من ملامح منهج ابن جرير الطبري في التعامل مع الأقوال المروية عن الصحابة
من ملامح منهج ابن جرير الطبري في التعامل مع الأقوال المروية عن الصحابة
الكاتب: يوسف بن جاسر الجاسر
تعرِض هذه المقالة أبرز ملامح منهج ابن جرير الطبري في نقد المرويات عن الصحابة، من خلال تقديم أقوالهم، وتمييز أصحّها، ونقد أسانيدها ومتونها، ومقارنة طُرُقِها، وبيان موقفه من مرويات الرواة المجروحين عنهم، وهي مستلّة من كتاب (الصناعة النقدية في تفسير ابن جرير الطبري).
من ملامح منهج ابن جرير الطبري في التعامل مع الأقوال المروية عن الصحابة
تميّز منهج ابن جرير في نقد الأقوال المروية عن الصحابة بعدّة خصائص، منها:
أ. تقديم قول الصحابة على غيرهم:
يقدِّم ابنُ جرير قولَ الصحابة على قول كلِّ أحد؛ يقدِّمه في الذِّكر، ويقدِّمه في الاختيار، وفي ذلك قال ابن جرير: «وأَوْلَى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يُقال: عُنِيَ بذلك: ﴿لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، قومٌ من المنافقين، وجائزٌ أن يكونَ كانَ مِمَّن دخلَ في هذه الآية ابنُ صُورِيا، وجائزٌ أن يكونَ أبو لُبابةَ، وجائزٌ أن يكون غيرهما، غيرَ أنَّ أثبتَ شيءٍ رُوِيَ في ذلك ما ذكرناه من الرِّوايةِ قبلُ عن أبي هريرة والبراءِ بنِ عازبٍ؛ لأنَّ ذلك عن رجلين من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كانَ ذلك كذلك، كانَ الصَّحيحُ من القولِ فيه أن يُقَالَ: عُنِيَ به عبد الله بن صُورِيا».
وقال أيضًا: «والصَّوابُ من القولِ في ذلك عندنا أنَّ الذي قاله مسروقٌ في تأويل ذلك أشبه بظاهرِ التَّنزيلِ؛ لأنَّ قولَه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، في سياق توبيخ الله -تعالى ذِكْرُه- مُشرِكي قُريشٍ، واحتجاجًا لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، وهذه الآيةُ نظيرةُ سائر الآياتِ قبلَها...، غيرَ أنَّ الأخبارَ قد وردَتْ عن جماعةٍ من أصحاب رسول الله بأنَّ ذلك عُنِيَ به عبد الله بن سلام، وعليه أكثرُ أهلِ التَّأويل، وهُم كانوا أعلمَ بمعاني القرآن، والسَّببِ الذي فيه نزل، وما أُريدَ به».
كما يعلّق ابن جرير اعتماده في تفسير قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]، على صحة الأثر عن ابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهما-، فيقول: «فإن كان ذلك صحيحًا -ولستُ أعلمه صحيحًا؛ إِذْ كنت بإسناده مرتابًا- فإنّ القول الذي رُوي عنهما هو القول».
ب. تقديم قول جمهور الصحابة:
ومنه ما ذكره ابن جرير في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]؛ إِذْ قال: «وأَوْلَى الأقوالِ بالصَّوابِ في ذلك...؛ لتظاهُرِ الأخبارِ بذلك عن الصَّحابةِ والتابعين وعامَّةِ أهلِ التَّأويلِ. وأمّا القولُ الذي رواه مجاهدٌ عن ابنِ عباسٍ فقولٌ غيرُ بعيدٍ مِن الصَّوابِ، ولكنَّ الأخبارَ الـمُتظاهرةَ عن الصَّحابةِ والتّابعين بخلافه، وكرهنا القولَ به مِن أجلِ ذلك».
ج. حمل كلام الصحابة على أحسن الوجوه:
ومن ذلك ما رواه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١]؛ فقد عَقّب ابن جرير على هذا القول: «وهذا القول؛ أعني: القول الذي رُوي عن عبد الصمد عن أبيه عن جدّه، في معنى ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أنّه: (حِضْن) -إن لم يكن عنى به أنهن حِضْن من إجلالهنّ يوسف، وإعظامهنّ لِـما كان الله قسَم له من البهاء والجمال، ولِـما يجد من مثل ذلك النساء عند معاينتهنّ إياه- فقول لا معنى له؛ لأنّ تأويل ذلك: فلمّا رأيْنَ يوسف أكبرنه. فالهاء التي في ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ من ذِكر يوسف، ولا شكّ أنّ من الـمحال أن يحضْنَ يوسف. ولكن الخبر إن كان صحيحًا عن ابن عباس على ما رُوي، فخليق أن يكون كان معناه في ذلك أنهن حِضْن لـما أكبرن من حُسْن يوسف وجماله في أنفسهن، ووجدن ما يجد النساء من مثل ذلك».
د. نقد المرويات عن الصحابة سندًا ومتنًا:
ومن أمثلة عنايته بنقد المرويات، ما ذكره في تأويل قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]، إذ قال -بعد أن ساق قول ابن مسعود وابن عباس من طريق السدي-: «فإن كان ذلك صحيحًا -ولست أعلمه صحيحًا، إذ كنت بإسناده مرتابًا- فإنّ القول الذي رُوي عنهما هو القول».
ولمعرفة حال الإسناد الذي ارتاب فيه ابن جرير، وهو ما يرويه عن موسى بن هارون الهمداني قال: حدثنا عمرو بن حماد القنّاد، قال: حدثنا أسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدّي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس. وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود. وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الإسناد من الأسانيد التي اعتمد عليها ابن جرير في نقل التفسير.
وأخرج عنه ابن أبي حاتم في تفسيره نادرًا، مقرونًا بغيره، عن أسباط بن نصر عن السدّي عن أبي مالك عن ابن عباس. وكثيرًا مقطوعًا على أبي مالك، علمًا أنه اشترط الصحة في كتابه كما صرّح بذلك في مقدّمته.
وقد تتبّع العلّامة أحمد شاكر هذا الإسناد بالدراسة، ومن خلال دراسة الإسناد يتبيّن ما يأتي:
الفائدة الأولى: أنّ هذا الإسناد مركّب من ثلاثة أسانيد:
أحدها: موسى بن هارون، عن عمرو بن حماد بن القنّاد، عن أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدّي، عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس:
١. موسى بن هارون الهمداني: شيخ ابن جرير، ثقة حافظ كبير، قال الدارقطني: ثقة إمام، وأجمع الأئمة في ترجمته على ثقته وإمامته، توفي سنة ٢٩٤هـ.
٢. عمرو بن حماد بن طلحة القنّاد: ثقة، رَوى له مسلم في صحيحه، وقال ابن معين وأبو حاتم: صدوق.
٣. أسباط بن نصر الهمداني: وثّقه ابن معين وابن حبان، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال البخاري وابن حجر: صدوق. ورجّح أحمد شاكر توثيقه.
٤. إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُّدِّي الكبير: سمع أنسًا، ورَوى عن غيره من الصحابة والتابعين. أخرج له مسلم في صحيحه. مختلَف فيه؛ فوثّقه أحمد -في قول- والعجلي وابن حبان. وجرحه غير واحد، منهم: ابن مهدي وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم.
٥. أبو مالك غزوان الغفاري الكوفي: مشهور بكنيته، تابعي ثقة.
٦. أبو صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب، اسمه باذام، ويُقال باذان: مختلَف فيه، قال ابن معين: ليس به بأس، وأكثر العلماء على ردّ روايته كالنسائي وأبي حاتم وابن عدي، وغيرهم، ولخّص ابن حجر القول فيه بأنه: ضعيف، وذهب أحمد شاكر إلى توثيقه.
ثانيًا: هذه النسخة التفسيرية المشهورة عن السدّي قد تكلّم عنها أهل العلم، وقد مرّ قريبًا كلام ابن جرير، مع أنه رواها في تفسيره، كما ذكر السيوطي أن ابن أبي حاتم لم يروِ منها شيئًا في تفسيره؛ لأجل أنه اشترط الصحة في تفسيره، وقال ابن كثير: «هذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدّي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعلّ بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدّمة، والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول: على شرط البخاري». وقال ابن حجر في كتابه (العجاب في بيان الأسباب): «ومنهم -أي: من الضعفاء- إسماعيل بن عبد الرحمن السدّي، وهو كوفي صدوق، لكنه جمع التفسير من طرق، منها: عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة بن شراحيل عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة وغيرهم، وخلط روايات الجميع، فلم تتميّز رواية الثقة من الضعيف. ولعلّ هذا ما قصده الإمام أحمد بقوله: إنه لحسن الحديث؛ إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له إسنادًا واستكلفه».
فلعلّ الأقرب ضعف إسناد هذه النسخة التفسيرية، مع الاستئناس بروايتها، وهو صنيع الإمام الطبري في تفسيره، مما يدلّ على دقّة هذا الإمام في روايته، وهو الذي جرى عليه الأئمة.
قال يحيى بن سعيد القطان: «تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثّقونهم في الحديث»، ثم ذكر الضحّاك وجويبرًا ومحمد بن السائب. وقال: «هؤلاء لا يُـحتمَل حديثهم، ويُكتب التفسير عنهم».
وقال الإمام أحمد بن حنبل عن جويبر البلخي: «ما كان عن الضحاك فهو أَيْسَر، وما كان يسند عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو منكر».
قال الإمام البيهقي: «وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم [أي: الرواة الضعفاء]؛ لأن ما فسّروا به ألفاظه تشهد له به لغاتُ العرب».
وكما أشار ابن جرير إلى نقد هذه النسخة التفسيرية من جهة الإسناد، فهو ينقدها من جهة المتن؛ ففي تأويل قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، أورَدَ بهذا الإسناد خبرًا طويلًا غريبًا، تعقّبه ابن جرير بنقده، فقال: «...وهذا إذا تدبره ذو الفهم علمَ أن أوّله يُفسِد آخره، وأن آخره يُبطِل معنى أوّله؛ وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- إن كان أخبر الملائكة أنّ ذريّة الخليفة الذي يجعله في الأرض تُفسِد فيها، وتَسفِك الدماء، فقالت الملائكة لربها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فلا وجه لتوبيخها على أَنْ أخبرَت عمّن أخبرها الله عنه أنه يُفسِد في الأرض ويَسفِك الدماء، بمثل الذي أخبرها عنهم ربها، فيجوز أن يُقال لها فيما طُوي عنها من العلوم: إن كنتم صادقين فيما علمتم بخبر الله إياكم أنه كائن من الأمور فأخبرتم به، فأخبرونا بالذي قد طوى اللهُ عنكم عِلمه كما قد أخبرتمونا بالذي قد أطلعكم اللهُ على عِلمه، بل ذلك خُلْفٌ من التأويل ودعوى على الله ما لا يجوز أن يكون له صفةً، وأخشى أن يكون بعض نقَلة هذا الخبر هو الذي غلط على من رواه عنه من الصحابة...».
وهكذا يُـجْرِي ابن جرير نقْدَه للطرق الأخرى عن ابن عباس؛ ومن ذلك ما يرويه من طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه؛ فإنه قد ضعّف هذه النسخة التفسيرية، إِذْ تكلّم عنها -في سياق نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِـمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩]- ووصفها بأنها: «من وجهٍ لم تثبت صحّته».
ثم هو ينقد هذا الطريق من جهة المتن، فقد حكى ابنُ جرير أقوال أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]؛ ثم قال: «وقد رُوي عن ابن عباس قولٌ يخالف معناه معنى هذا الخبر...»، ثم أسند من هذا الطريق عن ابن عباس رضي الله عنه؛ ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فلا يَرْجِعون إلى الهُدى، ولا إلى خير، ولا يُصيبون نجاةً، ما كانوا على ما هُم عليه».
ثم عقّب بنقده من جهة المتن، فقال: «وهذا تأويلٌ ظاهِرُ التلاوة بخلافه، وذلك أن الله -جلَّ ثناؤه- أخبر عن القوم أنهم لا يرجعون عن اشترائهم الضلالة بالهُدى إلى ابتغاء الهُدى وإبصار الحقِّ، من غير حصرٍ منه -جلَّ ذِكْره- ذلك من حالِهم على وقتٍ دونَ وقتٍ، وحالٍ دونَ حالٍ... وذلك من التأويل دعوى باطلةٌ لا دلالة عليها من ظاهرٍ، ولا من خبرٍ تقومُ بمثله الحُجّةُ فيُسَلَّم لها».
ويلتحق بهذا المعْلَمِ مَعْلَمٌ نقدي منهم، وهو:
هـ. مقارنة وسَبْر المرويات عن الصحابي:
وهذا على وجوه متنوعة:
* تقديم أصحّ الأسانيد عن الصحابي:
قال ابن جرير: «وأولَى الأقوال في ذلك بالصِّحّةِ ما ذكرنا عن ابن عباس في الخبر الذي رواه أبو بشرٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباس؛ لأنَّ ذلك أصحّ الأسانيد التي رُوِي عن صحابيٍّ فيه قولٌ مَخْرَجًا، وأشبهُ الأقوالِ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيل».
* اعتماد الرواية الصحيحة دون الرواية الضعيفة المخالفة:
ومن ذلك ما ذكره ابن جرير في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فقد قال ابن جرير: «وأمَّا القولُ الذي رُوِي عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن عمرَ -رضي الله عنه- من تفريقهِ بينَ طلحةَ وحذيفةَ وامرأتيهما اللتَيْن كانتا كتابيَّتَين = فقولٌ لا معنى له؛ لخلافه ما الأمّةُ مجتمعةٌ على تحليلهِ بكتابِ الله -تعالى ذِكْره- وخبرِ رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطابِ -رضي الله عنه- من القولِ خلافُ ذلكَ بإسنادٍ هو أصحُّ منه...».
ثم رَوَى عن عمرَ -رضي الله عنه- قال: «المسلِمُ يتزوَّجُ النصرانيةَ، ولا يتزوَّجُ النصرانيُّ المسلِمةَ».
ثم عقَّبَ بقولِهِ: «وإنما كَرِهَ عمرُ لطلحةَ وحذيفةَ -رحمةُ اللهِ عليهم- نكاحَ اليهوديَّةِ والنصرانيَّةِ؛ حَذَرًا مِن أن يَقْتَدِيَ بهما الناسُ في ذلكَ فَيَزْهَدُوا في المسلِماتِ، أو لغيرِ ذلكَ من المعاني، فأمَرهُما بتخليـتِهما».
ثم رَوى بإسنادِهِ عن شقيقٍ، قال: «تزوَّجَ حذيفةُ يهوديَّةً، فكتبَ إليهِ عمرُ: خَلِّ سبيلَها. فكتبَ إليهِ: أتزعمُ أنَّها حرامٌ فأُخَلِّيَ سبيلَها؟ فقال: لا أزْعُمُ أنَّها حرامٌ، ولكن أخافُ أن تَعاطَوا الـمُومِساتِ منهُنَّ».
ثم رَوى بإسناده عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نَتَزَوَّجُ نِسَاءَ أَهلِ الكتابِ، ولا يَتَزَوَّجُونَ نساءَنا». ثم قال: «فهذا الخبرُ، وإن كان في إسنادِه ما فيه، فالقولُ به؛ لإجماعِ الجميعِ على صحةِ القولِ به = أَوْلَى مِن خبرِ عبد الحميدِ بنِ بَهْرَامَ، عن شَهرِ بنِ حَوْشَبٍ».
وهكذا يقارِن ابن جرير المرويّات الواردة عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ ففي تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]؛ رَوى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- فيها قولًا من طريق طاووس، ثم عقَّب بقوله: «وقد رُوي عن ابن عباس خلافُ هذا القول...»، ثم ردَّ هذه الرواية بقوله: «وأمّا الذي رُوي عن طاووس، عن ابنِ عباسٍ، فقولٌ لِمَا عليه الأُمَّةُ مخالِفٌ؛ وذلك أنه لا خلافَ بين الجميعِ ألّا ميراثَ لأخِي ميتٍ مع والده، فكَفَى إجماعُهم على خلافِه شاهدًا على فسادِه».
وبه يتبيّن أنّ ابن جرير يعتمد معايير نقدية متعدّدة في نقد المرويات، لا تقتصر على الإسناد، منها: الإجماع، وظاهر التنزيل، والسياق، وغير ذلك.
و. تمييز واختبار مرويات المجروحين عن الصحابة:
أفردَ ابن جرير في مقدّمة تفسيره فصلًا في ذِكْر من كان محمودًا عِلمه في التفسير ومن كان مذمومًا منهم، ولعلّنا نقتصر على واحد مِن أشهرهِم، وهو محمد بن السائب الكلبي.
أمّا رأيه، فقد نقلَ في مقدمة تفسيره قولين؛ أولهما في ذمّه، وهو ما رواه عن الأعمش قوله: «لو أنّ الذي عند الكلبي عندي، ما خرج مِنّي إلا بخفير».
ورَوى في مَدْحِ تفسيره عن قتادة قوله: «ما بقي أحدٌ يَجْرِي مع الكلبي في التفسير في عِنَانٍ».
وأمّا روايته، فقد صرّح بنقد روايته عن ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: «وليست عنه مِن رواية مَن يجوز الاحتجاج بنقله».
وقد تنوّع أسلوب ابن جرير في التعامل مع رواية الكلبي ورأيه.
أمّا روايته عن ابن عباس؛ فإنه لا يرويها بسنده، لكنه يذكرها بقوله: «وقد ذُكر عن ابن عباس من طريق غير مرتضى» أو «وجه غير مرتضى»، ونحوهما؛ وذلك على وجوه -مع اتفاقها في الإشارة إلى ضعف الطريق-:
١. اختيار القول:
ففي تأويل قوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦]؛ قال: «﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول: إن كنتم مصدِّقين بوعد الله ووعيده، وحلاله وحرامه. وهذا قول رُوي عن ابن عباس بإسناد غير مرتضى عند أهل النقل».
٢. احتمال القول مع اقترانه بغيره:
ومن ذلك أنه ذكر في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، أقوالًا في تأويلها، ثم قال: «وقد ذُكِر عن ابنِ عباسٍ من طريقٍ غيرِ مُرْتَضًى أنه كان يقولُ: إنما سُـمِّيَت النصارى نَصَارَى؛ لأنّ قرية عيسى ابن مريم كانت تُسَمَّى ناصرة، وكان أصحابُه يُسَمَّوْن النَّاصِرِيِّين، وكان يقالُ لعيسى: الناصريّ.
حُدِّثْتُ بذلك عن هشامِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس».
ثم رَوى هذا المعنى بإسناده -أيضًا- عن قتادة.
۳. ذكر القول مع ترجيح غيره:
ومنه ما في تأويل الآيات؛ قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ۲۰]، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ۱۰۸].
وقد لا يشير إلى الرواية؛ بل يبهمها -مع احتمال القول-: ومنه ما ذكر في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ۲۷]، فقد ذكر في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أقوالًا، وهي:
القول الأول: معناه: وهو هيِّن عليه.
ورواه عن ابن عباس -من طريق العوفيين-.
القول الثاني: معناه: إعادة الخَلْق بعد فنائهم أهونُ عليه من ابتداء خلقهم.
ورواه عن ابن عباس -من طريق عليّ بن أبي طلحة-، ومجاهد، وعكرمة.
ثم عقّب ابن جرير بقوله: «وقد يَـحتمِلُ هذا الكلامُ وجهين غير القولين اللذَيْن ذكرتُ، وهو أن يكون معناه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، وهو أهونُ على الخلقِ. أي: إعادةُ الشيءِ أهونُ على الخلقِ من ابتدائه. والذي ذكرنا عن ابن عباسٍ في الخبر الذي حدّثني به ابنُ سعدٍ، قولٌ أيضًا له وجهٌ».
وأمّا رأيه، فإنه ينقل رأيه قليلًا، وأكثر ما يكون ذلك إذا كان مقرونًا بغيره، وقد يكون غير مقرون، لكنه يحتمل رأيه، فلا يصوّبه، ولا ينقده -والله أعلم-.
وبه يتبيّن أنّ ابن جرير قد توسّط في التعامل مع رواية الكلبي ورأيه؛ فقد اعتبر روايته ورأيه، فلم يحتجّ به، بل ذكرها استشهادًا واعتضادًا، ولم يطرحها ويتركها بالكلية، وهذا رأي كثير من أهل العلم، الذين انتقوا من تفسيره ما يصلح للاستشهاد والاعتضاد؛ كما نقله ابن عدي عن حماد بن سلمة وابن عيينة وغيرهما، وهو عمل كثير من أئمة المفسِّرين، منهم: عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وغيرهم.
هذه المقالة من كتاب (الصناعة النقدية في تفسير ابن جرير الطبري)، الصادر عن مركز تفسير سنة ١٤٤٣هـ، (١/ ٣١٨) وما بعدها.
جامع البيان (٨/ ٤١٩).
جامع البيان (٢١/ ١٣١).
جامع البيان (١/ ٣٥٤).
جامع البيان (٩/ ٢٣).
الأثر من طريق عبد الصمد بن علي، وقد تكلّم فيه الحفاظ، وضعفوا روايته، منهم العقيلي، والذهبي. ينظر: الضعفاء للعقيلي (٣/ ٨٤)، وميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ١٣٢)، ولسان الميزان لابن حجر (٥/ ١٨٧)، لكنه رُوي عن ابن عباس من طريق آخر، وكذا عن مجاهد، ينظر: تهذيب اللغة (٣/ ٣٦٨).
جامع البيان (١٣/ ١٣٢).
جامع البيان (١/ ٣٥٤).
انظر تفسيره. أثر رقم (١١٥٧).
انظر تفسيره (١/ ٩)، ومن الآثار التي رواها بهذا الإسناد (١٣٥، ١٤٠، ١٦٥) وغيرها.
تعليقه على جامع البيان (١/ ١٥٦) هامش (٢).
ينظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٥٠)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ١١٦)، وغيرها.
ينظر: تهذيب الكمال (٢١/ ٥٩١)، وتهذيب التهذيب (٨/ ٢٠)، والتقريب (٥٠١٤).
ينظر: تهذيب الكمال (٢/ ٣٥٧)، وتهذيب التهذيب (١/ ١٨٥)، والتقريب (٣٢١).
لكن روى العقيلي في الضعفاء (١/ ٨٧) ردّ تفسيره، واستعظمه.
ينظر: تهذيب الكمال (٣/ ١٣٢)، وتهذيب التهذيب (١/ ٢٧٣)، والتقريب (٤٦٣).
ينظر: تهذيب الكمال (٢٣/ ١٠٠)، وتهذيب التهذيب (٨/ ٢٢٠)، والتقريب (٥٣٥٤).
ينظر: تهذيب الكمال (٤/ ٦)، وتهذيب التهذيب (١/ ٣٦٤)، والتقريب (٦٣٤).
هكذا ذهب السيوطي إلى نفي وجود هذه النسخة عند ابن أبي حاتم (الإتقان ٢/ ٢٢٤)، وهو حاصل ما ذكره الفقيه في كتابه: أسانيد نسخ التفسير (ص: ٢٠٢، ٣٥١)، بينما أشار ابن حجر في التهذيب (١/ ٣١٥) إلى أنّ ابن أبي حاتم رواها في كتابه، ولم أجد إلا رواية واحدة (١١٥٧) رواها مقرونة بغيرها من الروايات.
تفسير ابن كثير (١/ ١١٠).
العجاب في بيان الأسباب (١/ ٢١٢)، وينظر: تهذيب التهذيب (١/ ٣١٤).
تهذيب التهذيب (٢/ ١٠٧).
تهذيب الكمال (٥/ ١٦٨)، وينظر: الضعفاء للعقيلي (١/ ٢٢٢).
دلائل النبوة (١/ ٣٧).
جامع البيان (١/ ٤٨٦- ٤٩٠).
جامع البيان (٩/ ١٨٥).
جامع البيان (١/ ٣٤٩- ٣٥٠). ينظر: في نقد ابن جرير للمتون أيضًا: (٥/ ٢٤٧)، (٢٣/ ٤٣٥)، (٢/ ٤٨٢)، وغيرها.
جامع البيان (١٥/ ١٣٦)، وهذا الإسناد مما اتفق البخاري ومسلم على صحته، ينظر: البخاري (١٨٧٠، ٤٧٤٨)، ومسلم (٢٦٦٠)، وغيرها.
الأثر رواه أيضًا: عبد الرزاق في مصنفه (١٠٠٥٨)، والبيهقي (٧/ ١٧٢).
الأثر رواه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٦٧٠)، وابن أبي شيبة (٤/ ١٥٨)، وسعيد بن منصور في سننه (٧١٦)، والبيهقي (٧/ ١٧٢).
جامع البيان (٣/ ٧١٥- ٧١٦).
جامع البيان (٦/ ٤٦٨- ٤٦٩).
وينظر أيضًا: الأعراف (١٧) (١٠/ ٩٦).
خفير القوم: مجيرهم الذي يكونون في ضمانه ما داموا في بلاده، والخفير: الكفيل. لسان العرب مادة (خ ف ر).
جامع البيان (١/ ٨٧).
جامع البيان (١/ ٦١)، وما ذكره ابن جرير هو مما تواردت عليه كلمة أئمة الجرح والتعديل، فعن سفيان الثوري أنه قال: «قال لنا الكلبي: ما حدّثت عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب، فلا ترووه». وقال ابن معين: «أبو صالح -مولى أم هانئ- ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء، وإذا رَوى عنه غير الكلبي، فليس به بأس؛ لأن الكلبي يحدّث به مرة من رأيه، ومرة عن أبي صالح، ومرة عن أبي صالح، عن ابن عباس». وقال ابن عدي: «حدّث عن الكلبي ابنُ عيينة، وحماد بن سلمة، وإسماعيل بن عياش وهشيم، وغيرهم من ثقات الناس، ورضوه بالتفسير. وأمّا في الحديث؛ فخاصة إذا رَوى عن أبي صالح عن ابن عباس ففيه مناكير، واشتهر به فيما بين الضعفاء، يكتب حديثه».
وقد نقل إجماع الأئمة على ترك حديثه، قال عثمان الدارمي: «قد أجمع أهل العلم بالأثر ألّا يحتجّوا بالكلبي في أدنى حلال أو حرام، فكيف في تفسير توحيد الله وتفسير كلامه»، وقال أبو حاتم الرازي: «أجمعوا على ترك حديثه».
ينظر: ردّ عثمان الدارمي على بِشر المريسي، ص٥٤، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢/ ٤٣١)، والكامل لابن عدي (٧/ ٢٧٣)، والمجروحين لابن حبان (٢/ ٢٥٣)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٥ / ٢٥٠).
جامع البيان (١٢/ ٥٤١- ٥٤٢). والقول أورده الفيروزآبادي في تنوير المقباس، (ص: ٢٤٠).
رواه أيضًا ابن سعد (١/ ٥٣، ٥٤)، وعزاه إليهما السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٩٥).
جامع البيان (٢/ ٣٤).
ينظر: جامع البيان (١٢/ ٣٦٩- ٣٧٢).
ينظر: جامع البيان (١٠/ ٦٠٦).
هذا القول مرويّ عن ابن عباس، من طريق الكلبي عن أبي صالح، ينظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٣٤)، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (ص: ٣٨٢- ٣٨٣)، وذكره واختاره الزجّاج في معاني القرآن (٤/ ١٨٣).
جامع البيان (١٨/ ٤٨٥- ٤٨٨).
ينظر: الأعراف (١٧٥) (١٠/ ٥٧٠)، ومريم (١) (١٥/ ٤٤٦)، والأحزاب (٧٠) (١٩/ ١٩٥).
ينظر: الأنعام (٧٠) (٩/ ٣٢٠)، وطه (٨٢) (١٦/ ١٢٨).
ينظر: الأنعام (٧٠) (٩/ ٣٢٠)، وطه (٨٢) (١٦/ ١٢٨).
كلمات مفتاحية
الكاتب:
الدكتور يوسف بن جاسر الجاسر
حاصل على الدكتوراه من جامعة الملك سعود، وله عدد من الجهود العلمية.
مواضيع ذات صلة
((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))