براعة الاستهلال في سورة البقرة؛ عرضٌ وتحليلٌ

من فنونِ البلاغة التي اشتمل عليها القرآن الكريم براعةُ الاستهلال، وسورة البقرة باعتبارها في صدارة المصحف الشريف فإن لها شأنًا خاصًّا في براعة الاستهلال في نفسها من جهة، وباعتبار علاقتها بالقرآن كلّه من جهة أخرى، وهذه المقالة تُسلِّط الضوء على ملامح براعة الاستهلال في هذه السورة العظيمة، بعد تمهيد يعرّف ببراعة الاستهلال وسورة البقرة.

  أنزل اللهُ تعالى كتابَه بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، مُعجزٍ في لغته وبلاغته، قد جاء في ذلك بأحسن الأساليب وأروعها، وبأرشق العبارات وأرفعها؛ فكان الكتابَ الذي لا تُضاهَى لغتُه، ولا تُجارَى في مضمارٍ بلاغتُه؛ فالتشبيه فيه غيرُ التشبيه، والاستعارة فيه غيرُ الاستعارة، والإيجاز فيه غيرُ الإيجاز، وهكذا كلّ فنٍّ من فنون البلاغة قد اشتمل عليه؛ فإنه يعلو فيه ولا يُعْلَى عليه.

وإنّ مِن أخصِّ فنون البلاغة التي تعكس لنا إعجاز القرآن، وتُظْهِر لنا طراوته وطلاوته، وتكشف لنا إحكامه وتمامه =ما اشتمل عليه من براعة الاستهلال في فواتح السور، وهو جانبٌ لم يحظَ - فيما أعلم- بالقدر الكافي من الدراسة والبحث مع أهميته في بيان إعجاز القرآن، وفي فهم مضامين سوره وترابطها، وفي إدراك مدى التناسب الكائن بين فواتح تلك السور وخواتمها، فهو مجالٌ رحبٌ للتدبّر في كتاب الله وشحذ الأذهان فيه وتذوّق معانيه؛ ولذلك كان هذا الموضوع جديرًا بأن يُطرق بابه ويُستخلص لُبابه، وقد أتى هذا المقال تلبيةً لهذا الغرض.

وإذ لم يكن من الممكن في هذا المقام تناولُ براعة الاستهلال في جميع فواتح السور فقد آثرتُ الاقتصار على سورة البقرة دون غيرها؛ نظرًا لصدارتها في ترتيب المصحف إِذْ تقع ثانيةً بعد الفاتحة، فيكون لها مِن شأنِ التقديم وسرِّه ما للفاتحة، ولما تُعرف به -أيضًا- من الجامعية لأغراض القرآن ومقاصده؛ فتكون براعة استهلالها شاملةً لنفسها من جهةٍ، وللقرآن كلِّه من جهةٍ أخرى، وتلك ميزةٌ تفرّدَت بها، كما سيظهر ذلك في ثنايا هذه المقالة.

وفيما يأتي تمهيدٌ نبيّن فيه المقصود من براعة الاستهلال، ونعرِّف فيه -بإيجازٍ- بسورة البقرة؛ إِذْ هذان العنصران هما محور هذه المقالة فاقتضى ذلك منَّا إنشاء هذا التمهيد.

تمهيد:

أولًا: تعريف براعة الاستهلال:

أولًا: البراعة؛ ويقصد بها: التبريز والفضل[1]؛ يُقال: برع الرجل براعةً؛ إذا تمّ في جمال أو عِلم فهو بارع، وكلّ شيء تناهى في جمال ونضارة وغيرها من محاسن الأمور فقد برع[2].

ثانيًا: الاستهلال؛ وأصله في اللغة عائدٌ إلى رفع الصوت، ثم تُوسِّع في استعماله لكلِّ ما يُصوَّت عنده، فقيل للهلال الذي في السماء هِلالٌ؛ لأنّ الناس يرفعون أصواتهم عند نظرهم إليه مكبِّرين وداعِين، ويسمى هلالًا أولَ ليلةٍ والثانيةَ والثالثةَ، ثم هو قمرٌ بعد ذلك. وكذا يقال: استهلَّ الصبيُّ: إذا صوَّتَ عند ولادته[3]. ولعلَّه لُوحظ ما في هذه الاستعمالات من الأوَّلية والابتداء فقيل أيضًا لكلِّ مَن ابتدأ شيئًا: قد استهَلَّه.

أمّا براعةُ الاستهلال اصطلاحًا، فهي: أن يجعلَ المتكلِّم أوّل كلامه حَسَنَ الرَّصف، عَذْبَ اللفظ، صحيحَ المعنى، مشتملًا على إشارةٍ لطيفةٍ إلى المقصود[4]، أو هي -إيجازًا-: كونُ ابتداء الكلام مناسبًا للمقصود[5].

وبالنظر للتعريف الاصطلاحيِّ يظهر لنا وجه الارتباط بينه وبين المعاني اللغوية التي ذُكِرت للبراعة وللاستهلال آنفًا، ووجهه: أنّ الكلام لما كان مشتملًا على هذه الصناعة فاق غيره من الابتداءات التي يُفتتح بها الكلام وفَضُل عليها فسُمِّي بذلك[6]؛ إِذْ تدلّ البراعة على التميُّز، ويدلّ الاستهلالُ على الافتتاح.

ويسمِّي بعضُ البلاغيين هذا الفنَّ أيضًا بـحُسن الابتداء أو ببراعة المطلع، ويعدُّه آخرون نوعًا أخصَّ منهما؛ وفي هذا يقول السيوطيُّ: «ومن الابتداء الحسَن نوعٌ أخصُّ منه يُسمَّى: براعة الاستهلال؛ وهو أن يشتمل أولُ الكلام على ما يُناسب الحال المتكَلَّم فيه، ويشير إلى ما سِيق الكلام لأجله»[7]. ومن ثَمَّ فكلُّ براعة استهلالٍ هي حُسن ابتداءٍ، دون عكسٍ.

وأمّا فائدة هذا الفنِّ وغرضُه فهي: تنبيه السامعين لسماع تفصيل ما سيرِد عليهم فيتأهَّبُوا لتلقِّيه، وفيه دليلٌ على تمكُّن المتكلّم من الغرض الذي يقصده وثقته بسداد رأيه فيه بحيث ينبّه السامعين لوعيه[8]. وهذا الفنُّ من أرقِّ فنون البلاغة وأرشقها.

ثانيًا: التعريف بسورة البقرة:

سورة البقرة مدنيةٌ نزلَت أوَّل الهجرة واستمر نزول آياتٍ منها إلى أواخر الحياة النبوية، وقد رُتِّبت في المصحف الشريف ثانيةً بعد الفاتحة وإن كان نزولها متأخِّرًا، وهي أطولُ سور القرآن؛ إِذْ يبلغ عددُ آياتها مائتين وخمسًا وثمانين آيةً عند أهل العدد بالمدينة ومكة والشام، وستًّا وثمانين عند أهل العدد بالكوفة، وسبعًا وثمانين عند أهل العدد بالبصرة[9].

وقد سُمِّيت بهذا الاسم على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- في أحاديثَ عديدةٍ في الصحيحين وغيرهما، وهي أحاديثُ وردت في بيان فضلها والحثّ على قراءتها، أو في بيان فضل جزءٍ منها؛ كآية الكرسيِّ والآيتين الأخيرتين منها، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ)[10]. ووجه تسميتها بهذا الاسم أنها ذُكرت فيها قصة البقرة التي أمر اللهُ بني إسرائيل بذبحها لتكون آيةً، ووصفَ سوء فهمهم لذلك، وهي مما انفردت هذه السورة بذِكْره[11].

ومن أعظم خصائص هذه السورة أنها سورةٌ جامعةٌ لِما تفصَّل في القرآن من الهدى والأحكام حتى لُقِّبت بسبب ذلك بفُسطاط القرآن[12]، وفي هذا الصَّدَد يقول ابن عاشور: «هذه السورة متراميةٌ أطرافها، وأساليبها ذاتُ أفنانٍ، قد جمعت من وشائج أغراض السور ما كان مصداقًا لتلقيبها فُسطاط القرآن، فلا تستطيع إحصاء محتوياتها بحسبانٍ»[13]. ولأجل هذه الجامعية التي في السورة عَظُم شأنُ العَالِم بها؛ إِذْ جاء عن أنسٍ -رضي الله عنه- قوله: «وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، جَدَّ فِينَا -يَعْنِي عَظُمَ-»[14].

براعة الاستهلال في سورة البقرة:

وأمّا مقصودنا من براعة الاستهلال في سورة البقرة فهو اشتمال مطلعها في الآيات الخمس الأولى على إشاراتٍ لطيفةٍ لِما تحتويه السورة من موضوعاتٍ عقديةٍ وتشريعيةٍ وغيرها، ثم على ما يحتويه القرآن بعد ذلك من تلك الموضوعات. وبناءً على هذا التقسيم سيكون منهجُ هذه المقالة في معالجة هذا الموضوع، وذلك ببيان تحقق براعة الاستهلال بالنسبة للسورة نفسها، ثم بالنسبة لجميع القرآن، مراعيًا في ذلك ترتيب الآيات الخمس.

إعجاز القرآن:

إنّ أولَ ما افتتحت به السورة الكريمة الإشارةُ إلى ما يدل على إعجاز القرآن في لغته وبلاغته؛ إذ ذلك أهم أوجه إعجازه، وهو ما حَواه قوله تعالى: ﴿الـم﴾ [البقرة: 1]؛ إذ القصد من ذكر هذه الحروف الهجائية في صدر السورة لفت أنظار المخاطَبِين إلى هذه الحقيقة التي لا غبار عليها ولا محيص عنها، وهي ربانية القرآن؛ وذلك من خلال التنبيه على كونه مؤلَّفًا من حروفٍ هي عينُ ما كان يتخاطب به المنكِرون له وقت نزوله، وهي عينُ ما كانوا يؤلِّفون منه أشعارهم التي كانوا يتفاخرون بها في أسواقهم ونواديهم؛ فيكون عجزهم عن الإتيان بمثله مع كونه بلسانهم بيانًا كافيًا وحُجَّةً قاطعةً على أنه من عند الله تعالى، وفي هذا يقول العلَّامة ابن كثير: «إنما ذُكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذُكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن وأنّ الخَلْق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركَّبٌ من هذه الحروف المقطَّعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهبَ الرازيُّ في تفسيره عن المبرِّد وجمعٍ من المحقِّقين، وحكى القرطبيُّ عن الفرَّاء وقُطرب نحو هذا، وقرَّره الزمخشريُّ في كشَّافه ونصَره أتمَّ نصرٍ، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلَّامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو العجاج المزيُّ وحكاه لي عن ابن تيمية»[15]، ثم قال -رحمه الله-: «ولهذا كلُّ سورةٍ افتُتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته... ولهذا يقول تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 1- 2]، ﴿المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 1- 2]، ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: 1]، ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: 1- 2]، وغير ذلك من الآيات الدالّة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر»[16].

فهذه الحروفُ المفتتحُ بها السورة هي تحَدٍّ على وجه التلميح جاء سابقًا لما يأتي بعد ذلك مِن تحَدٍّ صريحٍ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]، مع ما يُشْعِر به هذا التحدّي بهذه الحروف من تهكُّمٍ بهؤلاء المنكرين لربانية القرآن المعاندين للحقّ. وفي هذا التناسب بين التلميح إلى التحدّي في مفتتح السورة والتصريح به بعد ذلك من براعة الاستهلال ما لا يخفى. وقد ذكر هذا التناسب بين الموضعين ابن عاشور في مقدّمة تفسيره لسورة البقرة؛ إِذْ قال: «ويحضر لنا من أغراضها أنها ابتُدِئَت بالرمز إلى تحدي العرب المعاندين تحديًا إجماليًّا بحروف التهجّي المفتتح بها رمزًا يقتضي استشرافهم لما يَرِدُ بعده وانتظارهم لبيان مقصده، فأُعقب بالتنويه بشأن القرآن فتحوَّل الرمز إيماءً إلى بعض المقصود من ذلك الرمز له أشد وقعٍ على نفوسهم فتبقى في انتظار ما يتعقبه من صريح التعجيز الذي سيأتي بعد قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]»[17].

كما أنّ التحدي بالإتيان بمثل القرآن قد تكرّر ذِكْره تصريحًا في مواضعَ عديدةٍ من القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: 13]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]، كما تكرّر تلميحًا في صورة حروف التهجي التي استُهلّت بها سورٌ عديدةٌ من القرآن الكريم، لا سيما في المكيِّ منه، فيكون افتتاحُ البقرة بهذه الحروف الدالة على التحدي والإعجاز براعةَ استهلالٍ بالنسبة لجميع القرآن أيضًا.

بل نزيد هنا قولًا: وهو أن الإحكام في القرآن الذي يفيده نفيُ الرِّيبة والشّك عنه في قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]، فيه إيماءٌ أيضًا للنظر في علومٍ أخرى مشتملٍ عليها القرآنُ دالّةٍ على إعجازه من غير لغته وأسلوبه؛ كجانب تشريعه، وأخباره، وإشاراته الكونية؛ إِذْ لا يجد المتدبِّر أيَّ تضاربٍ يبعث على الريبة بين القرآن وبين هذه العلوم الموجودة فيه، بل يجد خلاف ذلك ما يزيده يقينًا أنه من عند الله تعالى، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، فتكونُ هذه الجملةُ من القرآن -مع وجازتها- جامعةً لكلّ ما تفصَّل فيه من الدلائل على أنه من عند الله تعالى، وهذا من براعة الاستهلال في السورة.

التنويه بالقرآن:

لا شك أنّ ثبوت إعجاز القرآن الكريم وربانيته يقتضي رفعةَ شأنه وعلوَّ قدره؛ ولأجل ذلك جاءت الإشارةُ تاليةً في هذا الموضع بما يدلّ على هذا المعنى وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2]، وفي هذا يقول ابن عاشور: «فلا جَرَم أن كانت الإشارة في الآية باستعمال اسم الإشارة للبعيد لإظهار رفعة شأن هذا القرآن لجعله بعيد المنزلة. وقد شاع في الكلام البليغ تمثيلُ الأمر الشريف بالشيء المرفوع في عِزَّة المنال؛ لأن الشيء النفيس عزيزٌ على أهله، فمن العادة أن يجعلوه في المرتفعات صونًا له عن الدُّروس وتناول كثرة الأيدي والابتذال، فالكتاب هنا لمّا ذُكر في مقام التحدي بمعارضته بما دلَّت عليه حروف التهجي في: ﴿الـم﴾ [البقرة: 1] =كان كالشيء العزيز المنال بالنسبة إلى تناولهم إياه بالمعارضة، أو لأنه لصدق معانيه ونَفعِ إرشاده بعيدٌ عمّن يتناوله بهُجْر القول كقولهم: ﴿افْتَرَاهُ﴾ [يونس: 38]، وقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: 25]»[18].

كما أنّ من مقتضيات كون هذا القرآن معجزًا أن يكون كاملًا فيما يشتمل عليه من الأوصاف والهدايات؛ فكأنّ ما عداه من الكتب بالنسبة إليه ناقصٌ، وقد دلّ على هذا المعنى كذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2]، يقول العلَّامة ابن عاشور مبينًا هذا المعنى أيضًا: «ويجوز أن يكون ﴿الْكِتَابُ﴾ خبرًا عن اسم الإشارة، ويكون التعريفُ تعريفَ الجنس فتفيد الجملة قصرَ حقيقة الكتاب على القرآن بسبب تعريف الجزأين، ومعناه: ذلك هو الكتاب الجامع لصفات الكمال في جنس الكتب، بناءً على أن غيره من الكتب إذا نُسبت إليه كانت كالمفقود منها وصفُ الكتاب لعدم استكمالها جميع كمالات الكتب، وهذا التعريف قد يُعبِّر عنه النحاة في تعداد معاني لام التعريف بمعنى الدلالة على الكمال»[19]؛ وذلك كقولهم: زيدٌ الرَّجل؛ يقصدون بذلك: الكامل في الأوصاف[20].

ومما يستدعيه كونُ هذا القرآن معجزًا وكاملًا أن يكون محفوظًا ومصونًا عن التعرُّض إلى التحريف أو الزوال؛ ولذلك جيء بما يدلّ على هذا المعنى في الجملة الآنفة الذِّكْر: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؛ إذ أوثر هنا لفظ الكتاب على لفظ القرآن الدال على القراءة ليكون كالأمر بتقييد ما ينزل من الوحي لأجل حفظه؛ إِذ الكتابة قَيْد العلم، وفي هذا يقول ابن عاشور كذلك: «وتسمية القرآن كتابًا إشارةٌ إلى وجوب كتابته لحفظه»[21]. ومن المعلوم أن القرآن جُمع كتابةً في مصاحف على عهد الخليفة أبي بكر -رضي الله عنه- لمّا خيف ذهابه بذهاب حمَلته في ساحات المعارك؛ فكانت كتابته وسيلة تحقيق الله الوعد بحفظه.

ومما يستتبعه أيضًا كونُ هذا الكتاب معجزًا ورفيعًا وكاملًا أن يكون سالمًا مما يقدح فيه من الصفات؛ كالاختلال والاضطراب والتضارب، وهو ما نُفي عنه بقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]، إذ ذهب جمعٌ من المفسِّرين إلى أن المراد من هذه الجملة النافية بيان أنه ليس في القرآن ما يوجب ارتيابًا وشكًّا في صحته؛ كأن يكون فيه كلامٌ يناقض بعضه بعضًا أو كلامٌ يجافي الحقيقة والفضيلة، أو يكون فيه أمرٌ بارتكاب الشر والفساد أو يصرف عن الأخلاق الفاضلة، وانتفاءُ ذلك عنه يقتضي أن ما يشتمل عليه القرآن إذا تدبَّر فيه المتدبِّر وجده مفيدًا اليقين بأنه من عند الله تعالى[22].

والذي يظهر بالتدبّر في ما اشتمل عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، من الصفات الجليلة في حقّ القرآن أن فيه تعريضًا بما مع أهل الكتاب من التوراة والإنجيل اللذَيْن اعتراهما من التغيير البشريِّ ما حطَّ من منزلتهما بما أُدخل عليهما من الاضطراب والاختلاف المنتفيين عن القرآن العظيم، وقد تطرّقت سورة البقرة إلى ذِكْر تحريف اليهود للتوراة وتغيير ما أنزل اللهُ إليهم فيه من المواعظ والأحكام إلى ما يوافق أهواءهم ومراداتهم، كما قال تعالى في شأنهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75]، وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79]؛ فتكون الإشارة اللطيفة إلى هذا الموضوع في مطلع السورة من براعة الاستهلال.

كما أنّ الحديث عن تحريف أهل الكتاب للتوراة والإنجيل ليس مقتصرًا على سورة البقرة فحسب، بل تكرّر ذِكْره لا سيما في السور المدنية التي تلت البقرة؛ وهي آل عمران، والنساء، والمائدة، فيكون في الإشارة إلى ذلك هنا براعةُ استهلال بالنسبة لجميع القرآن. ويدخل في هذا الحكم أيضًا القرآن المكيُّ بما اشتمل عليه من الآيات العديدة المنوِّهة برفعة كتاب الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: 75- 80].

بطلان عقائد أهل الكتاب:

لم يكن تحريف التوراة والإنجيل الموضوع الوحيد المتعلق بأهل الكتاب الذي ستومئ إليه الآيات الأولى من سورة البقرة، بل تضمّنت هذه الآيات أيضًا إشارةً لطيفةً إلى تكذيبهم برسالة النبي -صلى الله عليه وسلم- حين وصفت المتقين بما قال تعالى في شأنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4]؛ ففي هذه الآية -كما يقول ابن عاشور- تعريضٌ بغلاة اليهود والنصارى الذين صدَّهم غلوُّهم في دينهم وقولهم على الله غير الحقّ عن اتّباع النبي -صلى الله عليه وسلم-[23]، وقد أفاضت سورة البقرة في الحديث عن موقف اليهود -على وجه الخصوص- من النبي-صلى الله عليه وسلم- وحسَدهم له مع معرفتهم بصدق نبوّته، على غرار قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: 90]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 101]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]، وآيات أخرى عديدة تبين هذا المعنى. ومن مناسبة هذا جاء الحديث في السورة عن ضرورة الإيمان بجميع الرسل دون تفريقٍ بينهم، كما تفيد ذلك آياتٌ عديدةٌ، على غرار قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136].

ومن الموضوعات الأخرى التي جاءت الإشارة إليها في مستهلّ السورة بخصوص أهل الكتاب أيضًا: ضعف إيمانهم بالآخرة وإيثار الحياة الدنيا عليها، وذلك في قوله تعالى في وصف المتقين: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 4]؛ وقد صِيغت هذه الجملة بما يدلّ على الاهتمام بموضوع الآخرة وذلك من خلال تخصيص الآخرة بالذِّكْر بعد دخولها في عموم قوله تعالى قبل ذلك: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]؛ إذ الآخرة من جملة الغيب؛ غير أنها خُصَّت بالذِّكْر لإفادة الاهتمام بها، وكذا من خلال إيثار التعبير عن الإيمان بها بالإيقان وهو أبلغُ في باب التصديق، يضاف إلى ذلك تقديم المعمول: ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ على عامله ﴿يُوقِنُونَ﴾؛ بيانًا لمزيد الاهتمام[24]. وفي هذا تمامُ الثناء على المتقين في قوة إيمانهم بالآخرة وتعريضٌ بمن لم يكن إيمانهم بها بالغًا تلك المنزلة مع حصول الدعوى منهم بذلك؛ وهم أهل الكتاب، حيث جاء في سورة البقرة لاحقًا ما يفضح دعواهم في صدق إيمانهم بالآخرة ويبطله، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 94- 95]. ومن مناسبات هذا جاء التنبيه في السورة مرارًا على تحريف اليهود التوراة مقابل ثمنٍ قليلٍ من الدنيا؛ إِذْ يدلّ هذا الصنيع على عدم مبالاتهم بالآخرة؛ فيكون ذلك تكذيبًا لهم في صدق إيمانهم بها، قال تعالى عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: 86].

كما أنّ في وصف المتقين بالموقنين بالآخرة وجهًا آخر من التعريض باليهود، حيث قامت لهم من الدلائل والآيات الحسيَّة ما كان كفيلًا بأن يجعلهم من الموقنين بالبعث والآخرة أكثر من غيرهم؛ إِذْ أراهم اللهُ إحياء الموتى عيانًا في مناسباتٍ عديدةٍ، بَيْد أن ذلك لم يزدهم إلا قسوةً وغباوةً، كما أشار تعالى إلى ذلك عقب ذِكْره إحياء القتيل الذي اختصموا في أمره بضربه بجزءٍ من البقرة التي أُمِروا بذبحها: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 73- 74].

وأمّا الموضوع الثالث الذي ستقع الإشارة إليه في مستهلّ السورة فيما يخصّ أهل الكتاب ففي دعواهم أيضًا اختصاص الهداية بهم، وخلوص الجنة لهم، وقد أومأ مستهل سورة البقرة إلى بطلان هذه الدعوى التي ادّعوها إيماءً لطيفًا من خلال ذكر اختصاص أهل التقوى بالهدى وبالفلاح في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 5]، حيث ذكر الزمخشريُّ -وهذا منه بديعٌ جدًّا- أنّ في تخصيص المتقين بالهدى والفلاح تعريضٌ بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوّة رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-، وهم ظانّون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند اللَّه تعالى[25]. وهذا الموضوع قد تناولته سورة البقرة لاحقًا في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111].

فهذه الموضوعات العقدية الثلاثة لأهل الكتاب الآنفة الذِّكْر قد جاءت الإشارة اللطيفة إليها في مفتتح سورة البقرة قبل أن يأتي تفصيلها في السورة لاحقًا، فيكون ذلك من براعة الاستهلال في السورة.

ولا شكّ أنّ هذه الموضوعات قد تُنُووِلَت أيضًا في غير البقرة، لا سيما في السور التي تلت البقرة؛ كآل عمران والنساء والمائدة؛ حيث جاء فيها الحديث عن عقائد النصارى وانحرافاتهم في عيسى -عليه السلام-؛ فتكون تلك الإشارات لهذه الموضوعات من براعة الاستهلال للقرآن عمومًا، ولا سيما للمدنيِّ منه.

تشريع الفرائض والأحكام:

لئن كان لفظ الكتاب في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2] قد أفاد إشارةً لطيفةً إلى موضوع تحريف التوراة والإنجيل بما تضمّنه من وصف الكمال للقرآن وحصانته عن التلاعب والابتذال الذي لحق الكتابَيْن الآخرَيْن على ما تبيّن آنفًا، فإن هذا اللفظ أيضًا قد أفاد إشارةً ألطفَ إلى موضوعٍ آخرَ من موضوعات القرآن وهو تشريع الفرائض والأحكام، وذلك بما دلّ عليه لفظ الكتاب من الفرض والحكم؛ إِذْ يُقال: كَتَب اللهُ كذا؛ أي: فَرَضَه وأوْجَبَه، ويقال أيضًا: لأقضِينَّ بكتاب الله، أي: بحُكمِه[26]. وقد تناولتْ سورة البقرة كثيرًا من التشريعات في العبادات والمعاملات وبيَّنت أحكامها، وقد استُعمل في بيان وجوب كثيرٍ منها لفظ (كُتِب) كما في قوله تعالى في شأن القصاص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]، وكما في قوله تعالى في شأن الوصية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]، وقوله تعالى في الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، وقوله تعالى في أمر القتال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]، وفي إيثار هذا الاستعمال بهذا التعدّد في السورة ترجيحُ أن يكون ذِكْر الكتاب في مستهلّها قد قُصد به الإشارة إلى ما سيأتي فيها لاحقًا من تشريعاتٍ وأحكامٍ لاحتمال اللفظ ذلك على ما تبيّن آنفًا؛ ويكون ذلك -حينئذٍ- من براعة الاستهلال.

وإذا ثبتت براعة الاستهلال بلفظ (الكتاب) في حقّ سورة البقرة نفسها لما تضمنته من كثرة التشريعات والأحكام فهي ثابتةٌ في حقّ القرآن جميعًا؛ لما تضمّنه من تشريعات كثيرةٍ أيضًا، لا سيما في المدنيِّ منه؛ إِذْ كان الزمن زمن تشريعٍ وتفصيلٍ للأحكام.

والذي يظهر مما تقدّم أن لفظ (الكتاب) في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ قد أفاد الإشارة إلى أغراضٍ عديدةٍ كانت لتفوت لو عُبِّر عن التنزيل الإلهيِّ باسمٍ آخرَ غيرِه، وهذا مما يستدلّ به على إعجاز القرآن؛ وأنه تنزيلُ عليمٍ حكيمٍ.

الاهتداء بالقرآن:

أعقب اللهُ تعالى الثناء على كتابه بذِكْر المقصد من تنزيله وهو الهداية إلى الصراط المستقيم في قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، وقد جاء وصف الهدى هنا قرينًا بالمتقين ليفيد بذلك التركيبِ معنيين جليلين؛ أحدهما: أن القرآن هُدًى في نفسه. والآخر: أن هُداه لا ينتفع بها إلا المتّقون الذين يعملون بمقتضاها ويلتزمونها خشيةً لله، وذلك هو معنى الاهتداء.

وهذا الوصف المركَّب من الهدى والمتقين جاء مناسبًا لاسم (الكتاب) الدال على تشريع الفرائض والأحكام على ما تبين آنفًا؛ إِذْ لا شك أن تشريعات القرآن هي هدًى قُصد بها تحقيق التقوى؛ كما يدلّ على ذلك قوله تعالى في بيان المقصد من تشريع القصاص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]، إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]، وقوله تعالى في بيان المقصد من تشريع الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، وقوله تعالى في شأن الوصية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]؛ ولذلك كان مِن أجمعِ ما عُرِّفت به التقوى أنها العمل بالتنزيل، أي العمل بما جاء في القرآن من تشريعاتٍ وأحكامٍ.

وهذا الوصف المركَّب: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، فيه تعريضٌ أيضًا بأهل الكتاب -لا سيما اليهود- إِذْ أُعطوا كتبهم هدايةً لهم ليعملوا بما فيها من المواعظ والأحكام، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 53]، وفي قوله تعالى في خطابهم: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 63]، ومعنى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾؛ خذوا ما آتيناكم في التوراة من أحكام بجدٍّ واجتهادٍ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 63]؛ أي: لتكونوا بذلك من أهل التقوى[27]. بَيْدَ أنهم تهاونوا في الأخذ بما أُنزل إليهم من الهدى والأحكام فلم يحصل لهم الاهتداء والتقوى؛ إِذْ لا يحصلان إلا بالعمل والامتثال المعبَّر عنه بالأخذ بالقوة، ويدلّ على ذلك قصة أصحاب السبت، وقصة ذبح البقرة؛ إِذْ تبيَّن من خلال هاتين القصّتين ما كانوا عليه من شدة الاستهتار بأوامر الله والاستهزاء بها. وهذا كلّه جاء موعظةً للمؤمنين لكي يتلقوا ما يأتيهم من الهدى في القرآن تلقيًا حسنًا ولا يكونوا كبني إسرائيل مع توراتهم وأنبيائهم؛ فإنّ النجاة والفلاح لا يحصلان بمجرّد نزول الهدى ما لم يقترن بذلك عملٌ واتّباعٌ، كما بيَّنت ذلك سورة البقرة أيضًا في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38].

والذي يظهر مما تقدَّم أن هذا الوصف المركّب من الهدى والتقوى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، قد وقع في مفتتح السورة موقع براعة الاستهلال لما أتى له من البيان والتفصيل بعد ذلك في السورة نفسها بالإخبار عن حال بني إسرائيل في علاقتهم بالتوراة وعدم انتفاعهم بها على سبيل التحذير للمؤمنين، أو ببيان أن التقوى هي غاية تنزيل الكتاب وتشريع الأحكام، كما تقدَّم صريحًا في آيتي القصاص والصيام.

وإذا ثبت كون هذه الجملة: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، براعة استهلال لسورة البقرة فهي كذلك بالنسبة لجميع القرآن؛ لكثرة ما ورَد فيه من أخبار بني إسرائيل في انحرافهم عن التوراة، لا سيما في المدنيِّ منه، وكذا غيرهم ممن جاءهم الهدى من ربهم فلم يهتدوا به ممن قصَّ اللهُ علينا أخبارهم، وكذلك من جهة كثرة ما جاء في القرآن من الحضّ على التقوى، ولعلَّ أظهرَ مثالٍ دالٍّ على ارتباط الهدى بالتقوى في غير سورة البقرة افتتاحُ سورة آل عمران بالحديث عن تنزيل التوراة والإنجيل والقرآن هُدًى للناس، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: 2- 4]، ثم اختتامُها بعد ذلك بالأمر بالتقوى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 200]، ليدلّنا بذلك المطلع والمقطع أن الغاية من تنزيل تلك الكتب المتضمنة للهدى هو تحقيق التقوى الذي هو سبيل الفلاح، وقد عُكس هذا في سورة النساء حيث ابتُدِئَت بالأمر بالتقوى، ثم اختُتِمَت ببيان مقصد تشريع الميراث وهو الإنقاذ من الضلال الذي هو نقيض الهدى؛ فتأمّل من خلال ذلك سِرَّ هذا الافتتاح العظيم في سورة البقرة، وانظر كيف أومأ إلى كلّ ذلك بأخصر عبارةٍ.

معالم الاهتداء بالقرآن:

اشتملت هذه الآيات الأولى من سورة البقرة أيضًا على إشاراتٍ لطيفةٍ إلى المعالم الكبرى لما جاء به القرآن الكريم من الهدى، وهي المعالم التي ترسم طريق الاهتداء الحقّ بالقرآن وتحقيق التقوى، فبدأت بأهم ذلك وهو إصلاح الاعتقاد؛ إِذْ لا اهتداء ولا تقوى بلا عقيدةٍ صحيحةٍ، فقال تعالى في ذلك: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]؛ وعبّر عن الاعتقاد بالإيمان بالغيب لأن مدار ذلك عليه، وأعظم ذلك الإيمان بالله وتوحيده. وقد تناولت سورة البقرة موضوع الغيب في مناسباتٍ عديدةٍ كما في قصة خلق آدم وما أحاط بها من تفاصيل، وذكر الملائكة في مواضع عدَّةٍ، وفي الإخبار عن الجنة ونعيمها والنار وجحيمها، وغير ذلك من موضوعاتٍ.

كما أنّ في هذا الوصف بالإيمان بالغيب تعريضًا ببني إسرائيل في ضعف إيمانهم به، ولا سيما في إيمانهم بالله؛ إِذْ ستتعرض السورة لاحقًا إلى ذِكْر اتخاذهم العجل إلهًا وطلبهم رؤية الله جهرةً بيانًا لتعلقهم بالمحسوس المشاهد تعلقًا جعل إيمانهم بالغيب مستعصيًا وعسيرًا، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: 54- 55]، يقول صاحب (نظم الدرر): «ولما استُتيبوا عن عبادة العجل التي تقيّدوا فيها بالمحسوس الذي هو مثَلٌ في الغباوة، طلبوا رؤية بارئهم بالحسِّ على ما له من صفات الكمال التي تأبى الابتذال، ناسِين لجميع النِّعم والنِّقم، مسرعين في الكفر الذي هو من شأن الحائر، والحال أنّ الفرقان الذي لا يدع شبهةً ولا يبقِي حيرةً قائمٌ بين أيديهم؛ لأنهم من الجمود والوقوف مع الوَهْم والحسِّ بمكانٍ عظيمٍ»[28].

وفي تناول السورة الكريمة لبعض الموضوعات الغيبية مع التعريض ببني إسرائيل في ضعف إيمانهم بالغيب من خلال ما ذكرناه آنفًا ما يدلّ على أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]، قد وقع في مفتتح السورة موقع براعة استهلال للسورة نفسها. كما أنه يُعَدُّ براعة استهلالٍ لجميع سور القرآن بالنظر لكثرة موضوعات الغيب فيها حتى لا تجد سورة تخلو من ذكر ذلك، ولا سيما في القرآن المكيِّ.

وأما المعْلَم الثاني من معالم الهدى القرآنيِّ فهو أداء حقّ الله ظاهرًا بعد تأديته باطنًا بالإيمانِ به المدلولِ عليه بالوصف الأول، وهذا المعْلَم هو ما يُصطلح عليه بالعبادة الدالة على الخضوع الفعليِّ لله تعالى. وقد اقتصرت الآيات من ذلك على ذِكر إقام الصلاة: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 3]؛ إِذْ إن الصلاة هي أعظم العبادات الظاهرة إطلاقًا، كما هو ظاهر الحديث: (وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ)[29]، وهي أظهر تجليات الخضوع لله تعالى لما تشتمل عليه من قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ وذِكْرٍ له. وقد جاء ذكرها في مفتتح السورة تاليًا للإيمان لإفادة أنها أعظم دلائله العملية، حتى أنها سميت به في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، وفي هذا يقول البِقاعيُّ: «ولمّا كانت الصلاة التزام عهد العبادة مبنيًّا على تقدّم الشهادة متمَّمَةً بجماع الذِّكْر وأنواع التحيات لله؛ من القيامِ له تعالى والركوعِ له والسجودِ الذي هو أعلاها والسلامِ بالقول الذي هو أدنى التحيات =كانت لذلك تعهُّدًا للإيمان وتكرارًا؛ ولذلك من لم يُدِم الصلاة ضعف إيمانه وران عليه كفرٌ؛ فلا إيمان لمن لا صلاة له»[30].

كما أن في قوله تعالى: ﴿يُقِيمُونَ﴾ ما يفيد حقيقة الصلاة التي يصدق عليها أنها دليل إيمانٍ وأنها اهتداءٌ بالقرآن؛ إِذْ يدلّ وصف الإقامة على الحفاظ على الصلاة بأركانها وفرائضها وسننها وآدابها، من قولهم: أقام العُودَ؛ إذا قَوَّمَه وعَدَّلَه[31]، مع ما تفيده أيضًا صيغة المضارع من المواظبة عليها والدوام على فعلها[32]؛ فالصلاة المعتبرة المقصودة هي الصلاة المتقَنة الدائمة. وفي وقوع الصلاة بهذه الصفات تعريضٌ ببني إسرائيل في تركهم لها وإعراضهم عنها؛ إِذْ كانت مما عُهِد إليهم من الميثاق الذي أخَلُّوا به كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: 83].

وقد تكرَّر ذِكْر الصلاة في سورة البقرة في سياقاتٍ أخرى عديدةٍ، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 110]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، وقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، وغيرها من الآيات، وفي هذا كلّه بيان أهمية الصلاة في تحقيق التقوى والاهتداء بالقرآن، كما أن فيها دليلًا على كون هذا الافتتاح بذِكْرها براعةَ استهلالٍ للسورة. وهو كذلك لجميع القرآن؛ لأن موضوع الصلاة موضوعٌ مستفيضٌ جدًّا في مكيِّ القرآن ومدنيِّه، لا سيما في ربطه بالإيمان.

وأمّا المعْلَم الثالث من معالم الاهتداء القرآنيِّ فهو الوفاء بحقّ العباد والإحسان إليهم، وقد اقتصرت الآيات من ذلك على ذِكْر الإنفاق: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]؛ إذ الإنفاق أعظم تجليات الوفاء بحقوق العباد، ولذلك كَثُر الأمرُ به في القرآن والحضُّ عليه، وهو يشمل هنا ما كان منه واجبًا؛ كالزكاة والنفقة على الأهل والعيال والوالدين، أو كان ندبًا يُفعل على وجه البر والإحسان[33]. هذا مع ما تتضمّنه الجملة -مع وجازتها- من إشارةٍ إلى موجبات الأمر بالإنفاق من خلال التنبيه على أنّ المال رزقٌ من الله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾؛ وذلك يتطلب التصرف فيه وفق مراده سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]، كما أنّ في الجملة امتنانًا يستدعي شكرًا لله من خلال امتثال أمره بالإنفاق، مع ما يفيده أيضًا حرف الجر في قوله: ﴿مِمَّا﴾ من التبعيض الدالّ على أنّ المقصود إنفاقُ بعض المال لا إنفاق المال كلّه؛ ليقع التكليف بذلك موقعًا خفيفًا على النفس بسبب ما جُبلت عليه من الأَثَرة وحُبّ المال[34]. وفي هذه المعاني كلِّها تشنيعٌ ضمنيٌّ بحال البخيل الذي ترك الإنفاق رغم هذه الموجبات!

والحقُّ أنّ الإشارة إلى الإنفاق في هذا الموضع بهذه العبارة الوجيزة ذات المعاني الغزيرة براعةُ استهلالٍ لسورة البقرة نفسِها؛ إِذْ تناولتْ هذا الموضوع بتوسُّعٍ واستفاضةٍ، وعالجته من جوانب عديدةٍ، وهو براعةُ استهلالٍ لجميع القرآن أيضًا، لا سيما في مدنيِّه الذي اعتنى بموضوع الإنفاق عنايةً زائدةً تحضيضًا للمؤمنين على التكافل الاجتماعيِّ، وتعريضًا باليهود والمنافقين الذين كان البخلُ وأكلُ أموال الناس بالباطل مِن أهمّ صفاتهم، كما تنصُّ على ذلك آياتٌ كثيرة، على غرار قوله تعالى في سورة النساء: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: 37]، فقد ذكر المفسِّرون أن المعنيّ بهذه الآية اليهود[35]، وقال ابن عاشور: «ويجوز أن تكون في المنافقين؛ فقد كانوا يأمرون الناس بالبخل: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: 7]»[36].

والجدير بالذِّكْر أن هذه الآية الثالثة قد اشتملت على ذِكْر أمّهات الدين؛ إِذْ يمثّل الإيمانُ بالغيب عملَ القلب، وإقامُ الصلاة عملَ البدن، والإنفاقُ بذلَ المال، وهذه -بتعبير أبي حيانٍ- عُمُدُ أفعال المتقي[37]، وعليها مدار التشريع والتكليف كلِّه[38]، وقد تُنُووِلَت في السورة تناولًا مفرَّقًا تارةً؛ وذلك بأن تُذكر منفصلةً عن بعضها، كما تُنوولت مجتمعةً كاجتماعها في مستهلّ السورة تارةً أخرى، كما في قوله تعالى خطابًا لبني إسرائيل: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 41- 43]، يقول صاحب (نظم الدرر) -وذلك منه بديعٌ-: «ولمّا فرغ سبحانه من أمرِ أهل الكتاب بالإيمان بالله والنبيِّ والكتابِ الذي هو من الهدى الآتي إليهم المشار إلى ذلك كله بالإيفاء بالعهد، عطف بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، أي: حافظوا على العبادة المعهود بها في كلِّ يومٍ بجميع شرائطها وأركانها، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، أي: المفروضة في كلّ حَوْلٍ؛ لتجمعوا أوصاف المتقين المهديين بهذا الكتاب: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]، المحسنين بذلك فيما بينهم وبين الحقِّ، وفيما بينهم وبين الخلق، وهاتان العبادتان أُمَّا العبادات البدنية والمالية فخُصَّا بالذِّكْر؛ لأنّ من شأنهما استجرارَ سائر العبادات واستتباعَها»[39]. ونظير هذا أيضًا آيةُ البِرِّ، وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]؛ فهذه الآية جاءت جامعةً لهذه الخصال الثلاث في سياقٍ واحدٍ بترتيبها المتقدِّم، ولذلك عُدَّت عند المفسِّرين من عظائم الآي[40].

وبهذا الذي ذكرناه آنفًا يتبين وجهٌ آخرُ من أوجه براعة الاستهلال في هذه الآية الثالثة العظيمة الشأن.

الإيمان بالآخرة والبعث:

تقدَّم آنفًا بيان معالم الاهتداء بالقرآن، وقد رُتِّبت هذه المعالم في الذِّكْر بحسب الأولويَّة، فابتدأ اللهُ بذِكْر وصف الإيمان؛ لأنه لا يصحّ عملٌ بلا إيمانٍ كائنًا ما كان، ثم خصَّ الله تعالى من هذا الوصف الإيمانَ بالآخرة؛ إِذْ كانت الآخرةُ أهمَّ قضية غيبيّة أنكرها الكفارُ من أمرِ الرسالة، وكانت أكثر القضايا الغيبية صِلَةً باستقامة السلوك أو انحرافه؛ قال تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 4]، وفي هذا التخصيص إيماءٌ إلى أنّ موضوع الآخرة سيكون أبرز القضايا الإيمانية التي سيعالجها القرآن.

وقد تناولتْ سورةُ البقرة موضوعَ البعث -باعتباره أهم موضوعات الآخرة- في مناسباتٍ عديدةٍ، وذلك من جهة إقامة الدلائل والبراهين على وقوعه، على غرار قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164]، فهذه الآية الكريمة، وإن سِيقت أساسًا لإثبات وحدانية الله تعالى، فإنها تضمّنت إشارةً إلى قدرة الله على البعث وإحياء الموتى من خلال التنبيه على إحياء الأرض بعد موتها: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ إذ تماثل صورة خروج النبات من الأرض صورة خروج الإنسان من القبر يوم البعث، كما قال تعالى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: 19]، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: 11].

ومما يدلّ على مركزية قضية البعث في سورة البقرة اشتمال قصة البقرة التي تُنسب إليها السورة نفسُها على دليل البعث، وذلك من خلال واقعة إحياء الله قتيل بني إسرائيل بضربه ببعض أعضاء البقرة التي أُمِروا على لسان نبيّهم موسى -عليه السلام- بذبحها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 72- 73]؛ فقد أشار الله في هذه الآية إلى أنّ إحياء قتيل بني إسرائيلَ دليلٌ على بعث الناس بعد الموت؛ لأن مَن أحيا نفسًا واحدةً بعد موتها قادرٌ على إحياء جميع النفوس.

وقد حدَّد ابن كثيرٍ أثناء تفسير هذه القصة مواطنَ تطرُّقِ السورة لدلائل البعث، فقال -رحمه الله-: «والله تعالى قد ذكر في هذه السورة ما خلقه من إحياء الموتى، في خمسة مواضع: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: 56]، وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم أُلوفٌ حذر الموت، وقصة الذي مرَّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشها، وقصة إبراهيم والطيور الأربعة. ونبَّه تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها رميمًا»[41]، يشير -رحمه الله- بذلك إلى الدليل الذي تحدّثنا عنه آنفًا في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 164].

وتناوُلُ سورةِ البقرة لموضوع البعث بهذه الإفاضة المذكورة دليلٌ على أن الإشارة إلى الآخرة في بداية السورة هي براعة استهلالٍ. وهو كذلك بالنسبة للقرآن كلّه؛ إِذْ لا تكاد تخلو سورةٌ من الحديث عن أحوال الآخرة ودلائل البعث لا سيما في المكيِّ منه، بل هناك سورٌ مكيَّة عديدةٌ من المفصَّل اختصَّت بالحديث عن هذا الموضوع؛ كسورة الواقعة والمرسلات وعمّ يتساءلون والزلزلة والقارعة وغيرها.

ثواب الاهتداء بالقرآن:

ومن تمام الإحكام في هذه الآيات الخمس أيضًا أنها لم تغفل الإشارة إلى ذِكْر الثواب المترتب على الاهتداء بما جاء في القرآن والعمل به وفقَ ما تمَّ بيانه سلفًا؛ إِذْ مِن شأنِ التصريح بالمكافأة ترغيبُ النفس وتحفيزُها على الإقبال على ما يوصلُ إلى نيلها والظفر بها؛ وهذا ديدن القرآن فيما يشرِّعه من أحكامٍ وتكاليفَ أنْ يربطها بالجزاء عليها ترغيبًا فيها إن كانت مما يُطلب فعله، أو ترهيبًا عنها إن كانت مما يجب تركه، وقد جاء التصريح بالثواب هنا في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 5]، وقد تقدَّم بيان ما في هذه الآية من التعريض بأهل الكتاب في اعتقادهم أنهم مهتدون ومفلحون حتى قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: 111]، فدلّت الآية بما تضمّنته من تخصيص المتقين بالهدى وبالفلاح على بطلان دعواهم تلك؛ فكانت الآيةُ بذلك براعةَ استهلالٍ للسورة نفسها إذ تناولت هذا الموضوع، وكذا للقرآن لتناوُل سورٍ أخرى منه ذلك.

ومن وجوه براعة الاستهلال في هذه الآية أيضًا مناسبتُها لكلّ ثوابٍ رُتِّب على التقوى في القرآن الكريم، على غرار قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 25]؛ وقد كُنِّي عن التقوى في هذه الآية بالإيمان والعمل الصالح، وهي كنايةٌ متكررةٌ في القرآن مناسبةٌ لِما ورَد في مطلع السورة من وصف المتقين بأنهم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]. ولا يخفى ما في القرآن من الآيات الكثيرة المبينة لثواب الإيمان والعمل الصالح، فتكون بذلك الآية من سورة البقرة براعة استهلالٍ للقرآن جميعه، بما في ذلك سورة البقرة.

ومن الجدير بالذِّكْر أن هذا الثواب المذكور في الآية الخامسة من سورة البقرة قد اجتمع فيه من الأمور الدالة على تفخيمه وتعظيمه ما لا مزيد عليه؛ وذلك مناسبٌ لموقعه من السورة بحيث يكون براعة استهلالٍ لها ولغيرها، وقد بسط المفسِّرون الكلام في شرح تلك المعاني العظيمة، بَيْد أن عمدتهم في ذلك قول الزمخشريِّ ملخصًا إياها: «انظر كيف كرَّر الله -عز وجل- التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحدٌ على طُرقٍ شتَّى، وهي: ذكر اسم الإشارة، وتكريره، وتعريف المفلحين، وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين أولئك؛ ليُبصِّرك مراتبهم، ويُرغِّبك في طلب ما طلبوا، ويُنشِّطك لتقديم ما قدَّموا»[42].

خاتمة:

عالجنا في هذه المقالة براعة الاستهلال في سورة البقرة، وظهر لنا من خلال المعالجة أن هذه الآيات الخمس الأُولى من سورة البقرة فيها من براعة الاستهلال ما لا يخفى على ذي لُبٍّ يفهم لغة القرآن ويلمُّ ببلاغته، وأن هذه الآيات قد تكون أبرعَ ما ورد في القرآن من الاستهلال نظرًا لموقع السورة من المصحف وجامعيَّتها، ولا يبعد أن تُعَدَّ سرًّا من أسرار عظمة هذه السورة، وما ورَد من الحضِّ على تعلُّمها. كما ظهر أن هذه الآيات الخمس فيها من غزارة المعاني مع قلّة الألفاظ ما يجعلها معدودةً من جوامع الكَلِم، فتكون جامعةً -بذلك- بين براعة المطلَع وسِعَة المنزَع، وأعني بذلك سعة ما يُنتزع منها من المعاني والدلالات، وأيضًا تبيّن لنا أن التناسب الواقع بين مستهلّ سورة البقرة وموضوعات القرآن يرجّح أن يكون ترتيب السورة في المصحف توقيفيًّا صادرًا عن عليمٍ حكيمٍ، وأن فواتح السور مِن أَجَلِّ مواطن التدبّر في القرآن العظيم وفهم موضوعاته، وأن علم البلاغة من أجلّ فنون العربية التي يُستعان بها على تذوّق جمال القرآن وإدراك إعجازه وإحكامه.

وتُوصي المقالة بضرورة الاعتناء بفواتح السور، وخواتمها أيضًا، مع النظر في التناسب الحاصل بينهما، وتوسيع البحث في مطلع البقرة من خلال تهييء مشروعٍ أكاديميٍّ يستوفي هذا الموضوع حقَّه، لا سيما في ارتباط مطلع السورة بأهل الكتاب، وكذلك أهمية العناية بفنِّ براعة الاستهلال في القرآن العظيم من خلال تناوله بمزيدٍ من الدراسة والبحث.

وصلَّى اللهُ على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

 

[1] المقاييس في اللغة، لابن فارس، بيروت: دار الفكر، 1399هـ= 1979م، مادة: (برع)، (1/ 221).

[2] جمهرة اللغة، لابن دريد، بيروت: دار العلم للملايين، 1987م، مادة: (برع)، (1/ 316).

[3] انظر: المقاييس في اللغة، مادة: (هل)، (6/ 11).

[4] الكافي في البلاغة، لأيمن أمين عبد الغني، القاهرة: دار التوفيقية، ص296.

[5] التعريفات، للجرجاني، بيروت: دار الكتب العلمية، 1403هـ= 1983م، ص45.

[6] انظر: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، للتهانوي، بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 1996م، (1/ 319).

[7] معترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي، بيروت: دار الكتب العلمية، 1408هـ= 1988م، (1/ 58).

[8] انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور، تونس: الدار التونسية للنشر، 1984هـ، (1/ 153).

[9] انظر: التحرير والتنوير (1/ 202).

[10] صحيح البخاري، كتاب: فضائل القرآن، برقم: (5009).

[11] انظر: التحرير والتنوير (1/ 201).

[12] الفسطاط: ما يحيط بالمكان ويجمع شتاته. تاج العروس، للزبيدي، الكويت: دار الهداية، 1965م، مادة: (فسط)، (19/ 542).

[13] التحرير والتنوير (1/ 203).

[14] مسند أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، برقم: (12215).

[15] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، دار طيبة للنشر، (1/ 71).

[16] تفسير القرآن العظيم (1/ 71).

[17] التحرير والتنوير (1/ 203).

[18] التحرير والتنوير (1/ 220-221).

[19] التحرير والتنوير (1/ 221).

[20] انظر: البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان، بيروت: دار الفكر، 1420هـ، (1/ 161).

[21] التحرير والتنوير (1/ 221).

[22] انظر: التحرير والتنوير (1/ 223-224).

[23] انظر: التحرير والتنوير (1/ 239).

[24] انظر: التحرير والتنوير (1/ 240)، وتيسير الكريم الرحمن، للسعدي، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1420هـ= 2000م، ص40.

[25] انظر: الكشاف، للزمخشري، بيروت: دار الكتاب العربي، 1407هـ، (1/ 44).

[26] انظر: المقاييس في اللغة، مادة: (كتب)، (5/ 159).

[27] انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص54.

[28] نظم الدرر (1/ 377).

[29] مسند أحمد، مسند الأنصار، برقم: (22378).

[30] نظم الدرر (1/ 85).

[31] انظر: إرشاد العقل السليم، لأبي السعود، بيروت: دار إحياء التراث العربي، (1/ 31).

[32] انظر: التحرير والتنوير (1/ 231).

[33] انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية، بيروت: دار الكتب العلمية، 1422هـ، (1/ 85).

[34] انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص40.

[35] انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1427هـ= 2006م، (6/ 319).

[36] التحرير والتنوير (5/ 53).

[37] البحر المحيط في التفسير (1/ 68).

[38] انظر: نظم الدرر (1/ 88- 89).

[39] نظم الدرر (1/ 332- 333).

[40] انظر: الجامع لأحكام القرآن (3/ 59)، تفسير القرآن العظيم (1/ 485)، إرشاد العقل السليم (1/ 194)، التحرير والتنوير (2/ 128)، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشنقيطي، بيروت: دار الفكر، 1415هـ= 1995م، (8/ 251).

[41] تفسير القرآن العظيم (1/ 303).

[42] الكشاف (1/ 46).

الكاتب

عبد الناصر سلامة

حاصل على الماجستير في الدراسات القرآنية، وله عدد من الأعمال العلمية.‏

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))