أسلوب القرآن الكريم

الكاتب : منير القاضي
هَدَى القرآن الكريم إلى طريق الأدب العالي من خلال أسلوبه الرفيع، وهذه المقالة تسلِّط الضوء على عدد من الملامح في أسلوب القرآن الكريم، وتتعرّض لطرائق القرآن في عدد من الجوانب، وهي: المناظرة، والتاريخ، والمحاورة، والقصة، وتقرير الأحكام.

أسلوب القرآن الكريم[1]

  القرآن الكريم كتاب أُحْكِمَت آياته، ثم فُصِّلَت من لدن عزيز حكيم، نزلَ بلسان عربي مبين، هدى للناس: نَعَم، إنه يهدي الناس إلى طريقين: طريق الدّين المستقيم، وهو الغرض الأول من نزوله. وطريق الأدب العالي الرفيع، والبيان الجليّ القويم، وهو الغرض الثاني من نعمة حصوله.

وهو بطريقه الأوّل أنشأ دِينًا حكيمًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، اقتلع جذور الشِّرْك من الشرق الأدنى والشرق الأوسط وطرف من الشّرق الأقصى، ولوَّح بنوره في الأقطار الأخرى، فلم يَقْوَ ذلك الشِّرْك المزمِن الذي كَلْكَلَ على الشرق بجِرانه على مصاولة دين التوحيد الصحيح القويّ الأساس العزيز الحجة الواضح المحجة، فاستبدلت الأمم التوحيد بالشِّرْك، والأُخُوّة بالبغضاء، والتناصر بالتناحر، والتآزر بالشِّقاق، والمجتمع الصالح بالمجتمع الفاسد. وأبدع علومًا صقلَت العقول، وأيقظتها من سبات عميق طويل، وكشف عن النفوس الأغطية الكثيفة حتى أصبحَتْ حديدة الأبصار، لامعة البصائر، فعرفَتْ ذواتها، وعلمَتْ أنها أفضل المخلوقات، وأنها سواء فيما بينها، فتحرّرتْ من عبادة الأحجار والحيوانات والأشخاص، وأخذَتْ تبحث في سموّها، والطهارة من أدرانها، والتحلّل من أوزارها؛ والعقول إذا انتبهت فلا حَدّ لمدى سَيْرها، ولا نهاية لعمقها وغورها. وأحدَثَ نظامَ المساواة بين الناس، وقرّر احترام الإنسانية وحقوق البشر، ووضع لهم دستورًا صالحًا في معاملاتهم فيما بينهم. فالمظلوم منصور، والظالم مقهور، والله الحاكم العادل.

هذا مجمل مما أدّى إليه طريقه الأول، ولسنا في مجال تفصيله، أو الاستزادة من إجمال سائر نواحيه، فلذلك مقال آخر. وإنما نبحث هنا أسلوب القرآن مما يدخل في عموم الطريق الثاني.

الطريق الثاني: الأدب العالي الرفيع، وقد هَدَى إلى ذلك بأسلوبه، ومفردات ألفاظه. وإنّا لباحثون أسلوب القرآن الكريم بما استطعنا من إيجاز.

 أسلوب القرآن الكريم:

ينقسم كلام العرب إلى منظوم ومنثور؛ فالمنظوم ما طُبِع على أوزان خاصّة محدودة وصُبّ في قوالب معيّنة، ولا يتجاوز المعروف من تلك الأوزان ستة عشر وزنًا تُسمى بحور الشِّعر، والأَوْلَى أن تُسمى بحور النَّظْم، ولا تتعدّى تلك القوالب أعدادًا محسوبة لكلّ وزن من أولئك الأوزان. والمنثور ما لم يُقيّد بوزن، أو يُقْصَر على قالب، أو يُوسَم بطابع، فقد يأتي مسجعًا مقفّی يحاکي سجع الحمام المغني أو الباکي، وقد يَرِد مرسلًا کالسلسبيل العذب المطرد في مجاريه النضرة، المنساب إلى النفوس سائغًا فراتًا، وقد يجيء مزيجًا من النوعين، يقف تارة مغردًا أو باكيًا بلا تَعمُّل أو تكلّف، ويجري أخرى صافيًا مطلقًا كالزلال العذب، أو النسيم الطلق، وهكذا يتلوّن ويتقلّب فيروي النفوس الظمأی ريًّا، وينعش الأرواح إنعاشًا.

وإن كنت في شكّ من ذلك، فارجع بصرك إلى منثور الجاحظ وأبي حيان التوحيدي من المتقدِّمين، ومنثور المنفلوطي والرافعي وطه حسين من المتأخّرين، تجد الدليل واضحًا، والحجة قائمة.

والقرآن الكريم منثور له طابعه، وله أسلوبه، وله طريقته، لم يُعهد للعرب قبله أنْ جرَت في نثرها مجراه، أو سلكَتْ أسلوبًا يشاكل أسلوبه، أو يشابه سبيله، أو يشاكل طريقته، وإن كنتَ في ريب من ذلك فاستعرِض منظوم الجاهلية ومنثورها، واتلُ ما حُفظ من مقالات بلغائها وحکمائها وکهّانها وحلفائها ونسّاكها، يأتك اليقين راسخًا، وتسطع لك البيّنة واضحة.

إنه منثور عنوانه: (الآيات البيّنات والذّكر الحكيم)، واسمه القرآن الكريم، لا هو بالنثر الفني؛ لأنّ الفنّ الأدبي وقواعد اللسان العربي إنما حدثَت بعده، واستمدّت من ثروته الأدبية، واصطلح عليها بعد دهر من نزوله، ولا هو بالنَّثْر الدّارج بين أمة عصره، للاختلاف الواسع بينهما، من حيث مفرداته، وتراکيبه وصياغته، وبحثه، ومناظرته، واحتجاجه، ووضوحه، وجزالته، وفصاحته، وبلاغته، وبراعته، وسموّ مراميه، وحُسن قصصه، وقوّة مداخله، وسهولة مخارجه، وشريف مواضيعه، وبليغ حكمه، وعدالة أحكامه، وصرامة وعظه، ولطافة إرشاده، ومقارعته الحُجّة بالحُجّة، والدليل بالدليل، إلى أن يُفحم الخصم، فيرتدّ بصره وهو حسير، وتقف بصيرته كليلة خائرة، فيرفع راية التسليم، ومن حيث إعماله الأذهان، وكشفه السّجْف عن النفوس، وهتكه الحجب عن الأنظار، وإطلاق العقول من أسرها؛ {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص: 29].

وأسلوب القرآن الكريم تختلف طرقه باختلاف الموضوعات التي يطرقها والمرامي التي يستهدفها. فهنالك أسلوب واحد، وهنالك طرق مختلفة الاتجاه متّحدة الأسلوب.

أمّا أسلوبه الواحد فهو الركون إلى الوضوح في أداء المراد بألفاظ هي الدُّرَر المنتقاة من بحر اللغة، المختارة من بين أترابها من لسان العربية المبين، الواقعة في محلّها وقوع المُقَل في محاجرها، فلا يسدّ غيرها مسدّها، ولا يغني عنها غيرها، ونظمٍ هو السهل يعجز البليغ عن محاكاته وإن تخيل قدرته على ذلك؛ لما يراه من يسر المادة التي جاء بها، وظهور المعاني التي يحملها، ولألفة نسج التراكيب العربية التي ينسج على منوالها يرى ذلك سهلًا عليه، ولكنه إذا أعمل ذهنه، وسدّد سهمه، وأرهف قلمه ليأتي بمثله، تراجع القهقرى مقرًّا بالعجز، معترفًا بالتقصير.

(لو شئنا لقلنا مثل هذا)، ولكنهم لم يقولوا مثل هذا؛ إِذْ لم يستطيعوا ذلك. فلو استطاعوا، لقالوا، إلزامًا لخصمهم الذي تحداهم: (قل فأتوا بسورة من مثله)، وإفحامًا لمناظرهم الذي سَفّه أحلامهم، وقوّض خيامهم، وهَدَّ بنيانهم، وأمعن في تدميرهم وإبطال طارفهم وتليدهم. لو كانوا يستطيعون، لفعلوا، فكانوا هم الفائزين: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء: 88].

ولا يقتصر أسلوب القرآن الكريم على الوضوح، والبلاغة، والبراعة، وحسن البيان، وحسن الابتداء، وحسن الانتهاء، وتناسب الآيات وانسجامها في كلّ سورة حُسنًا لا يجارَی وتناسبًا لا يباری، ووضع الألفاظ في مواضعها، وإيقاع التراكيب في مواقعها، وإطلاق النّظْم منسجمًا مترابطًا سهلًا، تشتف الأذهان معانيه كما تشتف الأرض الممحلة الغيث الممرع. بل هناك سر آخر -هو سِرّ إعجازه- وهو شهادة الأذواق السليمة على سموّ نظمه بحيث تنقطع دونه معارج البلاغة، وتنحط عن بيانه شموس البراعة.

والأذواق السليمة هي فيصل التفرقة في الأدب بين الغثّ والسمين، والبدين والهزيل، والقوي والضعيف، والرخيص والثمين. إنّ الأذواق السليمة لتستبشر عند تذوّقها جلال إعجازه وفخامة إبداعه، وتستحلي رقّة بيانه ودقّة معانيه وقوّة أدائه، وتقول: هل من مزيد؟ مهما زودتها من آياته، وأتحفتها من سوره وبيانه. فاستشهد ذوقك، وهو خير الشاهدين. وإن كان المرء مريض الذّوْق فلينزّهه في حدائق البلغاء، وليداوه بهضم ثمارها حتى يعود سليمًا، ثم ليستشهده على ما أقول فسيجده من أصدق الشاهدين وأحكم الحاکمين.

وأمّا طرائقه فقِدَد؛ وكلّها في حدود البيان على خطّ واحد، وفي فلَك البلاغة على دائرة واحدة، هي أوسع الدوائر وأسماها. فله في المناظرة طريقة، وفي المحاورة طريقة، وفي القصص طريقة، وفي تمرير الأحكام طريقة، وفي التاريخ طريقة، وفي الوعظ طريقة. وهكذا في كلّ موضوع من موضوعاته. وأنا أورد ما كشفَت لي تلاوته آناء الليل وأطراف النهار من بعض تلك الطرائق، وما تحقّق لي من تلك الحقائق.

طريقته في المناظرة:

 له فيها طريقتان:

1- الاستدلال العقلي الصرف، أي الرجوع إلى مجرّد العقل، ونصبه حَكَمًا بعبارات تَصُبّ المعاني في قلب السامع الراغب في الحقائق صَبّ الحياة في الأجسام القابلة لها، على وجه لا يدع فراغًا لتسرّب الشّك إلى صحة الدعوى وثبوتها، وهنا السِّرّ في البراعة ودقّة الأسلوب.

۲- الاستدلال بالوقائع العامة المألوفة لكلّ أحد، المعروفة عند جميع الناس، والرجوع إليها حَكمًا بانضمام العقل إليها.

وها أنا ذا أستظهر لك فصولًا من هذا الباب، موجزًا في الشرح على قدر الإمكان:

أ- {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ}[آل عمران: 59].

وشرح ذلك: أنكم، أيها المخاطَبون، تعرفون وتعتقدون أن آدم خلق ابتداعًا من غير أب وأم. فإذا كانت عقولكم تصدّق ذلك وتحكم به، فمن باب أَوْلى أن تحكم بجواز إيجاد عيسى -عليه السلام- من أم بلا أب. فالعقل الصرف هو الحكم في المسألة.

ب- {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}[الحج: 73].

وشرح ذلك: أنّ الأصنام التي تعبدونها لا تستطيع أن تخلق الذباب الذي هو من أضعف الحشرات، بل إنّ هذه الحشرات الضعيفة -أي الذباب- إذا سَلَبَتْ هذه الأصنام ما ضمخَت به من مواد الطيب ونحوه، فإنها لعاجزة عن استنقاذه منها والذبّ عنه. والعقل السليم يستهين بمن كان بهذه المكانة من الضعف والهوان، ويَسِمه بميسم الذلّ والحطّة، ولا يستسيغ أن يحسب له حسابًا، لا أن يتخذه معبودًا. فالعقل الصرف هو الحكم في المسألة.

ج- {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْييِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}[يس: 78].

وشرح ذلك: أنكم، أيها المنكرون للبعث، قد استبعدتم البعث، واستعصى عليكم أن تجوّزوا قدرة أحد على صبّ الحياة في العظم الرميم، فسألتم سؤال إنکار: مَن يحيي العظام وهي رميم؟ ولم تنتبهوا إلى أنفسكم، ونسيتم خلقکم وإيجادکم من مواد كانت ميتة ثم سَرَتْ فيها الحياة فنمَت حتى كنتم بشرًا سويًّا -يخرج الحيّ من الميت ويخرج الميت من الحي- وصارت تلك المواد الميتة في أصلها تعقل وتجادل وتناظر وتخاصم. فمَن قدر على هذا -وهو أمر واقع مسلّم به- كيف لا يقدر على ردّ الحياة إلى العظام الرميمة التي كانت متقمّصة بها، وذلك بطريقة هو يعلمها لم تألفوها. فالعقل إذا قارن بين النشأتَين، ووازن بين الحياتين، لا يجد فرقًا بينهما في باب الإمكان. فما الإنكار إلا غفلة عن حقيقة واقعة، هي نظير ما استبعدتموه، ومثيل ما أنكرتموه. فالعقل السليم وحده، قاطع بإمكان البعث، وجواز حصوله. وإنکار الممكن الجائز خروجٌ على حكم العقل وخرق لنظراته الصائبة.

د- {يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}[النحل: 103].

وشرح ذلك: أنهم افتروا فرية عظيمة واضحة البطلان؛ لأن مجرّد الرجوع إلى حكم العقل المحايد، وعرض هذه الفرية على إنصافه، يجعل المرء يجزم ببطلانها، ويحكم أنها صادرة من أفواه كاذبة، وألْسِنة متطرّفة متعصّبة، تلوك الباطل، وترمي الكلام على عواهنه جزافًا؛ إضلالًا للناس، وخطأ من مقام خصمها؛ فإنّ خصوم الرسول الأعظم لمّا عجزوا عن مناظرة القرآن الكريم وما حواه من علم وبلاغة وأدب -مع أن الذي جاء به رجل أمِّي- وألقوا سلاح بلاغتهم أمام قوّة تحديه إياهم، انصرفوا إلى طريق الدجل -وما أضيقه!- وتمسّكوا بالأراجيف والبهتان -وما أضعفها مستندًا!- فقالوا: (إنما يعلِّمه بشر)، يريدون شخصًا معيّنًا عجميًّا كان يسكن مكة. فجاء الدليل على اقتلاع هذه الفرية، وهدم هذا المستند باستنطاق العقل وتحكيمه. فإذا عَرضْت القرآن بمزاياه وخصائصه على العقل، مقررًا أنه من صنع رجل عجمي بجنسه أعجمي بلغته، يلقيه على رجل عربي عريق في العروبة، ناشئ في أحضانها، معروف بالأمانة والصدق؛ لاستبعد العقل ذلك كلّ الاستبعاد، ونطق قائًلا: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}[النحل: 103]، فالرجوع إلى حكم العقل السليم الصّرف هو الدليل في المقام.

هذه فصول موجزة من النوع الأول من طريقي الاستدلال، لها نظائر وأمثال كثيرة تظهر للتالي المتدبّر، يستلهم شرحها من وحي الهداية واليقين.

وأمّا الطريق الثاني فما أكثر ما ورد عليه! لأنه أظهر بيانًا، وأشدّ وضوحًا، وأسدّ تقريرًا، يستوي في إدراکه العالم والجاهل، والنبِيه والخامل، والغبي والذّکي، والكبير والصغير؛ لأنه مبنيّ على الحسّ والمشاهدة، وقائم على أمور لا سبيل إلى إنكارها، ولا طريق إلى الصدود عنها والصدوف عن شهادتها والجدل والمكابرة فيها.

والقرآن الكريم في طريقته هذه يستعرض أولًا تلك الأمور الملموسة أو المشاهدة، فينبه العقل إلى التفكير فيها، ويحرّکه إلى بحثها والحكم فيها، ثم يعقبها بالدَّعوى المطلوبة صراحة أو ضمنًا.

وأكثر ما جاء من هذا النوع جاء في معرض إثبات وجود الصانع وانتظار وقوع اليوم الآخر ونهاية العالم الموجود، وإليكم أمثلة من ذلك:

أنكر الملحدون وجود صانع لهذا العالم العجيب الصنعة، المحكم النظام إحکامًا قويًّا بديعًا، لا يترك مجالًا للشّك في وجود مبدِع له حکيم عظيم قوي عزيز، لمن لفت نظره إلى ما يشاهده فيه من ترتيب عجيب، ودقة وانسجام، وانتقل بعد ذلك إلى حكم العقل مجردة من حجب التعصب والتطرف التي تعمي الأبصار، وتعمه بها البصائر، فتصدى القرآن لإثبات ما أنكره أولئك الملحدون بالدليل المحَسّ المنظور، فقال:

أ- {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[الأنعام: 95- 99].

ب- {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}[الروم: 20- 26].

ج- {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا}[النبأ: 6- 17].

فهذه الفصول الحكيمة الثمينة، الناطقة بالحقائق والوقائع المحسّة -وأمثالها كثير في القرآن العظيم- جاءت في مقام الاستدلال على وجود صانع للكون، قدير على كلّ شيء، لا يستعصي عليه أمر، ولا يقف دون إرادته مُحال -وإن لم تعلّق إرادته بالمحال- والخوض في شرح ما تضمنته هذه الآيات الكريمة من علوم ومعارف عالية غالية ليس موضعه هذا المقال. وأَكتفِي بتوجيه المطالع الكريم إلى الإمعان بالتفكير في مواضيعها، ومعانيها، وصرف نور العقل الخالص من شوائب التطرّف إلى استجلاء ما فيها من الحقائق، وتفهُّم ما جمعَتْه من الوثائق، والتبصر في النظام الدقيق السليم الذي أشارت إليه، ثم الرجوع إلى أصل الدعوى المراد إثباتها، وهي وجود الصانع، ثم إعطاء الحكم في الموضوع.

ومما جاء في هذا الباب في مقام ثبوت الصانع، وإمكان البعث وإحياء الموتى، قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[فصلت: 37- 39].

طريقته في التاريخ:

لم ينزل القرآن الكريم ليُمْلي على الناس حوادث الماضين وسِيَر الغابرين، أو يسرد وقائعهم السياسية وأساليبهم الاجتماعية، أو يمحّص الحقائق من الشوائب فيما اقترفوه، أو يُشبع رغبات محبّي الاطلاع على مجهولٍ مضى، أو يستنتج النتائج السياسية والاجتماعية لتكون قدوة في مستقبلٍ آتٍ. كلّ ذلك ليس من غرضه عند تطرّقه إلى التاريخ، وعرضه وقائع الأمم البائدة والباقية، وقصّه أحسن القصص، وحکايته سلوك أمة أو سيرة شخص؛ لأنه لم ينزل مدرّسًا للتاريخ أو مسجلًا للحوادث، كما أنه لم ينزل معلّمًا للفلك والجغرافية عند بحثه مسائل فلكية أو جغرافية، ولا أستاذًا للكيمياء والفيزياء عند ذِكْره لمحات من حقائقهما وجملًا من أمثلتهما. ليس شيء من ذلك مما قصد بتنزيله، أو كان محطّ النظر في وحيه وتأويله. وقد أخطأ كلّ الخطأ من نصب نفسه للنزول بالقرآن إلى عدّه كتابًا يجمع خليطًا من مسائل العلوم، أو كناشة سجلتْ قضايا من الفلسفة والطبيعة والتاريخ، معتقدًا أنه يرفع بعمله هذا شأن القرآن وهو الرفيع بنفسه، أو أنه يدلّل بذلك على إعجاز القرآن، وهو المعجز بذاته. فليس في عمله مدحة للقرآن، أو رفعة من شأنه، فإنّ كتب الفلسفة كثيرة جمعت ضروب الفلسفة ومختلف طرقها ومذاهبها، وكتب العلوم لا تكاد تحصر عدًّا، وعَت أدق مسائل العلوم النظرية والعملية. فأيّ فضل للقرآن أن يحشر في عدادها، ويحسب في زمرها؟ أليس في ذلك حطّ للقرآن العظيم عن فضله، ونزول به عن علوّ مقامه؟

إنّ القرآن يهدف في تقريره أولًا وبالذات إلى: إثبات وجود صانع للعالم عظيم قدير، وإلى وحدانية هذا الصانع العظيم القدير، الذي يجب حمده وشكره وعبادته وحده، هدمًا للشِّرْك الذي سَوّد وجه الأرض، وخرج بالناس مخارج تاهوا بها في مجاهل الضلال، ودلفوا بها إلى موارد الهلاك، وإلى إثبات اليوم الآخر ثم البعث ونشأة عالم جديد لا يشبه هذا العالم.

فهذه الأغراض الثلاثة هي التي يرمي إليها أولًا وبالذات بشتى طرق البلاغة، ومختلف أساليب التعبير: {كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}[الأعراف: 58]. وما الأمور الأخرى التي حملها القرآن الكريم من مسائل النبوّة والكتاب وغيرهما إلا آتية بعد تلك الأمور الثلاثة؛ لأنها لا تخلو من كونها إمّا وسائل لهؤلاء الأمور، وإمّا توابع تعقبها بعد ثبوتها وتحققها.

فالقرآن الكريم لا يتدخّل في أمر التاريخ وسائر العلوم، ولا يأخذ من مسائلها وقضاياها إلا قدر ما يخدم إثبات تلك الحقائق الثلاث، أو يوحي في النفوس عبرة وموعظة تردّ العقول الجامحة إلى صوابها، لتتدبّر الحقائق والدلائل القائمة، وتتنكب طريق المكابرة والجدل، فتصل إلى الصواب: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص: 29].

فالقرآن الكريم اختطّ له طريقة خاصّة في التاريخ، طريقة تفي بالغرض الذي يرمي إليه من دخوله ساحة التاريخ؛ لذلك تجافي طريقة المؤرخين، من اهتمامهم بتحديد الأزمنة والأمكنة، وجهدهم في ضبط الأسماء والكنى والألقاب وتسلسل الحوادث وسردها بالتفصيل. فاقتصر منه على ما يصيب غرضه، فلم يذكر من الوقائع إلا ما هو معروف مسلَّم به، ولم يذكر من الأسماء إلا مَن عنى بتأريخهم بالقدر الذي يؤدّي إلى الغرض، ممن لتعيين أسمائهم دخلٌ جوهري في الموضوع كأسماء الأنبياء -عليهم السلام-، فلم يذكر أسماء الفراعنة وسائر الملوك الذين وقعت الحوادث التي سرد طرفًا منها في عهودهم، ولا الأزمان ونحوها من الأمور التي يُعْنَى بها المؤرِّخ، لخروج ذلك عن دائرة ما يرمي إليه في إيراده القضايا التاريخية، فإنه لا يهدف في ذلك إلا إلى العِظَة والاعتبار، فيورِد ما يؤدي إليها بإيجاز لا يزيد على المراد، وربما كرّر ذِكْر الواقعة الواحدة في مواضع مختلفة بأساليب وتعابير متنوّعة، لما لتلك الواقعة من صلة بالموضوع من حيث العظة والاعتبار، كقصة موسى -عليه السلام-، فإن لتكرارها في المواضع التي وردت فيها، وبيان نتائجها، أثرًا بليغًا في تقرير الموضوع الذي عقبه، والتفكير فيه، خصوصًا في زمن نزوله، ذلك الزمن الذي بلغ فيه طغيان الملوك واستئثارهم بمقدّرات شعوبهم واستهانتهم بالأمم الخاضعة لحكمهم حدًّا تجاوز في فظاعته حدود الظُّلْم والجور.

طريقته في المحاورة:

المحاورة فنّ من فنون الأدب، وهي غير المناظرة، فالمناظرة أنْ ينصب طرفان نفسيهما للاستدلال على إثبات أمر تخاصمَا فيه نفيًا وإيجابًا، يَعُدّ كلٌّ منهما نفسه نظيرًا لخصمه في المنزلة والمقام في الموضوع الذي يبحثانه، للوصول إلى الصواب؛ لذلك لا تجري المناظرة بين تلميذ وأستاذه، ولا بين مجتهد ومقلّده، ولا بين الشارع والمقتدي، بل يجري بينهما الاستفهام والمراجعة.

أمّا المحاورة، فهي المراجعة في الكلام بين طرفين؛ لِبَثّ شكوى، أو غرام، أو تفصيل أمر، أو تهدئة خاطر، أو نحو ذلك من الأغراض التي تقتضيها الحال والمقام، مشتقّة -على ما أعتقد- من حار يحور، لمعنى: رجع يرجع، على حد (يحور رمادًا بعد إِذْ هو ساطع). فقوله تعالى في سورة البقرة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ...}[البقرة: 258] مناظرة. وقوله في سورة الكهف: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}[الكهف: 34]، إلى قوله: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ}[الكهف: 42] محاورة.

وطريقة القرآن الكريم في المحاورة أن يوردها بغاية الإيجاز، بأوضح بيان وأسهل تعبير، في مقام الوعظ والإرشاد، ومن ذلك قوله تعالى في سورة يوسف: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}[يوسف: 84- 86]. وأكثر ما يورد القرآن المحاورة تمهيدًا لأمر غريب سيقع، وحادث عجب سيحصل؛ ليكون حصوله أبلغ في الاعتبار بعد التنبّه إليه، وأوغل في الوعظ بعد الإشارة إلى وقوعه. ومن ذلك ما جرى منها بين الرسل والمرسلين إليهم؛ كمحاورة نوح -عليه السلام- مع قومه، ومحاورة هود -عليه السلام- مع شعبه، ومحاورة لوط -عليه السلام- مع قبيلته، ونحو ذلك من المحاورات بين سائر الرسل وأقوامهم.

طريقته في القصة:

القصة حكاية واقعة، لغرابتها أو خطرها، أو لدلالتها على ما انطوى عليه مجتمع: من أدب، أو رقّة، أو عدل، أو ظلم، أو ذوق سليم، أو فوضى، أو خشونة في الطبع، أو تعسّف، أو سکوت على ظلم، أو نحو ذلك من المعاني التي لا تحصَى، بأسلوب يجذب النفس للتطلّع إلى الإحاطة بأطرافها، والتعمّق في مغزاها ونتائجها، ويصور الحادثة تصويرًا كأنك تشاهدها عن کثبٍ، فتأتي مثلًا رائعًا.

وأدب القصة معروف في الأدب العربي، قبل الإسلام، وبعده. وقد تطرّق القرآن الكريم إليه في مواضع عدّة: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ}[يوسف: 3]، للغاية التي يتوخاهّا في إيرادها؛ من الإرشاد والوعظ، والإنذار، والتحذير دعمًا للحُجَج التي أقامها في إثبات مقاصده، وتعليمه للسلوك الحسن الذي يجدر بالأمم والأفراد أن تسير عليه، وتنبيهًا للغافلين من رقدتهم التي حجبتهم عن تبيّن حالتهم التي هم فيها، وهم عنها غافلون.

وطريقة القرآن في القصة أن يتبّسط في سردها بعض التبسّط؛ لأن مقام القصة وطبيعتها، وتيسير استنتاج النتائج المهمّة منها؛ تقتضي التبسط في إيرادها، بل قد تقتضي الإطناب فيه. ولا يلوي في أسلوبه هذا إلى ذِكْر ما لم يكن من عناصر الحادث الذي يقصّه، كما يفعله أدباء القصة تخيلًا بغية سدل ثوب ضاف على قصتهم، وإخراجها مخرج روايات تمثيلية؛ لأن في ذلك نوعًا من الكذب، والقرآن يمقت الكذب ويحرّمه مهما كان سبيله، ويلعن الكاذبين.

وقد ضرب القرآن الكريم المثل الأعلى بأسلوبه في أدب القصة. فهو مع تحاشيه التخيّل والكذب في صياغتها، قد طبعها بطابع أخّاذ بمجامع القلوب، ينبه المشاعر والحواس إلى استماعها بتلهف، لما يتخلّلها من مفاجآت طريفة في مضامينها، وحلول لتعقدات في مبانيها، مضافة إلى ما يسمه هذا الطابع من المعاني الرفيعة، وما ينطوي عليه من الحقائق والحِكَم السامية.

وأبرز مثال لذلك قصة يوسف -عليه السلام- فقد جاءت مثلًا معجزًا في أدب القصة، بوضوح تعابيرها، وانسجام فصولها، وبراعة سَبْکها، وبلاغة جملها، وفصاحة ألفاظها، وسهولة فهمها، وتقلّب النفس عند قراءتها مِن تأملٍ، إلى وُجُوم، إلى حزن، إلى يأس، إلى أمل، إلى رجاء، إلى فرح وسرور. ثم أخذها بزمام العقل إلى استجلاء غرائز الإنسان المتناقضة: من حُبّ، وبُغْض، وحسد، وحقد، ومكر، وشهوة، وغرام، وخيانة، وكذب، وبهتان، وظلم، وغضب، وجور في الحكم؛ واتّباع للهوى، وصبر، وجلَد، واستقامة، وصلابة في الرأي، وصدق في القول، واعتداد بالنفس. هذا مع ما فيها من العِبَر، وما تشير إليه من حالة المجتمع العربي في ذلك العصر وقضائه وإدارته، وغير ذلك من الأمور التي يطول شرحها، وليس هنا محلّ بحثها وبسطها.

طريقته في تقرير الأحكام:

آيات الأحکام في القرآن الكريم على نوعين: نوع ورد نصّه لتقرير أحكام معيّنة، ونوع ورد نصّه لأمر آخر، ولكنه يدلّ على تقرير حكم من طريق الظاهر أو الإشارة.

فالأول مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}[البقرة: 278- 280].

والثاني مثل قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة: 233]، فإن الآية وردَت نصًّا فی وجوب نفقة الزوج على الزوجة، ولكنها قرّرت حکمًا آخر يفهم من ظاهر عبارة {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ}، وهو اعتبار النسب من جانب الأب لا من جانب الأم.

وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}[النساء: 145]، فإن الآية وردَت إخبارًا عن مصير المنافقين، ولكنها قرّرت حُكْمًا يُفهم من ظاهرها، وهو أن النفاق حرام وإثم عظيم.

وطريقة القرآن الكريم في تقرير الأحكام أنه لا يجمعها كمواد قانونية، أو ككتاب فقه يجمع أحكامًا تُعَدّ عدًّا وتُسرد سردًا، بل يأتي بها متفرّقة يتبيّنها تالي كتاب الله بين فصوله المتنوّعة في مناسبات الكلام والبحث، وبين مواطن الوعظ والإرشاد. وهذه الطريقة أدعى لتلقّي الأحكام باطمئنان النفوس، وأرسخ في تفهّم المقصود، وأخفّ في تحمّل التكاليف وأوفق لخطّة التشريع، بخلاف ما إذا جاءت کمواد قانونية مجموعة في مجلة، أو ككتاب فقه يحفظ بين دفّتيه ألوف المسائل بشروطها وأوصافها.

ثم إنه يقرر أحكامه؛ بوجهين:

الأول: بطريق الفتوى جوابًا عن سؤال، مثل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ‌الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}[البقرة: 189]، و{يَسْأَلُونَكَ ‌عَنِ ‌الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْو}[البقرة: 219]، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ ‌إِصْلَاحٌ ‌لَهُمْ خَيْرٌ}[البقرة: 220]، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ‌الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي ‌الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}[البقرة: 222]، {‌وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ...}[النساء: 127]، {‌يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَد...}[النساء: 176].

وفي هذه الطريقة تعليم للناس أن يسألوا أهل العلم والاختصاص عمّا يجهلون من أمور دنياهم وأخراهم، وأن يأخذوا بما يرشدونهم إليه، فضلًا عمّا فيها من حُسْن تقرير.

الثاني: بطريق الإنشاء، وهو الغالب فيه؛ لأن الناس لا يسألون عن كلّ ما يرغب المشرِّع في تشريعه للمصلحة التي يراها. وهذه هي طريقة المشرِّعين المعتادة، مثل قوله تعالى: {‌كُتِبَ ‌عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}[البقرة: 183]، {‌كُتِبَ ‌عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}[البقرة: 178]، {‌حُرِّمَتْ ‌عَلَيْكُمْ ‌أُمَّهَاتُكُمْ}[النساء: 23]، {لَا يُحِبُّ اللَّهُ ‌الْجَهْرَ ‌بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}[النساء: 148]، {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ‌قِبَلَ ‌الْمَشْرِقِ ‌وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}[البقرة: 177]، {‌وَأَقِيمُوا ‌الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}[البقرة: 43].

ومن طريقته الحسنى في هذا الباب، أنه لا يقرّر إلا الأحكام الأساسية التي يراها جوهرية في التشريع، والتي يرى ضرورة دوامها في المجتمع الإنساني طول الدَّهْر، ويترك تقرير التفاصيل والأحكام الأخرى إلى الرسول المبلِّغ، شأن الدستور والقوانين والأنظمة في العصر الحاضر -وللقرآن المثل الأعلى- ثم يُفَوِّض التفسير والاستنتاج إلى الراسخين في العلم.

والولوج في هذا الباب ثم الخروج منه يقتضي بحثًا طويلًا ليس محلّه هذا البحث الوجيز. وأدَع الاستزادة من بحث أسلوب القرآن وطرائقه في مواضيعه الأخرى إلى جهد الراغب في البحث، مكتفيًا في هذه الكلمة بما نبّهتُ إليه.

 

 


[1] نُشرت هذه المقالة في مجلة «المجمع العلمي العراقي»، مج/ 1، ص23، ذو القعدة، 1369هـ، 1950م، بعنوان: «أسلوب القرآن الكريم ومفردات ألفاظه»، وتناولَت المقالة أسلوب القرآن الكريم في عدّة جوانب، ثم تعرّضَت في آخرها إلى طرف غير مكتمل حول مفردات ألفاظ القرآن، فرأينا الاقتصار على ما يتعلّق بأسلوب القرآن الكريم، مع قصر عنوان المقالة على الأسلوب دون المفردات، وتعديل بعض العبارات في مدخل المقالة. (موقع تفسير).

الكاتب

منير القاضي

أديب حقوقي، وشغل منصب رئاسة المجمع العلمي العربي بدمشق، وتوفي عام 1389هـ/ 1969م.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))