الفصل الرابع من كتاب جون وانسبرو "دراسات قرآنية": أصول التفسير؛ بعضُ الملاحظات المنهجية
الفصل الرابع من كتاب جون وانسبرو "دراسات قرآنية": أصول التفسير
بعضُ الملاحظات المنهجية
الكاتب: أندرو ريبين - ANDREW RIPPIN
تستعرض هذه المقالة بعض النقاشات المنهجية حول الفصل الرابع من كتاب جون وانسبرو (الدراسات القرآنية)، والذي يدور حول أصول التفسير وعلاقتها بسلطة القرآن، وتحدد المقالة اشتغالها بملاحظات عيسى بلاطة وكورنليس فيرستيغ، مُحاوِلةً بهذا بيان الأبعاد الأشمل لنقاشهم والمتعلقة بدراسة الإسلام المبكِّر ونقاش مفهوم التفسير.
الفصل الرابع من كتاب جون وانسبرو "دراسات قرآنية": أصول التفسير
مقدمة:
يُعَدّ كتاب وانسبرو (الدراسات القرآنية) واحدًا من أهمّ الكتب على ساحة الدرس الغربي المعاصر، وقد أثار منذ نَشْره الكثير من ردود الفعل، كما مَثّل أحد مظاهر التحوّل في حقل الدراسات الغربية للقرآن، بسبب طرحه تشكيكًا في المصادر الإسلامية التقليدية واعتباره لها (تاريخ خلاص) لا تجسيدًا لحقائق تاريخية عن تاريخ القرآن وتاريخ الإسلام المبكِّر؛ ومِن ثَمّ اتّجاهه، وبَعْدَه عددٌ من الباحثين -الذين عُرفوا لاحقًا بالتنقيحيين- لإعادة كتابة هذا التاريخ وفقًا لمصادر غير عربية.
إلا أنّ بعض الباحثين وعلى رأسهم ريبين، يرون أنّ هذا الأثر للكتاب كانت له آثاره السيئة؛ إِذْ نُظِر للكتاب باعتباره مخالفًا للبنى النظرية والمنهجية التي قام عليها الدرس الغربي للقرآن بشكلٍ عامّ، وباعتباره دعوة لإعادة كتابة تاريخ القرآن، ما أدى -من وجهة نظره- لتجاهل تعقيد نظرية وانسبرو والأبعاد المنهجية التي طرحها في نقاش المدوّنات الإسلامية المبكّرة وعلى رأسها التفسير، وتجاهل الأثر الذي تركه هذا على بعض دراسات التفسير الغربية المعاصرة.
يحاول ريبين في هذه المقالة استعادة نقاش وانسبرو (الـمُغَـيَّب) حول التفسير واللغة في المدوّنات المبكّرة وعلاقته بعملية نشأة سُلطة القرآن، عبر استحضار مقاربتَيْن نقديتَيْن لوانسبرو؛ المحاولة الأولى لعيسى بلاطة، والثانية لكورنليس فيرستيغ. تقوم هاتان المحاولتان على استشكال ربط وانسبرو التحليلَ المعجميَّ والنحويَّ في التفسير المبكِّر بنشأة سُلطة اللغة المرتبطة بنشأة سلطة النصّ.
تقف هذه المقالة عند حدّ طرح النقاش بين رؤية وانسبرو ومخالفيه، وتبرز الأبعاد الأشمل لنقاشهم والمتعلّقة بدراسة الإسلام المبكِّر ونقاش مفهوم التفسير، إلا أنها لا تتعمّق في نقاش هذه الأبعاد أو حسمها، وتأتي أهمية ترجمة هذه المقالة من عرضها للنقاش والبيان عن أُسسه وأبعاده.
أولًا: المقدمة:
تطغى الفرضياتُ التي طَرَحَها جون وانسبرو حول أصول القرآن في كتابه الموسوم بـ(دراسات قرآنية) الصادر سنة 1977م على باقي فرضياته الأخرى. ويبدو أنّ بعضَ الباحثين، نتيجة معرفتهم بأنّ الكتاب يحتوي على هذه الفرضيات التي تتعارضُ مع النظريات المقبولة، أعرضوا عن العمل بأكمله، واكتفوا بالإشارة إليه بوصفه مثالًا على التضليل والخداع (الاستشراقي)؛ ولذلك لم يحْظَ الفصل الرابع من كتابه (دراسات قرآنية)، الذي يتناول بإسهاب التراث التفسيري الإسلامي المبكّر، بالاهتمام التفصيلي الذي يستحقّه بين الباحثين.
ومع ذلك، لا مناصَ من أن نوضح بأنّ التحليل الذي أنجزه وانسبرو لنصوص التفسير لا ينفصل عن نظريته الكلية حول القرآن، بل يقوم جزءٌ من حُججه الداعمة لفكرة التشكّل التدريجي للقرآن باعتباره نصًّا ذا سُلطة داخل المجتمع المسلم على ما تقدّمه هذه النصوص التفسيرية من أدلة وشواهد. وتشير جميعُ الحُجَج الضِّمنية التي تنطوي عليها هذه النصوص التفسيرية -سواء تلك التي تتعلّق بتحديد اعتماد القرآن أو تلك التي تتعلّق بالتطوّر العام لمفاهيم سُلطته- إلى هذا المسار الذي اتّخذه وانسبرو (فلا يُسْتَشهد -في رأيه- بالقرآن في المسائل الفقهية إلا بعد الاعتراف به بوصفه نصًّا مكتملَ البنية، والتفاسير الهاجادية (الحجاجية والسردية) هي الأداة التي يتوسّل بها لدعم هذا الاعتراف وإقناع المجتمع بقبوله).
ومع ذلك، بصرف النَّظَر عن الأغراض التي توخّاها وانسبرو من تحليله في طيّات كتابه، تظلّ أهمية عمله المتعلّق بنصوص التفسير قائمة. وسوف تُولي هذه المقالة اهتمامًا بالغًا لهذه النصوص من حيث أثرها على التخصّص، وعلى بعض الإشكالات التي أثارها عمله. ولتحقيق هذه الغاية، سنلقي نظرة على عملَيْن حديثَيْن يجسدان بعض ردود الفعل على عمل وانسبرو.
ثانيًا: أهمية عمل وانسبرو:
تستحقّ نقطة جوهرية من النقاط التي أثارها كتابُه التأكيدَ والإشادة؛ وهي أنّ تحليل وانسبرو الوارد في الجزء الرابع من كتابه (دراسات قرآنية) يُشكِّل أوّلَ تحليل (غربي) يفحص عددًا كبيرًا من نصوص التفسير بعين عِلْمية نقدية. فقد كانت معظم هذه النصوص محفوظة في صورة مخطوط عندما فحصها وانسبرو، بل وكان بعضها مدرجًا تحت تصنيفات خاطئة في فهارس المخطوطات. ومنذ نَشْر كتابه، حُقّقتْ ونُشِرتْ -في حدود علمي- جميعُ نصوص التفسير المبكّرة المهمّة -المطبوعة والمخطوطة- التي أوردها في عمله باستثناء نصّ واحد أو نصّين. ورغم أنّ الجزم بأنّ حركة النّشْر هذه كانت ثمرة مباشرة لعمل وانسبرو وما أثاره من شغف علمي وإبداعي بتلك النصوص يظلّ أمرًا يكتنفه الشّك، إلا أنّ ذلك قد يحمل نصيبًا من الصحة في بعض الحالات. ويمكن تلمُّس الطبيعة التأسيسية لعمله بوضوح من خلال الإحالات المرجعية المتواترة إليه في الأعمال الحديثة، ومن أبرزها موسوعة جوزيف فان إس (Josef van Ess) الموسومة بـ(اللاهوت والمجتمع في القرنين الثاني والثالث الهجريّين)، في المجلدين الأول والثاني.
وقد اعتمَدَت كذلك دراساتٌ علميةٌ أخرى على عمله، وذلك إمّا بإضافة توضيحات لطبيعة بعض النصوص نفسها، أو بتوسيع نطاق مخطّطه التحليلي، أو بتطبيق جُملة من مبادئه المنهجية على تحليل نصوص تفسيرية أخرى. فعلى سبيل المثال: عَكفتُ على إنجاز دراساتٍ مستفيضة لنصوص تفسيرية مختلفة منسوبة إلى ابن عباس (انظر المزيد عنها أدناه)، وحررتُ وحللتُ نصًّا حول النّسْخ، سبق أَنْ ذكَره وانسبرو في كتابه، لكن لم تتسَنَّ له فرصة فحصه سنة 1984م، كما حاولتُ أيضًا تطبيق بعض مناهج تحليله على إعادة فحص وافية لنصّ نَسَبَه وانسبرو إلى الكلبي سنة 1994م. علاوة على ذلك، فَحَصْتُ أيضًا دورَ إحدى الأدواتِ التفسيرية التي أقصاها وانسبرو من تحليله، وهي (أسباب النزول)، وأعدتُ تقييم استخدامها ضمن إطارٍ أوسع للتفسير. وقد وَسَّعَ كذلك نورمان كالدر (Norman Calder) في مقاله المثير الموسوم بـ(التفسير من الطبري إلى ابن كثير) الصادر سنة 1993م، إطار تحليل وانسبرو ليشمل تفاسيرَ ما بعد الحقبة التكوينية، وحلّلَ كذلك الأدوات الإجرائية في أمّهات كتب التفسير التي تنتمي إلى الفترة الإسلامية الكلاسيكية. ومن الأمثلة الأخيرة على هذه الدراسات العلمية اعتماد دراسة كريستوفر بوك (Christopher Buck) الصادرة سنة 1995م، على الأدوات الإجرائية التفسيرية التي وضعها وانسبرو بوصفها منطلقًا منهجيًّا لتحليل تفسير بهاء الله الموسوم بـ(كتاب الإيقان).
ومع ذلك، أثار عمل وانسبرو في هذا الفصل الرابع من الكتابِ أيضًا تحدياتٍ مختلفةً. ولا أرغب هنا في أن أركّز على تلك الأعمال التي اقترحت تصويبات ذات طبيعة واقعية (تاريخية) أو حتى تفسيرية، بل سأركّز على تلك الأعمال التي أثارتْ تحديات واعتراضات منهجية جوهرية تمسّ الفرضيات التي تقومُ عليها مقاربتُه. ولا يوجد في الحقيقة عددٌ كبيرٌ من هذه الأعمال المنهجية التي أولت اهتمامًا مباشرًا للفصل الرابع من كتابه (دراسات قرآنية) سواء كليًّا أو جزئيًّا بهذه الطريقة، وتميل أغلب تلك الأعمال المنهجية، التي قامت بذلك، إلى مشاركة اعتراض منهجي سائد سبق أن طُرِح في سياقاتٍ أخرى عند دراسةِ عمل وانسبرو. يدورُ رحى هذه القضية المنهجية حول: إصرار وانسبرو على وجود أدلّة نصّية (مكتوبة) في التفاسير الإسلامية لإثبات دعاواه التاريخية، بل واعتباره تلك النصوص التفسيرية التي تعرض هذه الأدلة النصّية خطابات معقّدة صاغتها أجيالٌ متعاقبةٌ ومتعدّدةٌ من المحرّرين. ومن ثم، فإنّ الدعاوى التي تُقَدَّم عبر آليات، مثل الأسانيد (سلاسل الرواة)، لا يمكن الوثوق بها بوصفها أساسًا تاريخيًّا متينًا للنقاش. ومع ذلك، تطفو على السطح قضايا منهجية أخرى أيضًا، كما سنرى لاحقًا.
ثالثًا: ابن عباس:
لعلّ خير مثالٍ على الإشكالِ المثار هنا يتمحورُ حولَ شخصية عبد الله بن عباس. فقد كانت الشُّهْرة والمكانة التي حازها ابن عمّ محمد ]صلى الله عليه وسلم] -بوصفه مصدرًا لِكَمٍّ هائل من المواد التفسيرية- محور اهتمام واسع في النقاشات الأكاديمية المتعلّقة بالتفسير، وذلك على الأقلّ منذ عهد إغناتس غولدتسيهر. وقد لفت وانسبرو الانتباه إلى مجموعة من النصوص المنسوبة حصرًا إليه، والتي تتميّز جميعها بطابع معجمي. وكانت إحدى الأدوار التي اضطلعت بها شخصية ابن عباس في عملية تطوّر التفسير، وفق أطروحة وانسبرو، هي محاولة توفيق لغة القرآن مع لغة "العرب" (اختلف في تحديد هويتهم: فتارة يُراد بهم البدو، وتارة سكان الحواضر، وتارة أخرى أهل إقليم الحجاز كلّه). وقد أمسى تحديدُ هوية هذه الأمّة -بالطريقة التي تبلورت بها عبر اللغة- موقفًا إيديولوجيًّا رئيسًا رَائجًا في مثل هذه النصوص التفسيرية.
ومع ذلك، لم يكن لمثل هذه الأطروحة التوفيقية أن تنشأ إلا بعد تحقّق عدّة شروط مسبقة، يأتي في طليعتها ظهورُ القرآن باعتباره مدوّنة مكتملة معتمدة ورسمية. وإذا كان الأمر كذلك، لا يستقيم أن تكون هذه الأطروحة معاصرة لابن عباس، الذي تُوفي سنة 687م، بل لا بدّ من أن تنشأ بعدَهُ بعدّة قرون. ولم تكن نسبتها إليه سوى استدعاء لسُلْطة الماضي، واحتكام إلى أُسرة النبي، وتذرع باسمٍ غدَا قرينًا بالنشاط التفسيري بشكلٍ عام.
تحدّى عيسى بُلاطة سنة 1991م، في مقال تناولَ فيه أحد النصوص المنسوبة إلى ابن عباس، فرضية وانسبرو الأساسية. وادّعَى، من خلال فحص مخطوطة النصّ المنسوب إلى ابن عباس الموسوم بـ(مسائل نافع بن الأزرق)، والتي يرجع تاريخُها على الأرجح إلى القرن الحادي عشر الميلادي =أنّ التقليدَ الذي يربط ابن عباس بالمسائل المعجمية المتعلّقة بالقرآن ليس متأخرًا، بل تقليدٌ مبكّرٌ، وإن كان قد خضع بوضوح إلى عمليات توسّع وإغناء مع مضيّ الزمن؛ (سواء في عدد المفردات اللغوية أو في التفاصيل المتعلّقة بالسياق الذي دارت فيه تلك النقاشات المعجمية). ورغم هذا التوسّع والإغناء، إلا أنّ بلاطة يلفت الانتباه إلى نقطة جوهرية حاسمة، حين يقول: «يرى جون وانسبرو أنّ إرجاع الألفاظ القرآنية الغريبة أو غير المألوفة إلى المدونة الكبرى للشِّعْر العربي القديم منهج تفسيري متأخّر بشكلٍ ملحوظ عن زمن النشاط التفسيري لابن عباس». ورغم إقرار بلاطة بمحدودية النشاط التفسيري في بداياته، إلا أنه يضيف: «إذا كان ثمة مَن يملك الجرأة على القيام بمثل هذا النشاط (أو يُنسب إليه) فهو ابن عباس، ابن عم النبي وصاحبه، وذلك بفعل صِلَة القرابة، والمكانة المرجعية التي كان يحظى بها». ويشير أيضًا إلى أنّ الوسيلة التي نُقِلَت بها هذه التقاليد من ابن عباس إلى المفسِّرين اللاحقين كانت هي (الرواية الشفوية). ومع ذلك، يؤكّد على أنّ غياب الشواهد الشِّعْرية في النصوص التفسيرية المبكّرة (وهي الحُجّة التي اتكأ عليها وانسبرو)، لا يدلّ على أنّ مثل هذه الممارسة التفسيرية لم تكن موجودة. وبناء على ذلك، يختتم بلاطة حُجّته بقوله: «رغم أنّ المرء لا يمكنُه أن يحدّدَ المواد الأصلية وغير الأصلية من هذه المواد المعجمية؛ إلا أنّ كلّ الدلائل تشير إلى إمكان وجود مجموعة صغرى من المواد، والتي من المرجح أنها كانت محفوظة عبر تقاليد الرواية الشفهية لعدّة أجيال قبل أن تُدونَ لاحقًا بمعية مواد إضافية».
تنهض هذه المقاربة التاريخية على فرضيتين منهجيتين جوهريتين، هما: (الإمكان) و(الرجحان)؛ إِذْ ترتكز الدراسات التاريخية برمّتها على مبدأ تماثل العمليات التاريخية الذي يشكّل البنية التحتية لهاتين الفرضيتين. بَيْدَ أنّ بلاطة أساء تقدير وفهم الدلالة الكلية لأطروحة وانسبرو. فلم يدر النقاش -عند وانسبرو- حول مدى أصالة نواة هذه المواد من عدمها؛ (لأنه حتى لو سلّمنا بأصالتها، فإذا لم يكن بوسع المرء أن يميّز المواد الأصلية عن غيرها، فلن يحرز أيّ شيء على الإطلاق، ولن تضيف دعواه أيّ فائدة معرفية). وبسبب سوء تقديره للمسائل المتعلّقة بكيفية إرساء سُلطة الكتاب المقدّس، وتحاشيه لعقد مقارنات بين النصوص الدنيوية والنصّ المقدّس، يكون بلاطة قد أغفل لبّ الإشكال الحقيقي. ويخلص، في نهاية المطاف، إلى أنّ اتّباعَ العرب لهذا الأسلوب في التفسير كان أمرًا طبيعيًّا تمامًا، بل ويرى وجود «نزعة عربية تميل إلى الاستشهاد بالأمثال أو بالأبيات الشِّعرية مشافهة لتعضيد الأفكار في بعض السياقات الخاصّة. وهي سِمة عربية قديمة جدًّا تفرّد بها ابن عباس». وفي مقابل ذلك، يرى وانسبرو أنه لا وجود لشيء يمكن وصفه بـ(الطبيعية أو التلقائية) في تطوّر الأدوات التفسيرية، بل تعكس هذه الأدوات احتياجات أيديولوجية محدّدة، ويقف خلفها تاريخ طويل.
وثمة أدلّة جوهرية أخرى تعضد الأطروحة الكلية التي ساقها وانسبرو في هذا الصّدد، تستمدّ قوّتها من التحليل المستفيض الذي قدّمه كلود جيليو حول تفسير الطبري (ت: 923م) سنة 1990م. ومن اللافت حقًّا للنظر أنّ الطبري كان ما يزال في القرن العاشر الميلادي يخوض نقاشًا معمقًا حول دور اللغة العربية وقيمتها في علاقتها بالقرآن، بل إنّ تفسيره الضخم يقوم في جوهره على مرافعة تهدف إلى الانتصار لهذا الموقف بشأن اللغة. فلم تكن العلاقة بين المقدّس والدنيوي في اللغة آنذاك موضع تسليم أو إجماع داخل الوسط العلمي، بل كانت محلّ جدل محتدم وسجال متواصل بين العلماء.
رابعًا: تطوّر التفسير:
رغم أنّ عمل بُلاطة يستمدّ مزيّته مِن تنبهه إلى ملمح فارق أبان عمّا تكتنفه حُجَج وانسبرو من إشكالات، إلا أنّ عملًا حديثًا آخرَ قدَّم أيضًا تحديًا شموليًّا لسردية وانسبرو المتعلّقة بنشأة التفسير وتطوّره. فبينما ظلّ جانب من هذا السجال عند حدود التفاصيل والتأويلات الجزئية، مضى جانب آخر منه ليسدّد نصله نحوَ قلبِ الفرضياتِ التي يقوم عليها صرح وانسبرو المنهجي.
لقد نشرتُ مؤخّرًا مراجعة نقدية مستفيضة (1996م) لكتاب كورنليس هنريكس ماريا فيرستيغ الموسوم بـ(النحو العربي وتفسير القرآن في الإسلام المبكّر) الصادر سنة 1993م، ومن ثم فلن أكرّرَ هنا مناقشة مآثر هذا الكتاب وعثراته القاطعة. فالعنصر الأساس الذي سأركّز عليه هنا هو اعتماد فيرستيغ على النصوص التفسيرية الكبرى ذاتها التي اعتمد عليها وانسبرو في دراسته، غير أنه ارتأى من الضروري -خدمة لأغراض بحثه الخاصّ- أنّ هذه النصوص تعبّر عن آراء المؤلِّفين الذين تُنسب إليهم (أو تعبّر على الأقلّ عن الرأي الأقرب من ذلك). وإذا كان وانسبرو يرى في هذه النصوص أدلّة على وجود تدخّل تحريري لاحقٍ، تنبئ -في تصوّره- عن تطوّر تدريجي لأدوات التفسير، فإن فيرستيغ يرى أنّ هذه الأدوات التفسيرية كانت موجودة منذ زمن مبكِّر؛ لأنه يرى -على غرار بلاطة- أنه (من البداهة) أن يستخدم المفسِّرون الأوائل أنواعًا شتى من المواد التفسيرية - وفي مقدمتها التحليل النحوي الذي يشكل محور اهتمام وانسبرو. ومن أجلِ أن يبرّرَ فريستيغ اعتمادَه على نصوص التفسير المبكّرة هذه بوصفها مصادر موثوقة للمصطلحات النحوية المستخدمة لدى المؤلِّفين الذين سبقوا سيبويه (ت: 793م) أو عاصروه، تعيّن عليه أن يدافع عن الموثوقية التاريخية للنصوص ككلّ، وعن صحّة نسبتها إلى أصحابها، وأن يغضّ الطرف عن إشكال التدخّلات اللاحقة، وإعادة الصياغة التحريرية، وغيرها من القضايا الأخرى التي قد تُفسر ما اعتبره وانسبرو عناصر (متأخّرة) في هذه النصوص المبكّرة.
يجسّد موقفُ فيرستيغ بدقّة المعضلةَ التاريخية التي تواجهُ دراسةَ الإسلام المبكّر. فقد كان على قناعة تامّة بأنّ «شُغل المؤمنين الشاغِل بعد وفاة النبي ]صلى الله عليه وسلم] كان منصبًّا على نصِّ القرآن، وهو ما صوَّب كلّ جهودهم نحو الإمساك بزمام ظاهرة اللغة، ومن ثم علينا أن نبدأ للبحث عن الشكلِ الأصلي للدراسة اللغوية في الإسلام داخل التفاسير المبكّرة للقرآن». إنّ رؤية نشأة الإسلام التي يقوم عليها هذا الموقف تتعارض تعارضًا جذريًّا مع رؤية وانسبرو، وغيره ممن زعموا أنّ (الإسلام)، بصورته التي نعرفها اليوم، لم ينبثق فجأة من الصحراء بوصفه كيانًا ناضجًا ومكتملًا وواعيًا بذاته، بل قطع مسارًا متدرجًا على مدى عدّة قرون. إنّ الفكرةَ القائلة بأنّ محمدًا قد زوّد المجتمع بكتابه المقدّس (القرآن)، وأنّ التركيز كلّه انصبّ فورًا بعد وفاته على فهمه، وتأسيس مجتمع قائم عليه، لا تتوافق بسهولة مع الأدلة التي يعرضها تفسيرُ وانسبرو. كما أنها لا تتوافق أيضًا مع النماذج العلمية التي نفهم من خلالها كيفية نشوء الأنظمة الاجتماعية المعقّدة، سواء كانت تحركها دوافع دينية أو أيديولوجيات أخرى.
لا يكمن أحد العوامل الحاسمة وراء هذا الاختلاف الجوهري في التصوّر والمقاربة -داخل حقل التفسير ودراسته- في تاريخ التفسير، بل في الفهم الحقيقي لماهية (التفسير) ذاته (ونعني به هنا التفسير الإسلامي للقرآن). فعلى سبيل المثال، يرى فيرستيغ أنّ التفسير عبارة عن أداة تهدف إلى دراسة «قابلية القرآن للتطبيق في الممارسات الدينية والاجتماعية». وهذا التصوّر -وهو تصوّر شائع بين العلماء التقليديّين- يرى أنّ التفسير عملية مجرّدة تُجرى بشكلٍ منفصلٍ إلى حدّ ما عن المجتمع ككلّ، وهو نشاط بدأ منذ فجر الإسلام، تحركه التقوى والاهتمام الموضوعي بالأخلاق الدينية (ضمن حدود مجتمع ما قبل العصر الحديث). وهذا تصور ينعكس بطبيعةِ الحال في الفهم الإسلامي الكلاسيكي للتفسير أيضًا، كما بيَّن ذلك ابن تيمية على سبيل المثال في (مقدمته في أصول التفسير)، التي جسَّد فيها هذه المقاربة بأبلغ صورة (مثل فكرة التصنيف الهرمي للأجيال التي جاءت بعد محمد بوصفها مصدرًا من مصادر التفسير). وفي مقابل ذلك، يرى وانسبرو، في إطار ما يمكن أن نسميَه بروح (ما بعد الحداثة)، أنّ التفسيرَ ليس عملية منفصلة مستقلّة، بل نشاط حيّ ومتفاعل داخل المجتمع الذي يُنجَز فيه. فلم تَعُد هناك صورةٌ لعلماء يجلسون في محاريبهم، يتدبّرون بعناية نصّ القرآن ودلالاته في ضوء المصادر المتيسِّرة، ثم تنشر نتائج هذا التأمّل للاستهلاك العلمي العام، بل ظهرت صورة أكثر غموضًا وتعقيدًا؛ ذلك أنّ ضغوط العصر، واحتياجات المجتمع أمست تحفز الجهود التفسيرية، وتحدّد نتائجها المرجوّة. فالمجتمع هو الذي يقدّم السياق الذي تجرى فيه نتائج تلك الجهود والمناهج التفسيرية. وبناء على هذا الرأي، تغدو جميع التفاسير مهمّة. ففي نظر فيرستيغ، يوجد نوعان من التفسير، أولهما: تفسير عميق يقدّم تطبيقًا مفيدًا للنصّ، وثانيهما: تفسير وشرح بسيط. ولذلك يرى أن بعض المسائل مثل النحو هي مسائل معقّدة ومتطوّرة، بينما يرى أنّ التقنيات السردية مثل إعادة الصياغة، والشروح المختصرة، والإضافات؛ تُعَدّ مسائل واضحة جدًّا لا تستحقّ قدرًا كبيرًا من الاهتمام، لأنها (تفسيرات بسيطة). وفي مقابل ذلك، يدّعي وانسبرو أن جميع هذه الأدوات مفيدة، وتضطلع بدور رئيس في تطور الوثيقة والنصّ المعتمد. فلا يمكنُ للمرء أن يُخضِعَ عملًا لتحليل نحوي مفصّل قبل إثبات تماسك هذا العمل ووحدته؛ ولا يمكن للمرء أن يشرعَ في تحليل نحوي حتى يُثبِتَ النحو نفسَه بأنه أداةٌ شرعيةٌ للتحليل.
تركَت أعمالُ وانسبرو -حتى داخل مجالٍ تخصّصي دقيق مثل دراسة التفسير- تداعيات عميقةً على التصوّر العام لهذا التخصّص. فلم يَعُد الإشكال المطروح يقتصر على مجرّد الشك في النصوص، بل تعدّاه إلى سؤال أعمق عن كيفية نشوء الحركات التاريخية البشرية وتطوّرها عبر الزمن. ويمكن النظر إلى ذلك أيضًا من زاوية الطبيعة التفسيرية للوجود البشري، التي تتم عبر اللغة، وهي وجهة نظر لم يتبنّاها كثير من الباحثين ضمن إطار نقاش الإسلام، رغم حضورها الوازن والطاغي في مجال الدراسات الثقافية.
ثبت المصادر والمراجع:
• Boullata, Issa J. (1991). Poetry citation as interpretive illustration in Qur'ân exegesis: Masà'il Nàfi' Ibn al-Azraq. In Wael B. Hallaq and Donald P. Little (eds), Islamic Studies Presented to Charles J. Adams, 27-40. Leiden: E.J. Brill.
• Buck, Christopher (1995). Symbol and Secret: Qur'an Commentary in Baha'u'llah's Kitab-i Iqan. Los Angeles: Kalimat Press.
• Calder, Norman (1993). Tafsīr from Tabari to Ibn Kathir: Problems in the description of a genre, illustrated with reference to the story of Abraham. In G.R. Hawting and Abdul-Kader A. Shareef (eds), Approaches to the Qur'an, 101-140. London: Routledge.
• Ess, Josef van (1990-1992). Theologie und Gesellschaft im 2. und 3. Jahrhundert Hid schra. Volumes 1 and 2. Berlin: Walter de Gruyter.
• Gilliot, Claude (1985). Portrait "mythique" d'Ibn 'Abbàs. Arabica 33:127-184. — (1990). Exégèse, langue et théologie en Islam. L'exégèse coranique de Tabari (m. 311-923). Paris: Vrin.
• Goldziher, Ignaz (1920). Die Richtungen der islamischen Koranauslegung. Leiden: E.J. Brill.
• Neuwirth, Angelika (1993). Die Masà'il Nàfi' b. al-Azraq-Elemente des "Portrait mythique d'Ibn 'Abbâs" oder ein Stiick realer Literatur? Rückschüsse aus einer unbeachteten Handschrift. Zeitschrift fiir Arabische Linguistik 25:233-250.
• Rippin, Andrew (1981). Ibn 'Abbâs's al-Lughât fi'l-Qur'ân. Bulletin of the School of Oriental and African Studies 44:15-25.
• (1983). Ibn 'Abbâs's Gharib al-Qur'ân. Bulletin of the School of Oriental and African Studies 46:332-333.
• (1984). Al-Zuhri, naskh al-Qur'ân and the problem of early tafsir texts. Bulletin of the School of Oriental and African Studies 47: 22-43.
• (1985). The exegetical genre asbáb al-nuzül: A bibliographical and terminological survey. Bulletin of the School of Oriental and African Studies 48:1-15.
• (1988). The function of asbáb al-nuzül in Qur'ànic exegesis. Bulletin of the School of Oriental and African Studies 51:1-20.
• (1994). Tafsir lbn 'Ábbás and criteria for dating early tafsir texts. Jerusalem Studies in Arabic and Islam 18:38-83.
• (1996). Studying early tafsir texts. Der Islam 72:310-323.
• Versteegh, C.H.M. (1993). Arabic Grammar and Qur'ànic Exegesis in Early Islam. Leiden: E.J. Brill.
• Wansbrough, John (1977). Quranic Studies: Sources and Methods of Scriptural Inter pretation. Oxford: Oxford University Press.
عنوان المادة في الإنجليزية هو Quranic Studies, part IV: Some methodological notes، وقد نشرت هذه الدراسة ضمن Method & Theory in the Study of Religion, Volume 9 (1997): Issue 1 (Jan 1997), p :93-46
ترجم هذه المقالة، بدر الحاكيمي، باحث ومترجم، له عدد من الأعمال المنشورة
انظر على سبيل المثال دراسة سفيان الثوري ومقاتل بن سليمان:
Josef van Ess, Theologie und Gesellschaft im 2. und 3. Jahrhundert Hid schra. Volumes 1 and 2. Berlin: Walter de Gruyter, 1990- 1992, 516-528).
Rippin, "Ibn 'Abbâs's al-Lughât fi'l-Qur'ân," Bulletin of the School of Oriental and African Studies 44, 1981, 15-25; "Ibn 'Abbâs's Gharib al-Qur'ân," Bulletin of the School of Oriental and Afri can Studies 46, 1983, 332-333.
Andrew Rippin, "Al-Zuhri, naskh al-Qur'ân and the problem of early tafsir texts," Bulletin of the School of Oriental and African Studies 47, 1984, 22-43.
Rippin, "Tafsir lbn 'Ábbás and criteria for dating early tafsir texts," Jerusalem Studies in Arabic and Islam 18, 1994, 38-83.
Rippin, "The exegetical genre asbáb al-nuzül: A bibliographical and terminological survey, " Bulletin of the School of Oriental and African Studies 48, 198, 1-15; Rippin, "The function of asbáb al-nuzül in Qur'ànic exegesis," Bulletin of the School of Oriental and African Studies 51, 1988, 1-20.
Christopher Buck, Symbol and Secret: Qur'an Commentary in Baha'u'llah's Kitab-i Iqan. Los Angeles: Kalimat Press, 1995.
تقوم الفرضية الأساسية لوانسبرو على أنّ تحليل القرآن والمصادر الإسلامية المبكّرة وفق منهج نقد الأشكال الأدبية، يكشف عن أن القرآن وهذه المصادر عبارة عن كتب لها تاريخ تحرير طويل استمر لعقود متتابعة، وأن الكتابات التفسيرية وكتابات السيرة واللّغة كان لها دور في عملية تشكيل النصّ المقدّس للإسلام ومنحه السُّلطة، وقد تعرّض طرح وانسبرو لكثير من النقد في سياق الدراسات الغربية، قام هذا النقد على أدلة المخطوطات المبكّرة للقرآن وللمدوّنات التفسيرية والحديثية ومصادر السيرة، وعلى الدراسة النقدية للمدونات المبكرة ومدى تاريخيتها، والدراسة المفهومية لعملية تأسيس سلطة النصّ، للتوسّع في طرح وانسبرو ثم الطروح التنقيحية والجدل الغربي حولها، يراجع ملف (الاتجاه التنقيحي) على قسم الترجمات بموقع تفسير. (قسم الترجمات)
Ignaz Goldziher, Die Richtungen der islamischen Koranauslegung. Leiden: E.J. Brill. 1920.
قارن مع ذلك، عمل كلود جيليو:
Claude Gilliot, "Portrait "mythique" d'Ibn 'Abbàs," Arabica 33, 1985, 127-184.
Issa J. Boullata, "Poetry citation as interpretive illustration in Qur'an exegesis: Masà'il Nàfi' Ibn al-Azraq,” in Wael B. Hallaq and Donald P. Little (eds), Islamic Studies Presented to Charles J. Adams, 38. Leiden: E.J. Brill, 1991.
Angelika Neuwirth, "Die Masà'il Nàfi' b. al-Azraq-Elemente des "Portrait mythique d'Ibn 'Abbâs" oder ein Stiick realer Literatur?" Rückschüsse aus einer unbeachteten Handschrift. Zeitschrift fiir Arabische Linguistik 25, 1993, pp. 233-250.
Issa J. Boullata, "Poetry citation as interpretive illustration in Qur'ân exegesis: Masà'il Nàfi' Ibn al-Azraq, "p. 38.
Ibid.
Ibid., p. 40
Issa J. Boullata, "Poetry citation as interpretive illustration in Qur'an exegesis: Masà'il Nàfi' Ibn al-Azraq, " p. 38
القول بوجود صراعات وجدل محتدم في بدايات التاريخ الإسلامي حول اللجوء للّغة في التفسير، هذا القول غير دقيق، فغاية ما هنالك هو ظهور خطّ بياني لمعاني القرآن قام أربابه بمحاولة تبيين المعاني اعتمادًا على اللغة وحدها، وهو ما وُوجِهَ برفض من قِبَل العلماء -ومنهم الطبري- باعتبار عملية تبيين المعاني تحتاج لجُملة موارد ولا تجري من خلال اللغة وحدها، بل الاعتماد على اللغة وحدها يُوقع العمل التفسيري في إشكالات، وهذا لا يعني أبدًا رفض اللجوء للّغة نفسها في التفسير أو أنها كانت موضع تشكيك وبحاجة لمرافعات لإثبات دورها في التفسير، فاللغة مورد تفسيري مركزي، والمفسِّر لا يمكنه مزاولة التفسير بدون اللغة أصلًا. (قسم الترجمات)
C.H.M Versteegh, Arabic Grammar and Qur'anic Exegesis in Early Islam, Leiden: E.J. Brill, 1993, 41
Versteegh, Arabic Grammar and Qur'anic Exegesis in Early Islam, 63.
تقوم الدراسة الغربية للتفسير منذ جولدتسيهر، على النظر للتفسير باعتباره مدوّنات تكشف عن تاريخ المسلمين أكثر مما تكشف عن معنى القرآن نفسه، ورغم فائدة استحضار السياقات المنشئة للعلوم والمعارف في كلّ حضارة وفائدة استحضار السياق التاريخي والثقافي المنشئ لمدوناتها في فهم أبعاد هذه المعارف، إلا أن نفي الفائدة المعرفية التامّة لهذه المعارف في تحقيق هدفها الأساسي -كَشْف معنى النصّ في حالة التفسير- لا يمكن فهمه في سياق قراءة منهجية ومعرفية لهذه المعارف، بل يعود غالبًا لنمط تصوّر هذه المعارف بشكلٍ مسبق، وهو ما يراه جوزيف لمبارد في اعتباره أن نفي أهمية المعارف الإسلامية ليس سوى جزء من استعمارية معرفية تشكّل بنية النظام المعرفي الغربي التعامل مع القرآن، وأنّ الفصل الحاسم بين القرآن والتفسير والنظر للتفسير نظامًا فكريًّا معبرًا عن المسلمين لا عن النصّ ليس إلا نتاجًا لهذا النظام. (قسم الترجمات)
الكاتب:
أندرو ريبين - ANDREW RIPPIN
باحث كندي من أصل بريطاني، واهتمامه الرئيس يتعلّق بدراسة الإسلام المبكّر، ودراسة تفسير القرآن في العصور الكلاسيكية، وله عدد من المؤلفات والمشاركات في هذا المجال، وقد عمل كباحث زميل في معهد الدراسات الإسماعيلية بلندن.
مواضيع ذات صلة
((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))