تجليات تيسير القرآن الكريم على العباد

مِن نعم الله تعالى على خَلقه أن يسّر لهم كتابه المجيد كما أخبر عن ذلك في القرآن، وهذا التيسير له صور شتى وتجليات متعدّدة، وهذه المقالة تسعى إلى تسليط الضوء على تجليات هذا التيسير للقرآن الكريم ومجالاته.

  بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 وبعد؛ فإنّ مِن أجَلِّ النّعم التي أكرمَنا اللهُ -عز وجل- بها، وتفضّل علينا بإرسالها نعمةَ إنزال القرآن الكريم، وهي مِنّة منه -سبحانه وتعالى- تستوجب الشكر الدائم والثناء الذي لا ينقطع، فلولاها لبقينا في بحار من الظلمات التي لا يعلم حجمها وأثرها إلا الله -عز وجل-، وقد رافقت هذه النعمةَ -نعمةَ إنزال القرآن الكريم- نِعَمٌ تترى متتابعة، لا يَعُدّها العادّون ولا يحصيها المحصُون. ومِن هذه النعم التي رافقَت إنزاله، نعمةُ تيسيره على العباد وتسهيله عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17، 22، 32، 40]، وهذا التيسير والتسهيل له صور شتى وتجليات متعدّدة، وسأذكر في هذه المقالة بعض تجليات لهذا التيسير، جمعتُها من كتب المفسِّرين؛ علّها تكون نافعة لي أولًا، وللقارئين ثانيًا، وعلّها تكون محفزًا على استخراج مزيد من الأفضال المصاحبة لهذا الكتاب العظيم؛ فإنّ: «القرآن لهو بحقّ مشروع العمر، وبرنامج العبد في سَيره إلى الله حتى يلقى الله»[1]، فإلى هذه التجليات:

1- تسهيل حِفظه:

فكلّ مَن رام حِفْظ هذا الكتاب وجدَه سهلًا ميسَّرًا، وقد أورد الماوردي في تفسيره قول الفّراء فقال: «الثالث: هَوّنَّا حِفْظه، فأَيْسَر كتاب يُحفظ هو كتاب الله»[2]؛ وذلك لما ميزه به الله تعالى من «الاختصار وعذوبة اللفظ»[3].

ولا يحتاج من أراد حِفْظه إلا قليلًا من التكلّف والجهد، وشيئًا من الإقبال والإرادة، وصِدْق الطلب مع التوكّل على الله تعالى، قال الماتريدي في تفسير آية القمر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾: «أي: للحفظ؛ أي: صيرناه بحيث يحفظه كلّ أحد مِن صغير وكبير، وكافر ومؤمن وكلّ أحد يتكلّف حفظه»[4].

وقال الزمخشري: «قيل: ولقد سهّلناه للحفظ وأعنّا عليه من أراد حفظه، فهل مِن طالب لحفظه لِيُعان عليه»[5].

2- تيسير تذكُّر النعم به وسهولة إدراك ما وقع للأمم الغابرة:

فإنّ التالي للقرآن الكريم يتنبّه بسهولةٍ ويُسْرٍ للنعم التي أنعم الله بها على الخلائق، وهي نِعَم غزيرة، دينية ودنيوية، عاجلة وآجلة، ظاهرة وباطنة (...)، نِعَم لا يستطيع أحدٌ عدّها ولا حصرها، قال الله -عز وجل-: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]، كما أنّ قارئ القرآن يقف في بضع آيات على ما وقع للأمم الغابرة التي قضتْ سنين عديدة، مما يتطلّب ممن أراد الاطلاع على أخبار تلك الأمم وتاريخها -من غير القرآن- جهدًا كبيرًا وقراءة مستفيضة وبحثًا عميقًا، دون القدرة على بلوغ الحقيقة في كلّ ما يُتوصل إليه، وقد ذكر الماتريدي في تفسيره أقوالًا في بيان معنى تيسير الذِّكْر في آية القمر، فقال: «والثاني: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي: لذِكْر ما نسوا من نِعَم اللَّه تعالى عليهم، ولذِكْر ما أنبأهم فيه من أخبار الأوائل من مصدّقيهم مذكّر»[6].

3- تيسير الادّكار والاعتبار والاتّعاظ بالقرآن الكريم:

من خصائص القرآن الكريم سهولة الاتّعاظ والادّكار به، ولِـمَ لا؟ وهو كتاب الله تعالى الخاتم الذي أرسله للثقلين، وذَكر فيه من أنواع المواعظ والحِكَم والعِبَر:﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه:113]. قال صاحب الكشاف: «أي: سهّلناه للادّكار والاتعاظ، بأنْ شحنّاه بالمواعظ الشافية وصرّفنا فيه من الوعد والوعيد فهل من متّعظ»[7]، وقال الرازي: «سهّلناه للاتعاظ حيث أتينا فيه بكلّ حكمة»[8]، وللبيضاوي: «سهّلناه أو هيّأناه (...) للادّكار والاتّعاظ بأن صرّفنا فيه أنواع المواعظ والعِبَر»[9].

4- تيسير التذكير والإرشاد به:

فإنّ أنجعَ كلامٍ في تذكير الناس وإرشادهم وحثّهم على الخير وزجرهم عن الشّر كلامُ الله الذي خلق الإنسان وسوّاه، ويعلم سِرّه ونجواه ودخائل نفسه، وما يستصلحه من الكلام، وما يؤثِّر فيه من الألفاظ والمواعظ؛ لذلك كان كلامه سبحانه أفضلَ ما يدعو به وإليه الداعون، وأحسنَ لفظ يرشد به المرشدون، قال ابن سعدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: 39]: «يتلون على العباد آيات الله، وحُجَجه وبراهينه، ويدعونهم إلى الله»[10]؛ لهذا كانت هذه الصورة من صور تيسير القرآن الكريم، فقد جاء في كتاب (أيسر التفاسير): «﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾، أي: سهّلنا القرآن للحفظ والتذكير والتذكّر به»[11].

يقول الأستاذ إبراهيم السكران: «يخاطبك أحيانًا شابٌّ مراهق يتذمّر من والده أو أمه، فتحاول أن تصوغ له عباراتٍ تربويةً جذابةً لتقنعه بضرورة احترامهما مهما فعَلَا له، وتلاحظ أن هذا المراهق يزداد مناقشة ومجادلة لك، فإذا استعضت عن ذلك كلّه وقلتَ له كلمة واحدة فقط: يا أخي الكريم، يقول تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء 24]؛ رأيتَ موقف هذا الفتى يختلف كليًّا، شاهدتُ هذا بأُمِّ عيني، ومِن شدّة انفعالي بالموقف نسيتُ هذا الفتى ومشكلته، وعدتُ أفكّر في هذه السطوة المدهشة للقرآن»[12].

5- تيسير بيانه ومعناه وفهمه وتفسيره:

ومِن أوجهِ تيسير الله تعالى لهذا الكتاب على عباده جعلُه سهلَ البيان والمعنى، ميسَّرَ الفهم، واضحَ التفسير، ليس فيه غموض، ولا تقعُّر في الألفاظ، ولا تضمُّن لوحشي الكلام وغريبِه بعيدِ الاستعمال، كما هو حال بعض الكتب التي لا يكاد يخرج منها قارئها بشيء، بل قد يرجع منها بالحيرة والشك والضلال، جاء في (الهداية إلى بلوغ النهاية): «﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾، أي: سهّلناه وبينّاه وفصّلناه لمن يريد أن يتذكّر به ويعتبِر، قال ابن زيد: ﴿يَسَّرْنَا﴾: بينّا»[13]، وجاء عند ابن كثير: «سهّلنا لفظه، ويسَّرنا معناه لمن أراده؛ ليتذكر الناس»[14]، وقال القشيري: «ويسّرنا فهمه على قلوب قوم»[15].

وللبقاعي قوله:«﴿لِلذِّكْرِ﴾، أي: الاتعاظ والتذكّر والتدبر والفهم والحفظ والتشريف لمن يراعيه»[16]، وفي تفسير السعدي: «ولهذا كان عِلْم القرآن حفظًا وتفسيرًا، أسهل العلوم، وأجلّها على الإطلاق»[17].

وهذا لا يعني أن كلام الله تعالى على درجة واحدة من البيان، بل منه ما يشترك في فهمه العامة والخاصّة، ومنه ما ينفرد بإدراك معانيه وتفسيره الخاصة؛ كما قال ابن عباس: «التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ: وجهٌ تعرفه العربُ من كلامها، وتفسير لا يُعْذَر أحدٌ بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذِكْره»[18]، ويقول الدكتور محمد عبد الله دراز -رحمه الله- في عبارة جميلة: «فهو قرآن واحد يراه البُلَغاء أَوْفَى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامّة والخاصّة على السواء، ميسَّر لكلّ من أراد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]»[19].

6- تيسير تلاوته وقراءته:

لقد أنزل الله تعالى هذا الكتاب؛ ليُقرأ ويُعمل به، فلو لم يُيسِّر علينا قراءتَه ما استطاع أحد أن يتلو منه حرفًا، كيف لا؟ وهو كلام الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21]،﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31]، قال الضحاك عن ابن عباس: «لولا أنّ الله يَسَّره على لسان الآدميين، ما استطاع أحد من الخَلْق أن يتكلّم بكلام الله عز وجل»[20].

وقد جاء: «عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾، قَالَ: هَوَّنَّا قِرَاءَتَهُ»[21]، وعن السدي: «يَسَّرنا تلاوتَه على الألْسُن»[22].

وقال الماوردي: «﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾، فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها معناه: سهّلنا تلاوتَه على أهل كلِّ لسان، وهذا أحد معجزاته؛ لأنّ الأعجمي قد يقرؤه ويتلوه كالعربي»[23]، وقد أشار ابن كثير إلى وجهٍ من أوجهِ تيسير تلاوة كلام الله -عز وجل- فقال: «ومِن تيسيره تعالى على الناس تلاوةَ القرآن ما تقدَّم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إنّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف)»[24][25][26].

7- تيسير عِلْم ما فيه واستنباط معانيه:

الارتباط بكلام الله تعالى لا تكاد تُحدّ صوره، ومن أوجه هذا الارتباط: استنباط المعارف والعلوم، والأحكام والحِكَم، والأسرار واللطائف والسّنن الإلهية (...) من كلام الله عز وجل، واستخراج ما تحويه الآيات من دقيق العلم وجليله، قال الماوردي: «الثاني: سهّلنا عِلم ما فيه واستنباط معانيه، قاله مقاتل»[27].

وفي تفسير القشيري: «يسّرنا قراءتَه على ألسِنَة الناس، ويسّرنا عِلمه على قلوب قومٍ، ويسّرنا فهمه على قلوب قوم، ويسّرنا حفظه على قلوب قوم؛ وكلّهم أهل القرآن، وكلّهم أهل الله وخاصته»[28].

ولقد سهّل اللهُ على عباده استخراج هذه الكنوز شريطة أن يتقيّدوا بالمناهج المرْضِيّة التي رسمها أهل التخصّص؛ لِئَلّا يصير الاستنباط طريقًا يسلكه كلّ صاحب انحراف أو هوى أو بدعة؛ فيلصق بكلام الله ما هو براء منه، ولا يدلّ عليه، ولا يحتمله.

8- تيسير التأثُّـر به وسرعة أخذِه بمجامع القلوب والعقول:

وهذا شيء ملاحَظ؛ فإنّك كثيرًا ما تجد الشخص العامّي الذي لا يقرأ ولا يكتب، إذا تُليت عليه آيات من الذِّكْر الحكيم وقعتْ منه موقعًا عظيمًا، فيهتزّ لها قلبه، وتسكن إليها نفسه، وتخشع بسببها جوارحه، فكيف بمَن علمَ معانيه واطّلع على تفسيره، ووقف عند حدوده؟ فلا شك أنه سيجد للقرآن في قلبه -إذا قرأه أو استمع إليه- أثرًا بالغًا، وهذا من تيسير الله تعالى لهذا الكتاب على عباده؛ إِذْ جعله بهذه الدرجة من التأثير. ومنزلة تأثير كلام الله تعالى على القلوب والعقول لا يمكن أن تصل إليها عبارات العلماء، ولا إشارات الحكماء مهما نمّقوا الألفاظ وزيّـنوا العبارات؛ لأنّ كلامَهم كلامُ المخلوق العبد وكلامَ الله تعالى كلامُ الخالق المعبود، قال ابن عطية عن هذا التيسير: «يُسِّرَ بما فيه من حُسْن النَّظْم وشرف المعاني فله لَوْطَةٌ بالقلوب، وامتزاجٌ بالعقول السليمة»[29]، وعن الرازي: «الثالث: جعلناه بحيث يعلق بالقلوب»[30]، وقال صاحب الظِّلال: «وكلّما صحبته النفس زادت له أُلفة وبه أُنسًا»[31].

 9- تيسير تدبّره:

لقد طالَب اللهُ تعالى عباده بتدبّر كتابه، بل طالَب الكفار بذلك وحضّهم عليه، ووبّخ المعرِضين منهم عنه، فقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]، وقال أيضًا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]، وهذا التدبّر هو: «مرحلة ما بعد التفسير! أي: ما بعد الفهم للآية، لكن الفهم المطلوب لتحصيل التدبر إنما هو الفهم الكلي العام، أو بعبارة أخرى: الفهم البسيط. ولا يشترط في ذلك تحقيق أقوال المفسِّرين والغوص في دقائق كتب التفسير! وإلا صار القرآن موجَّهًا إلى طائفة محصورة فقط! ومن ثم يمكن لأيّ شخص أن يتدبّر القرآن بعد التحقّق من المعنى المشهور للآية، يقرؤها من أيّ تفسير أو يسمعها»[32].

ومما جاء عن المفسِّرين في تيسير تدبّر القرآن قولُ البقاعي: «﴿لِلذِّكْرِ﴾، أي: الاتعاظ والتذكر والتدبّر والفهم والحفظ والتشريف لمن يراعيه»[33].

وقال صاحب الظلال: «ميسَّر الإدراك، فيه جاذبية ليُقرأ ويُتَدبَّر، فيه جاذبية الصدق والبساطة، وموافقة الفطرة، واستجاشة الطبع، لا تنفد عجائبه، ولا يَخلق على كثرة الردّ، وكلما تَدَبّره القلب عاد منه بزادٍ جديد»[34].

10- تيسير التلذّذ به والاستماع إليه:

لقد حثّ الله عباده على الاستماع للقرآن الكريم، فقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]، وذَكَر أنّ الجن لمّا حضروا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقُرئ عليهم القرآن قالوا: ﴿أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: 29]، وأخبَر أن صالح القسيسين والرهبان إِذَا: ﴿سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 83]، وإنك لترى بعض الأعجمين الذين لا يفقهون شيئًا من القرآن الكريم، ولا يعرفون اللغة العربية إذا تُلي عليهم القرآن الكريم وجدوا لذة وحلاوة عند سماعه[35]، وإنّ هذا لمن المهابة التي غشيت هذا الكلام، ومن التيسير الذي جعله الله سبحانه في كلامه؛ ليهتدي به الناس ويؤوبوا إلى ربهم لعلّهم يرحمون، قال الرازي: «ويُستلَذُّ سماعُه، ومَن لا يفهمُ يتفهّمُه، ولا يسأمُ مِن سمعِه وفهمِه، ولا يقول قد علمتُ فلا أسمعه، بل كلّ ساعة يزداد منه لذّةً وعلمًا»[36].

11- تيسيره لمجاهدة الكفار والمنافقين والملحدين وغيرهم:

لقد أمر الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يجاهد الكفار والمنافقين بهذا الكتاب، فقال عز من قائل: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52][37]، ولا شك أنّ القرآن الكريم مليء بطرق الجدال ووسائله وأصناف المجادلين (...)، فلولاه ما علم المسلم المنهج الصحيح في المجادلة، وهذا من رحمة الله بعباده وتيسيره عليهم؛ إِذْ أنزل إليهم هذا الكتاب تبيانًا لكلّ شيء، يعرفون به دينهم وعقيدتهم وكيف يدافعون الشُّبهات التي يلقيها الخصوم في طريقهم، فلك الحمد ربنا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، قال الرازي: «وتتحدَّى به -أي أيها النبي صلى الله عليه وسلم- في العالَم ويبقى على مرور الدهور، ولا يحتاج كلّ مَن يحضرك إلى دعاءٍ ومسألةٍ في إظهارِ معجزة»[38].

خاتمة:

عرجنا في هذه المقالة على جوانب من تيسير القرآن الكريم على العباد، وهي: (تسهيل حفظه، وتيسير تذكّر النعم به، وسهولة إدراك ما وقع للأمم الغابرة، وتيسير الادكار والاعتبار والاتعاظ به، وتيسير التذكير والإرشاد به، وتيسير بيانه ومعناه وفهمه وتفسيره، وتيسير تلاوته وقراءته، وتيسير عِلْم ما فيه واستنباط معانيه، وتيسير التأثّر به، وسرعة أخذِه بمجامع القلوب والعقول، وتيسير تدبّره، وتيسير التلذّذ به والاستماع إليه، وتيسيره لمجاهدة الكفار والمنافقين والملحدين وغيرهم).

ولعلّ العباد يُـقْبِلون على هذا الكتاب فيصدّقوا بما حواه من أخبار ويعملوا بما فيه من أحكام، علّهم يأمنون حين يخاف المعرضون، وينجون حين يهلك الهاجرون؛ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 123- 124]، ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30].

واللهَ تعالى نسأل أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.

 

[1] هذه رسالات القرآن فمن يتلقاها؟ لفريد الأنصاري (القاهرة: دار السلام، ط3، 1435= 2014)، ص17.

[2] النكت والعيون، للماوردي (بيروت- لبنان: دار الكتب العلمية، بدون طبعة وتاريخ)، (5/ 413).

[3] أنوار التنزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط1، 1418)، (5/ 166).

[4] تأويلات أهل السنّة، للماتريدي (بيروت- لبنان: دار الكتب العلمية، ط1، 1426= 2005)، (9/ 449).

[5] الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري (بيروت: دار الكتاب العربي، ط3، 1407)، (4/ 435).

[6] تأويلات أهل السنّة، للماتريدي (9/ 449).

[7] الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري (4/ 435).

[8] مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، للرازي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط3، 1420)، (29/ 300).

[9] أنوار التنزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي (5/ 166).

[10] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (مؤسسة الرسالة: ط1، 1420= 2000)، ص666.

[11] أيسر التفاسير، لأبي بكر الجزائري (المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، ط5، 1424= 2003)، (5/ 210).

[12] الطريق إلى القرآن، لإبراهيم السكران (الرياض: دار الحضارة، ط2، 1437= 2016)، ص10.

[13] الهداية إلى بلوغ النهاية، لأبي محمد مكي بن أبي طالب (مجموعة بحوث الكتاب والسنّة- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية: جامعة الشارقة، ط1، 1429= 2008)، (11/ 7190).

[14] تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء ابن كثير (دار طيبة للنشر والتوزيع: ط2، 1420= 1999)، (7/ 478).

[15] لطائف الإشارات، لعبد الكريم بن هوازن القشيري (مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط3، بدون تاريخ)، (3/ 497).

[16] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (القاهرة: دار الكتاب الإسلامي، بدون طبعة وتاريخ)، (19/ 108).

[17] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص825.

[18] جامع البيان في تأويل القرآن، لابن جرير الطبري (مؤسسة الرسالة: ط1، 1420 / 2000)، (1/ 75).

[19] النبأ العظيم؛ نظرات جديدة في القرآن الكريم، لمحمد بن عبد الله دراز (مصر- القاهرة: دار ابن الجوزي، ط1، 1434= 2013)، ص113.

[20] تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء ابن كثير (7/ 478).

[21] تفسير مجاهد (مصر: دار الفكر الإسلامي الحديثة، ط1، 1410= 1989)، ص634.

[22] تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء ابن كثير (7/ 478).

[23] النكت والعيون، للماوردي (5/ 413).

[24] رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب أُنزل القرآن على سبعة أحرف، رقم: 4992. ومسلم، في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه، رقم: 271، كلاهما من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[25] تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء ابن كثير (7/ 478).

[26] وقد أشار إلى هذا الوجه من التيسير -أيضًا- أحمد الكوراني الشافعي، في غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني، ص44.

[27] النكت والعيون، للماوردي (5/ 413).

[28] تفسير القشيري (3/ 497).

[29] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية الأندلسي (بيروت: دار الكتب العلمية ط1، 1422)، (5/ 215).

[30] مفاتيح الغيب (29/ 300).

[31] في ظلال القرآن، لسيد قطب (بيروت/ القاهرة: دار الشروق، ط17، 1412)، (6/ 3431).

[32] هذه رسالات القرآن فمن يتلقاها؟ لفريد الأنصاري، ص61- 62.

[33] نظم الدرر، للبقاعي (19/ 108).

[34] في ظلال القرآن، لسيد قطب (6/ 3431).

[35] انظر قصة عجيبة تدل على هذا الأمر ذكرها صاحب الظلال -رحمه الله تعالى- في كتابه (في ظلال القرآن، 3/ 1786)، والذي منعني من نقلها هنا خشية الإطالة.

[36] مفاتيح الغيب، للرازي (29/ 300).

[37] جاء في تفسير الطبري (19/ 281): «عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس، قوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، قال: بالقرآن».

[38] مفاتيح الغيب، للرازي (29/ 300).

الكاتب

عبد المجيد هلال

حاصل على ماجستير المناهج وطرق التدريس في الدراسات الإسلامية، وأستاذ مادة التربية ‏الإسلامية للسلك الثانوي التأهيلي بالمغرب.‏

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))