مرويات قصة عدِّ الشافعي لأنواع علوم القرآن
جمعًا ودراسة ‏

وردَت عن الإمام الشافعي رواية فيها عدٌّ لأنواع علوم القرآن، وهذه الرواية تُعَدّ من أقدم النصوص التي فيها ذِكْر لأنواع علوم القرآن وعدِّها، وهذه المقالة تسلّط الضوء على القصة الوارد فيها هذا العدّ، من خلال جمع مروياتها، وتعيين علوم ‏القرآن الواردة فيها، والتعليق عليها.

المقدمة:

  الحمد لله الرحمن، علَّم القرآن، خلق الإنسان، علَّمه البيان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعد:

 فإنّ من العلماء الأعلام الذين كان لهم القِدْحُ الـمُعَلَّى والنصيب الأَوْفى في فقه الكتاب والسُّنّة واستنباط الأحكام منهما: الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطَّلِبي رحمه الله تعالى، الذي «نظر في مذاهب المتقدِّمين، وأخذ من الأئمة المبرزين، وناظر الحذّاق المتقنين، فبحث مذاهبهم وسبرها، وتحقّقها وخبرها، فلخّص منها طريقة جامعة للكتاب والسُّنّة والإجماع والقياس»[1].

وقد حَصلَتْ له في حياته مِـحَن وشدائد، منها المحنة المشهورة التي أُخِذ فيها إلى الخليفة هارون الرشيد واختبره في العلم، وأدهشته سَعَةُ علم الشافعي وتبحُّره. وكان من ضمنِ ما سأله أن قال له: «كيف عِلْمُك بكتاب الله فإنه أَوْلى أن يُبتدأ به؟ قال: جمعه الله في صدري وجعل دفتيه جنبيّ. فقال: كيف علمُك به؟ قال: أيّ علمٍ تريد يا أمير المؤمنين؟ علم تأويله، أم علم تنزيله؟ مكيّه أم مدنيّه؟ ليليّه أم نهاريّه؟ أم سفريّه أم حضريّه؟ أم إنسيّه أم وحشيّه؟ أم نسقه وصفته؟ أم تسمية سوره؟»[2].

وهذه القصة -مع كونها مِن أقدم النصوص التي فيها ذِكر لأنواع علوم القرآن وعدِّها-، إلا أنها لم تُجمع مرويات ألفاظها ولم تُعيَّن العلوم الواردة فيها، حسب ما وقفتُ عليه، إلا المحاولة التي جاءت في البحث الموسوم بـ: «مرويات قصة عدِّ الشافعي لأنواع علوم القرآن -جمعًا ودراسة-».

وتأتي هذه المقالة لتسليط الضوء على هذه القصة، من خلال جمع مروياتها، وتعيين علوم القرآن الواردة فيها[3].

تمهيد:

تأتي أهمية هذا النصّ من كونه يُعَدّ مِن أقدم النصوص التي فيها ذِكرٌ لمصطلح (علوم القرآن) مرادًا به المعنى الخاصّ الذي اشتهر بعدُ كعلمٍ خاصٍّ له حدوده ومعالمه؛ وهذا لا يعني أن الشافعي أراد بكلامه (علوم القرآن) المصطلح عليها، بل قد يكون حصل ذلك موافقةً، فمِن المعلوم أنَّ هذا العلم إنما استقرَّ بعده.

وهذا قد يصحّح ما اشتهر عند كثير من الباحثين من أن مصطلح (علوم القرآن) قبل المئة الخامسة كان يُراد منه (التفسير) وليس المعنى الاصطلاحي الذي استقرَّ بأَخَرة[4]؛ فكلام الشافعي في هذه الحادثة كان أعمّ من (التفسير)، فقد ذكر أنواعًا من علوم القرآن. وهذا الأمر إنما يصح إذا ثبتت لفظة (علوم القرآن) في الرواية ولم تكن من قَبِيل تصرُّف الرواة.

وقد أشار بعض العلماء والباحثين إلى هذه القصة؛ مما يبيِّن أهميتها، منهم:

1. البُلقيني في مقدمة كتابه (مواقع العلوم في مواقع النجوم)[5]، ونقل كلامه السيوطيُّ في مقدمة كتابه (الإتقان)[6].

2. الزرقاني في (مناهل العرفان)، حيث قال: «كانت علوم القرآن مجموعة في صدور المبرزين من العلماء. فنحن نقرأ في تاريخ الشافعي -رضي الله عنه- أنه في محنته التي اتهم فيها...»، ثم ساق إحدى روايات القصة، ثم قال: «فأنت ترى مِن جوابِ الشافعي هذا ومن فلَجه بالصواب في هذا الموقف الرهيب ما يدلّك على أنّ قلوب أكابر العلماء كانت أناجيل لعلوم القرآن من قبل أن تجمع في كتاب أو تدوَّن في علم»[7].

3. ذكر د. محمد صفاء شيخ إبراهيم حقِّي -رحمه الله تعالى- أنّ ما ورد في قصة الشافعي هذه هو أقدم نصٍّ وقف عليه فيه ذِكرٌ لمصطلح (علوم القرآن)، حيث قال: «إنّ من الصعوبة بمكان الجزم بأنّ واحدًا بعينه من المتقدّمين هو أول مَن جرت هذه العبارة على لسانه، أو أنه أول مَن استخدم هذا المصطلح في كتاباته قبل غيره، إِذْ يتطلّب ممن يدّعي ذلك الوقوف على كلّ ما قاله السابقون وكتبوه، وهو أمر دونه خرط القتاد، وعلى هذا فإنّ أيّ قول في ذلك هو من باب الظنّ، كما أنه يحتاج إلى تقديم نص متقدِّم وهو الآخَر أمرٌ متعذر، وأقدم نصّ وقفتُ عليه هو ذلك النصّ المنسوب إلى الإمام الشافعي -رضي الله عنه- الذي يُـثْبِت أن الإمام قد استعمل هذا المصطلح في مناظرته مع الرشيد في القرن الثاني للهجرة، فإن ثبتت نسبته إلى الإمام يكون استعمال المصطلح متقدِّمًا جدًّا»[8].

4. أشار د. بريك بن سعيد القرني -حفظه الله- إلى هذه القصة ووصفها بأنّ فيها أول شيوع لمصطلح علوم القرآن متصلًا بطائفة من فنون الكتاب التي عدّدها الشافعي. وذكر بعض ألفاظها المروِيَّة[9].

5. أشار معالي الشيخ د. صالح بن عبد الله بن حمد العصيمي -حفظه الله ووفقه- إلى أنّ أقدَم عدٍّ لعلوم القرآن -باعتبار ما اصطلح عليه بأخَرَة- هو عدُّ الشافعي في قصته مع هارون الرشيد، وأنّ هذه القصة أصلٌ قديم في عدِّ علوم القرآن، تحتاج إلى جمع مرويات ألفاظها، وتعيين العلوم الواردة فيها[10].

أوَّلًا: سبب القصة:

وذلك أنّ للإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- رحلات عديدة إلى أرجاء المعمورة، منها انتقاله إلى اليمن، ومِن ثَمَّ توليه للقضاء فيها والحكم بين الناس، حتى اشتهرت سيرته وذاع صيته، فكادَ له بعضُ الناس وافترى عليه زورًا وبهتانًا أنه يريد أن يشقّ عصا المسلمين ويخرج على الخليفة هارون الرشيد. فَحُمِل بسبب ذلك إلى هارون مكبَّلًا بالحديد، هو وجماعة معه. فأمر هارون بضرب أعناقهم، ولـمّا جاء الدور على الشافعي استأذن في أن يتكلّم ويدفع التهمة عن نفسه، فأذن له هارون الرشيد بذلك، فتكلّم الشافعي وأُعْجِب به هارون، فسأل هارونُ الشافعيَّ أسئلة يختبره فيها ليعرف عِلمه -وكان من ضمن هذه الأسئلة سؤاله عن علمه بالقرآن، وهو مدار بحثي هذا-، وأبدى الرشيد إعجابه بالشافعي، فعفا عنه، وأمر له بعطاء وأكرمه إكرامًا بالغًا.

ثانيًا: توثيق القصة وإثباتها:

من المقطوع به أنّ الشافعي حصلت له محنة لـمَّا كان في اليمن، ثم إنه حُمِل إلى بغداد للخليفة هارون الرشيد، فسأله أسئلة، وأجابه الشافعي بما فتح الله به عليه، مما كان سببًا في رِفعة مكانة الشافعي عند الرشيد وإكرامه له.

وأكثر رواة القصة على أنّ الشافعي لـمّا أُحضر ابتدأ هارون بسؤاله، وأجاب الشافعي ونفى التهمة -التي رُمِيَ بها زورًا وبهتانًا- عن نفسه.

واختلف الرواة في بعض تفاصيلها؛ فمنهم مَن ذكرَ أنّ أبا يوسف القاضي ومحمد بن الحسن قد شهدَا الحادثة وحرَّضَا هارون الرشيد على قتل الشافعي، وأن محاورة هارون للشافعي قد طالت وسأله أسئلة كثيرة. وهذا ما جعل بعض العلماء يذهب إلى تكذيب بعض هذه الروايات وإبطالها. وممن ذهب إلى تكذيبها وإبطالها: ابن تيمية، والذهبي، وابن القيم، وابن كثير، وابن حجر، وغيرهم.

وحاصل ما ذكروه -رحمهم الله تعالى- أن القصة مكذوبة وباطلة، واستدلّوا على ذلك بأمرين:

1. من جهة الرواية (السند)، فراويها كذّاب.

2. من جهة الدراية (المتن)، ففيها أن الشافعي التقى بأبي يوسف القاضي، وهذا غير صحيح من جهتين[11]:

الجهة الأولى: أنّ أبا يوسف قد مات قبل دخول الشافعي بغداد، فلم يجتمع به. فأبو يوسف توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة[12]، والشافعي حصلتْ له المحنة وحُمِل إلى بغداد سنة أربع وثمانين ومائة.

الجهة الثانية: أنه يبعُد من عالِمَيْن كبيرين -كأبي يوسف ومحمد بن الحسن- أن يسعيَا في قتل رجل مسلم، فضلًا عن السعي في قتل رجل اشتهر بالعلم والفضل.

وبعد البحث وجمع المرويات، وجدتُ أن هذين المطْعَنَيْن لم يجتمعا إلا في رواية أبي نعيم، وأمّا غيره، فهو إمّا أن يكون رواها من طريق عبد الله البلوي ولم يَرِدْ فيها ذِكرُ أبي يوسف وهمِّه ومحمدِ بن الحسن قتلَ الشافعي، وإمّا أن يكون رواها من طريق صحيح سالمٍ من هذين الانتقادين.

ثالثًا: أسانيد القصة:

- بعد البحث وجدتُ أن الذين ذكروا القصة على قسمين:

1. مَن رواها بإسناده، وهم: الآبري[13]، وأبو نعيم، والبيهقي -في ثلاثة مواضع-، وابن عساكر -في موضعين-.

2. مَن ذكرها -أو ذكر شيئًا منها- دون إسناد، وهم: الرازي، واليافعي، والبلقيني، وصديق حسن.

وقد رُويت هذه القصة من طريقين:

1- الطريق الأول: من طريق عبد الله بن محمد البلوي، وقد رواه كلٌّ من الآبري والبيهقي وابن عساكر[14]عن البلوي عن خاله عمارة بن زيد، ورواها أبو نعيم عن البلوي ولم يذكر عمارة بن زيد.

وهذا البلوي كذّاب يضع الحديث.

2- الطريق الثاني: بعد البحث وجمع المرويات وجدتُ أنّ هناك طريقًا آخر فيه ذِكر تفاصيل القصة، وهذا الطريق سالـمٌ من الانتقادات التي وجّهها العلماء إلى الطريق الأول، فليس هو من رواية عبد الله البلوي، وليس فيه ذِكْر أبي يوسف ولا إرادته ومحمد بن الحسن التسبُّب في قتل الشافعي، ورواته -الذين وجدتُ كلامًا للعلماء فيهم- ثقات.

رابعًا: تأريخ وقوعها:

ذُكِر في رواية أبي نعيم التي أوردها للقصة أن الشافعي لـمَّا أُحْضِر لهارون كان ذلك في سنة أربع وثمانين ومائة -وسبق تضعيف رواية أبي نعيم وبيان أنها لا تثبت-، وكذا ورد في رواية عند البيهقي.

ومع ضعف هاتين الروايتين إلا أنّ ابن كثير وابن حجر -رحمهما الله تعالى- ذكرَا أنّ قدوم الشافعي إلى بغداد كان في هذه السنة. قال ابن كثير: «هذا كلّه[15] كان في قدوم الشافعي -رضي الله عنه- بغداد في القدمة الأولى، وكان ذلك في سنة أربع وثمانين ومائة»[16]، وقال ابن حجر -رحمه الله تعالى-: «والذي تحرر لنا بالطرق الصحيحة أنّ قدوم الشافعي بغداد أول ما قدم كان سنة أربع وثمانين [ومائة]»[17].

خامسًا: عَدُّ العلوم الواردة فيها:

بعد جمع الروايات تَبَيَّن أنّ مَن ذكرَ القصة على أقسام ثلاثة:

1. مَن لم يذكر عددًا، وهم: الآبري، والبيهقي، وابن عساكر، وياقوت، والبلقيني.

2. مَن ذكر عددًا، وجعله سبعة وثلاثين عِلْمًا، وهم: أبو نعيم، والرازي، واليافعي.

3. مَن ذكر عددًا، وجعله ستة وثلاثين عِلْمًا، وهو: صديق حسن.

والذي أميل إليه أن العدد مُقْحَمٌ في الرواية؛ لأنّ الذين ذكروا القصة مسندة لم يذكروا العدد إلا أبا نعيم، وروايته هي أضعف روايات القصة، فقد اشتملت على العِلّتين اللتين سبق ذكرهما. ومَن ذكر العدد بعده -أعني: الرازي واليافعي- إنما أخذه منه، والعدد الذي ذكره صديق حسن لعلّه وَهَمٌ منه -رحمه الله تعالى-؛ لأنه انفرد بِذِكْرِ شيءٍ لم يذكره أحد غيره ولم يُدَلِّل عليه.

بَيْدَ أني حاولتُ عَدَّها على طريقة الفَصل والتنويع -التي سلكها السيوطي في (التحبير)-، لا طريقة الإجمال -التي سار عليها في (الإتقان)-.

وبعد جمع المرويات وجدت أنّ المذكور منها صراحة خمسة وأربعون نوعًا، وقد سِرْتُ في بيانها بذِكر اسم العِلْم كما ورد في القصة، ثم مَن ذَكره.

العلوم الواردة[18]:

1- تأويل القرآن: ذكره الآبري والبيهقي وابن عساكر بلفظ: (علم تأويله).

2- تنزيل القرآن: ذكره الآبري والبيهقي وابن عساكر بلفظ: (علم تنزيله).

3- المكي. 4- المدني.

ذكرهما الآبري والبيهقي وابن عساكر والرازي بلفظ: (مكيّه - مدنيّه).

5- الليلي. 6- النهاري[19].

ذكرهما الآبري والبيهقي وابن عساكر والرازي وياقوت بلفظ: (ليليّه - نهاريّه).

7- السفري. 8- الحضري[20].

ذكرهما الآبري والبيهقي والرازي بلفظ: (سفريّه).

9- الإنسي. 10- الوحشي.

ذكرهما الآبري وابن عساكر وياقوت بلفظ: (إنسيّه ووحشيّه)[21].

11- نسق القرآن وصفته: هكذا عند الآبري: (نسقه وصفته). وعند البيهقي: (تبيين وصفه -وفي نسخة: تنسيق)، وعند ابن عساكر: (وضعه)، وعند الرازي: (تنسيق وضعه)، وعند اليافعي: (تنسيق رصفه).

12- تسمية سور القرآن: هكذا عند الآبري (تسمية سوره)، وعند البيهقي: (سوره).

13- المحكَم. 14- المتشابِه.

ذكرهما أبو نعيم والبيهقي والرازي بلفظ: (محكمه - متشابهه).

15- المقدَّم. 16- المؤخَّر.

ذكرهما أبو نعيم والرازي.

17- الناسخ. 18- المنسوخ.

ذكرهما أبو نعيم والبيهقي وابن عساكر والرازي وياقوت.

19- ما ثبت حكمه وارتفعت تلاوته: ذكره أبو نعيم والرازي.

20- ما ثبتت تلاوته وارتفع حكمه: ذكره أبو نعيم والرازي.

21- ما ضربه الله مثلًا: ذكره أبو نعيم والرازي.

22- ما ضربه الله اعتبارًا: ذكره أبو نعيم. وعند الرازي: (ما جعله الله اعتبارًا).

23- ما أحصى فيه فعال الأمم السابقة: ذكره أبو نعيم.

24- ما قصدنا الله به من فعله تحذيرًا: ذكره أبو نعيم.

25- أخباره: ذكره البيهقي والرازي.

26- أحكامه: ذكره البيهقي والرازي.

27- نظائره: ذكره البيهقي والرازي.

28- إعرابه: ذكره البيهقي والرازي.

29- وجوه قراءته: ذكره البيهقي، وعند الرازي: (وجوه قراءاته).

30- حروفه: ذكره البيهقي. وعند الرازي: (عدد حروفه).

31- معاني لغاته: ذكره البيهقي والرازي.

32- حدوده: ذكره البيهقي.

33- عدد آياته: ذكره البيهقي والرازي.

34- الوقف. 35- الابتداء.

ذكرهما ابن عساكر وياقوت.

36- عدده[22]: ذكره ابن عساكر.

37- الكوفي. 38- البصري.

ذكرهما ابن عساكر.

39- السهلي. 40- الجبلي.

ذكرهما ابن عساكر.

41- ما خُوطب من العام يريد به الخاص: ذكره ابن عساكر وياقوت.

42- ما خُوطب من العام يراد به العام: ذكره ابن عساكر.

43- الهَجَري. 44- العربي.

ذكرهما ابن عساكر.

45- ما خُوطب به الخاص يراد به العام: ذكره ياقوت.

ومما تجدر الإشارة إليه أنّ الرازي واليافعي لم ينفردَا بذِكر أيّ نوع، وأنّ البلقيني وصديق حسن لم يذكرَا أيّ نوع.

الخاتمة:

تبين بعد جمع مرويات القصة من مختلف المصادر والمراجع ثبوتها، خِلافًا لمن أنكرها وأبطلها بالكلية. ويُعَدّ هذا النصّ مِن أقدم النصوص التي فيها ذِكرٌ لمصطلح (علوم القرآن) مرادًا به المعنى الخاصّ الذي اشتهر بعدُ كعلم خاصٍّ له حدوده ومعالمه -وَفْقَ ما ورد في رواية ابن عساكر-. وهذا لا يعني أنّ الشافعي أراد بكلامه (علوم القرآن) المصطلح عليها، بل قد يكون حصل ذلك موافقة؛ فمن المعلوم أنَّ هذا العلم إنما استقرَّ بعده.

وما زالت الحاجة إلى دراسة هذه القصة وتحليلها قائمة؛ من جهة اختلاف ألفاظها، وتوجيه أقوال مَن أبطلها مِن أهل العلم، والتوسّع في بيان أنواع العلوم الواردة -بِذِكر أسمائها التي اصطلح عليها، وإتباع ذلك بذِكْر مَن نَصَّ عليها مِن المتأخّرين، وبحث بعض الأنواع التي لم ترِد في كتب علوم القرآن المشهورة؛ كالوحشي والإنسي، والكوفي والبصري، والجبلي والسهلي. إلى غير ذلك من المسائل التي لم تُستوفَ في هذا البحث.

والحمد لله ربّ العالمين أوَّلًا وآخِرًا، وظاهرًا وباطنًا. هذا ما كتبتُ، فإن كان صوابًا فمِن توفيق الله تعالى، وإن كان خطأً فمِن نفسي والشيطان، وأستغفر اللهَ -عز وجل- منه. وصلى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 


[1] تهذيب الأسماء واللغات للنووي، (1/ 49).

[2] مناقب الشافعي للآبُرِّيِّ، ص70.

[3] وأصل هذه المقالة البحث المذكور، وهو بحث محكّم منشور في مجلة الفرائد في البحوث الإسلامية والعربية، التابعة لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة- جامعة الأزهر، المجلد: 43، إصدار ديسمبر 2022م. وهذا رابط البحث على موقع المجلة: https://bfsa.journals.ekb.eg/article_279285.html.
وهذا رابط البحث للتحميل:

https://journals.ekb.eg/article_279285_9f49f0c4c9fbab9c866b3159b81c731a.pdf

وأردت في هذه المقالة أن أختصر البحث وأذكر أهم ما ورد فيه، ومَن أراد التوسع في بعض القضايا المطروحة فليرجع إليه مشكورًا.

[4] انظر على سبيل المثال: (علوم القرآن بين البرهان والإتقان -دراسة موازنة-) للدكتور/ حازم سعيد حيدر، ص81، و(تحقيق نصوص علوم القرآن الكريم) تأليف: أ.د. غانم قدوري الحمد، ص17، وقد أشار إلى أن مصطلح (علم القرآن) أو (العلم بالقرآن) ظهر قبل مصطلح (علوم القرآن)، ولكن في بعض ألفاظ القصة -كما سيأتي- ورد مصطلح (علوم القرآن).

[5] مواقع العلوم في مواقع النجوم، ص254.

[6] الإتقان، (1/ 6).

[7] مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني، ص30- 31.

[8] علوم القرآن من خلال مقدمات التفاسير، (1/ 115- 116).

[9] علوم القرآن عند الصحابة والتابعين -دراسة وتأصيل-، ص32.

[10] في محاضرة له بعنوان «سؤالات البيان في علوم القرآن»، ص21 - 22.

[11] انظر: توالي التأسيس، ص131.

[12] سير أعلام النبلاء، (8/ 538).

[13] ونقلها ياقوت الحموي عن الآبري.

[14] في إحدى روايتيه.

[15] كان قد سبق ذكره لسماع الشافعي من محمد بن الحسن وحضوره لمجالسه.

[16] مناقب الإمام الشافعي لابن كثير، ص80.

[17] توالي التأسيس، ص131. وتجدر الإشارة إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال في منهاج السنّة النبوية (6/ 441): «فإنّ أكثر مناظرة الشافعي كانت مع محمد بن الحسن وأصحابه، [و]لم يدرك أبا يوسف، ولا ناظره، ولا سمع منه، بل تُوفي أبو يوسف قبل أن يدخل الشافعي العراق، تُوفي سنة ثلاث وثمانين وقدم الشافعي العراق سنة خمس وثمانين؛ ولهذا إنما يذكر في كتبه أقوال أبي يوسف عن محمد بن الحسن عنه»، فأضاف سنة في وفاة أبي يوسف، وسنة في سنة قدوم الشافعي، ولعله خطأ من الناسخ، والله أعلم.

[18] يُلاحظ أن هناك تقديمًا وتأخيرًا بين الروايات في ذكر (أنواع علوم القرآن)، وقد رتَّبتها على حسب المرويات التي سبق إيرادها.

[19] قدَّمت ذِكر الليلي على النهاري؛ لأنه هكذا وردت القصة، وإلّا الأصل تقديم النهاري على الليلي في الذِّكْر -كما استقر ذلك في كتب علوم القرآن-. وقد ذكر البلقيني هذين العلمين بتقديم الليلي على النهاري.

[20] قدَّمت ذِكر السفري على الحضري؛ لأنه هكذا وردت القصة، وإلّا فالأصل تقديم الحضري على السفري في الذِّكْر. وقد ذكر البلقيني هذين العلمين بتقديم السفري على الحضري.

[21] وفي بعض الروايات تقديم الوحشي على الإنسي.

[22] وقد يكون هذا النوع هو نفس المتقدم برقم: (33)، عدد آياته.

الكاتب

أحمد سليمان المنيفي

حاصل على بكالوريوس التفسير والحديث من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت، وله بعض الأعمال العلمية المنشورة.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))