فرضَ ظهورُ الاتجاه التنقيحي منذ وانسبرو، إعادةَ تفكير في الأسئلة الرئيسة والمناهج والفرضيات التي قامتْ عليها الدراسات الغربية للقرآن؛ إِذْ شكّك التنقيحيّون في مدى موثوقية المصادر الإسلامية التراثية، وبالتالي في مدى دقّة الرؤية التي يرسمها التراثُ عن نشأة الإسلام وتاريخ القرآن. نتيجة لهذا افترض التنقيحيّون أمام حقيقة إكثار القرآن من استحضار النصوص المقدّسة اليهودية والمسيحية والإشارة إليها، وأمام غياب أدلّة على معرفة وصِلَة عميقة باليهودية والمسيحية في الحجاز في القرن السابع، افترضوا أنّ القرآن لا بدّ أن يكون قد نشأ خارج الجزيرة في منطقة الهلال الخصيب، حيث وجود موثق لجدالات طائفية مسيحية ويهودية، وأيضًا بسبب ما يظهر في القرآن من نقاشات واسعة مع اليهود والمسيحيين، افترض التنقيحيّون أنّ عملية كتابة القرآن وتحريره استمرّت لقرون، فنشأ عددٌ من الفرضيات عن صِلَة القرآن بالهلال الخصيب في سوريا والعراق وعن عملية تحرير له استمرّت إلى القرن التاسع الميلادي.
فالدراسة الغربية للقرآن تنطلق من الدراسة التاريخية، إِذْ تستبعد سؤال الوحي من نقاشها، وتحاول في المقابل تفسير كلّ سياقات القرآن بعوامل تاريخية؛ لذا فإنها أمام حقيقة الاستحضار القرآني الكثيف للقصص والمفاهيم الكتابية، مع عدم وجود أدلّة تاريخية كافية لافتراض وجود كتابي كثيف في الجزيرة، فإنها لا تفسّر هذا بوحيانية القرآن، بل تميل لعددٍ من الافتراضات التاريخية لحلّ هذه المعضلة، فإمّا تفترض أنّ القرآن ظهر خارج الحجاز، أو تفترض وجودًا كتابيًّا في الحجاز رغم عدم كفاية الأدلّة حول هذا.
أدّى التشكيك في النظريات والمناهج المستخدَمة في الدراسات الغربية للقرآن إلى إعادة طرح الأسئلة الأساسية مرّة أخرى، وإعادة بعض الدارِسِين تقييم السردية التقليدية الإسلامية عن تاريخ القرآن، وذلك من خلال فحص المصادر وإعادة تقييمها، مثلما نَجِد في دراسات غريغور شولر وهارالد موتسكي ونيكولاي سيناي، ووصل هؤلاء -رغم اختلافاتهم مع بعض التفاصيل في السردية الإسلامية، ورغم اختلافات مناهجهم- إلى تأكيد موثوقية الخطوط الرئيسة العامة للسردية الإسلامية ودقّة مسائلها المركزية، ومنها تاريخ ظهور نشأة النصّ القرآني ومكانه.
في هذه الورقة ينطلق غيوم داي من اتفاق مع الخطوط العامة للرؤية التنقيحية، ويبني رؤيته على تحدّي عمليات إعادة البناء في الكتابات الغربية التي أعادت -في السياق الغربي- الموثوقية في السردية التقليدية، خصوصًا مع نيكولاي سيناي؛ إِذْ يرى أنّ هذه الكتابات مثلها مِثْل معظم الكتابات التنقيحية، تتبنّى تصورًا حدّيًّا لحلّ معضلة العلاقة بين مكان القرآن وزمانه في بيئة ثقافية وثنيّة وبين محتوى كتابي بارز، فإمّا أن يكون القرآن نشأ في هذا السياق أو خارجه، وأنه مع عدم توفّر أدلّة قوية على نشأة القرآن خارج الحجاز في القرن السابع، تؤكّد كتابات مثل كتابات سيناي فرضية نشأته في هذا السياق.
يفترض داي في المقابل أنه عند افتراض أنّ القرآن ليس وِحْدة واحدة، وإنما كتاب مركَّب متطوِّر، تنحلّ هذه الثنائية الحدّية، إِذْ يمكن اعتبار القرآن نشأ في الحجاز بشكلٍ شفهي، ثم تطوّر في سياق يهودي مسيحي راسخ في الكتابة، ما يفتح الباب لفرضية تتفق مع المنطلقات التنقيحية، لكنها لا تتسرع بتعيين مكان وزمان آخرين يموضع داخلهم القرآن وحدة واحدة.
إنّ الاتجاه التنقيحي ورجاله يدأبون على التشكيك الجذري في السردية الإسلامية، وقد واجه الاتجاه التنقيحي نقدًا شديدًا في الدراسات الغربية نفسها، وجرى الاعتراض عليه بصورة جذرية، وظهرتْ كتابات غربية تثبت -بطرائق مختلفة- غلط الفرضيات والنتائج التي تبنّاها رجال هذا الاتجاه عن القرآن وتاريخه، ولكن يبدو في هذه المقالة تجاهل غيوم داي لهذه الكتابات ومحصول اشتغالها، فهناك تجاهل -مثلًا- للكتابات الغربية عن بنية القرآن، والتي تميل لاعتبار القرآن من الناحية البنيوية نتاجًا لعقد واحد أو عقدين، كما هناك أيضًا تجاهل للنتائج الخاصّة بدراسة المخطوطات القرآنية المبكّرة في السياق الغربي، والتي تعيد تاريخ القرآن للقرن السابع بأدلة مادية ظاهرة. لقد عقدنا قبل ملفًّا عن هذا الاتجاه التنقيحي حاولنا فيه رصده ورصد آثاره وجوانب من الانتقادات عليه، وتأتي أهمية هذه المقالة من أنها تأتي كمتابعة لبيان أفكار بعض الباحثين الغربيّين الحاليين المتأثِّرين بهذا الاتجاه، والفرضيات التي يقولون بها.
الملفات المرفقة
مواد تهمك
-
الدراسة الغربية المعاصرة للمخطوطات القرآنية المبكرة؛ دراسات لطرس صنعاء -
روايات بديلة حول تشكُّل القرآن -
الدراسات القرآنية والمنعطف الأدبي؛ قراءة في أهم الدراسات الأدبية الغربية للقرآن -
الاستشراق والدراسات القرآنية (1- 2) الاستشراق؛ مفهومه ونشأته وتاريخه -
القرآن والكتاب المقدّس؛ إطلالة على بعض الدراسات المعاصرة حول العلاقة بينهما -
عرض كتاب: محمد والمؤمنون؛ حول نشأة الإسلام لـ فرد دونر