منهج القرآن في بيان الأحكام
منهج القرآن في بيان الأحكام
الكاتب: محمد زغلول
تتناول هذه المقالة منهج القرآن الكريم في بيان الأحكام الشرعية، من حيث أساليب العرض والتدرّج والتيسير ومراعاة المقاصد، مع إبراز الخصائص التشريعية للخطاب القرآني وأثرها في بناء التصوّر الفقهي وترسيخ الهداية والتكليف.
لقد سلك القرآنُ الكريم منهجًا قويمًا في بيانه الأحكام التشريعية، فتنوّع الأسلوب الذي عرض فيه القرآن هذه الأحكام، كما تعدّدت الوسائل والأدوات؛ فتارة يعرض القرآنُ الأحكامَ التشريعية وفق مقتضى المناسبة، وتارة يقرن هذا العرض بالترغيب أو الترهيب، وتارة أخرى يسوق الأحكام مُجملة ويترك للسُّنّة النبوية توضيحها وبيانها، وتارة يسوقها مفصّلة. وهذا التنوّع والتغيير في منهج عرض الأحكام من أجْلِ قبول الناس بها، وامتثالهم لِمَا فيها من تكاليف، دون أن تشعر النفس بالسآمة والملل، وبالتالي يكون ذلك مُعينًا للنفوس البشرية على الالتزام الدائم بهذه الأحكام، فالقرآن لا يَخْلَق بكثرة الردّ، ولا يحسُّ تاليه من تكراره نفورًا أو ضجرًا، بخلاف غيره من الكتب التي أَلَّـفَها البشرُ.
فالحقُّ -تبارك وتعالى- أنزل التشريع وفق منهج حكيم؛ ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42]؛ لإقناع الإنسان بالتخلّي عمّا يؤمن به، وما وَجد عليه الآباء والأجداد، والأخذ بعقيدة جديدة تناقض سابقتها، وتخالفها مخالفة كاملة.
فالقرآن لم يعرض آيات الأحكام وفق منهج الدساتير، وموسوعات القوانين الوضعية التي تجمع الأحكام المتعلّقة بغرضٍ ما في بابٍ أو فصلٍ واحدٍ، بل جاءت آيات الأحكام مفرّقة في جُملة سُوَرِه، وليستْ للآيات المتعلّقة بموضوع واحد سورةٌ واحدةٌ أو عدّة سور خاصّة بهذا الموضوع، ومع هذا فهناك ارتباط بين آيات القرآن وسُوَرِه لا تنفكّ عُراه، ولا تنفصم أحكامه ومعانيه؛ لأنّ هذا الارتباط ناشئ عن طبيعة هذا الدِّين الذي لا تنفصل فيه أحكام الشرائع التعبّدية عن الأحكام التشريعية، عن أحكام المعاملات الاجتماعية والدولية، فهذا الدِّين يجب أن يشرف على أمور الحياة كلّها، ولا يستقيم أمر الأمّة وكيانها إلا إذا ارتضته كذلك. ويعتبر منهج القرآن في عرض الأحكام مميزًا، فالقرآن اتّبع أسلوبًا خاصًّا في عرض أحكامه، وهذا ما ميّزه عن كلّ الكتب السماوية الأخرى، وكلّ المؤلَّفات على الإطلاق. وقد أوضح الأستاذ (محمد عزة دروزة) هذه الحقيقة عندما قال: «وقد جاء نَظْم القرآن وسُوره وآياته وقَصصه وعظاته وأمثاله وخطابه وجداله أسلوبًا رائعًا متميزًا، ذلك كلّه بخصوصيات جعلته فذًّا بالنسبة لأسلوب الكتب السماوية السابقة، وبالنسبة لِمَا هو مألوف من أساليب النَّظْم والسَّبْك والخطاب، فالقرآن ذو طابع خاصّ خالد، مما لا يصح أن يُقاس عليه أنواع الكلام وأساليب الكتب والتأليف، ومما يصح أن يُعَدّ أسلوبًا خاصًّا». وفي الصفحات الآتية نعرض لمنهج القرآن في بيان الأحكام، والله الموفِّق.
أولًا: التيسير والتسهيل:
إنّ منهج التيسير والتسهيل الذي سلكه القرآن الكريم في بيان الأحكام التشريعية من أهمّ وأسمى ملامح الشريعة الإسلامية التي أنزلها اللهُ -تبارك وتعالى- على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لتكون هداية ونورًا للبشرية جمعاء. فجاءت أحكام القرآن سمحة سهلة، لا عَنَتَ فيها ولا إرهاق، فلم يُرد الحقّ -تبارك وتعالى- أن يكون تعذيب النفوس والأبدان سببًا للتقرّب إليه، بل إنّ الله هو الرؤوف الرحيم بعباده، وهو أرحم بالرضيع من أُمّه وأبيه، فيسَّر الأمور لعباده، وشرع لهم من الأحكام ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة. فهذه الأحكام أكثر ملاءمة لمقتضى الفطرة البشرية السليمة من أيّ دستور آخر، والله -سبحانه وتعالى- يدلّنا على هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]. ويرى الإمام القرطبي أنّ المقصود بهذه الآية: «أنْ يقيم الإنسان وجهه للدِّين المعتدل المائل عن الضلال والتحريف، واتّباع دين الله الذي خَلَق الناس له، وإقامة الوجه هو تقويم المقصد والقوّة على الجِدِّ في أعمال الدِّين، وخُصَّ الوجه بالذِّكْر لأنه جامع حواس الإنسان، وأشرف شيء فيه». ولهذا لم يكلِّف اللهُ نفسًا إلا وُسعها، وقد يبدو للبعض أن بعض الأحكام تشتمل على المشقّة في أدائها، والواقع أنّ ذلك وسوسة شيطانية في محاولة منه لإثباط الهمم، ونخر العزائم، وبالتالي إبعاد خَلْق الله عن اتّباع الحقّ، وليس بعد الحقّ إلا الضلال المبين. فجميع التكاليف الشرعية منوطة بالقدرة والاستطاعة وفي حدود الطاقة. وفي هذا الشأن يقول الشيخ محمود شلتوت: «ليس في تعاليم القرآن وأحكامه ما يُكبِّلُ الإنسان ويرهقه، ويحرمه التمتع الإنساني الشريف، بل إنّ كلّ تعاليمه تلبية لطبيعة الإنسان على وجه معتدل، لا إفراط فيه ولا تفريط».
وهناك من الأدلة على سهولة أحكام القرآن الكريم ما لا يُحصى لها عدًّا، فهناك نصوص من القرآن نفسه، وكذلك من السُّنّة المشرّفة، وهناك أدلة العقل السليم التي لا تتنافى ولا تتناقض مع أُسس الشريعة الإسلامية.
- فالنصوص القرآنية الدالّة على سماحة الإسلام وسهولة تكاليفه كثيرة جدًّا، منها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، فالتكاليف الشرعية كلّها مبنية على التخفيف والتيسير، فقد كانت الشرائع السابقة تكلِّف أتباعها بما هو أشدّ من تكاليف الإسلام، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157].
- وفي السنّة النبوية نصوص تبرهن على أنّ تكاليف الإسلام مبنيّة على السهولة والتيسير، ومن هذه النصوص: ما رواه أنس بن مالك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا). وما رواه أبو هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَة). وهناك العديد من الأحاديث التي تبرهن على أنّ مقاصد الشريعة مبنيّة على التيسير ورفع الحَرَج عن الناس.
- وكذلك العقل يؤكّد مصداقية النصوص القرآنية والأحاديث النبوية بهذا الخصوص، فالعقل السليم يدرك أنّ كلّ أحكام الشريعة تصبّ في خدمة الإنسان ومصالحه، وأنّ الله قد ربط التكاليف الإسلامية بما يضمن للإنسان حقوقه ومصالحه، وقد وَعَى هذه الحقيقةَ الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزية عندما قال: «إنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها، وحكمة كلّها، فكلُّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضدّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليس من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظلّه في أرضه».
والإمام الشاطبي يقرّر أنّ الشريعة قائمة على أُسُس متينة من السهولة والتيسير، وعبّر عن هذه الحقيقة في موافقاته، بقوله: «إنّ اللهَ وضع هذه الشريعة المباركة حنيفية سمحة سهلة، حفظ فيها على الخَلْق قلوبهم، وحبّبها لهم بذلك، فلو عُوملوا على خلاف السماحة والسهولة، لدخل عليهم فيما كلّفوا به ما لا يخلص به أعمالهم».
- والمنطق السليم يرى أنّ سِمَة اليُسر والتخفيف التي اتّسمت بها الشريعة الإسلامية ميَّزتها عن غيرها من الشرائع السماوية والدساتير الوضعية. ومراعاة الأعذار الطارئة التي يشقُّ معها تنفيذ الحكم مِنْ أبرز مظاهر هذه السِّمة؛ فرفعٌ أو استبدالٌ بما هو أَيْسر منه، فشُرعت الرُّخَص في الصلاة، وفي صيام رمضان، كما رُخِّصَ الإفطار في رمضان عند المرض، والصلاة جالسًا عند عدم استطاعة الوقوف، كما رُخِّصَ تناول المحرمات في حالة الاضطرار، إلى غير ذلك من الرُّخَص. وبهذا الخصوص يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: «وفي كلّ الحالات الخاصّة التي يكون فيها حُكْم العزيمة شاقًّا، شُرعت الرخصة فأُبيحت المحظورات عند الضرورات، وأُبيح تأجيل الفرض والواجب إذا كان في أداء أحدهما حرج ومشقة، واعتُبر الإكراه والمرض والسفر والخطأ والنسيان والجهل من الأعذار التي تقتضي التخفيف»، فرحمة الله التي وسعت كلّ شيء سُخِّرت للإنسان، وأباحتْ له التمتع بالطيبات، والابتعاد عن الخبائث، فاللهُ -سبحانه- لم يكلف الإنسان إلا بما فيه مصلحة له، أو درء مفسدة عنه. وقد أجمع الفقهاء على أنّ الأصل في الأشياء الإباحة، «فكلّ ما لا حُكْم له فهو على الإباحة الأصلية، لأجل أن ينتفع الخَلْق به وتدعو الضرورة إليه».
وجملة القول:
إنَّ اللهَ -سبحانه وتعالى- يَسّر لعباده ما كلَّفهم به، ولأنه يريد من عباده أن يتمسّكوا بهذا الدّين الحنيف، ويعملوا وفق أحكامه؛ لهذا جاءت أحكام القرآن على قَدْر طاقة البشر واستطاعتهم، فالتيسير والتخفيف من القواعد التي قامت عليها الشريعة الإسلامية، وما شرع اللهُ أمرًا إلا يَسّر على عباده العاجزين بتشريع أخفّ وأسهل منه؛ رحمة ورأفة بهم، إنه بهم لرؤوف رحيم.
ثانيًا: الإجمال والتفصيل:
اتّبع القرآن الكريم منهج الإجمال في تبيان الأحكام غالبًا، فلم يتعرّض في أحكامه للتفاصيل والجزئيات، بل جاءتْ أحكامه في صورة مبادئ كلية وقوانين عامة. واتّبع القرآن هذا المنهج لأنّه الدستور الإلهي، والمصدر الأول لتشريع الأحكام، وترجع إليه كلّ المصادر التشريعية الأخرى، وأكّد هذه الحقيقة الإمام الشاطبي عندما قال: «تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلّي لا جزئي».
فالقرآن الكريم جعله اللهُ تبيانًا لكلّ شيء؛ لأنه أحاط بجميع الأصول العامة والقواعد الكلية، وأوضح الإمام الشافعي هذا البيان بقوله: «فليستْ تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلةٌ إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها».
وعندما يذكر القرآنُ الكريم الأحكامَ على وجه الإجمال، فإنه يبيِّن عِلَلها والمصالح التي بُنِيَت عليها. ولم يتعرّض القرآن إلى الأحكام الجزئية التفصيلية إلا في الأمور التي تكون فيها مصلحة ثابتة لا تتغير بتغيّر الزمان والمكان؛ مثل أحكام الأسرة والمواريث. والسبب في عدم تعرّض القرآن للأحكام الجزئية التفصيلية يوضّحه محمد حنفي في (المدخل لدراسة الفقه الإسلامي): «لأنّ تحديد الأحكام جميعها سلفًا يُعتبر قيدًا قد يؤدي إلى الحرج، أمّا تركُ التفاصيل لاستنباطها من القواعد العامة بما يتناسب مع الزمان والبيئة، فإنه يؤدِّي إلى مسايرة التطور، ويترك باب الاجتهاد مفتوحًا لالتماس الأحكام التي تتناسب مع الحوادث المتجدّدة». ومن هنا؛ على المجتهد ألا يقتصر في بيانه للأحكام الشرعية على نصوص القرآن، بل يجب عليه إذا وجد إجمالًا أن يرجع إلى السنّة، باعتبارها المصدر الثاني للتشريع، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- قام ببيان أحكام الشريعة كما أمره رَبُّه بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، فبيَّن -عليه الصلاة والسلام- الأحكامَ التي لا يمكن معرفتها إلا عن طريقه، ولا سيما في الأمور الشرعية التي شرعها اللهُ لعباده وأمرهم بها، وترك كثيرًا من الأحكام للمجتهدين، يدركون مقاصدها ومراميها بإعمال الفكر؛ على ضوء ما تقتضيه المصلحة في عصرهم.
وأوضح الإمام الشاطبي هذا المنهج القرآني الفريد في استنباط الأحكام، فقال: «لا ينبغي في الاستنباط من القرآن، الاقتصار عليه، دون النظر في شرحه وبيانه، وهو السُّنَّة؛ لأنه إذا كان كليًّا وفيه أمور كلية كما في شأن الصلاة والزكاة والحج ونحوها، فلا محيص عن النظر في بيانه»، وأكّد الإمام الزركشي صحة هذا المنهج وسلامته، فقال: «إنّ القرآن والحديث أبدًا متعاضدان على استيفاء الحقّ وإخراجه من مدارج الحكمة، حتى إنّ كلّ واحد منها يخصّص عموم الآخر ويبيِّن إجماله».
في ضوء ما سبق يمكن استنتاج أنّ القرآن الكريم نهجَ في بيانه الأحكام الشرعية طريقتين، هما:
الأولى: أحكامٌ نصَّ على بيانها على وجه التبيان والتفصيل، من ذلك الأحكام التي تخصُّ العقيدة والأخلاق، وأحكام الأسرة والمواريث.
الثانية: أحكامٌ نصَّ على بيانها على وجه الإجمال، ومن ذلك أحكام العبادات والمبادلات المالية، وأحكام الجنايات والحدود، والأحكام التي تنظّم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول، في السِّلْم والحرب، والأحكام التي تضع أُسس الحكم وغيرها.
في ضوء ما تقدّم يمكن القول: إنّ الإجمال هو الصِّيغة الرئيسة في تشريع القرآن الكريم للأحكام، وإنَّ السُّنّة النبوية فصَّلَتْ ما احتاج من هذه الأحكام إلى بيان وتفصيل، وتركَت الكثير منها في صورة مبادئ كلية وقواعد عامّة، مما يتبدل الحكم فيه عند تغيُّر الزمان والمكان والبيئة. وتُعتبر هذه السِّمة في منهج القرآن من أكبر الأدلة على عَظمة القرآن، وسموّ شأنه، وصلاحيته لإصلاح كلّ زمان ومكان؛ فالقرآن يَحُضُّ على التفكير، ويأمر بالبحث والنظر، فجاءت غالبية أحكامه مُجملة حتى يتيح للإنسان فرصة التأمّل والتدبّر والتفكر، وبالتالي يكون الإنسان أكثر قدرة على الاستهداء بالقرآن في معالجة كلِّ مشاكل الحياة المتنامية والمتغيّرة من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى آخر، وبذلك يُراعِي القرآن الكريم مصالح العباد على مرِّ العصور، ومهما اختلفت بيئاتهم وأحوالهم.
ثالثًا: التنويع والتوزيع:
اتّبع القرآن الكريم منهجًا فريدًا في عرضه آيات الأحكام؛ إِذْ لم يخصص -مثلًا- للأحكام الأخلاقية مجموعة من سُوَره؛ ككتب الأخلاق والآداب التي يؤلِّفها البشر، كما لم يُخصّص للأحكام الاعتقادية؛ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، عددًا من السور كما يفعل المؤلِّفون في كتب العقيدة، وكذلك لم يُفْرِد القرآن عددًا من سُوَره لعرض أحكام العبادات؛ من طهارة وصلاة وصوم وحج وغير ذلك كما يفعل المصنِّفون في كتب الفقه، ومن هنا يمكن القول: إنّ القرآن لم ينهج في عرضه آيات الأحكام منهج الدساتير والقوانين الوضعية التي تجمع الأحكام المتعلّقة بموضوع واحد في مكان واحد.
وكذلك فإنّ القرآن الكريم لم يلتزم في بيانه للأحكام أسلوبًا واحدًا، كما هو شأن القوانين الوضعية والكتب الفقهية، بل نوّع في أساليب بيانه، وغاير في عباراتها، وصاغَها بما تقتضيه بلاغته التي أفحمت البلغاء، وأعجزتْ أهل الفصاحة والبيان، فيَعرض القصة حينًا ثم يتلوها بالموعظة، ثم يُتْبِعها بحُكْم شرعي قد يذكره كاملًا، وقد يذكر طرفًا منه، ويترك الطرف الآخر، ليعرضه في مكان آخر، وهكذا حتى لا تسأم النفوس هَديه، ولا تستثقل حديثه، وعبّر الإمام الفخر الرازي عن جوهر هذه الحقيقة، فقال: «إنّ من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد، وبيان الوعظ والنصيحة، وبيان الأحكام، مختلطًا بعضها ببعض، ليكون كلّ واحد منها مقويًا للآخر ومؤكّدًا له». ويتفق الشيخ محمد عبده مع الفخر الرازي في أنّ القرآن الكريم سلك منهجًا متميزًا في عرض آيات الأحكام؛ سواء من حيث الأسلوب، أو من حيث البيان، فيقول: «إنّ القرآن ليس كتابًا فنيًّا، فيكون لكلّ مقصد من مقاصده بابٌ خاصّ به، وإنما هو كتاب هداية ووعظ، ينتقل بالإنسان من شأن من شؤونه إلى آخر، ويعود إلى مباحث المقصد الواحد المرّة بعد المرّة، مع التفنّن في العبارة، والتنويع في البيان، حتى لا يملّ تاليه وسامعه من المواظبة على الاهتداء به».
فهذا التنويع في الأسلوب وطريقة عرض الأحكام، هو أداة تنبيه للمكلَّف بما يجب عليه نحو خالقه سبحانه وتعالى، فعندما يلقي القرآن بأحكامه في أجواء متنوّعة من الوعظ والإرشاد، وشؤون القتال والقصة، فإنّ السامع في كلّ مرّة يحسّ كأنه يسمع شيئًا جديدًا، وهذه خاصية للقرآن لا توجد في كتاب غيره.
وبالنسبة لتنويع أساليب القرآن في عرض آيات الأحكام، فإنّ لهذا التنويع أهدافًا وحِكَمًا يريدها الحقُّ تبارك وتعالى، الذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، ومن أبرز هذه الحكم والأهداف:
أولًا: إنّ التنويع في الأسلوب يكون دافعًا على قبول أحكامه وامتثالها، دون أن تشعر النفس بالسآمة أو الملل، ويكون مشوقًا لها للمداومة على تلاوته، ومدارسته وتدبّر آياته، وفهم أحكامه ومعانيه، فالقرآن لا يَخْلَق من كثرة الردّ، ولا يحسّ القارئ بتكراره نفورًا أو ضجرًا.
ثانيًا: إنّ الأحكام شُرِّعَتْ في أوقات مختلفة، وفي فترات متباعدة، حسب الوقائع والحوادث والمناسبات، ولكلّ واقعة أو مناسبة أسلوب يناسبها؛ فقد تقتضي المناسبة الدلالة على الوجوب أو التحريم، بوعدٍ أو وعيدٍ على فعله أو تركه، وقد تتطلّب مناسبة أخرى التصريح بالوجوب أو التحريم، وتقتضي مناسبة ثالثة أسلوبًا آخر، فالحادثة أو المناسبة التي اقتضت تشريع حكمٍ خاصّ اقتضت أسلوبًا خاصًّا في بيانه وعرضه.
ثالثًا: إنّ القرآن الكريم لا يُراد منه بيان ما تضمّنه من أحكام وقصص، ومواعظ وأمثال وغيرها فحسب، بل المراد الأهمّ هو إعجاز الناس عن أن يأتوا بمثله؛ ليكون دليلَ صدقٍ على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وحجة ساطعة على الخلق أجمعين، فتنوّع أساليب القرآن وبيانه من أهمّ وجوه الإعجاز.
رابعًا: إنّ القرآن الكريم ليس كتاب تشريع فحسب، بل هو كتاب عظة وإرشاد، يسوق آيات الأحكام بأساليب متباينة؛ لتتقبّله النفوس، وتسترشد بهدايته وتوجيهاته في أجواء مختلفة، ولو جاءت أساليب بيانه على منهج واحد لفقد القرآن أهم مميزاته في الهداية والعِبرة والتعبُّد بتلاوته.
أمّا بالنسبة لتنوّع طرق القرآن في بيان الأحكام؛ فإنّ المتأمل في عرضِ القرآن آيات الأحكام، يرى أنّ تلك الآيات تتداخل في السورة الواحدة مع سائر القضايا والأغراض والمواضيع الأخرى تداخلًا كاملًا، فآيات الأحكام مفرَّقة في معظم سور القرآن، فليست الآيات الخاصّة بموضوع واحد مجموعة في سورة واحدة أو عدّة سور، فآيات الأحكام التي تتحدّث عن العقوبات، وهي قرابة عشر آيات، مفرَّقة في ثلاث سور؛ وهي البقرة والمائدة والنور، وهكذا سائر آيات الأحكام، مفرّقة في معظم سور القرآن الكريم؛ إن لم يكن فيها جميعًا.
وهذه الأحكام الموزَّعة على سور القرآن الكريم، كلّ حكم فيها مؤتلف تمام الائتلاف في موضعه من السورة، مرتبط أشدّ الارتباط مع ما تقدّم عليه وما تأخّر من قضايا وأغراض أخرى، وبهذا المعنى يقول الأستاذ مصطفى الباجقني: «فإذا ما جمَعْتَ تلك الأحكام إلى بعضها، وشددتها بسلك واحد، ورتبتها تبعًا لنزولها أولًا بأول؛ انتظم لك عقد كامل، واستوى الموضوع على ساقه، متكامل الأجزاء لا تباين فيه ولا تناقض».
ولقد اعتقد العديد من المستشرقين أنَّ منهج التنويع والتوزيع الذي اتّبعه القرآن الكريم في عرضه للأحكام وبيانها، أسلوبٌ قاصرٌ مشتِّت، فحسبوا هذه الظاهرة ثُلْمة في الإسلام، يمكن نقد القرآن عن طريقها، فعدُّوا ذلك عيبًا فيه واضطرابًا في تأليفه، ومن هؤلاء المستشرقين المستشرق الفرنسي رجيس لوي بلاشير الذي حاوَل النيل من القرآن عبر ترديده هذه الفكرة المزعومة، حيث قال: «إنّ المجموعة المعنوية بسورة البقرة توضح جيدًا بتداخل العناصر المتنوعة... وفي سور متعدّدة تدرك بسهولة تداعي الأفكار».
وفي هذا الباب أفرد العلماءُ علمًا مستقلًّا يدرس أوجه العلاقة التي تربط بين الآية وما قبلها وما بعدها، وهو ما يُعرف باسم: (علم المناسبة)، وبيّنوا أنَّ فائدته هي جعلُ أجزاءِ الكلام آخذًا بعضها بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء.
وكان الإمام أبو بكر النيسابوري أوّل مَن أظهر ببغداد عِلْم المناسبة، وكان يقول إذا قُرِئَت عليه الآية: «لِـمَ جُعِلَتْ هذه الآية إلى جانب هذه، وما الحِكْمة في جعلِ هذه السورة إلى جانب هذه السورة؟»، وكان يُزرِي على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة.
ومن أشهرِ المصنّفات في عِلْم المناسبة الكتابُ القيِّم المعروف باسم (نظم الدّرر في تناسب الآيات والسور) للإمام المفسر برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي رحمه الله تعالى.
والأقوال في هذا الشأن التي دحضت أباطيل أعداء الإسلام في هذا الموضع كثيرة، أذكرُ منها: قول الدكتور محمد عبد الله دراز: «إنّ هذه المعاني تتسق في السورة كما تتسق الحجرات في البنيان، لا، بل إنها تلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان، فبين كلّ قطعة وجارتها رباط موضعي من أنفسهما كما يلتقي العظمان عند المفصل، ومن فوقهما تمتد شبكة من الوشائج تحيط بها عن كثب، كما يشتبك العضوان بالشرايين والعروق والأعصاب».
وقال الإمام ابن العربي مشيدًا بعلم المناسبة في القرآن الكريم: «إنَّ ارتباط آي القرآن الكريم بعضها ببعض، حتى تكون كالكلمة الواحدة، متّسقة المعاني منتظمة المباني؛ علم عظيم».
وردَّ الشيخ ولي الدين الملوي على مزاعم القائلين بامتناع التناسب والترابط بين آيات القرآن وسوره بقوله: «قد وهمَ من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبة؛ لأنها على حسب الوقائع متفرقة. وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلًا، وعلى حسب الحكمة ترتيبًا».
إنَّ منهج التنويع والتوزيع الذي سلكه القرآن الكريم في عرضه الأحكام وبيانها، لهو من أهمّ عوامل ترابط هذا القرآن؛ لأنّ الذي يقول بتفكّك القرآن وعدم ترابطه، يكون قد خُتِمَ على قلبه بالرّان، وعلى بصره وسمعه بالغشاوة، فلا يدرك الحقيقة، ولا يبصر نورها، ولا يدرك فائدتها، ولو كانوا غير ذلك؛ لأدركوا أنّ الارتباط بين آيات القرآن الكريم وسوره ناشئ عن طبيعة هذا الدِّين، الذي لا تنفصل فيه أحكام الشرائع التعبدية عن أحكام التشريع الأخرى، كأحكام المعاملات والعلاقات الاجتماعية والدولية. فهذا الدّين يجب أن يشرف على الحياة كلّها، فلا يستقيم حال الأمّة وكيانها إلا إذا ارتضته كذلك مشرفًا وقائدًا على أمورها الدنيوية والأخروية كلّها.
فآيات الأحكام في تنويعها وتوزيعها وترابطها في سور القرآن العظيم، مع التجانس والألفة والإخاء، دليل على أنّ القرآن معجز في نَظْمه وترتيبه، كما هو معجز في بلاغته وتشريعاته، ويؤكّد الدكتور دراز ذلك بقوله: «لعمري لئن كانت للقرآن في بلاغة تعبيره معجزات، وفي أساليب ترتيبه معجزات، وفي نبوءاته الصادقة معجزات، وفي تشريعاته الخالدة معجزات؛ فإنه في ترتيب آياته على هذا الوجه معجزة المعجزات».
جملة القول:
في تنوّع أساليب القرآن في بيانه أحكامه يمكن القول: إنه من وراء هذا التنوع يجدُ الأئمة المجتهدون مجالًا فسيحًا خصبًا للنظر والتأمّل، عند استنباط الأحكام من هذه الأساليب التي تكون أكبر عون لهم في أداء مهمّتهم التشريعية لاستخراج الأحكام للحوادث المستجدة بما يتلاءم وظروف العصر، وبما يحقّق كمال هذه الشريعة الخالدة، وصلاحياتها للتطبيق الدائم في كلّ زمان ومكان.
رابعًا: التدرج في نزول الأحكام:
آيات الأحكام هي جزء من القرآن الكريم الذي أنزله الحقّ تبارك وتعالى مُنجَّمًا على مدار ثلاثة وعشرين عامًا، فآيات الأحكام إذًا لم تنزل جُملة واحدة، بل نزلت مفرّقة حسب المناسبات والوقائع، وما يَرُدُّ على استفسارات الناس، فالحقُّ -تبارك وتعالى- أنزل آيات الأحكام وفق منهج حكيم، وبأسلوب قويم، لإقناع الناس بالتخلّي عمّا يؤمنون به وما وَجدوا عليه الآباء والأجداد، إلى عقيدة جديدة تتناقض كلية مع سابقاتها، وتستوجب ترك عادات وقيم، والتحلّي بأخرى بديلة عنها.
ولهذا جاءت أحكام القرآن بهذا المنهج القويم والأسلوب الحكيم، لتجد قبولًا واستحسانًا لدى النفوس الظامئة؛ كي تتزود منها بما يشفي غليلها، ويروي ظمأها، دون أن تشعر بضجر أو ثقل حينما تتبلور وتكيّف حياتها وفق مناهج هذه الأحكام الجديدة، فالتدرّج في تشريع الأحكام هو الأسلوب الأمثل والمنهج الأقوم في اختيار الزمن المناسب، والحكم الملائم والطريق الأفضل لصياغة الأحكام، كلٌّ بما يناسب زمانه ومكانه.
واعتبر الإمام القرطبي أنّ التدرج في إنزال آيات الأحكام كرامة وإحسان من الخالق لعباده، فقال: «إنَّ اللهَ لم يَدَع شيئًا من الكرامة والبرّ، إلا أعطاه هذه الأمّة. ومن كرامته وإحسانه أنه لم يُوجِب عليهم الشرائع دفعة واحدة، لكنه أوجبها عليهم مرة بعد مرة».
والملاحظ أنّ التدرج في إنزال آيات الأحكام، كان يُراعِي ناحيتين، هما:
الأولى: الناحية الزمانية، فالتدرّج الزمني في التشريع واضح، وهو أنَّ آيات الأحكام لم تنزل دفعة واحدة في زمن واحد، بل نزلتْ على فترات زمنية، قد تطول وقد تقصر، بحسب الوقائع والمستجدات، واستمر نزول هذه الآيات قرابة ثلاثة وعشرين عامًا.
الثانية: ناحية أنواع الأحكام، فالقرآن لم يكلّف المسلمين في بداية الرسالة المحمدية من الأحكام ما لا يطيقون فعله أو تركه، بل اقتصرت في مرحلة صدر الإسلام على الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، مع توجيه العقل السليم إلى التفكير فيما حوله، ليستدلّ به على وجود الله وقدرته، كي يكون إيمانه مبنيًّا على اقتناع كامل بالدِّين الجديد، ونبذ كلّ عبادة سوى الله، حتى إذا استقرت عقيدة التوحيد في النفوس، ودخل الناس في دين الله، بدأ الحقُّ -تبارك وتعالى- في إنزال أحكام الحلال والحرام التي لها صِلة وثيقة بالعقيدة، فدعا الناس إلى اجتناب ما تنفر منه الطبائع السوية، وتستقذره العقول الواعية، وما يتنافى مع مبادئ العقيدة الجديدة؛ كالزنا، والغدر، والغصب، والقتل، وأكل الميتة والدم، وما لم يُذكر اسم الله عليه، ثم توالت أحكام الحلال والحرام في النزول، حتى أتم اللهُ نعمته على عباده، وأكمل لهم دينهم الذي ارتضاه لهم.
فالحكمة من هذا التدرج في نزول آيات الأحكام واضحة، وهي حكمة إلهية جليلة، تتناسب مع جلالة صاحب التشريع المجيد الذي أنزل هذا الدِّين رحمة بعباده؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور؛ ولهذا اقتضت الحكمة الربانية التيسير والتخفيف على العباد، وعدم تكليفهم في بداية الدعوة بما يشقّ عليهم أو ينفّرهم من الإسلام، وبهذا الشأن يُروى عن السيدة عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: «إنما نزل أوّل ما نزل من القرآن سورة من المفصَّل، فيها ذِكْر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا».
ويرى الدكتور صبحي الصالح أنّ القرآن الكريم، في تقرير هذا المنهج التدريجي من ناحية الأحكام ونوعيتها، يُفرِّق بين كلّ مسألة وأخرى، من حيث السطحية والعمق في نفوس البشر، فكلّ قضية سطحية تتسرّب إلى نفس الفرد أو المجتمع فتفسد عليها فطرتها الطاهرة الزكية، فهي جريمة تُرتكب في حقّ الفرد والمجتمع، فإذا أراد القرآن تحديد الزمن المناسب لاجتثاثها من جذورها قطع فيها برأيه دفعة واحدة.
وهذا النوع من الجرائم في حقّ الفرد والمجتمع، حرَّمه القرآن دفعة واحدة؛ كالزنا والقتل والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل، وكلّ فعل لا يُرجى منه منفعة على الإطلاق.
أمّا بالنسبة للقضايا العميقة الجذور المتأصّلة في النفوس لدرجة أنها أصبحت جزءًا من نفس الفرد وكيان المجتمع، فإنّ القرآن الكريم اتّبع أسلوبًا آخر لصرف الناس عنها، يأخذ في الحسبان حاجات الناس، فيأخذ بمبدأ المرحلية في تقرير الحكم، بحيث تهيئ كلّ مرحلة للمرحلة اللاحقة، حتى لا تحدث فجوة تؤدّي إلى انعكاس القضية، وذكر الشاطبي في موافقاته أنّ عمر بن عبد العزيز كان يطبق مبدأ المرحلية في المجال السياسي، ويُحكى عنه أنّ ابنه عبد الملك قال له: «ما لك لا تنفذ الأمور؟ فواللهِ ما أبالي لو أنّ القِدْر غَلَت بي وبك في الحقّ»، فقال عمر: «لا تعجل يا بُنَيّ؛ فإنّ الله ذمَّ الخمر في القرآن مرّتين وحرّمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحقّ على الناس جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة».
ومن أهمّ المسائل التي يظهر من خلالها منهج القرآن الكريم في التدرج في تقرير الأحكام: مسألة تحريم الخمر، وتحريم الربا، ومسألة تحديد المواريث، ومسألة القتال في سبيل الله.
ففي مسألة تحريم الخمر، نهج القرآن منهج التدرج في تحريمها؛ كي يزهد الناس فيها من البداية ثم يستلّها من نفوسهم بلطف ورفق، ومن ثم يسقيهم الدواء الشافي لهذا الداء الخبيث جرعة جرعة، حتى يستأصل شأفته، ويقضي عليها من جذورها قضاءً مبرمًا. ويشرح الإمام القفّال الحكمة في سلوك القرآن هذا المنهج التربوي التدريجي في تحريم الخمر، فيقول: «والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب، أنَّ الله تعالى علم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشقّ ذلك عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدرُّج وهذا الرفق».
ولقد تطلّب هذا النهج التدريجي أربع مراحل، كانت رابعتها هي التي نصّت على تحريم الخمر تحريمًا صريحًا كاملًا، أمّا المراحل الثلاث، فلم تكن سوى مراحل تمهيدية لتهيئة الاستعداد النفسي للمؤمنين لقبول هذا التحريم. فكان التحريم في المرحلة الرابعة بمنزلة العلاج الناجع لهذا الداء الخبيث، أعلن عن الأسباب التي أدّت إلى التحريم، وهي أسباب اجتماعية وأخلاقية ونفسية.
وفي مواضع تحريم الربا، سلك القرآن طريق التدرُّج؛ فأول مرّة يذكر فيها القرآن الربا كانت في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: 39]. فالآية تشير إلى أنّ الربا لا ثواب له عند الله، كما أنها لا تشير إلى عقاب آكله، فهذه موعظة سلبية، كما أنّ الآية اكتفَت بذِكْر مقارنة بين الربا والصدقة، فالربا لا يُكْتَب له النماء والزيادة، في الوقت الذي يضاعف ثواب الصدقة، ويقول الدكتور دراز: «إنّ هذا التفريق كافٍ في هذه المرحلة لإلقاء ظلال من الشّك حول الربا، تنبّه النفوس، وتحفزها إلى ترقُّب ما يُستجدّ من أمره».
- وفي المرحلة الثانية، جاء تحريم الربا في القرآن الكريم على هيئة دروس وعبر، في حكاية عن بني إسرائيل الذين حرّم اللهُ عليهم الربا فأكلوه، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 160- 161].
- وفي المرحلة الثالثة، نصَّ القرآنُ بصراحةٍ على تحريم الربا، ولكنَّ التحريم في هذه المرحلة كان مقصورًا على الربا الفاحش الذي ينمو ويتزايد، حتى يصبح أضعافًا مضاعفة لرأس المال، وهذا التحريم يُعَدُّ ناقوس خطر؛ ليهيئ النفوس والأفئدة لحُكْمٍ حاسم في المرحلة القادمة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130].
- وفي المرحلة الرابعة، جاء القرآن الكريم بتحريم الربا تحريمًا كاملًا، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278].
وفي ضوء تلك المراحل الأربع التي تدرَّج فيها تحريم الربا تحريمًا كاملًا، واقتلاع هذه الفاحشة من جذورها، واستبدال نظام اقتصادي عادل بها، بعيدًا عن الظُّلْم واستغلال حاجات الناس =نجد القرآن الكريم يلحّ بقوة في كلّ مناسبة يعرض فيها لذِكْر الربا على البذل والإنفاق في وجوه البرّ، والقرض الحَسَن، ومساعدة المحتاجين.
وفي مسألة الميراث، سلك القرآن طريق التدرُّج في ترسيخها في القلوب، فنظام الميراث في الإسلام هو أعدل نظام في الكون، فالقرآن الكريم يحصر المال الذي يخلفه الميت لأحبّ الناس إليه، وأقربهم إلى نفسه، حتى تقوى أواصر المحبة بين أفراد الأسرة، وحتى لا يكون الميراث مصدرًا للشقاء والتنازع بين أفرادها، وقد اتّبع القرآن منهج التدرّج في حكم الميراث على ثلاث مراحل:
- في المرحلة الأولى، أبقى القرآن الكريم نظام التوارث السائد عند العرب قبل الإسلام، الذي كان قائمًا على أسباب ثلاثة، وهي: النَّسَب، والتبَنِّي، والحِلْف. وظلّ هذا النظام قائمًا حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33].
- وفي المرحلة الثانية، أُضيف سببان آخران للتوارث؛ هما: المؤاخاة، والهجرة، ويقول الجَصَّاص: «فجملة ما حصل على التوارث بالأسباب في أول الإسلام التبنّي والِحلف والهجرة والمؤاخاة التي آخى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نُسِخ الميراث بالتبنّي والهجرة والمؤاخاة».
- واستمرّت هذه المرحلة حتى تهيأت النفوس لقبول نظام التوريث في صورته النهائية ومرحلته الثالثة، فقال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيب مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: 7]. وبحلول هذه المرحلة الحاسمة، ألغى القرآنُ الكريم نظامَ التوريث، الذي كان قائمًا في الجاهلية، واستمرّ العمل به في صدر الإسلام، وأصبح للتوريث ثلاثة أسباب فقط، وهي: النَّسَب، والنكاح، والولاء.
وكذلك تدرج القرآن الكريم في أحكام الجهاد، على أربع مراحل؛ فالمرحلة الأولى هي مرحلة الموادعة والمسالمة، فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]. والمرحلة الثانية أُذِنَ للمسلمين بقتال المشركين، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: 39- 40]. وفي المرحلة الثالثة أمرَ اللهُ المسلمين بقتال مَن يقاتلهم من المشركين، وتمثّل هذا الأمر في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]. وفي المرحلة الرابعة، ختم القرآنُ الكريم تشريع القتال بالأمر بقتال المشركين كافة كما يقاتلون المسلمين كافة، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36].
وجملة القول في التدرّج في التشريع، أنّ الخلّاق الرؤوف الرحيم بخَلْقه، أدرى بأحوالهم من أنفسهم، فأنزل هذه الأحكام على فترة من الزمن، حسب طاقتهم وقُدْرتهم على التحمّل والقبول، فتَرْكُ الماضي جُملة واحدة بما فيه من ملذّات، قد يؤدي إلى نكوص في القضية؛ لأنّ ترك ما عليه الآباء والأجداد ليس بالأمر السهل، فكانت أحكام العقيدة -في بداية الدعوة- تمهيدًا لقبول الأحكام التشريعية، وإحكامًا لنفوس الناس التي ألِفَت عادات وتقاليد، وعاشت في ظلّ مجتمع جاهلي؛ إِذْ كان من الصعب على تلك النفوس تقبل جرعة كبيرة من الدواء، فمثل هذه الجرعة قد تكون قاتلة، بدلًا من أن تكون شافية؛ ولهذا كان التدرّج بإعطاء المجتمع جرعات متتابعة، حتى يتقبّلها هذا الجسد الموبوء من رأسه حتى أخمص قدميه، فمنهج القرآن التدريجي في علاجه للقضايا المتأصلة يهدف من ورائه إلى إلغاء الظواهر السيئة السائدة في حياة الأفراد في المجتمع الماضي، وإحلال ظواهر صحية أخرى بديلًا عنها، وترك عادات الماضي الجاهلي وانحرافاته، وقبول عادات ومقاييس أخرى يقوم عليها المجتمع الجديد، المجتمع النظيف الطاهر، القادر على تحمّل المسؤولية التي أبَت السماوات والأرض أن يحملنها، وحملها الإنسان الذي نما وترعرع في ظلّ هذا المجتمع، وأدّاها خير أداء. والمجتمع الجاهلي هو المجتمع الذي يستبدل بالخير الشر، وبالفضيلة الرذيلة، وبالمحبة والتسامح البغضاء والتنازع، وبالحشمة والوقار التعرّي وتعاطي المنكرات. ومجتمع كهذا لا يمكن أن يُكتب له النصر والنجاح، فاتّباع شرع الله هو طريق الفوز والفلاح.
خامسًا: الترغيب والترهيب:
لقد نهج القرآنُ الكريم منهجَ الترغيب والترهيب في عرض آيات الأحكام، فلا تكاد آية في العقيدة، أو التشريع، أو في الأخلاق في القرآن الكريم كلّه تخلو من ترغيب أو ترهيب. وهذا المنهج القرآني، في عرض الأحكام، سار على سبيله الرسل الكرام؛ إِذْ كانوا يبشّرون المؤمنين بالجنة، ويخوّفون الكفرة والعُصاة الفاسقين من النار في الدار الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الأنعام: 48].
وقد اشتملَتْ آيات القرآن الكريم على أساليب شتى من الترغيب والترهيب، فيذكر الجنة ونعيمها أولًا، ثم يتبع ذلك بذِكْر النار، أو بالعكس، فيبدأ بالتخويف والترهيب، قبل عرض الإحسان والنعيم الذي أعدّه اللهُ لعباده المؤمنين في الجنة. ومن أبرز سمات القرآن الكريم في عرضه الأحكام هو المزج بين أحكامه ومعاني الترغيب والترهيب، وهذا المنهج يغرس في نفوس المخاطبين المراقبة والهيبة، والإحساس بالفائدة العاجلة والآجلة، فيدفعهم ذلك إلى الامتثال والاستجابة لأوامر الله ونواهيه؛ خوفًا من عقابه، وطمعًا في ثوابه، ويرى الشيخ محمود شلتوت أنه من خلال أسلوب الترغيب والترهيب المتبع في القرآن الكريم يتربَّى في نفوس الناس الوازع الديني، الذي تهدف الرسالات الإلهية إلى غرسه في النفوس، وهذا الأسلوب مخالف لأساليب البشر في وضع قوانينهم، التي تسرد الأحكام سردًا جافًّا، لا تتأثر الأنفس بها، ولا يهتز القلب لها. وقد نوّه ابن جزي للمسألة، فقال: «تأمّل القرآن تجد الوعد مقرونًا بالوعيد، قد ذُكر أحدهما قبل ذِكْر الآخر؛ ليجمع بين الترغيب والترهيب، وليتبين أحدهما بالآخر، كما قيل: فبضدّها تتميز الأشياء». ويرى العز بن عبد السلام أنّ معظم أحكام القرآن مؤكّدة؛ إمّا بالترغيب، إذا كانت قُرْبَةً أو بالترهيب إن كانت معصية.
وقد سلك القرآن الكريم منهج الترهيب والترغيب؛ لتهذيب النفوس وتوجيهها، ومن أجلِ حملها على الالتزام بأحكام القرآن، وتطبيقها وصيانتها من التلاعب والإهمال والمخالفة، فهو يؤازر التشريع ويعضّده، فإذا كان التشريع تكليفًا بالأحكام، فالترغيب والترهيب أداة إقناع بها، وإغراء للاستجابة لها، ووعد بنيل ثوابها، وأداة ترهيب وتحذير من إهمالها والتفريط فيها، والوقوع في عذاب التهاون والاستهتار بها. ويؤكد الإمام الشاطبي هذا المعنى بقوله: «إذا وردَ في القرآن الترغيبُ قَرَنَه الترهيب، وبالعكس، وكذلك التوجيه مع التخويف، ومنه ذكر أهل الجنة يقارنه بذِكْر أهل النار، وبالعكس؛ لأنّ ذِكْر أهل الجنة بأعمالهم ترجية، وذكر أهل النار بأعمالهم تخويف». واعتبر الزركشي أنّ منهج الترغيب والترهيب يبعث على العمل، فقال: «وعادة القرآن إذا ذكر أحكامًا ذَكر بعدها وعدًا ووعيدًا؛ ليكون ذلك باعثًا على العمل بالأحكام».
وهكذا، فإنّ منهج الترغيب والترهيب الذي يمثّل معيارًا وسطًا بين الشدّة واللِّين، هو أحد مظاهر إعجاز القرآن وسرّ خلوده، وهو ما يلائم النفوس البشرية، ويتكيّف مع طبائعها المتباينة، فإذا كان الثواب علاجًا لبعض النفوس، فإنّ العقاب بالمخالفة علاج لبعضها الآخر، فمن الناس من يستجيب للكلمة الطيبة وينفر من الكلمة السيئة، ومنهم كذلك صنف لا يمكن إقناعه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يهتز لأيّ إحسانٍ أو برٍّ غير منظور، فمثل هذا الصنف من الناس لا بدّ من اتّباع أسلوب التخويف والترهيب معه، فلربما اهتز قلبه، ولانَت جوارحه، وفي هذا المقام للإمام أبي الحسن العامري كلام قيِّم، إِذْ يقول: «إنّ أحقّ الأديان بطول البقاء ما كانت أحواله متوسطة بين الشدّة واللِّين؛ ليجد كلٌّ مِن ذوي الطبائع المختلفة ما يصلح به حاله، في معاشه ومعاده، ويستجمع له منه خير دنياه وآخرته».
إنّ المؤمن ليجدُ حلاوة الإيمان عندما يقرأ القرآن الكريم، ويتدبّر آياته، وعندما يمرّ على ذِكْر الجنة يطمئن قلبه برحمة الله، وإذا ذكر النار اقشعر جلده، فالترغيب والترهيب الذي اتخذه الله تعالى منهجًا لعرض آيات الأحكام، يزيد الذين آمنوا إيمانًا، ويطرق قلوب الكافرين والفاسقين وأسماعهم وأبصارهم، حتى لا يكون لهم حُجّة على الله، والمؤمن يجد حلاوة الإيمان في قلبه وكيانه؛ لأنّه يشعر بالرضا الإلهي، ويحسّ به، وقال صاحب الإحياء عن فائدة الترغيب والترهيب: «الترغيب والترهيب يسوق الناس إلى سعادتهم، وليس ذلك إلا بألمٍ محسوس، ولذّة محسوسة مدركة، فإنّ ما لا يدرك بالذّوق، لا يعظم إليه الشّوق».
وفي ضوء ذلك، فإنّ منهج الترغيب والترهيب، ليؤكّد حقيقة نظرة القرآن إلى الإنسان، واهتمامه به، روحًا وجسدًا، فهو يخاطب الإنسان بالأسلوب الذي يؤثر في أعماق قلبه، ويهزّه فيستجيب له، ومن هنا يحدثه عن النعيم الحِسّي، والعذاب الحِسّي مرة، وعن النعيم النفسي والعذاب النفسي مرة، ويزاوج بينهما مرات عديدة، ويزداد التخويف والترهيب كلما كان المخالَف أكبر، ويزداد الترغيب كلّما كانت طاعة المؤمن أكثر صلاحًا وإخلاصًا. ويوضح الأستاذ الباجقني هذه المسألة، فيقول: «وعادة القرآن في نهيه وزجره، أنَّه يبالغ في الزّجر عن الكبائر الخطيرة، والتنديد بمرتكبيها، والتشديد عليهم، حتى يضيق ذرعهم بما وقعوا فيه، ثم يردف ذلك بآيات الوعد والبشارة لمن تاب واجتنب ما نهَى الله عنه». فالإنسان روحٌ وجسد، ولا يمكن أن يحيا الإنسان بأحدهما دون الآخر. وكذلك، فإنّ القيام بالتكاليف الشرعية، لا بد أن يكون في دائرة الخوف والرجاء؛ لأنّ الاقتصار على أحدهما يهدم أركان العقيدة من أساسها، فالاقتصار على عاطفة الخوف من غير رجاء في رحمة الله يعتبر يأسًا من رحمته تعالى، وبالتالي يدفعه هذا اليأس إلى طريق الغواية؛ لاعتقاده بعدم الجدوى من الحذر والاستقامة. وأمّا الاقتصار على عاطفة الرجاء في رحمة الله من غير خوف يعتبر أمنًا من مكرِ الله، فلا تصدّه عن ارتكاب أيّ منكر أو الانحراف إلى أيّ زلل. وقد أوضح الشاطبي هذه المسألة، فقال: «ومن هنا يتصوّر للعباد أن يكونوا دائرين بين الخوف والرجاء، أنّ حقيقة الإيمان دائرة بينهما». فالقرآن الكريم يربي النفس البشرية من كلِّ جوانبها، وينفذ إليها من جميع منافذها، والخوف والرجاء من أبرز الوسائل لتحقيق هذا الهدف، ومن أكثرها أثرًا في حياتها، فإن غلب على النفس البشرية السَّوية جانب الانحراف كان جانب الخوف إليها أقرب، وإن غلب عليها جانب الاحتياط والتشدد كان جانب الرجاء والعفو إليها أقرب.
إنَّ منهج الترغيب والترهيب، الذي سلكه القرآن الكريم في بيان الأحكام، لهو من أعظم مناهج القرآن التربوية، حيث يضع الإنسانَ في مستوى العبودية لله سبحانه وتعالى، تشدّه إليه رغبة ورهبة في آنٍ واحد. وقد دعا الشيخ الزرقاني المصلِحِين إلى أن يسلكوا منهج السنّة الإلهية، إذا ما أرادوا أن يستجيب لهم الناس، فقال: «إنَّ ضرورة التربية الرشيدة في إصلاح الأفراد والشعوب، يقتضي أن يمزج المصلح في قانون هدايته بين الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والشدة واللِّين».
وقد سلك القرآنُ الكريم منهج الترغيب والترهيب في بيان الأحكام التشريعية؛ ليكون ذلك حافزًا للناس على تنفيذ هذه الأحكام، على أتم هيئة وأكمل صورة، وفي ذلك فائدة جليلة للفرد والمجتمع، فعندما رغّب القرآن الكريم في أداء العبادات من صلاةٍ وصوم وزكاة وحج، وخوّف ورهّب من عدم القيام بهذه العبادات، فإنّ ذلك كلّه في مصلحة الإنسان والمجتمع على حدّ سواء، فالله -سبحانه وتعالى- لا يستفيد من هذه العبادات شيئًا، بل الفائدة تعود -أولًا وأخيرًا- على المكلّف الذي يؤدي تلك العبادات، وعلى المجتمع؛ لأنّ الناس عندما يلتزمون بتنفيذ أوامر الله وأداء العبادات التي كُلِّفُوا بها، فهذا يخلق أناسًا متمسّكين بالفضيلة التي يجلّيها القيام بالعبادات التي شرعها اللهُ لعباده؛ وبالتالي يتكوّن المجتمع الصالح القائم على أُسس المحبة والمودة والتكامل الاجتماعي، والعكس صحيح تمامًا، فالمجتمع الذي يتربى أبناؤه على الرذيلة، وارتكاب المنكرات والفحشاء، يصبح بلا أخلاق وبلا قيم؛ وبالتالي يصير ساحة خصبة لانتشار الفساد والفوضى فيه؛ وعلى هذا الأساس، اهتمّ القرآن الكريم بتربية الفرد وإعداده؛ ليكون مواطنًا صالحًا في مجتمع فاضل، فحثّ الناس على الالتزام بالفضائل الخلقية، واجتناب الرذائل، وربط هذا الالتزام الخُلقي بالعقيدة الإسلامية؛ لذلك وردَت الأحكام الخلقية ممزوجة بمعاني الترغيب والترهيب ليكون باعثًا للمؤمن السوي على اتّباع الآداب الفاضلة، والتقيّد بالأخلاق الحميدة، لينال رضا الله والثواب العظيم في الآخرة، وليكون رادعًا للمفرِّط في جنب الله، المنغمس في الرذيلة، كي يتجنّبها حتى ينجو من غضب الله وسخطه، فينشأ المجتمع الفاضل القائم على هدي القرآن، المجتمع الذي يحافظ على الاعتبار البشري والكرامة الإنسانية بين أفراده، فلكلّ فردٍ كرامته التي يجب ألّا تُـمَسّ بسوء؛ لأن كرامة الفرد من كرامة المجتمع. فالله -سبحانه وتعالى- يردّ الناس، ويطلب منهم أن يبنوا مجتمعهم على ضوء هدي القرآن وأحكامه، مجتمعًا تُحترم فيه كرامة الفرد، ويحفظ اعتباره البشري لأفراده كافة؛ ولهذا، إذا وقع المحذور، وخُدشت كرامة فرد ما، أو اعتُدي عليه، من أجلِ ذلك شرع القرآنُ القصاصَ من الجاني بالحق والعدل، وحثّ المعتدَى عليه بالالتزام بضبط النفس، وكظم الغيظ، والعفو عن المسيء.
ويجلّي الإمام القرطبي هذه الحقيقة، بقوله: «العفو عن الناس من أجَلِّ ضروب فعلِ الخير، حيث يجوز للإنسان أن يعفو، وكلّ مَن استحق عقوبة فتركت له فقد عُفِيَ عنه». لكنّ العفو ليس بالأمر الهيِّن، فالنفس البشرية يصعب عليها العفو عمّن أساء إليها، واعتدى عليها؛ لأنها مُحبة للانتقام، حريصة على الأخذ بالثأر مِن خصمها؛ لذا أمرَ القرآنُ بمجاهدة النفس، والانتصار عليها، بالترغيب تارة، وبالترهيب تارة أخرى، وهو جهاد عنيف، لا تقوى عليه إلا النفوس التي مُرِّنَت على قبول الحقّ، وقهرت وساوس الشيطان ومكائده، ولأنّ جهاد النفس والمصابرة في العفو عن الناس صعب على النفس البشرية، فقد رغب الحقُّ -تبارك وتعالى- فيه، وأعدّ للممتثل لأمره الثواب العظيم في الدار الآخرة، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133- 134]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34- 35]. علّق الزمخشري على هذه الآية، فقال: «فإذا أساء إليك مسيء، فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن، أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، فإنك إن فعلت ذلك انقلب عدوُّك اللّدود إلى وليٍّ حميم، غير أنّ هذه السجيّة، وهذه الخصلة الشريفة، لا يلقّاها إلا الذين صبروا على تحمّل المكاره، وتجرّع الشدائد، وكظم الغيظ وترك الانتقام، وما يُلقّاها إلا ذو حظّ عظيم من قوة النفس، وصفاء الجوهر، وطهارة الذات».
وفي ضوء ما تقدّم يمكن القول: إنّ القرآن الكريم يريد لأتباعه أن يكونوا في أرفع مقام وأسمى منزلة، تسمو بهم في مدارج الإنسانية الفاضلة، وترقَى بهم في مدارج الكمال الخُلُقيّ والروحي، ولا يتأتّى ذلك إلا بالحِلْم والأناة، ومظهر ذلك كَظْم الغيظ، وضبط النفس، وعنوانه العفو والتسامح فينالون بذلك العزة في الدنيا والآخرة.
صفوة القول:
وبعد هذه الجولة السريعة حول منهج القرآن الكريم في عرض آيات الأحكام وبيانها، باتَ من الواضح أنّ القرآن الكريم عرضَ آيات الأحكام بأساليب مختلفة ومنهج محكم قويم، وهذا مظهر من مظاهر عناية الخالق -سبحانه وتعالى- بعباده، فساق لهم آيات الأحكام بأساليب متنوعة لتتقبّله النفوس، وتسترشد بهدايته وتوجيهاته في أجواء مختلفة. ولو جاءت أساليب القرآن على وتيرة واحدة، لشعرت النفوس بالملل والسآمة والضجر. وهذا التنوع في الأسلوب دليل قاطع، وبرهان ساطع، على أنّ هذا القرآن من عند الله، لا من عند البشر؛ لأنه من المستحيل أن يتمكّن أيّ فرد من البشر أن ينوّع أسلوبه في كتاب واحد. إنّ هذا التنوّع لا يقدر عليه إلا الذي أحسنَ كلَّ شيء صنعه، فتنوَّع الأسلوب، وبقي البناء متماسكًا متّحدًا، كأنه كلمة واحدة. فقد كان منهج القرآن في التنوّع والتغيير منهجًا فريدًا، أعطى للقرآن تفرُّدَهُ واستقلاله عن كلّ طرق البحث والتأليف. وكان التخفيف والتيسير من أبرز سِمات منهج القرآن في بيان الأحكام، فليس فيها ما يكبِّل الإنسان ويرهقه، ويحرمه من التمتع الإنساني الشريف، بل إنّ كلّ تعاليمه تلبية لطبيعة الإنسان على وجه معتدل، لا إفراط فيه ولا تفريط، فأحلَّ لهم الطيبات، وحرّم عليهم الخبائث، وأمَرهم بالتحلّي بمكارم الأخلاق، ونهاهم عن الاقتراب من الرذائل، فرغَّب في الأُولى، ورهَّب من الثانية؛ لأنّ الأخلاق عنصر أساسي في تقويم الحياة وصلاح الفرد والمجتمع؛ ولهذا فقد أكّد القرآن الجانب الخلقي؛ لأنه يهدف إلى إرساء قواعد المجتمع الإسلامي القويم، فللأخلاق معانٍ ثابتة، ومفاهيم لازمة، لا يمكن الاستغناء عنها، فالصِّدْق والأمانة والعدل والوفاء والإخلاص والبر والإحسان، كلّها أمور لا يتصوّر الاستغناء عنها لأيّ مجتمع فاضل؛ لأنها قوام حياة المجتمعات، وأساس نهضتها، وبانتكاس هذه الأمور تنتكس البشرية إلى عصور الهمجية والفوضى، وفي عصرنا الحاضر، هناك العديد من المجتمعات التي انتكستْ من الفضيلة إلى الرذيلة، من عصر التقدّم إلى عصر الفوضى والجهل، حيث ينغمس أفراد المجتمع في شهوات وملذّات شيطانية وحيوانية، ويتركون الالتزام بصراط الله المستقيم الذي يغرس العدل والمحبة والفضيلة والوفاء والإخلاص في نفوس أفراد المجتمع.
نُشرت هذه المقالة في مجلة (كلية الدعوة الإسلامية) بالجماهيرية الليبية، العدد السادس عشر، سنة 1999م، ص9 وما بعدها. (موقع تفسير)
انظر: القرآن المجيد، محمد عزة دروزة، ص194.
انظر: تفسير القرطبي (14/ 23).
من توجيهات الإسلام، للشيخ محمود شلتوت، ص21.
البخاري، كتاب الأدب، باب: يسروا ولا تعسروا (10/ 643)، رقم: 6125 من فتح الباري.
البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر (1/ 126)، رقم: 39 من فتح الباري.
إعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية (3/ 14).
الموافقات، الشاطبي (2/ 136).
خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي، عبد الوهاب خلاف، ص25 بتصرف يسير.
خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي، عبد الوهاب خلاف، ص20.
الموافقات، للشاطبي (3/ 336).
الرسالة، للشافعي (1/ 20).
المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، محمد حنفي (1/ 30).
الموافقات، للشاطبي (3/ 369).
البرهان في علوم القرآن، للزركشي (2/ 256).
انظر: منهج القرآن الكريم في تقرير الأحكام، للباجقني، ص216.
التفسير الكبير، للفخر الرازي (6/ 24).
تفسير المنار، للشيخ محمد رشيد رضا (2/ 452).
انظر: أصول الأحكام، منصور الشيخ، ص61.
انظر: خلاصة التشريع الإسلامي، خلّاف، ص26.
انظر: خلاصة التشريع الإسلامي، خلّاف، ص26.
انظر: أصول الفقه الإسلامي، للشيخ محمد أبو زهرة، ص93.
منهج القرآن في تقرير الأحكام، للباجقني، ص307.
القرآن، بلاشير، ص69.
البرهان في علوم القرآن، للزركشي (1/ 131)؛ والإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (2/ 323).
البرهان (1/ 131)؛ والإتقان (3/ 323).
انظر: النبأ العظيم، د. محمد عبد الله دراز، ص155.
البرهان في علوم القرآن، للزركشي (1/ 131)؛ والإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (3/ 322).
البرهان في علوم القرآن، للزركشي (1/ 132).
النبأ العظيم، د. دراز، ص211.
تفسير القرطبي (3/ 52).
صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن (9/ 46)، رقم: 4993.
انظر: معالم الشريعة الإسلامية، صبحي الصالح، ص137.
الموافقات، للشاطبي (2/ 193).
التفسير الكبير، للفخر الرازي (6/ 43).
دراسات إسلامية في العلاقات الاجتماعية والدولية، د. محمد عبد الله دراز.
انظر: أحكام القرآن، للرازي، الجصاص (3/ 3- 4).
أحكام القرآن، للجصاص (3/ 6).
انظر: الإسلام عقيدة وشريعة، الشيخ شلتوت، ص486.
كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي، ص6.
انظر: الإشارة إلى الإعجاز في بعض أنواع المجاز، ص218.
الموافقات، للشاطبي (3/ 358).
البرهان في علوم القرآن، للزركشي (1/ 144).
كتاب الإعلام بمناقب الإسلام، للعامري، ص139.
إحياء علوم الدين، للغزالي (3/ 99).
منهج القرآن في تقرير الأحكام، للباجقني، ص345.
الموافقات، للشاطبي (3/ 365).
مناهل العرفان، للزرقاني (1/ 200).
تفسير القرطبي (4/ 207).
انظر: الكشاف، للزمخشري (4/ 200).
إعلام الموقعين، لابن القيم (3/ 14).
كلمات مفتاحية
الكاتب:
مواضيع ذات صلة
((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))