هل مصحف (19) في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة
هو مصحف البطليوسي الذي ‏كتبه في الأندلس عام 488هـ؟

ممّا شاع لدى الباحثين أنّ مصحف البطليوسي المكتوب عام 488هـ هو المصحف رقم (19) في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة، وهذه المقالة تكشف عن عدم صحة ذلك من خلال التتبع التاريخي لمصحف البطليوسي، وأدلة انتفاء أن يكون هو نفس المصحف.

مقدمة:

  الحمد لله الذي أنزل كتابًا مبينًا، وهدانا صراطًا مستقيمًا، وأُصلي وأُسلّم على من أَوحى إليه بما أَنزل.

أمّا بعد:

 مصحف موصوف بأنه نسخة كاملة مكتوبة على رَقِّ نعام، بخط أندلسي بارع، مذهَّبة، مكتوب في آخرها: كتبها في المرية (بالأندلس) عبد الرحمن بن عليّ بن محمد بن مرزوق بن أحمد بن مكانس البطليوسي في الثاني عشر ذي الحجة من سنة 488.

شاع وانتشر هذا الوصف وجرى تنزيله على مصحف رقم (19) في مكتبة عارف حكمت بمجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية بالمدينة المنورة، وعُرض بهذا الوصف في معرض المصحف الشريف بمكتبة الملك عبد العزيز غرب المسجد النبوي، ثم عرض بالوصف نفسه -بضع سنوات- في معرض القرآن الكريم شمال المسجد النبوي برعاية شركة سمايا.

واستمر هذا التنزيل دون تمحيص ولا تدقيق لدى عدد من الباحثين الذين تناولوا المصحف (19) بالعرض أو الدراسة، ولدى الذين أشاروا إليه أو غرّدوا به.

كان مِن آخرهم (مريم أحمد عباس الحربي) حيث قدَّمت دراسة آثارية عنه[1]، وجعلته هو الموصوف بأنه نُسخ عام 488 وناسخه -عندها- عليّ بن محمد البطليوسي[2]، بتسليم تام لذلك، ولم تلحظ عدم انطباق الوصف والفروقات الزمنية والفنية!

وقد زار مجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية مؤخرًا د. بشير بن حسن الحميري -وهو خبير بالمصاحف المخطوطة عليم بفنونها- واطلع على المصحف فنفى مباشرة -قبل أن يقلب أوراقه- أن يكون هذا المصحف من مخطوطات القرن الخامس الهجري بل هو متأخر عنه، وأكّد المعلومة بعد تصفّحه له.

فمَن له ممارسة علمية منهجية في التعامل مع المخطوطات يدرك أنّ لكلّ قرن أو قرنين خصائص فنية تميزه عمّا قبله وبعده من حيث نوع الورق وطريقة صناعته، ونوع الخط ونظام كتابته وزخرفة صفحاته، وفنّ التجليد وفنون زخرفته، وشكل حجم المخطوط من مستطيل ومربع، وفنون أخرى دقيقة؛ كلّ ذلك خصائص فنية في المخطوطات تختلف من زمن إلى زمن، وأمّة إلى أمّة، وإقليم إلى إقليم، ويستطيع الممارس العلمي التفريق بينها ومعرفة انتماء المخطوط إلى أيٍّ منها.

أَحدثَتْ هذه الزيارة لديَّ الرغبة في التتبّع التاريخي لمصحف البطليوسي من غير تقصٍّ. معتمدًا في ذلك على المنهج التاريخي، وذلك بتتبّع نشوء وصف مصحف البطليوسي وبعض ما يتوافر من معلومات تاريخية أو أحداث أحاطَت بزمن الوصف، وفحص بعض الأدلة المثبتة على مصحف (19) بمكتبة عارف حكمت.

أَسفر التنقير والتتبّع عن أنّ مَصدر وِرد الباحثين: الوصف الذي أثبته الأمير شكيب أرسلان عند زيارته مكتبة عارف حكمت عام (1332هـ/ 1914م) واطّلاعه على مصحف البطليوسي، ثمَّ نَـشَرَ وصفه في مجلة المجمع العلمي العربي[3] بالنصّ المثبت في صدر هذه المقالة.

وكلّ مَن وقفتُ عليه ممن يذكر مصحف البطليوسي ويُورد صورًا منه في بحث أو تغريد يُورد صورًا من نسخة المصحف الموهوم لا الأصل الذي كتبه البطليوسي.

إِذْ إنّ مصحف البطليوسي قد فُقِد مبكّرًا قبل الحُكم السعودي ترجيحـًا فلم يعد موجودًا في مكتبة عارف حكمت.

أوّل مَن نبّه على فَقْدِ مصحف البطليوسي:

أوّل مَن وجدتهُ نبّه على فقدِه عبد الله الماجد عام 1388هـ[4]، وحمادي علـيّ محمد التونسي عام 1401هـ[5]، و د. محمد العيد الخطراوي عام 1403هـ[6]، ويحيى محمود بن جنيد عام 1408هـ، في كتابه: (الوقف وبنية المكتبة العربية)، وأعاد تأكيده في الطبعة الثالثة عام 1442هـ التي طُبعت في مجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية بالمدينة المنورة[7].

ولا أحد منهم يجزم بطريقة خروجه من مكتبة عارف حكمت، إلا أنه من المعلوم تاريخيًّا أن المدينة المنورة -بُعيد زيارة شكيب أرسلان لمكتبة عارف حكمت واطّلاعه على مصحف البطليوسي فيها، وأثناء أحداث الحرب العالمية الأُولى قبل الحُكم السعودي- تعرّضَت لتهجير كثير من أهلها، وإرسال كثير من مقتنيات الحجرة النبوية ومجموعة من المخطوطات في مكتبة عارف حكمت والمحمودية إلى تركيا[8]، وهجرة بعض المخطوطات إلى أوروبا في ظلّ ضعف الرقابة على التراث وتساهل بعض القائمين عليه.

يقول محمد بهجة البيطار عن مكتبة عارف حكمت[9]: «زرتُ هذه المكتبة بعد انقضاء الحرب بين الأتراك والأشراف، وكذا مكتبة الطائف، فرأينا الأيدي قد تناهبت كثيرًا من كتبهما، ولا قوة إلا بالله».

كيف جرى تنزيل وصف مصحف البطليوسي على مصحف رقم (19) بمكتبة عارف حكمت؟

الذي يظهر أنّ مَن نزَّل أوصاف مصحف البطليوسي على المصحف رقم (19) في مكتبة عارف حكمت قد قام بالتفتيش عن مصحف البطليوسي في مكتبة عارف حكمت -في ضوء وصف أرسلان- فلم يجده، ووجد مصحفًا بخطٍّ أندلسي وزخرفة هندسية غير مؤرّخ فظنَّ أنه هو، وأنه فُقدت ورقته الأخيرة التي فيها تقييد اسم الناسخ وتأريخ النسخ.

أدلّة انتفاء أن يكون مصحف رقم (19) هو مصحف البطليوسي:

تؤيّد الأدلة قول مَن قال بفقدِ مصحف البطليوسي؛ فليس في مكتبة عارف حكمت اليوم مصحف ينطبق عليه وصفه. وهناك أدلة تنفي أن يكون مصحف (19) هو مصحف البطليوسي، وهي ما يأتي:

1- شهادة خبير في المصاحف المخطوطة بأنّ المصحف (19) متأخّر عن القرن الخامس الهجري، وهو د. بشير الحميري.

2- لا يحمل المصحف (19) تأريخ خطٍّ، ولا اسم خطّاط.

3- أنَّ المصحف (19) قد أُوقف بمكتبة عارف حكمت بَعد عقود من زيارة شكيب أرسلان المكتبة واطّلاعه على مصحف البطليوسي، فنَصُّ الوقفية التي جاءت في أوّله: «وقف من طرف الشيخ إبراهيم الحمدي الخربوتي رحمه الله المدير المتوفى»، أي أنّ وقف المصحف بالمكتبة صار بعد عام 1372هـ أو أثناءه[10].

4- أن الختم الذي عليه ليس من أختام التأسيس في مكتبة عارف حكمت، بل متأخّر عنها، ولا من الأختام التي كانت وقت زيارة شكيب أرسلان[11].

قيود التملُّك على مصحف (19):

على مصحف (19) قيود تملُّك انطمسَتْ بعض معالمها وانطمس قيد مالكه الأوّل، أمّا الثاني فهو: إبراهيم بن أحمد بن محمد الجمحي، ثم تسلسل في ذريته: عبد الباسط بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن العلو الجمحي، ثم محمد بن عبد الباسط، ثم تملّكه: أبو القاسم بن عبد الله بن صالح... الطبلبـي، ثم تملّكه ابن مسعود.

ولم أجد لهم ترجمة مطابقة يفاد منها في التقريب الزمني لعمر المصحف المخطوط.

خاتمة:

عُنِيَت هذه المقالة بالتتبّع التاريخي لأثر مصحف عبد الرحمن البطليوسي الذي كتبه بالأندلس عام 488هـ وما قيل في وصفه، وكيف جرى تنزيل أوصافه على مصحف آخر ليس هو، وبيّنَت أدلة بطلان هذا التنزيل.

ومما يبشِّر بخير بشأن مصحف البطليوسي أنه لم يخرج من المدينة المنورة بل تحوّل إلى مكتبة صديقة -إن صحَّت المعلومة وطابقت-؛ فقد ورد في فهرس مؤسّسة آل البيت معلومات مصحف محفوظ بالمكتبة البساطية بالمدينة المنورة يطابق وصفه وصف مصحف البطليوسي بالخطّ الأندلسي، كُتب على رَقِّ الغزال عام 488هـ ولم يذكر اسم الخطاط[12].

ويوجد الآن في المكتبة البساطية مصحف مخطوط عتيق كُتب على رَقِّ الغزال بالخط الأندلسي، فهل هو هو؟

اللهم وفِّقْنا للعمل بكتابك، وفهمِ معاني خطابك، واتّباع سنة نبيّك صلى الله عليه وسلم.

والحمد لله رب العالمين

 

لواحق تتبع من صور المصحف رقم (19) بمكتبة عارف حكمت، ومصحف بخط أندلسي بالمكتبة البساطية