جمع كلّ ما تيسر له من النسخ المخطوطة والمصورة[8].

نقول: والكتاب له عدد من النُّسخ الخطيَّة النَّفيسة فاتَتْهُم، والتي لا يمكِن الاستغناءُ عنها في تحْقيق هذا الكتاب العَظيم، منْها نسخة منسوخة عَن نُسخة الحافِظ ابن عساكر، يأْتي الكلامُ عليْها في نهاية التَّقرير معَ نماذِج منْها.

ذكر في البند (2) أنه قد جعل أحسن النُّسخ خطًّا هي الأصل.

والمعروف أنَّ هذا الأمْر لا علاقةَ له بالتَّحقيق جملةً وتفصيلًا، فالخطُّ الحَسَنُ ليس دليلًا على المتانة والجوْدة، فمثلًا قد تكون هذه النسخة كتبها ذو خطٍّ حَسَن مع جهله بالعلم فيكثر فيها التحريف والتصحيف والسقط، وبالتّالي يكون الاعتِمادُ عليْها كأصلٍ غيرَ صحيح.

ذكر في البند (4) أنَّه قد دوَّن الفروقَ بين النُّسخ في الحواشي.

قلنا: وهذا أمر جيّد لكنّهم علّقوا في بعضها بما لا فائدة منه، كما سيأتي.

ذكر في البند (8) عند كلامه على ضبْط الآيات والأحاديث فقال: «والكلمات التي يخشى من قراءتها غير سليمة».

والذي يتصفح الكتاب يرى بعينيه أنه لا يوجد آية واحدة على مدار الكتاب خرجت برسمها المعروف العثماني، نقصد الآيات التي شرحها المؤلف وفسّرها في سياق تفسيره، وليست الآيات التي وضعوها زيادة من عندهم في متن الكتاب، وهذا خطأ؛ فإنهم قد وضعوا في نصّ المؤلف ما ليس منه ولا حاجة له.

إلى آخر هذا المنهج الذي ذكره محقِّق هذا الجزء.

ثم بعد ذلك عرضوا النسخ الخطية المتعلّقة بتفسير سورة الأعراف إلى آخر الكهف، ثم ذكروا منهجًا آخر، وتشابه هذا المنهج كثيرًا مع ما ذُكِرَ في المنهج الأول إلّا أن هذا المنهج ذكر فيه بعض النقاط الزائدة، مثل: محاولة الحكم على إسناد من طريق واحد أو ذكر مناقشة في الجرح والتَّعديل، أو شرْح لغريب الألفاظ، إلى آخره.

ثانيًا: فيما يخص التعليق على نص الكتاب:

* علَّقُوا وأكْثروا الحواشي فيما لا فائدةَ منه ولا هذا موضعه، فمِن هذا تعليقهم في صفحة (45) عند ورود أداة التحديث «حدثنا»، حيث وضعوا أقوال العلماء في أنواع تحمُّل الحديث.

* قاموا بترْجمةٍ لكثيرٍ من أعلام الكتاب؛ مشاهير وغيرهم، مع أنَّ من التَّقاليد الرّاسخة في فنِّ التَّحقيق أن يتمَّ التَّعريف بالأعلام الذين هم مظنَّة خفاء الشهرة على القارئ، وأنَّه إذا تمَّ التَّعريف مرَّة فقد حصل المقْصود، فترْجموا للصَّحابة الكرام: لأبي بكر[9]، وعمر[10]، والبراء بن عازب[11]، ولأبي موسى الأشعري[12]، وهكذا على مدار الكتاب، لا يأتي ذكر لصحابيّ إلا ترْجموا له!

ترجموا لمشاهير الأعلام ممّا لا يخفى أمرهم ويظهر اسمُهم كفلَق الصبح، فترجموا للأئمَّة الأربعة، ترجموا لأبي حنيفة[13]، ومالك[14]، والشافعي[15]، وأحمد.

وترجموا لكثير من الأئمة الأعلام الَّذين لا يخفى أمرهم على صغار الطلبة فضلًا عن كبارهم؛ أمثال سفيان الثَّوري، وابن عُيينة، وشُعبة بن الحجاج، وابن سِيرين، وأبي إسحاق السَّبيعيّ، وغيرِهم.

بل ازداد الأمرُ إلى حدٍّ غريبٍ حتّى ترجموا لأنبِياء اللهِ -صلوات اللهِ وسلامه عليهِم- فترْجموا لنبيّ الله موسى، وترجموا لنبي الله عيسى[16] -عليهما السلام-.

* كما وقع لهُم خلل في الهوامش في كثير من المواضع تجد أنّ الهوامش السُّفلية لا تتوافق مع مقارنتها بالنصِّ أعلى، وهذا لتَرحيلٍ في الهوامش حدث أثناء التنسيق الفني للكتاب.

ففي النص (1/303): «قال أبو أمامة التيمي» ووضعوا حاشية، والذي في الحاشية: أي نؤجر الدابة في التوجه إلى الكعبة.

في (1/66)، وغير ذلك الكثير!!

وفي هامش (6) في (1/333) في النص: «بشير بن سلمان» علّقوا فقالوا: في جميع النسخ: «سليمان». بشير بن سلمان من غير الصواب، ثم قالوا: وهو بشير بن سليمان.

ومثل هذا تكرر في الهوامش.

قلنا: وقد رجعنا إلى بعض النسخ الخطيّة فوجدناه على الصواب في النسخة المحفوظة في مكتبة يني جامع برقم (99) لوحة 40/ب، في السطر الثامن من الأسفل، وفي النسخة الأزهرية برقم 92894 عمومي لوحة 132/ب، السطر الأول من الأعلى؛ وهذا لأنهم لم يعتمدوا إلا على بعض نسخ للكتاب.

[صورة نسخة يني جامع]

وقد رجعنا إلى كتاب «عمدة القوي والضعيف الكاشف لما وقع في وسيط الواحدي من التبديل والتحريف» للإمام السعدي (ق10أ نسخة لالي)، قال -رحمه الله-: قوله: «عن بشير بن سليمان» هكذا وقع في ههنا بالياء في بعض النُّسخ، وفي كتاب ابن ماكولا: «بن سلمان» من غير ياء، وقد وُجد مثله في نُسخة وهو الصواب.

فالحمد لله رب العالمين.

وأما في تخريجهم للأحاديث والآثار:

فإذا رجعت إلى المنهج المتّبع في هذا تجد المنهجَ عندَهم أنّه: إذا كان الحديث في «الصَّحيحَين» أو في أحدِهِما يُكْتفَى بالتَّخريج والعزو إليهِما لتلقّي الأمَّة لهما بالقبول.

وقد خالفوا هذا المنهج كثيرًا، بل اضطرب الأمر إلى التعليق بصورة غريبة؛ ففي (1/303) علقوا على حديث رواه البخاري هامش (9) فقالوا: انظر «المستدرك» كتاب التفسير وصححه، وأبو داود ، وصحيح البخاري!!

ومثْل هذا ملاحظ في تخْريجهم وعزوهِم للنُّصوصِ والآثارِ.

ثالثًا: فيما يخصُّ نصَّ كتاب (الوسيط):

وأمّا نصُّ المؤلّف -رحمه الله- فوجدنا بعض الأمور، منْها:

* لم يضَعُوا آيات القرآن الكريم بالرسم العثماني.

* الكتاب سيئ التّنسيق والترتيب بين الفقرات، يحتاج لضبط لعلامات الترقيم، ولا شكَّ أنَّ هذا خطأ كبير قد يترتَّب عليه فساد المعنى؛ فإنَّ القارئ إذا لم يعلم متى يبدأ ومتى يقف واسترسل في قراءتِه قد يصلُ إلى معنًى غير مراد، لأجْل ذلِك اعْتنى أهل العلم بمُراعاة علامات التّرقيم وتنسيق الكتاب، ومراعاة الفواصل بين فقراته، ومراعاة الفواصل عند انتهاء معنى وبداية آخر[17].

* لم يضبطوا أسانيد المؤلّف التي رَوَى بها خلال الكتاب، وهذا أمر في غاية الأهمية؛ إذ إنه يوقفك على التّصحيف والتّحريف والسّقط في الأسْماء والأنساب الذي قد يغْفل عنْه المحقّق أو يقع للنُّسَّاخ.

* وكذا لم يضبِطوا متون الأحاديث إلَّا بعض الكلمات.

* كما لم يضبِطوا البلدان الواردة، ولا الأنساب، ولا غريبَ الكلم، والخلاصة أنَّ الكتاب لم ينلْ حظَّه من المُراجعةِ اللُّغويّة.

فمثلًا نسبة الإستراباذي لم يضبطوها، وفي مواضع كثيرة كتبوها بهمزة وصل، ينظر: 1/470، 2/70، 3/492.

* لم يقوموا بعَزْو كثير من الأقوال التي ذكرها الواحدي في كتابِه إلى قائليها، والأصل الرّجوع لهذه المصادِر والعزو إليْها وضبط النّصّ بالمقارنةِ معها.

* لم يضبطوا الشّواهد الشِّعريَّة الواردة في الكتاب.

* كما لم يضعوا أيَّ فهارس علميَّة للكتاب، مع أنهم ذكروا بالمقدمة أنهم صنعوا فهارس علمية شاملة، وفي فعلهم هذا خسارة كبيرة وتضْييع لكثيرٍ من الفوائد لا سيَّما إذا كانت لإمام عظيمٍ كالواحديّ -رحمه الله-.

ولو صُنعت هذه الفهارس لأبرزتِ الكثير من فوائد هذا الكتاب العَظيم الَّتي قد تقع في غير مظانّها، ولَسَهُل على الدارسين والباحثين أن يستفيدوا من هذا الكتاب بكلّ وجه.

وفي أهمّيتها يقول العلَّامة محمود شاكر: «الكتاب من غير فهرس كنز مُغْلق».

وقال الشيخ عبد السلام هارون -رحمه الله-: «لم يَعُدْ مستساغًا، ولا مقبولًا أن يخرج كتاب لمؤلّف محترم، أو من دار نشر محترمة خاليًا من الفهارس الفنيّة والتّحليليّة».

وقال -أيضًا- في كتابه (تحقيق النصوص) عند كلامه على صنع الفهارس الحديثة:  «وللفهارس المقام الأول بين هذه المكملات؛ إذ بدونها تكون دراسة الكتب -ولا سيَّما القديمة منها- عسيرة كلّ العسر، فالفهارس تفتش ما في باطنها من خفيّات يصعب التهدّي إليها، كما أنّها معيار توزن به صحّة نصوصها، بمقابلة ما فيها من نظائر قد تكشف عن خطأ المحقّق أو سهْوه، وقد أصبح عصرنا الحديث المعقّد في حاجة ملحَّة إلى اختزال الوقت وإنفاق كلّ دقيقة منه في الأمر النّافع»[18].

وقال الشيخ محمود الطناحي: «ولو كان لي من الأمر شيءٌ في الدراسات العليا بالجامعات العربية، لجعلت موضوع الماجستير والدكتوراه فهرسةَ كتابٍ من كتبِ التراث فهرسةً تفصيلية كاشفة، فإذا فُهرِسَت كتب كلّ فنٍّ من فنون التراثِ على هذا النحوِ الكاشف الجامع: أمكن لنا أن نقدم صورة حقيقية لفكرنا العربي الإسلامي».

وختامًا:

فهذه النّشرة لهذا الكتاب العظيم على ما فيها من جهدٍ كبيرٍ تحتاج إلى إعادة تحقيقٍ وطباعة جيّدة، والله تعالى أعلم.

نماذج من بعض النُّسخ النَّفيسة للكتاب والكلام عليها

توجد للكتاب نسخ خطيَّة عديدة في مكتبات العالم بعضها كاملة أو شبه كاملة تحتوي على جميع أقسام الكتاب، وأخرى عبارة عن أجزاء يمكن أن يكون بها نصف الكتاب أو أقلّ، وتتفاوت هذه النُّسخ في جودتها ورداءتها، وقِدَمها وحداثتها.

وفيما يلي وصف لبعض النسخ النفيسة:

النسخة الأولى: النسخة المحفوظة في المكتبة الظاهرية برقم 7818.

وهي نسخة عتيقة نفيسة جاء في آخرها أنها منسوخة عن نسخة الإمام الحافظ المحدّث ابن عساكر -رحمه الله-، وقد سمعها على البيهقي الذي سمع من الإمام الواحدي المصنف -رحمه الله-.

وهذه صورته:

وهذه النسخة تمثل الجزء الثاني الذي يحمل بين دفتيه تفسير نصف القرآن، فهي تبدأ بتفسير سورة مريم وتنتهي بتفسير سورة الناس.

عدد الأوراق: 361 ورقة تعقيبية، 21سطرًا.

بيانات النسخ: جاء في قيد الفراغ ما نصّه: «هذا آخر كتاب (الوسيط) وكان الفراغ منه يوم الخميس مستهلّ جمادى آخر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة».

خوارج النص:

تملك: نصه: «انتقل إلى خزانة العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى أبي القاسم عبد المجيد بن الشيخ أبي العلاء صاعد الأنصاري الخزرجي نفعه الله به وبالعلم آمين».

جاء في أوّلها فوائد ومسائل فقهية.

بها فروق نسخ تدل على المقابلة.

بها تعليقات نفيسة على الحواشي.

النسخة الثانية: وهي النسخة المحفوظة في مكتبة مراد ملا برقم 191.

وهي نسخة في غاية النفاسة، يرجع تاريخ نسخها إلى منتصف القرن السابع تقريبًا، وهي تمثّل التّفسير كاملًا من أوّله إلى آخره.

بيانات النسخ: اتفق الفراغ من تنميقه ظهيرة يوم الأحد في أواخر جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين وستمائة، على يدي عبد ربه الفقير إليه الغني به أبي رجاء علي بن أحمد بن عبد الوهاب السخاوي شكر الله سعيه وجمع شمله».

عدد الأوراق: 600 ورقة.

عدد الكراريس: ستين كراسًا.

خوارج النص:

تملك: جاء نصه على صفحة العنوان، وهو: «تشرف بهذا الكتاب المستطاب العبد الفقير أحمد بن مصطفى غفر لهما».

وبها تملك آخر في آخرها، ونصه: «ملك هذا الكتاب بعون الله تعالى مغلطاي بماله غفر الله له ولمن قرأ فيه ولناظره، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين».

وبها شراء صحيح ونصه: «ملكه من فضل الله تعالى الفقير سودون البرديكي بشراء صحيح من تركة ابن جركسن».

سند على صفحة العنوان ونصه: «قال سيدنا ومولانا سيف الحق والدين شيخ شيوخ الإسلام والمسلمين أبو المعالي سعيد بن المطهر بن سعيد بن علي القائدي الباخوري قدّس الله روحه ونوّر ضريحه: أخبرني بجميع كتاب «الوسيط بين المقبوض والبسيط» للشيخ الإمام المتقن البارع أبي الحسن علي بن أحمد الواحديّ النّيسابوري -رحمه الله- الشّيخ الإمام رضيّ الدّين أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي المقرئ، بروايته عن الإمام شيخ الدين أبي محمد عبد الجبّار بن محمد بن أحمد الخواري -رحمه الله-، بروايتِه عن مؤلّفه -رحمه الله ورضي عنه-».

وهذه صورته:

ووردَتْ قراءة وإجازة في آخر النسخة، وتاريخ الإجازة في الخامس من شوال سنة تسع وستّين وستّمائة.

وهذه صورتها:

النسخة الثالثة: وهي النسخة المحفوظة بمكتبة جار الله أفندي باستانبول برقم 248.

وهي نسخة عتيقة قديمة نسخت في منتصف القرن السادس الهجري.

وهي تمثل الجزء الأول، وتبدأ من أول التفسير إلى آخر تفسير سورة المائدة، وبقية التفسير جاء في نفس المكتبة في الأرقام التالية له.

بيانات النسخ: جاء في آخرها: «ووقع الفراغ من كتابته في مستهلّ المحرم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة».

خوارج النص:

عليها عدّة تملّكات لجار الله صاحب المكتبة ولغيرِه، وتلك صورها:

تملك جار الله:

تملك إبراهيم بن محمد بن يوسف الشيرازي:

وهذه إجازة في آخر النسخة:

وهذا تملك آخر على صفحة العنوان:

النسخة الرابعة: النسخة المحفوظة في المكتبة الظاهرية برقم عام: 9508.

وهي نسخة نفيسة يرجع تاريخها إلى القرن السابع الهجري في عام ستمائة وستة وعشرين على التحديد، وهي تمثل الجزء السادس من الكتاب، ويبدأ بتفسير سورة الأحقاف إلى نهاية التفسير.

عدد الأوراق: 108 ورقة، 25 سطرًا.

بيانات النسخ: جاء في قيد الفراغ ما نصه: «تمت على يد منصور بن عبد الله بن عمر الساعدي الأنصاري الهروي في آخر سنة ست وعشرين وستمائة».

خوارج النص:

تتميز هذه النسخة بوجود فروق نسخ على الحواشي، وكذلك وجود الدوائر المنقوطة مما يدل على المقابلة. كذلك كثرت التعليقات في آخرها على الحواشي.

النسخة الخامسة: وهي النسخة المحفوظة بمكتبة الأسد حلب برقم: 14773.

وهي نسخة قديمة عتيقة يرجع تاريخ نسخها إلى القرن السادس الهجري.

وهي تمثل الجزء الأخير من التفسير الذي يحوي بين دفّتيه تفسير ربع القرآن، وتبدأ من أول سورة الصافات إلى آخر التفسير.

بيانات النسخ: جاء في آخرها ما نصّه: «وفرغ من نسخه الفقير إلى رحمة الله أبو العباس أحمد بن الحسين بن حيدرة بن السيرافي الواسطي المعروف بالعمدة، في يوم الأربعاء ثامن عشر شوّال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة رحمه الله تعالى».

خوارج النص:

نسخة مقابلة دلَّ على ذلك الدوائر المنقوطة.

النسخة السادسة: وهي النسخة المحفوظة في مكتبة رئيس الكتاب باستانبول برقم: 66.

وهي نسخة قيِّمة تتميز بحسن الخط وجودته، وهي تجمع بين دفّتيها التفسير كاملًا.

عدد الأوراق: 429 ورقة، مختلفة الأسطر.

جاء في أولها فهرس بمحتواها.

خوارج النص:

جاء على صفحة العنوان أنها برسم محمود أفندي ونصه: «كتب برسم سيدنا ومولانا شيخ الإسلام بركة الأنام على الأئمة الأعلام، العالم العلامة الحبر الفهّامة، سيدنا جمال الدنيا والدين الوارث من علوم سيد المرسلين، الأفندي محمود بن علي نفع الله بعلومه آمين، وكتب بثغر عدن المحْروس يوم سبع مضت من شهر جمادى الأولى من سنة 988 ثمان وثمانين وتسعمائة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام».

تتميز هذه النسخة بتعليقات نفيسة على حواشيها.

جاء على صفحة العنوان ختم وقف مصطفى أفندي رئيس الكتاب ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، وقف هذا الكتاب مصطفى رئيس الكتّاب السابق لوجه الله الخالق، وسلمه للمتولي وحكم بصحته حاكم الشرع الشريف وشرط الاستفادة منه لأولاده فثمّ فثمّ وبعدهم يعمل به كما في الوقفيّة إلى قيام الساعة، وأخزى الله من اشتراه وباعه، سنة 1154هـ».

أخيرًا: هذه بعض الاختلافات التي وقفْنَا عليها لمّا رجعْنَا لبعض المواضع القليلة من النسخ الخطّيّة، وذلك لعدم الإطالة؛ منها أخطاء في قراءة النصّ، وأخرى في أسماء الرواة والرجال، وزيادات، وغير ذلك:

بالحروف الواحد

بالحرف الواحد

1/76

بلغنا الخبر

بلغنا [هذا] الخبر

1/76

عن أبي كعب

عن أبي [أمامة، عن أبيّ بن] كعب

1/411

مما أمركم من طاعته

مما أمركم [به] من طاعته

2/148

كالظباء وحمر الوحش

كالظباء [وبقر الوحش] وحمر الوحش

2/148

نزلت في الحطيم

نزلت [الآية] في الحطيم

2/149

في الأيام

في [هذه] الأيام

3/179

ويوم يموت فيرى أحكامًا ليس له بها عهد

ويوم يموت فيرى [قومًا لم يكن عاينهم]

وأحكامًا ليس له بها عهد

3/179

انتبذ فحل ناحية

انتبذ [فلان] ناحية

3/179

أبو عمرو بن محمد بن جعفر

الصواب: أبو عمرو محمد بن جعفر، وهو ابن مطر المؤذن

4/85

كان ينزل من اللوح كل ليلة

كان ينزل في اللوح [المحفوظ] كل ليلة

4/85

محمد بن عبد الله العفار

الصواب: محمد بن عبد الله [الصفار]

4/86

أعني بسبع

أعني [عليهم] بسبع

4/86

أبو عمرو السختياني[19]

أبو عمرو [السجستاني]

4/162

الثلثين جميعًا

جميع الثلثين

الصواب: الثلَّتَين جميعًا (بالتاء)

الصواب: جميع الثلَّتين (بالتاء)

4/235

أبو عمور

الصواب: أبو عمرو

1/334

سعيد بن اياس الجرير

الصواب: سعيد بن إياس الجُريري

1/365

عيسى بن موسى الفنجار

الصواب: عيسى بن موسى الغُنجار

1/365

بن الحرث

الصواب: بن الحارث

1/386

 

ختامًا:
فهذه النشرة لهذا الكتاب العظيم تحتاج إلى إعادة تحقيق وطباعة، خاصّة وأن الكتاب كما سلف مجموعة من الرسائل الأكاديمية، قد أخرجوها كما هي في رسائلهم دون تعديل، وهذا صنيع خطأ بلا شك[20].

 

[1] ينظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» (18/339)، و«معجم الأدباء» لياقوت (4/1659)، و«طبقات الشافعية الكبرى» (5/240)، و«طبقات المفسرين» للداوودي (1/394).

[2] ينظر ترجمته في «معجم الأدباء» لياقوت (4/1659).

[3] «الوسيط» (1/50).

[4] «إنباه الرواة على أنباه النحاة» (2/223).

[5] ينظر: «مقدمة نهاية المطلب» (ص25).

[6] راجع الجزء المتعلق بالنسخ الخطية التي توفرت عندنا لهذا الكتاب المبارك.

[7] ينظر: (1/32).

[8] ينظر: (1/32).

[9] (1/69).

[10] (1/69).

[11] (1/46).

[12] (1/47).

[13] (1/204).

[14] (1/296).

[15] (1/59).

[16] (1/69).

[17] ينظر: (1/46) وما بعدها، وينظر بالخصوص (1/492).

[18]تحقيق النصوص ونشرها للأستاذ عبد السلام هارون (86).

[19] جدير بالتنبيه أن هذا الاسم قد تحرف في الكتاب في أربعة مواضع، وجميعها في الجزء الرابع وهذه صفحاتها (162، 356، 418، 501).

[20] منهج العمل الأكاديمي والإخراج معروف ولا يعاب في ذاته، ففي هذه الطريقة دربة للباحث، ويعطيه ملكة في فنّ التعامل مع كتب الأسانيد والرجال، ولكن يعاب خروج الكتاب مطبوعًا بهذا الترف العلمي، ويجب على الباحث حذف ما كان من لوازم العمل الأكاديمي الذي يعدُّ بمثابة تدريب له، ويكتفي بما يحصل به ضبطُ النص، وبما تكمل به فائدة الكتاب، أما خروج الكتب للطباعة والنشر بنفس الهيئة التي كانت عليها في الرسالة العلمية فهذا خطأ كبير.

يقول الدكتور أكرم ضياء العمري في تقديمه لكتاب «طبقات المحدثين بأصبهان» (1/8): «خدمة الدكتور: عبد الغفور البلوشي لكتاب أبي الشيخ من حيث: التعريف برجال الإسناد، وتخريج الأحاديث، والحكم عليها، وهو جهد لازمٌ لنيل مرتبة (الماجستير) في تخصص (السنة النبوية)، وإن كان ليس بلازمٍ لتحقيق الكتاب تحقيقًا علميًّا في نظر عامة المحققين الذين يرون في ذلك إثقالًا للحواشي، ولا مفرَّ من قيام طلبة الدراسات العليا من تحويل رسائلهم من تحقيق الكتب إلى دراسة أحاديث كتاب مخصوص، دفعًا للاعتراض المذكور» اهـ.

الكاتب

عبد العاطي الشرقاوي

باحث في مجال التراث الإسلامي، حصل على درجة الماجستير في التفسير والحديث من جامعة الشارقة، وله عدد من البحوث والتحقيقات والمؤلفات.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))