الاستشراق الألماني؛ إسهامات نولدكه في دراسة القرآن

الاستشراق الألماني
إسهامات نولدكه في دراسة القرآن

%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A2.jpeg - الاستشراق الألماني؛ إسهامات نولدكه في دراسة القرآن | Tafsir Center for Quranic Studies | مركز تفسير للدراسات القرآنية

يدور هذا الحوار العلمي مع د/ عبد الملك هيباوي، حول إسهامات أبرز دارسي القرآن في السياق الألماني، أي: تيودور نولدكه، فيلقي الضوء على كتابه (تاريخ القرآن)، ومنهجه، والقضايا التي تناولها، كذلك يلقي الضوء على الأثر الكبير الذي تركه هذا الكتاب على حقل الدراسات القرآنية الغربية.

  يدور هذا الحوار العلمي مع د/ عبد الملك هيباوي حول إسهامات أبرز دارسي القرآن في السياق الألماني، أي: تيودور نولدكه، فيلقي الضوء على كتابه (تاريخ القرآن)، والقضايا التي تناولها، مثل: الوحي، وترتيب القرآن، والمنهج الذي اتّبعه، والنقد الذي يمكن توجيهه لكتابه، كذلك يلقي الضوء على الأثر الكبير الذي تركه هذا الكتاب على حقل الدراسات القرآنية الغربية إلى الآن.

س1: ما المنهج الذي اعتمده نولدكه في إعادة ترتيب سور القرآن في كتابه: Geschichte des Qorâns (تاريخ القرآن)؟

د/ عبد الملك هيباوي:

نشر (تيودور نولدكه) عمله الشهير (Geschichte des Qorâns) (تاريخ القرآن)، الذي كان في الأصل أطروحته في الدكتوراه، نشرها عام 1860 بعنوان: (تاريخ النص القرآني)، ثم تعاقـبَت على إتمامه ثلاثة أجيال؛ حيث أكمل تلميذه (فريدريش شفالي) (Friedrich Schwally) (1863- 1919)، الجزء الثاني، فلمّا مات قام (غوتلف برغشتراسر) (Gotthelf Bergsträßer) (1886- 1933)، و(أوتو بريتزل) (Otto Pretzl)  (1893- 1941) بإخراج الجزء الثالث، فأصبح الكتاب يضمّ ثلاثة أجزاء. حين نشر (نولدكه) عمله هذا لم يكن يقدّم مجرّد محاولة تقنية لإعادة ترتيب سور القرآن، بل كان يؤسّس -في الحقيقة- لنمط جديد من قراءة النصّ بوصفه ظاهرة تاريخية ذات تطور داخلي؛ لذا لم يتعامل مع ترتيب المصحف بوصفه معطًى توقيفيًّا مغلقًا، بل بوصفه نتيجة لعملية جمع لاحقة، يمكن -من حيث المبدأ- إعادة مساءلتها عبر أدوات النقد اللغوي والتاريخي. وتجدر الإشارة أنّ (نولدكه)، حسب ما ذكره (رودي باريت) (Rudi Paret) (1983- 1901) في كتابه: (الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية)، قد أخذ أوّل الأمر بتقسيم مواطنه المستشرق (غوستاف فايل) (Gustav Weil) (1808- 1889) للقرآن الكريم الذي أورده (فايل) في كتابه: (المدخل التاريخي النقدي للقرآن الكريم) (Historisch-kritische Einleitung in den Koran)، حيث جعل السور المكية على ثلاث مجموعات، وأفرد السور المدنية بمجموعة لوحدها. لكن (نولدكه) سيُعيد بعد ذلك تقسيم تاريخ نزول القرآن، وسيقترح ترتيبًا زمنيًّا جديدًا للسور يستند إلى ثلاثة معايير كبرى. المعيار الأول: ويتعلّق بالأسلوب، أي المظهر أو الشكل الخارجي للوحي. والمعيار الثاني: المضمون، أي طبيعة الوحي الذي يعكس موقف النبي ومبادئه. والمعيار الثالث: السياق التاريخي المفترض، أي الإشارات التاريخية لحوادث عُرفت من مصادر أخرى. فالمنهج الذي اعتمده (نولدكه) في إعادة ترتيب السور لم يكن واحدًا بسيطًا، بل نسيجًا مركّبًا من تلك المحاور الثلاثة الكبرى. فهو لم ينطلق من الروايات التقليدية حول أسباب النزول وحدها، ولم يرفضها بالكامل أيضًا، كما سبق وذكرتُ، بل وضعها داخل شبكة أوسع من الشواهد الداخلية للنصّ.

أوّل أعمدة منهجه كان التحليل الأسلوبي. فقد افترض (نولدكه) أنّ تطور الخطاب القرآني يمكن رصده من خلال الإيقاع، وطول الآيات، وكثافة القسم، وبنية الجُمَل، ونبرة النداء. فالسور القصيرة المتوترة، المشحونة بصور القيامة والبعث والإنذار، اعتبرها من المرحلة المكية المبكّرة. أمّا السور الأطول نسبيًّا، ذات النبرة التعليمية والجدلية، فعدّها من مرحلة مكيّة متأخّرة. ثم حين تظهر السور الطويلة المتشعبة ذات الطابع التشريعي والمؤسّسي ينتقل -في تصوّره- إلى المرحلة المدنية. هنا يصبح الأسلوب شاهدًا تاريخيًّا لا مجرّد زخرف بلاغي.

الركيزة الثانية في منهجه كانت تحليل المضمون الموضوعي. فالنص -في نظره- يكشف عن تطور في نوع الأسئلة التي يجيب عنها. ففي المرحلة الأولى يهيمن خطاب التوحيد والجزاء، وفي المرحلة الثانية يشتد الجدل مع قريش وأهل الكتاب، ثم تظهر في المرحلة المدنية موضوعات التشريع، وتنظيم الجماعة، والعلاقات السياسية والعسكرية. هذا التطور الموضوعي لم يفهمه (نولدكه) باعتباره تنوعًا اعتباطيًّا، بل بوصفه انعكاسًا مباشرًا لتحوّل وضع الجماعة المؤمنة داخل التاريخ.

أمّا الركيزة الثالثة فهي المواءمة الحذرة مع المعطيات النقلية الإسلامية. لم يكن (نولدكه) ينطلق من فراغ، بل استفاد من التقسيم التقليدي إلى مكي ومدني، ومن بعض روايات أسباب النزول، لكنه تعامل معها بوصفها معطيات تحتاج إلى غربلة نقدية، لا بوصفها مفاتيح نهائية. فإذا وافق النقل الشاهد الأسلوبي والموضوعي، قبله. وإذا تعارض، قدّم الشاهد الداخلي على الرواية الخارجية. بهذا المنهج الثلاثي، أعاد (نولدكه) ترتيب السور ترتيبًا تاريخيًّا يختلف عن ترتيب المصحف، وقسم الوحي إلى مراحل تطوّر متتابعة، لا إلى وحدات مستقلّة مكتفية بذاتها. واللافت أنّ هذا الترتيب لم يكن عنده مجرّد لعبة أكاديمية، بل كان مفتاحًا لإعادة كتابة تاريخ الدعوة نفسها من داخل النصّ القرآني.

لكن ما ينبغي التنبيه إليه هنا أن منهج (نولدكه) لا يقوم فقط على أدوات لغوية، بل يستند إلى افتراض فلسفي عميق، وهو أنّ الخطاب الديني، مهما كانت قدسيته، يخضع لقوانين التطور التاريخي، وأن الوحي يتشكّل في تفاعل دائم مع الواقع لا في قطيعة مطلقة معه. هذا الافتراض هو الذي أعطى لمنهجه قوّته التفسيرية، وهو نفسه الذي جعل نتائجه تصادمية مع التصوّر الديني الإسلامي لطبيعة الوحي. ومن هنا يمكن القول إنّ إعادة ترتيب السور عند (نولدكه) ليست مجرّد إعادة تنظيم زمنية، بل إعادة تعريف لطبيعة النصّ القرآني نفسه، من نصّ يُتَلقّى كوحدة مكتملة، إلى نصّ يُقرأ بوصفه مسارًا تاريخيًّا متدرجًا. وقد كان لهذا التحوّل أثر بالغ في كلّ ما تلاه من دراسات حول (تاريخية القرآن)، سواء عند من تبنّوا منطلقاته أو عند مَن سعَوا إلى نقضها.

إجمالًا، فإنّ منهج (نولدكه) في (تاريخ القرآن) يقوم على الجمع بين التحليل الأسلوبي، والتطور الموضوعي، والنقد الحذر للرواية النقلية، داخل أفق فلسفي يرى الوحي حدثًا يدخل في الزمن ويتحرك داخله. وهذا المنهج، على ما فيه من صرامة وقوّة تحليلية، ظلّ منذ ظهوره حتى اليوم واحدًا من أكثر المناهج إثارة للجدل في تاريخ الدراسات القرآنية الغربية؛ لأنه لا يعيد ترتيب السور فحسب، بل يعيد ترتيب طريقة التفكير في القرآن ذاته.

ورغم المكانة التأسيسية التي يحتلّها منهج نولدكه في تاريخ الدراسات القرآنية الغربية، فإنّ هذا المنهج لم يَعد يُستقبل اليوم بوصفه نموذجًا مكتملًا، بل بوصفه لحظة تأسيسية عظيمة لكنها محدودة تاريخيًّا وإبستمولوجيًّا. فالباحثون المعاصرون، من داخل الدرس الغربي نفسه، لا ينطلقون من رفضٍ جذري له، لكنهم يمارسون عليه تفكيكًا نقديًّا مزدوجًا؛ تفكيكًا لمنطلقاته النظرية، وتفكيكًا لنتائجه التطبيقية.

أوّل وجوه النقد يتعلّق بما يسمّيه المستشرقون المعاصرون «المبالغة في الثقة بالشاهد الأسلوبي». فقد افترض (نولدكه) أنّ تطوّر الأسلوب يعكس تطورًا زمنيًّا خطيًّا شبه منتظم، قصير ومشحون في البداية، أطول وأهدأ لاحقًا، تشريعي ومؤسَّسي في المدينة. غير أنّ دراسات أسلوبية حديثة، تعتمد التحليل الإحصائي للنصوص، أظهرت أنّ التنوع الأسلوبي داخل السورة الواحدة، بل داخل المقطع الواحد، أكبر من أن يُرَدّ دائمًا إلى عامل الزمن وحده. فالأسلوب قد يتغيّر بحسب المقام البلاغي، لا بحسب المرحلة التاريخية فقط. وهنا يُتهم منهج (نولدكه) بأنه أسقط تصورًا تطوريًّا خطيًّا على نصّ لا يعمل دائمًا بمنطق الخط المستقيم.

من النماذج البارزة التي تمثّل هذا الاتجاه المعاصر في نقد «المبالغة في الثقة بالشاهد الأسلوبي»، وتجاوز التصور التطوري الخطي الذي اعتمده (نولدكه)، نذكر دراسات (نيكولاي سيناي) (Nicolai Sinai)، وهو باحث ألماني في الدراسات القرآنية، خاصّة في التحليل الإحصائي للنصّ القرآني، حيث أظهرت أبحاثه -خاصّة الدراسة التي أصدرها عام 2017، بعنوان: (The Qur’an: A Historical-Critical Introduction) (القرآن: مقدمة تاريخية نقدية)- أنّ التغير الأسلوبي قد يكون مرتبطًا بالمقام البلاغي والسياق الخطابي لا بالمرحلة التاريخية فقط.

الوجه الثاني من النقد يستهدف الافتراض الفلسفي الضمني للمنهج، لا أدواته فقط. فعدد من الباحثين المعاصرين، مثل: (نويفرت)، يرون أنّ (نولدكه) تعامل مع النصّ بوصفه «وثيقة تطوّر» أكثر مما تعامل معه بوصفه «خطابًا حيًّا تفاعليًّا». في قراءة (نويفرت)، لا يمكن اختزال القرآن في مسار تطوّر أحادي من الوعظ إلى التشريع؛ لأن البنية الخطابية للقرآن -في نظرها- تقوم على التوازي والتراكب والترديد، لا على الاستبدال المرحلي البسيط. بعبارة أخرى، الجديد لا يلغي القديم في القرآن، بل يعيد تدويره داخل بنية أشمل. وهكذا نلاحظ كيف تحوّل الاهتمام من البحث عن ترتيب زمني صارم إلى دراسة البنية الخطابية للنصّ وكيفية بناء المعنى عبر التكرار والتقابل والتداخل، بعيدًا عن اختزال الأسلوب في دلالة زمنية واحدة.

أمّا النقد الثالث، فيتعلق بما يسمّى إعادة الاعتبار للرواية الإسلامية بدل تهميشها المنهجي. فبينما كان (نولدكه) ينظر إلى الروايات التقليدية بوصفها مواد ثانوية لا يُلجأ إليها إلا عند توافقها مع الشاهد الداخلي، يدعو باحثون معاصرون إلى نموذج أكثر تركيبًا، يرى أن هذه الروايات -رغم طابعها التأويلي- هي جزء من تاريخ تلقّي النصّ، ولا يجوز فَصْل تاريخ النصّ عن تاريخ فهمه بهذا الحسم. لا يعني ذلك العودة إلى التسليم الكامل بالسردية التقليدية، بل دمجها داخل نموذج نقدي مركّب بدل إقصائها بوصفها مجرّد تراث غير علمي. ولعلّ من أبرز الأسماء والدراسات التي تمثّل اتجاه إعادة الاعتبار للرواية الإسلامية ودمجها في نموذج نقدي مركّب (نويفرت) التي تركز في أعمالها، خاصة في كتابها (القرآن كنصّ من الثقافة الإسلامية المبكرة)، على أهمية الروايات التقليدية في فهم سياق التلقّي القرآني، وتدعو إلى تجاوز الثنائية بين السردية التقليدية والنماذج التنقيحية. كذلك تبرز أعمال الباحث الفرنسي (فريديريك لاغرانج) (Frédéric Lagrange) في تحليل الرواية الإسلامية بوصفها جزءًا من تاريخ الفهم، وليس مجرّد مصدر ثانوي. ومن الدراسات المهمّة أيضًا كتاب الباحث الألماني (غريغور شولر) (Gregor Schoeler) بعنوان:(The Oral and the Written in Early Islam) (الكتابة والتقاليد الشفوية في الإسلام المبكر)، حيث يناقش العلاقة بين الرواية الشفوية والتدوين، ويؤكّد على أهمية الروايات في بناء التاريخ النصِّي للقرآن. ومن الأسماء المهمّة أيضًا، نجد المستشرق الألماني (هارالد موتسكي) (Harald Motzki)، خاصة في بحثه حول منهج الإسناد وتحليل الروايات النقلية، حيث يؤكد على ضرورة التعامل النقدي مع الروايات دون إقصائها من الدراسة التاريخية للقرآن. كما قدّم مراجعة نقدية للمناهج الاستشراقية المتشددة، عبر تطويره منهج تحليل الإسناد والمتن، محاولًا إعادة تقييم موثوقية الروايات الإسلامية المبكرة.

ويبرز وجهٌ رابع للنقد في الدراسات التي تنبّهت إلى البُعد الدائري في استدلال (نولدكه). فهو يعيد ترتيب السور انطلاقًا من افتراض تصوري عن تطور الدعوة، ثم يستخدم هذا الترتيب نفسه لإثبات ذلك التصوّر. وهذا ما يسميه بعض الباحثين «الدائرة التأويلية المغلقة»، حيث تتحوّل الفرضية إلى دليلها الخاصّ. في الوقت نفسه، لم يتجه النقد المعاصر إلى هدم النموذج النولدكي كليًّا. بل يمكن القول إنّ غالبية الباحثين اليوم يتعاملون معه بوصفه إطارًا تاريخيًّا مرجعيًّا لا بوصفه نظرية مكتملة الصلاحية. فترتيبه ما زال يُستعمل في كثير من الدراسات، لكن بوصفه افتراضًا عمليًّا لا حقيقة علمية نهائية. لقد تحوّل من سلطة تفسيرية إلى أداة من بين أدوات متعدّدة. يضاف إلى ذلك أنّ التحوّلات المنهجية الكبرى في الدراسات الإنسانية، خاصة مع صعود تحليل الخطاب، والنقد السردي، والمقاربة التداولية، جعلت كثيرًا من الباحثين يرون أنّ سؤال «أيّ سورة أسبق؟» لم يعد دائمًا هو السؤال الأكثر إنتاجية. فبدل البحث عن ترتيب زمني صارم، يجري التركيز اليوم على: كيف يعمل النصّ في ذاته؟ وكيف يبني المعنى عبر التكرار والتقابل والتراكب؟ بصرف النظر عن موقعه الدقيق في الخط الزمني.

واللافت أنّ هذا النقد المعاصر لا يصدر، في أغلبه، من موقع دفاعي عن الرؤية الإسلامية التقليدية، بل من داخل تطوّر العلوم الإنسانية الغربية نفسها. أي أنّ (نولدكه) يُنتقد اليوم لا لأنه «تصادمي مع الإيمان»، بل لأنه ينتمي إلى نموذج معرفي القرن التاسع عشر؛ نموذج يؤمن بالتطور الخطّي، وبالسيطرة الكاملة للمنهج على النصّ، وبإمكانية إعادة بناء التاريخ من الداخل بثقة عالية. إنّ نقد الباحثين المعاصرين لمنهج (نولدكه) لا يقوم على نفي قيمته، بل على إعادة وضعه في سياقه التاريخي. فهو منهج أسّس الحقل، وحدّد أسئلته الكبرى، وفتح الباب أمام تاريخية القرآن بوصفها إشكالًا علميًّا. لكنه في الوقت ذاته يحمل حدود عصره التي تمثّلت في الثقة المفرطة بالشاهد الأسلوبي، وافتراض تطوّر خطّي للدعوة، وتهميش نسبي لسؤال التلقّي والتداول.

بهذا المعنى، لم يَعُد (نولدكه) اليوم «المفسِّر الأعلى لتاريخ القرآن»، بل أصبح أحد آباء الحقل الذين يُجلّهم الجميع، ويخالفهم الجميع في الآن نفسه. وهذا في منطق العلم أعلى درجات النجاح أن تتحوّل من حقيقة يُقلَّد بها، إلى إشكال دائم يعاد التفكير فيه بلا نهاية.

من ناحية أخرى، فإنّ النقد المعاصر لمنهج (نولدكه) في ترتيب السور لا يأتي من فراغ، بل يعبّر عن تحوّل أوسع في الدراسات القرآنية الغربية يمكن تسميته: تجاوزًا، بتحوّل ما بعد الاستشراق/ ما بعد السعيدي.

فبعد نقد إدوارد سعيد للاستشراق، لم يعد مقبولًا أن يتعامل الباحث الغربي مع القرآن أو أيّ نصّ (شرقي) بوصفه مجرّد مادة خام خاضعة لسيطرة منهجية أوروبية محايدة. صار مطلوبًا من الباحث أن يكون واعيًا بـعلاقة المعرفة بالسلطة، بموقعه هو داخل شبكة التمثيل، وحدود النماذج التي صِيغت في القرن التاسع عشر تحت وهْمِ الحياد المطلق. هذا الوعي الجديد يظهر بوضوح مثلًا في كتابات (نويفرت) حول العلاقة المتنازع عليها بين القرآن والتاريخ، حيث ترفض الاستقطاب بين (تقليديين) يسلِّمون بالسردية الكلاسيكية، و(تنقيحيين) (Revisionists) يهدمون كلّ شيء، وتبحث عن موقع ثالث نقدي، يعترف بتاريخية النصّ دون أن يختزله في مجرّد بناء أدبي متأخّر. في هذا السياق، يصبح نموذج (نولدكه) هدفًا طبيعيًّا للنقد. فهو النموذج الكلاسيكي الذي جمع بين ثقة فيلولوجية عالية بقدرة الأسلوب على كشف الزمن، وتصور تطوّري خطّي لحركة النصّ، وافتراض صامت بتفوق المنهج الأوروبي وقدرته على إعادة بناء (التاريخ الحقيقي) من وراء الرواية الإسلامية.

لا يرفض جيل (ما بعد الاستشراق) أدوات (نولدكه)، لكنه يشك في البراءة الفلسفية لهذه الأدوات. فيُسأل مثلًا: هل تغيّر الأسلوب دائمًا يعني تغيّر المرحلة التاريخية؟ هل يمكن فعلًا تفسير مسار السور بمنطق (من القصير المتحمّس إلى الطويل الهادئ؟) هل يحقّ لنا أن نفصل تاريخ النصّ عن تاريخ تلقّيه كما فعل (نولدكه)، أم أنّ الرواية الإسلامية جزء من تاريخ النص لا يمكن إلغاؤه؟ هذا النوع من الأسئلة متأثّر بعمقٍ بروح (ما بعد الاستشراق). فليس المطلوب هدم التراث الفيلولوجي، بل إعادة تأطيره، أي: جعله واحدًا من عدّة أصوات في حوار، لا الصوت الأعلى الذي يفسِّر كلّ شيء وحده.

في نفس الوقت، تتحرك الدراسات القرآنية اليوم ضمن إطار أوسع هو (القرآن في أفق أواخر العصور القديمة) (Late Antiquity)، أي: دراسة القرآن في شبكة نصوص وسياقات دينية أوسع (يهودية- مسيحية- سريانية، إلخ) كما تفعل (نويفرت) و(ريـنولدز) وغيرهما. هذا الإطار الجديد يقلّل من مركزية سؤال: (أيّ سورة أسبق؟)، ويُضخِّم من مركزية أسئلة أخرى، مثل: كيف يتفاعل النصّ مع بيئته الرمزية؟ كيف يبني عالـمًا خطابيًّا خاصًّا؟ كيف يُعاد تلقّيه وتأويله تاريخيًّا؟

إذًا، فنقد نموذج (نولدكه) هو عَرَض من أعراض تحوّل أكبر؛ انتقال من استشراق فيلولوجي تأسيسي إلى دراسات قرآنية (ما بعد-استشراقية)، أكثر وعيًا بذاتها، وأقلّ ثقة بالسرديات التطورية الخطية، وأكثر حساسية لتاريخ التلقّي، ولصوت المسلمين أنفسهم، ولتعدد النماذج بدل نموذج واحد مهيمن.

س2: كيف أسهم نولدكه في بلورة المقاربة التاريخية-النقدية للنصّ القرآني داخل الدراسات الاستشراقية؟

د/ عبد الملك هيباوي:

يعدّ (نولدكه) أحد الشخصيات المفصلية في انتقال الدرس القرآني الغربي من مرحلة الاهتمام اللغوي العام إلى مرحلة التأسيس المنهجي للمقاربة التاريخية-النقدية. فإسهامه لا يتمثّل في إضافة معلومات جديدة عن القرآن بقدرِ ما يتمثّل في إعادة تعريف شروط النظر إلى النصّ. فلم يعد القرآن يُقرأ -كما أشرنا إلى ذلك من قبل- بوصفه وحدة مغلقة مكتملة، بل بوصفه نتاجًا لصيرورة تاريخية يمكن استعادة معالمها عبر تحليل داخلي منضبط.

فأوّل مرتكز أسّسه نولدكه هو المبدأ الكرونولوجي النقدي، الذي يقوم على الافتراض بأنّ النصّ القرآني يحمل في بنيته اللغوية والأسلوبية ما يمكن من إعادة ترتيب موادّه وفق تسلسل تاريخي لاحق لتسلسل المصحف. هذه الفكرة، رغم ما قد يعتريها من إشكاليات تطبيقية، مثّلت انقلابًا إبستمولوجيًّا في مجال الدراسات القرآنية؛ لأنها أدخلت عنصر الزمن إلى قلب التحليل النصِّي، وحوّلت الترتيب من مسألة تلقائية إلى أداة تفسيرية تكشف تدرج الخطاب وتحوّلات وظيفة الوحي.

المسار الثاني لإسهام (نولدكه) يتمثّل في نقد الرواية الإسلامية دون إلغائها. فقد تعامل مع المادة التراثية (أسباب النزول، المكي والمدني، روايات الجمع والتدوين) بوصفها معطيات تحتاج إلى اختبار تاريخي، لا نصوصًا ملزمة تحدّد إطار القراءة مسبقًا. هذا الموقف الوَسَطِي، الذي يرفض التسليم المطلق كما يرفض الشك الجذري، أتاح للدرس الاستشراقي أن يتعامل مع الرواية الإسلامية بوصفها شاهدًا، لا بوصفها السلطة الوحيدة المحدِّدة لشروط البحث. وبذلك أُعيد وضع العلاقة بين النصّ والرواية في سياق نقدي يسمح بإعادة البناء دون القطيعة المعرفية.

أمّا الإسهام الثالث والأكثر عمقًا، فيتجلّى في إدخال البُعد السوسيولوجي إلى تحليل الوحي. إذ افترض (نولدكه) أنّ التحوّل في نبرة الخطاب القرآني، من الوعظ القصير الموجّه إلى جماعة مستضعفة، إلى التشريع التفصيلي داخل جماعة متماسكة، يعكس بنية تاريخية موازية لتطوّر المجتمع المسلم الأول. بهذا الربط جعل الوحي ظاهرة تتفاعل مع شروط الاجتماع، لا بنية متجاوزة بالكامل للتاريخ. وقد كان لهذا التصوّر أثر بالغ في جعل النصّ قابلًا للفحص ضمن أدوات العلوم الإنسانية الحديثة.

من خلال هذه العناصر الثلاثة مجتمعة؛ الكرونولوجيا النقدية، نقد الرواية، والتحليل السوسيولوجي، أسهم (نولدكه) في صياغة الإطار الأوّلي لما سيصبح لاحقًا المقاربة التاريخية-النقدية للقرآن. فالمنهج الذي اقترحه لم يكن مجرّد تقنية ترتيب، بل برنامجًا معرفيًّا يهدف إلى إعادة بناء تكوّن النصّ عبر تحليل داخلي يجمع بين الفيلولوجيا والوعي بالسياق التاريخي والاجتماعي.

ورغم أنّ كثيرًا من الباحثين اللاحقين، من الاتجاه التنقيحي الراديكالي إلى المقاربات الأدبية-التاريخية المعاصرة، قد تجاوزوا بعض استنتاجاته أو نقدوا حدوسه الأسلوبية، كما أوضحتُ من قبل، فإنهم ظلّوا يعملون داخل الأفق الذي فتحه؛ ذلك أنّ (نولدكه) لم يقدِّم إجابات نهائية بقدر ما بلور شروط السؤال الحديث عن القرآن؛ شروط تجعل التاريخ جزءًا من البنية التفسيرية، وتجعل النصّ منفتحًا على عمليات إعادة القراءة وإعادة البناء.

بهذا المعنى، يمكن القول أنّ نولدكه لم يُدْخِل القرآن في دائرة النقد التاريخي فحسب، بل أدّى -دون ادّعاء أيديولوجي مباشر- إلى تشكيل تصوّر جديد للقرآن في الوعي الأكاديمي الغربي، أي تصور يرى النصّ كصيرورة، ويرى الوحي كفاعل ضمن التاريخ، ويرى التحليل العلمي طريقًا إلى فهم هذه الصيرورة في إطارها اللغوي والثقافي والاجتماعي.

س3: إلى أيّ مدى أثّر كتاب (تاريخ القرآن) في تشكيل ما أصبح يُعرف بالـدراسات القرآنية (Qur’anic Studies) في الغرب؟

د/ عبد الملك هيباوي:

يعدّ كتاب (تاريخ القرآن) أحد الأعمال المؤسسة التي أسهمت بصورة حاسمة في بلورة ما أصبح يُعرف في الغرب بـ(الدراسات القرآنية) (Qur’anic Studies)، ليس بوصفه دراسة تفسيرية أو لغوية فحسب، بل باعتباره نصًّا أعاد تحديد الإطار المنهجي الذي يُقرأ القرآن من خلاله. ففي اللحظة التي ظهر فيها هذا العمل، انتقل الاهتمام الغربي بالقرآن من مستوى الوصف الخارجي والتعليقات الهامشية إلى مستوى التحليل العلمي المنظّم، الذي يفترض أنّ للقرآن تاريخًا داخليًّا يمكن استعادة ملامحه عبر أدوات النقد الفيلولوجي والتاريخي.

تَمثّل أول أثر جوهري لكتاب (نولدكه) في تحويل القرآن إلى موضوع علمي مستقلّ، يخضع لمنهج واضح وقابل للتطبيق، لا إلى سلسلة تأمّلات مبعثرة أو مقارنات لاهوتية. إنّ ترسيخ (نولدكه) لفكرة أن النصّ القرآني ليس بنية مكتملة خارجة عن الزمن، بل وثيقة تنطوي على طبقات يمكن قراءتها وفق منطق تطوّرها الداخلي، كان بمثابة نقطة الانطلاق التي جعلَت الدراسات القرآنية حقلًا بحثيًّا وعلمًا قائمًا بذاته، له أسئلته ومفاهيمه وحدوده المنهجية.

ومن بين أهمّ الإسهامات التي أدخلها (نولدكه) إلى هذا الحقل ما يمكن تسميته بـ(الكرونولوجيا الداخلية للنصّ). فقد قدّم نموذجًا لإعادة ترتيب السور والآيات اعتمادًا على الشواهد الأسلوبية والبنائية، بحيث يتحوّل النصّ إلى سجلّ يمكن تتبّع مراحل تشكّله، لا مجرّد مصحف مرتّب وفق تقاليد الجمع المتأخّرة. وعلى الرغم من النقد الذي تعرّضت له هذه المحاولة لاحقًا، كما سبقت الإشارة إليه في هذا الحوار، فإنّ أثرها ظلّ حاضرًا بوصفها الإطار المرجعي الذي لا يستطيع الباحث تجاوزه؛ إِذْ إنّ أيّ دراسة لتاريخ القرآن -حتى حين تعترض على (نولدكه)- تفعل ذلك داخل الأفق الذي فتحه. إلى جانب ذلك، أسس (نولدكه) لبنية نقدية جديدة في التعامل مع الرواية الإسلامية التقليدية. فلم يُقصِ هذه الرواية من دائرة البحث، ولم يتعامل معها كأمر مُسلَّم به، بل وضعها في موقع يتاح فيه استخدامها وتفكيكها في آنٍ واحد. هذا التحوّل منحَ الدراسات الغربية قدرة على التحرّك بين النصّ والرواية دون الوقوع في أَسْرِ أيٍّ منهما، وهو ما أصبح لاحقًا جزءًا من الذخيرة المنهجية الأساسية لحقول الـدراسات القرآنية (Qur’anic Studies).

كما أسهم كتاب (تاريخ القرآن) في تغيير طبيعة الأسئلة المطروحة حول القرآن داخل الأكاديميا الغربية. فقد أصبح القرآن يُقرأ بوصفه ظاهرة تاريخية تتفاعل مع بنية المجتمع الأول، لا بوصفه نصًّا خارج الزمن. هذا التحوّل فتح الطريق أمام مدارس متعدّدة، من التوجهات الأدبية-الطقسية إلى المقاربات التاريخية-الاجتماعية والتنقيحية، وجعل جميع تلك الاتجاهات، على تباعدها، تستند إلى المسلَّمة التي أرسى (نولدكه)، مفادها أنّ فهم القرآن يقتضي فهم تاريخه الداخلي. ولعلّ أهمّ ما يفسِّر استمرار تأثير كتاب (تاريخ القرآن) هو أنه لم يقدِّم إجابات نهائية بقدر ما قدَّم بنية سؤال: كيف نُعيد بناء لحظة الوحي من خلال النصّ؟ وكيف نقرأ تطوّر الخطاب الديني من داخل مكوّناته الأسلوبية والموضوعية؟ وكيف نحدّد العلاقة بين الوحي والسياق الاجتماعي؟ هذه الأسئلة شكّلت القاعدة التي قامت عليها الدراسات القرآنية الحديثة، سواء لدى الباحثين الذين طوروا منهجه، أو لدى الذين سعَوا إلى تجاوزه أو نقضه.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى كتاب (نولدكه) باعتباره العمل الذي لم يؤسِّس منهجًا فحسب، بل أسَّس الحقل نفسه. فالدراسات القرآنية في الغرب، في معظم تجلياتها، تتحرّك داخل فضاء معرفي رسم حدوده هذا الكتاب؛ إنه فضاء يرى القرآن نصًّا حيًّا متدرجًا، يتفاعل مع الزمن ويكشف داخليًّا عن مراحل تشكّله، ويستدعي مقاربة نقدية تجمع بين الفيلولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع الديني. ولهذا ظلّ تأثير (نولدكه) ممتدًّا عبر أكثر من قرن، لا بوصفه مرجعًا نهائيًّا، بل بوصفه الأصل الذي جعل تشكُّل الحقل ممكنًا.

س4: ما موقع نولدكه في الخطاب الاستشراقي حول (أصل القرآن) ومصادره؟

د/ عبد الملك هيباوي:

في الخطاب الاستشراقي المتعلق بـ(أصل القرآن) ومصادره، يشغل (نولدكه) موقعًا فريدًا يمكن وصفه بأنه موقع المؤسّس الحَذِر. فهو لا ينتمي إلى المدرسة التي تَرُدّ القرآن ردًّا مباشرًا إلى الوثائق اليهودية-المسيحية، ولا إلى الاتجاه الذي يقبل السردية الإسلامية دون مساءَلة، بل يقف في منطقة وُسْطى، صارت لاحقًا مرجعًا إجباريًّا لكلّ نقاش غربي حول كيفية نشأة النصّ.

يقوم موقف (نولدكهعلى أنه لم يجعل سؤال (أصل القرآن) سؤالًا لاهوتيًّا أو عقائديًّا، بل أعاد صياغته بوصفه سؤالًا تاريخيًّا-لغويًّا؛ أي: ما الذي يمكن للنصّ أن يقوله عن ظروف ظهوره؟ وما العلاقة بين لغة القرآن ومحيطه الثقافي؟ بهذا الابتعاد عن الأحكام الميتافيزيقية، احتلّ (نولدكه) موقعًا وسطًا بين القراءة التي تُنزِّه القرآن عن أيّ تفاعل تاريخي، والقراءة التي تسلبه كلّ خصوصيته وتُذِيبه في تراث ديني سابق. كانت الفيلولوجيا هي أداته الرئيسة. حين درس المفردات القرآنية ذات الصِّلة بحقل الديانات السامية، تبين له وجود تماسّات لغوية ودلالية مع العِبرية والآرامية، لكنه لم يعتبر ذلك دليلًا على (اشتقاق مباشر) أو (اعتماد واع) على نصوص دينية سابقة. بل رأى أنّ القرآن تحرّك داخل فضاء ثقافي-لغوي مشترك، يشترك فيه العرب مع جيرانهم في تقاليد مصطلحية ورمزية تمتدّ عبر الشرق الأدنى. وهذا الفهم جعله يبتعد عن الاستنتاجات المتعجّلة التي سادت لاحقًا لدى بعض المستشرقين المتطرفين، الذين رأوا في كلّ تقاطع دلالي (استعارةأو (مصدرًا مباشرًا) للقرآن الكريم.

أمّا في ما يتعلّق بالسرد القرآني، خاصّة قصص الأنبياء، فقد تجنّب (نولدكه) القراءة الاختزالية التي تجعل القرآن مجرّد إعادة إنتاج للنصوص الكتابية. كان واعيًا بأن التراث اليهودي-المسيحي شكّل خلفية ثقافية واسعة، لكنه شدّد على أنّ القرآن يعيد صياغة هذه المواد داخل منظومة دلالية مختلفة تمامًا، تجعل القصة وسيلة لتأسيس الهوية الدينية الجديدة، لا لمجرّد تكرار الروايات السابقة. بهذا المعنى، لم ينظر (نولدكه) إلى القرآن كفرع من (كتاب سابق)، بل كصوت مستقلّ يتكئ على التراث بقدر ما يعيد تأويله.

الأهمّ من ذلك أن (نولدكه) لم يعتبر القرآن نصًّا تأليفيًّا مركّبًا من مصادر متعدّدة بالأسلوب الذي تبنّـته لاحقًا مدرسة (جون وانسبرو) وبعض التنقيحيين. بالنسبة إليه، القرآن نصٌّ ذو وحدة داخلية قوية، وإن كان قد تشكّل عبر مراحل. لم يدَّعِ (نولدكه) أنّ هناك (مصدرًا كتابيًّا) واحدًا أو مجموعة وثائق استقى منها النبي مباشرة، بل رأى أنّ القرآن نتاج خبرة نبوية تتفاعل مع الثقافة المحيطة، من دون أن يختزلها في كونها (جمعًا للموروث).

بهذا التوازن الدقيق بين التأثر والاستقلال، حظي (نولدكه) بموقع وسط بين اتجاهين استشراقـيَّيْن متعارضَيْن: اتجاه كلاسيكي حاول ربط القرآن جذريًّا بالكتاب المقدس، واتجاه لاحق أكثر راديكالية حاول قطع القرآن عن سياقه العربي وربطه بسياقات خارجية متأخرة. بقي (نولدكه) أقرب إلى ما يمكن تسميته بالنقد التاريخي المعتدل؛ فهو يعترف بالتداخلات الثقافية، لكنه يرفض أن تتحوّل إلى تفسير شامل أو إلى نفي لخصوصية النصّ. والحقيقة أن تأثيره كان مضاعفًا. فمن جهة، قدّم نموذجًا علميًّا أكثر اتزانًا من كثير من القراءات الاستشراقية. ومن جهة أخرى، وفّر للأجيال اللاحقة، بما في ذلك الأكثر تشكيكًا، الأدوات التي استخدموها لتفكيك السردية الإسلامية. وكأنّ (نولدكه) وضع الأرضية المنهجية التي تَوسّع عليها اللاحقون، حتى حين خالفوا نتائجه.

يمكن القول إذًا أنّ موقع (نولدكه) في الخطاب الاستشراقي حول (أصل القرآن) هو موقع المهندس الأول للخطاب النقدي الحديث؛ مهندس لم يسعَ إلى هدم الرواية الإسلامية، ولم يسقط في الاستسهال التفسيري، بل رسم مجالًا وسطًا صار -وبشكل مفارق- مصدرًا مشتركًا للاتجاهات المعتدلة والراديكالية على السواء. إنه الموقع الذي يربط النصّ بسياقه دون أن يُذِيبه فيه، ويقرأ تاريخه دون أن ينفي فرادته، ويضعه داخل شبكة الأديان الساميّة دون أن يختزله إلى مجرد صدى لها.

وتجدر الإشارة أنّ تلقِّي الباحثين المسلمين المعاصرين لتصوّر نولدكه حول (أصل القرآن) وتاريخ طبقات خطابه لم يكن مجرّد موقف واحد أو ردّ فعل موحَّد، بل كان طيفًا واسعًا من التفاعل المعرفي الممتد بين الرفض القاطع، والقبول الانتقائي، والاستيعاب النقدي، والتوظيف النظري المشروط. ولعل سرّ هذا التنوع يكمن في أنّ (نولدكه) لم يقدِّم قراءة لاهوتية تُقبَل أو تُرفَض، بل طرحَ إطارًا معرفيًّا لتحليل الوحي داخل الزمن، وهو إطار لم يستقرّ في الوعي الإسلامي بسهولة؛ لأنه يتعامل مع النصّ من خارج الأفق الإيماني التقليدي.

ضيف الحوار

عبد الملك هيباوي

الدكتور عبد الملك هيباوي

دكتوراه في الدراسات الاستشراقية الألمانية من جامعة محمد الخامس بالرباط وجامعة بون بألمانيا. رئيس قسم حوار الأديان والحضارت بالمعهد الألماني للحوار والتفاهم "مواطنة" بألمانيا. أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة توبنجن الألمانية، ومنسق ماستر الدراسات الإسلامية التطبيقية للرعاية الروحية والخدمة الاجتماعية-سابقا-.

مواضيع ذات صلة

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))