الاستشراق الألماني؛ المنهج والآثار
الاستشراق الألماني
المنهج والآثار
إعداد: ليلى ثمراوي
يعد الاستشراق الألماني من أهم المدارس الاستشراقية في دراسات القرآن، وقد اتسم بملامح خاصة تتصل بأسباب ومسارات نشأته وتطوره، كذلك فإن الاستشراق الألماني مستمر التأثير على ساحة الدراسات القرآنية الغربية، سواء بكُتبه المركزية التي لا يزال لها أهميتها في الحقل، أو بالإسهامات الجديدة التي يقدمها دارسون معاصرون.
يتناول هذا الحوار مع د/ عبد الملك هيباوي منهج الاستشراق الألماني في دراسات القرآن، والآثار التي تركها على دراسة القرآن في السياق الغربي.
منهج المدرسة الألمانية في دراسة القرآن:
س1: ما السِّمات الفيلولوجية التي ميّزت مقاربة الدراسة الألمانية للقرآن مقارنةً بالدراسة الفرنسية أو الأنجلوساكسونية؟
د/ عبد الملك هيباوي:
تميّزت مقاربة الدراسة الألمانية للقرآن الكريم، منذ بدايات تشكّلها في القرن التاسع عشر، بسِمَات فيلولوجية صارمة جعلتها تختلف بوضوح عن نظيراتها في المدرستَيْن الفرنسية والأنجلوساكسونية. فقد جعلتْ هذه المقاربةُ من النصّ القرآني موضوعًا لغويًّا-تاريخيًّا قبل أن يكون نصًّا دينيًّا أو عقديًّا. حيث انطلقتْ من فرضية أنّ فهم القرآن لا يمكن أن يستقيم إلا عبر تفكيك بِنيته اللغوية الداخلية، أي جذوره، وصرفه، وتطوّره الدلالي، وأنماطه الأسلوبية، وتفاوت طبقاته النصّية. ويعدّ مشروع (تيودور نولدكه) (Theodor Nöldeke) (1836- 1930) في ترتيب السور زمنيًّا مثالًا دالًّا على هذا المنحى؛ إِذْ لم يعتمد فيه على الروايات الإسلامية وحدها، بل استند إلى معايير أسلوبية صوتية وإيقاعية وبنيوية، وكأنّ النصّ يُقرأ بوصفه كائنًا لغويًّا يتشكّل عبر الزمن لا مجرّد وعاء مكتمل منذ لحظته الأولى.
ومن داخل هذا الأُفق الفيلولوجي، تبلورت فكرة (الطبقات النصّية)، أي افتراض أنّ القرآن مرّ بمراحل تشكّل وتحرير قبل أن يستقر في صورته المعروفة، وهو ما دفع باحثين لاحقين مثل: (غونتر لولينغ) (Günter Lüling) (1928- 2014)، و(كريستوف لوكسنبرغ) (Christoph Luxenberg) إلى إعادة قراءة بعض الألفاظ والتراكيب في ضوء السريانية والآرامية، لا باعتبارها ديانات سابقة فحسب، بل بوصفها لغات ساميّة شقيقة تشترك مع العربية في الحقل الصوتي والجذري ذاته. وهنا تتجلّى سِمة جوهرية في المدرسة الألمانية، وهي المقارنة اللغوية الدقيقة التي تركّز على الصرف والدلالة والصوت، لا على الجدل اللاهوتي أو السرد الديني.
كما اتّسمت هذه المقاربة بنزعة نقدية حادّة تجاه التفسير الإسلامي التراثي، لا من منطلق عداء عقدي مباشر دائمًا، بل بوصفه مادة يجب اختبارها وفق معيار اللغة والتاريخ لا وفق سُلطة النقل وحده. وهذا ما جعل كثيرًا من نتائجها تصطدم بالبنية التفسيرية التقليدية في العالم الإسلامي، وأدخلها في توترات معرفية لا تزال ممتدّة إلى اليوم.
وعند مقاربة الدراسة الألمانية للقرآن الكريم بالمقاربة الفرنسية، يتّضح اختلاف زاوية النظر بجلاء. فالمدرسة الفرنسية تُعنى في دراسة القرآن بالجانب الخطابي والبلاغي بشكلٍ رئيس؛ إِذْ يتركّز اهتمام الباحثين الفرنسيين على تحليل أسلوب النصّ القرآني وجمالياته؛ مثل الإيقاع الموسيقي، والبناء الجمالي، وحركة الخطاب وتأثيره في المتلقِّي. ومِن أبرزِ رموز هذا الاتجاه نجد (ريجيس بلاشير) (Régis Blachère) (1900- 1973)، و(جاك بيرك) (Jacques Berque) (1910- 1995) اللذَيْن ركّزَا على كيفية قول المعنى وتشكيل الرسالة القرآنية، أكثر مِن تتبّع تطوّر النصّ أو تفكيكه لغويًّا. فالفرنسيون يرون في القرآن تجربة خطابية ذات أثر ثقافي واجتماعي، ويحرصون غالبًا على إبراز التفاعل بين النصّ والمتلقِّي في سياق النشأة النبوية والبيئة الثقافية العربية. تميل زاوية النظر لديهم إلى دراسة القرآن ضمن سياق حضاري وتاريخي، مع التركيز على الوظيفة البلاغية للنصّ، وليس على تفاصيل تاريخ تدوينه أو تطوّر مخطوطاته كما هو الحال في المدرسة الألمانية. فاهتمامهم انصبّ على (كيف يُقال المعنى) أكثر من (كيف تكوَّن النصّ)، وعلى البُعد الأدبي والإنساني للتجربة القرآنية أكثر من تفكيك مادتها اللغوية الخام. فإذا كان الألماني يشتغل بمشرط التشريح اللغوي، فإنّ الفرنسي يشتغل بعدسة البلاغة والتأويل الأدبي. كذلك، يظهر لدى المدرسة الفرنسية ميل إلى الموازنة بين النقد التاريخي وحساسية (الإسلام المعاصر)، حيث يسعى بعض الباحثين إلى فهم النصّ القرآني دون الدخول في صدام مباشر مع الموروث الإسلامي، بل يراهنون على إبراز القيمة الأدبية والإنسانية للنصّ ضمن سياقاته الثقافية والتاريخية. ومِن أبرزِ الباحثين الفرنسيّين الذِين يمثّلون هذا الاتجاه: (دومينيك سوريو) (Dominique Souriau) (1944- 2016)، و(دينيس غريل) (Denis Gril) (مواليد 1949)، حيث أسهمَا في تقديم قراءات تهدف إلى إبراز الأبعاد الأدبية والتاريخية للنصّ القرآني مع مراعاة خصوصية السياق الإسلامي المعاصر.
أمّا المدرسة الأنجلوساكسونية فقد اتّخذت مسارًا مختلفًا عن المدرسة الألمانية والفرنسية، حيث ركّزت على إعادة بناء السياق التاريخي الخارجي لنشأة النصّ القرآني، مع ميل واضح إلى التشكيك في الروايات الإسلامية المبكّرة والاعتماد على مصادر غير إسلامية. من رموز هذا الاتجاه الأمريكي (جون وانسبرو) (John Wansbrough) (1928- 2002)، وكذا البريطانيان (باتريشيا كرون) (Patricia Crone) (1945- 2015)، و(مايكل كوك) (Michael Cook) (وُلد عام 1940)، اللذَان حاولَا في كتابهما المشترك (الهاجرية: تشكّل العالم الإسلامي المبكّر) (Hagarism: The Making of the Islamic World) الذي صدر عام 1977؛ تفسير نشأة الإسلام اعتمادًا شبه كامل على مصادر غير إسلامية. فلم تعد هنا الفيلولوجيا الدقيقة هي الأداة الأساسية لديهم حول تشكّل الإسلام في بيئاته الأُولى، بل الفرضيات التاريخية الكبرى. وهذا ما يُعرف في الدراسات القرآنية بـ«الاتجاه التنقيحي» (Revisionism)، أو بتعبير المفكِّر السوري رضوان السيد: «المراجعون الجُدد» من الأوروبيين والأمريكيين، الذين يحملون أوّل ما يحملون على «التاريخانية الاستشراقية» الألمانية. هذا الاتجاه في الاستشراق، ظهر بقوّة منذ سبعينيات القرن الماضي، يقوم على إعادة كتابة التاريخ الإسلامي المبكّر بشكلٍ جذري، عبر التشكيك في المصادر الإسلامية التقليدية، والاعتماد بدلًا منها على الأدلّة الخارجية (نقوش، مخطوطات، مصادر غير إسلامية). وقد ذهبتْ بعض الطروحات التنقيحية إلى أنّ القرآن لم يتشكّل في مكة والمدينة بالشكل المعروف، وأنه تطوّر لاحقًا داخل بيئة دينية أوسع، خاصّة في العراق أو الشام، وأن الجماعة الأولى لم تكن (إسلامية) بالمعنى المتأخّر.
من ناحية أخرى اتجهت المدرسة الأنجلوساكسونية إلى التحليل الخطابي والأنثروبولوجي، فاهتمّت بكيفية عمل النصّ القرآني في الوعي والثقافة والسُّلطة، ودرست القرآن باعتباره خطابًا دينيًّا-اجتماعيًّا داخل شبكة السُّلطة والهوية والتمثيل. فبينما يغوص الألماني داخل الكلمة وبنيتها، يقف الأنجلوساكسوني خارج النصّ ليُعيد رسم المشهد التاريخي والثقافي من جديد، مع التركيز على العلاقات الاجتماعية والسرديات الكبرى، وتفاعل النصّ مع المجتمع ومفاهيم السّلطة والدِّين. وفي مراحل لاحقة، أصبحت المدرسة الأنجلوساكسونية أكثر حذرًا سياسيًّا وثقافيًّا؛ إِذْ راعت حساسيات المجتمعات الإسلامية المعاصرة، مع استمرارها في تبنّي فرضيات نقدية حول تشكّل النصّ وتاريخه ضمن إطار أوسع من التحليل الثقافي والاجتماعي.
وعليه، يمكن القول إنّ المدرسة الألمانية تميزت بصرامة لغوية استثنائية، وتشريح داخلي للنصّ، واهتمام مقارن باللغات الساميّة، ونقد جذري للموروث التفسيري، لكنها في الوقت ذاته ليست بريئة من تحيّزات القرن التاسع عشر، ولا من نزعة تفكيكية قد تنزلق أحيانًا إلى فرضيات قسرية تتجاوز ما يسمح به النصّ نفسه. إنها مدرسة تمتلك أدوات حادّة وفعّالة، لكنها لا تمثّل وحدها العقل العلمي الخالص، بل تعكس بدورها شروطها التاريخية والمعرفية، مثلها مثل غيرها من المقاربات. إنّ المقاربة الألمانية للقرآن تشكّلت داخل عقل فيلولوجي خالص؛ عقل يقدّس الدّقة، ويشكّ في البديهيات، ويعامل النصّ بوصفه كائنًا تاريخيًّا حيًّا لا وثيقة نهائية مغلقة. بينما اتجهت المدرسة الفرنسية إلى قراءة القرآن كحدث تاريخي-ثقافي، ومال الاتجاه الأنجلوساكسوني نحو قراءته كخطاب ديني-اجتماعي داخل شبكة السُّلْطة والهوية والتمثيل.
والخلاصة، فإنّ الفارق الجوهري لا يكمن في النتائج بقدر ما يكمن في نوع الأسئلة نفسها؛ فالألماني يسأل: كيف تشكّل هذا النصّ لغويًّا وتاريخيًّا؟ والفرنسي يسأل: كيف نشأ هذا الدِّين في مجتمعه؟ والأنجلوساكسوني يسأل: كيف يعمل هذا النصّ في الوعي والثقافة والسلطة؟ ومن اختلاف الأسئلة تتولّد اختلافات عميقة في الرؤية والمعرفة.
س2: كيف انعكس التركيز الألماني على النقد النصِّي والمقارنة اللغوية في فهم القرآن وتاريخه؟
د/ عبد الملك هيباوي:
لم يكن تركيز المدرسة الألمانية على النقد النصِّي والمقارنة اللغوية مجرّد اختيار تقني داخل حقل الدراسات القرآنية، بل كان تحولًا جذريًّا في طريقة طرح السؤال نفسه عن القرآن، من سؤال: ما الذي يعنيه النصّ؟ إلى سؤال أعمق وأخطر، وهو: كيف تكوَّن هذا النصّ تاريخيًّا ولغويًّا؟ بهذا الانتقال، لم يعد القرآن يُقرأ بوصفه مصحفًا مكتملًا فحسب، بل بوصفه كائنًا لغويًّا حيًّا له تاريخ تشكّل وتحوّلات وطبقات.
أوّل انعكاس حاسم لهذا التوجه تمثّل في تفكيك بداهة (النصّ النهائي). فقد تعامل الباحث الألماني مع القرآن لا باعتباره كيانًا مغلقًا استقر دفعة واحدة، بل بوصفه نصًّا مرّ بمراحل من الشفاهة، والجَمْع، والتدوين، والترتيب. هنا برز مشروع (تيودور نولدكه)، الذي أشرنا إليه سلفًا، بوصفه علامة فاصلة؛ إِذْ لم يعد تاريخ القرآن تابعًا للرواية النقلية وحدها، بل صار موضوعًا لإعادة بناء علمية مستقلّة، تعتمد مقارنة الأساليب، وتحليل البنية اللغوية، وتتبع تطوّر الصيغ التعبيرية بين المكي والمدني وبين الطبقات الأسلوبية المختلفة داخل النصّ. بهذا المعنى، نقلت المدرسة الألمانية تاريخ القرآن من مستوى (السرد) إلى مستوى (البنية). فلم تعد المسألة: متى نزلت هذه السورة؟ بل: أيّ منطق لغوي يحكم هذه الطبقة من الخطاب؟ وأيّ تحول دلالي يكشف انتقال النصّ من جماعة صغيرة مضطهدة إلى كيان سياسي ناشئ؟ وهنا تحول الأسلوب إلى شاهد تاريخي، لا مجرّد وعاء بلاغي.
أمّا المقارنة اللغوية، فقد أحدثت اهتزازًا أعمق في تصور (الفرادة المطلقة) للّغة القرآنية. فبدل أن تُقرأ الألفاظ داخل القاموس العربي وحده، دُفعت بقوّة إلى فضائها الساميّ الأوسع: العبرية والآرامية والسريانية والحبشية. وهكذا لم يعد لفظ مثل: (الفرقان) أو (الروح) أو (السكينة) يُفسَّر عربيًّا فقط، بل يعاد ربطه بسلسلة دلالية ممتدة عبر قرون من التداول الديني في الشرق الأدنى. وكمثال على هذه المقاربة، نذكر من الدراسات الحديثة، كتاب (كريستوف لوكسنبيرغ) (Christoph Luxenberg) الذي صدر بالألمانية عام 2000، تحت عنوان: (Die syro-aramäische Leseart des Koran) (القراءة السريانية-الآرامية في تلاوة القرآن)، وتُرجم إلى الإنجليزية، مبرزًا أنّ الكتاب يمثّل إسهامًا في فكّ رموز لغة القرآن. هذا المنحى لم يؤدِّ إلى (نزع الأصالة) عن القرآن كما اتُّهم أحيانًا، بل أدّى إلى إعادة فهم آلية تشكّل المعنى الديني في فضاء لغوي مشترك. لكن لهذا التحوّل ثمنه المعرفي الباهظ؛ إِذْ أخرج القرآن من عزلة قدسية مغلقة، وأعاده إلى شبكة تبادلات لغوية ودينية كثيفة. وهنا انقسم الوعي الإسلامي المعاصر بين من رأى في ذلك (تهديدًا للأصالة)، ومَن رأى فيه توسيعًا لأفق الفهم التاريخي للنصّ.
الانعكاس الثاني تمثّل في نزع المركزية المطلقة للرواية التفسيرية الإسلامية التقليدية في كتابة تاريخ القرآن. فبدل أن تكون كتب أسباب النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، والقراءات؛ المرجع الحصري لبناء تاريخ النصّ، دخلت المخطوطات واختلافات الرسم والمقارنات الأسلوبية، بوصفها شهودًا موازية للنقل. وهكذا انتقل تاريخ القرآن من كونه (تاريخًا رَوائيًّا) إلى كونه (تاريخًا نقديًّا)، تتحاور فيه الرواية مع الوثيقة، والقراءة مع الأثر المادي.
أمّا الانعكاس الثالث، فهو إعادة تعريف العلاقة بين القرآن والبيئة السابقة على الإسلام. فالنقد اللغوي المقارن جعل القرآن يُقرأ داخل فضاء ديني مشترك، يضم الفضاء اليهودي-المسيحي، لا داخل صحراء مقطوعة الجذور. وهنا تغيّر السؤال من: هل القرآن متأثّر؟ إلى: كيف أعاد القرآن تشكيل هذا الإرث وأعاد توزيعه داخل نظام توحيدي جديد؟ هذا التحوّل نقل البحث من منطق الاتهام إلى منطق تحليل آليات التحويل الديني. ومن المستشرقين الألمان المعاصرين الذين تناولوا هذا الموضوع بالتفصيل نجد الباحث (تيلمان ناجل) (Tilman Nagel) في كتابه الذي صدر بالألمانية عام 2010، تحت عنوان: (Der Koran und sein religiöses und kulturelles Umfeld) (القرآن وبيئته الدينية والثقافية)، حيث عرض لآراء مَن سبقه في هذا الموضوع من مستشرقين ألمان وغيرهم، وناقش بعضها.
غير أنّ هذا التركيز الألماني على النقد النصِّي والمقارنة اللغوية لم يكن مجرّد إضافة أدوات، بل كان في العمق، تحوّلًا فلسفيًّا في فهم الوحي نفسه. فالوحي لم يعد يُفهم بوصفه قطيعة لغوية مطلقة مع التاريخ، بل بوصفه حدثًا يتجلّى داخل اللغة والتاريخ معًا. وهذا بالضبط موضع التوتر العميق بين الرؤية الإيمانية والرؤية الفيلولوجية، فالأُولى ترى في التاريخ وعاء للقداسة، والثانية ترى في القداسة مادة للتاريخ.
واللافت أنّ هذه المقاربة الألمانية، رغم برودتها الظاهرية، حرّرت النقاش القرآني من نمطين متقابلين: حرّرته من القراءة التمجيدية التي ترى كلّ سؤال مساسًا بالمقدّس، وحرّرته أيضًا من القراءة التبسيطية التي تختزل النصّ في مناورة سياسية أو تلفيق عقائدي. ولذا فقد كشفت هذه المقاربة أنّ القرآن ليس نصًّا بسيطًا من طبقة واحدة، بل بنية مركّبة تتراكب فيها الذاكرة الشفوية، والتحوّلات الاجتماعية، والتكثيف البلاغي، والتراكم الدلالي عبر زمن الوحي.
وخلاصة القول في هذا السياق: إنّ التركيز الألماني على النقد النصِّي والمقارنة اللغوية أعاد تشكيل فهم القرآن بثلاث طرق كبرى. أولها: جعله نصًّا ذا تاريخ داخلي يمكن تحليله علميًّا. وثانيها: أدخله في شبكة لغوية ساميّة واسعة تتجاوز العربية وحدها. وثالثها: نقل دراسته من مستوى التلقِّي الإيماني المغلق إلى مستوى السؤال التاريخي المفتوح.
غير أنّ هذا الإنجاز المنهجي -على عمقه وقيمته- ظلّ مشدودًا إلى توتر لا يمكن تجاوزه بسهولة؛ توتّر بين قرآن يُقرأ بوصفه نصًّا إلهيًّا مقدسًا مكتمل المعنى، وقرآن يُحلّل بوصفه وثيقة لغوية تتكوّن داخل التاريخ. وبين هذين الأُفقين، لا يزال الصراع على معنى القرآن، لا على ألفاظه فقط، قائمًا حتى اليوم.
س3: هل يلتقي المنهج الألماني في التعامل مع القرآن مع مناهج Biblical Criticism في دراسة الكتاب المقدّس؟
د/ عبد الملك هيباوي:
يُخَيَّل للوهلة الأُولى أنّ المنهج الألماني في دراسة القرآن، بما يحمله من صرامة في النقد النصِّي والمقارنة اللغوية، يشبه إلى حدّ كبير مناهج (Biblical Criticism) التي ازدهرت في ألمانيا نفسها خلال القرن التاسع عشر في دراسة العهدَيْن القديم والجديد. لكن التشابه هنا ليس تطابقًا، بل هو تقاطع في الأدوات واختلاف في البنية والغايات. فاللقاء بين المنهجَين يشبه التقاء نهرَيْن ينبعان من جبل واحد، لكِنْ لكلّ منهما مجراه الخاصّ، وربما مصبّ مختلف. كيف ذلك؟
نشأ النقد الكتابي المسيحي على أساس فكرة جوهرية، وهي أنّ الكتاب المقدس، رغم مكانته، يبقى وثيقة تاريخية نتجَت عن تراكم طبقات، وصياغات، ويد بشرية ممتدة عبر قرون. هذه الفكرة نفسها كانت الخلفية التي سمحت بتطوّر نقد المصدر (Source Criticism)، ونقد الشكل (Form Criticism)، ونقد التقليد (Tradition Criticism)، وكلّها تستهدف إعادة تركيب الطبقات التكوينية للكتاب المقدّس. وعندما دخل المستشرق الألماني إلى حقل الدراسات القرآنية، حمل معه هذه الأدوات نفسها تقريبًا، لكنها حين لامسَت القرآن لم تعمل بالطريقة ذاتها؛ لأنّ المادة النصّية والبيئة التاريخية والوظيفة الدينية مختلفة جوهريًّا. وإذا أردنا أن نقارن بين المنهجين فإنّنا نجدهما يلتقيان في ثلاثة مستويات أساسية:
أولًا: الاعتقاد بإمكان إعادة بناء تاريخ النصّ من داخله. فالقرآن، مثل الكتاب المقدّس، يُقرأ في هذا المنظور بوصفه نصًّا له مراحل تكوّن، تظهر إشاراتها في الفروق الأسلوبية، وتنوّع المفردات، وتغير الإيقاع الخطابي، وتطوّر البنية التشريعية والعقدية. هذا التشابه ليس عرضيًّا، بل نابع من إيمان ألماني عميق بأنّ النصوص الكبرى يمكن فهمها فهمًا أفضل حين يعاد وضعها داخل الزمن لا خارجه.
ثانيًا: المقارنة اللغوية بوصفها مفتاحًا للتاريخ الديني. فكما أعاد النقد الكتابي العبرية والآرامية والسريانية إلى مركز التحليل، كذلك فعلت المدرسة الألمانية حين أعادت ربط ألفاظ القرآن بجذورها الساميّة، معتبرة أنّ الوحي لا ينفصل لغويًّا عن بيئته، وأنّ أيّ نصّ ديني يُفهم حقًّا حين يُستعاد نسقه اللغوي الأول. هنا يتقاطع المنهج القرآني مع المنهج الكتابي في فكرة أنّ اللغة ليست وعاء محايدًا، بل شاهد على حركة الروح والدلالة.
ثالثًا: تجاوز القراءة العقائدية المغلقة. فالنقد الكتابي كان -في بداياته- ثورة على سلطة الكنيسة وتفسيرها الحصري للكتاب المقدّس. والمنهج الألماني في القرآن كان -من موقع آخر- ثورة على سلطة الرواية التفسيرية الإسلامية التقليدية، وعلى مركزية الإسناد، وعلى بداهة النصّ المكتمل. كِلا المنهجين -إذن- يحاول تحرير النصّ من سلطة التقليد، وإعادة وضعه في مواجهة التاريخ.
لكن عند هذا الحد يبدأ الاختلاف لا التشابه. فالقرآن نصّ أقرب إلى النواة الصلبة في تاريخه النصِّي؛ فهو محفوظ بدقّة أعلى عبر المخطوطات المبكّرة، مستقرّ البنية مقارنة بالعهد القديم الذي تشكّل عبر قرون من التحرير. أمّا النقد الكتابي فقد وجد نفسه أمام نصوص ذات طبقات زمنية سميكة تسمح بإعادة التفكيك الواسع. لذلك كان النقد الألماني في القرآن أكثر حذرًا، وأقلّ قدرة، وربما أقلّ رغبة، في إعادة بناء (نصّ ما قبل المصحف) بالطريقة التي حاول بها النقد الكتابي إعادة بناء (ما قبل التوراة) أو (مصادر الأناجيل).
ثم إنّ القرآن لم يتشكّل داخل فراغ مؤسّسي كما حدث في نصوص الكتاب المقدّس، بل نشأ في فضاء جماعة تاريخية حافظتْ على نصّه تثبيتًا ورواية وقراءة. لذلك لم يجد المنهج الألماني أمامه مسافة تحريرية واسعة تسمح بتفكيك جريء كتلك التي مارسها النقد الكتابي، بل وجد بنية أكثر صلابة تتطلّب منه تطوير أدوات أكثر دقّة لا أكثر عنفًا.
يضاف إلى ذلك أنّ النقد الكتابي كان في جوهره مشروعًا داخليًّا يحاول إصلاح العلاقة بين المسيحية ونصّها، بينما كان النقد القرآني الألماني مشروعًا خارجيًّا يقرأ نصًّا لا ينتمي إلى تقاليده الدينية. ولهذا اتُّهم بالبرودة وعدم القدرة على إدراك البُعد الوجودي للقرآن كما يُعاش داخل الوعي الإسلامي. الفارق هنا ليس علميًّا فقط، بل وجودي وثقافي. ولعلّ المفارقة الأعمق أنّ المنهج الألماني، رغم أنه ورث أدوات (Biblical Criticism)، فقد كشف حدود هذه الأدوات نفسها؛ فالنصّ القرآني قاوم استنساخ المنهج الكتابي حرفيًّا، وأجبر الباحث الألماني على تطوير مقاربة جديدة تتراوح بين الفيلولوجيا الصارمة، والتحليل التاريخي، والوعي بأنّ القرآن ينتمي إلى نموذج نصّي مختلف لا يمكن تفكيكه تمامًا بأدوات صُمِّمَت أصلًا لتراث آخر.
والخلاصة أنّ المنهج الألماني يلتقي مع النقد الكتابي في المبدأ والمنهج، لكنه يبتعد عنه في المادة والنتيجة. كلاهما يبحث عن تاريخ النصّ، لكن أحدهما يعمل داخل فضاء ديني يعترف بمرور قرون من التحرير، والآخر يعمل داخل فضاء نصِّي يتمتع بدرجة استثنائية من الثبات والانسجام الداخلي. وبين اللقاء والافتراق يكمن الدرس. فليست النصوص وحدها التي تُدرَس، بل المناهج نفسها التي تُختبر وتُعاد صياغتها حين تواجه نصوصًا بمستوى تعقيد القرآن وصلابته.
س4: كيف تعامَل المستشرقون الألمان، خصوصًا نولدكه وفلهاوزن، مع مسألة الوحي في القرآن: كظاهرة روحية أم كنتاج ثقافي-تاريخي؟
د/ عبد الملك هيباوي:
تُمَثّل مسألة الوحي إحدى أكثر النقاط حساسية في التوتر العميق بين الرؤية الإسلامية الداخلية للقرآن، والرؤية النقدية التي تبنّاها المستشرقون الألمان، وعلى رأسهم (تيودور نولدكه) وصديقه (يوليوس فلهاوزن) (Julius Wellhausen) (1844- 1918)، فالسؤال لم يكن تقنيًّا من نوع: متى نزل النصّ؟ ولا لغويًّا صرفًا من نوع: كيف تشكّلت عباراته؟ بل كان سؤالًا فلسفيًّا ثقيلًا: ما طبيعة الوحي نفسه؟ أهو حدثٌ متعالٍ يفرض منطقه من خارج التاريخ، أم تجربة إنسانية تتشكّل داخل شروط الثقافة واللغة والمجتمع؟
في الإطار العام للمنهج الألماني، لم يُتناول الوحي بوصفه ظاهرة فوق تاريخية، ولا كمعطى إيماني يُسلَّم به، بل بوصفه ظاهرة قابلة للتفسير داخل شروطها التاريخية والنفسية والاجتماعية. هذا لا يعني أنّ (نولدكه) و(فلهاوزن) أنكـرَا البُعد الروحي صراحة، لكنهما رفضَا أن يكون هذا البُعد تفسيرًا علميًّا مقبولًا داخل المنهج الأكاديمي. فالمنهج عندهما لا يسأل: هل الوحي حقّ؟ بل يسأل: كيف يمكن فهمه بوصفه حدثًا وقع في التاريخ؟
عند (نولدكه) يتجلّى هذا الموقف بوضوح بالِغ في مقاربته لتاريخ القرآن. فهو لا يتعامل مع الوحي باعتباره خطابًا إلهيًّا يتنزّل خارج الزمن، بل بوصفه سلسلة من التجارب الخطابية المتدرّجة، ارتبطت بتحوّلات الدعوة، وبنموّ الجماعة، وبالانتقال من وضع الاستضعاف إلى وضع التمكين. هنا يصبح الوحي -في التحليل- متشابكًا مع التحوّل الاجتماعي والسياسي، يتغير إيقاعه، وتطول آياته، وتتبدّل موضوعاته، بحسب موقع الجماعة المؤمنة في الصراع التاريخي. بهذا المعنى، لم يكن الوحي عند (نولدكه) تجربة روحية معلّقة في المطلق، بل حدثًا لغويًّا-تاريخيًّا يُقرأ من خلال تطوّر الأسلوب، وبنية الخطاب، والتحوّلات التشريعية. وهذا لا يعني أنه اختزله في السياسة وحدها، لكنه جعله قابلًا للشرح عبر قوانين التغير التاريخي دون الحاجة إلى افتراض عنصر متعالٍ يقطع مع هذه القوانين.
من أبرز الكتب والدراسات التي أورد فيها (نولدكه) مقاربته لتاريخ القرآن كتابه السالف الذِّكر: (تاريخ القرآن) (Geschichte des Qorâns) الذي يعدّ المرجع الأساسي لدراسته حول تطوّر النصّ القرآني، حيث يناقش فيه ترتيب النزول، وتحوّلات الأسلوب، وأثر الظروف التاريخية والاجتماعية على الوحي. أضف إلى ذلك مقالاته في دائرة المعارف الإسلامية، خاصّة مقالاته عن القرآن والنبي محمد، والتي تُبرز رؤيته النقدية وتحليله الفيلولوجي. ثم الدراسة التي نشرها تحت عنوان: (اللغات الساميّة) (Die semitischen Sprachen)، يتناول فيها السياق اللغوي للقرآن وعلاقته بجذوره الساميّة. فلم يكن مشروع (نولدكه) في (تاريخ القرآن) منفصلًا عن اشتغاله على اللغات الساميّة، بل كان امتدادًا لفكرة مركزية عنده، أي أنّ فهم القرآن يقتضي قراءته ضمن التاريخ اللغوي والثقافي للشرق الساميّ القديم، ما يعكس جزءًا من منهجه في فهم النصّ. هذه الأعمال تمثّل الأساس الذي بنى عليه (نولدكه) تحليله لتاريخ القرآن وتطوّر الوحي ضمن السياق الثقافي والتاريخي للجماعة المؤمنة.
أمّا (يوليوس فلهاوزن)، فقد سار في الاتجاه ذاته، ولكن من زاوية تاريخ الأفكار الدينية الكبرى. فكما قرأ التوراة والنبوّة في إسرائيل القديمة بوصفها نتاجًا لتفاعل طويل بين البنى القبلية، وتطور الملكية، والصراع الاجتماعي، قرأ النبوّة المحمدية والوحي القرآني بوصفهما امتدادًا لنمط أوسع من تشكّل الظاهرة الدينية في الشرق الأدنى. فالوحي عنده لا يظهر بوصفه قطيعة إبستمولوجية مطلقة مع التاريخ، بل بوصفه صيرورة دينية تتراكم فيها الرموز، وتُعاد فيها صياغة الإرث التوحيدي ضمن بنية ثقافية عربية جديدة.
من أبرز الدراسات التي تناول فيها (فلهاوزن) مقاربته لتاريخ القرآن، كتاب (Prolegomena zur Geschichte Israels) (مقدمة في تاريخ إسرائيل). فرغم تركيزه الأساسي على تاريخ التوراة وإسرائيل، إلا أنه يُسْقِط في هذا العمل بعض رؤاه التحليلية على النبوّة المحمدية والوحي القرآني، خاصة في فصول تتناول تطوّر الأفكار الدينية في الشرق الأدنى. أضف إلى ذلك كتاب: (Skizzen und Vorarbeiten) (دراسات وتمهيدات)، الذي يضمّ عددًا من المقالات والأبحاث التي يناقش فيها نشأة الإسلام وتطور النصّ القرآني، مع تحليلات مقارنة بين الأديان التوحيدية. ثم الدراسة التي تحمل عنوان: (Muhammed in Medina) (محمد في المدينة)، حيث ركّز فيها على الجانب التاريخي والاجتماعي لمرحلة الوحي في المدينة، وتحوّل الخطاب الديني إلى بناء مؤسّساتي. كما أنّ له مقالات في دائرة المعارف الإسلامية، قدّم فيها تحليلات حول نشأة القرآن، والبيئة التاريخية للنبوّة، وطبيعة التشريعات في الإسلام الأول. هذه الأعمال تمثّل الأساس الذي بنى عليه (فلهاوزن) منهجه في دراسة تطوّر النصّ القرآني ضمن السياق التاريخي والثقافي للجماعة المؤمنة، وتكشف عن رؤيته النقدية المقارنة بين النبوّة المحمدية وظواهر دينية أخرى في الشرق الأدنى.
وعليه، فإنّ الوحي عند (نولدكه) و(فلهاوزن)، وعند أغلب المستشرقين الألمان وغير الألمان، لم يُفهم من هذا المنظور؛ لا كتجربة نفسية خالصة، ولا كحدث غيبي محض، بل كـنتاج ثقافي-تاريخي مُكثّف؛ تتداخل فيه شخصية النبي، وبنية المجتمع المكي، والتقاليد الدينية السابقة، والتحوّل السياسي اللاحق في المدينة. فالوحي ليس «وهمًا» عندهما، لكنه أيضًا ليس «إشراقًا متعاليًا» خارج شروط الواقع، بل تعبير بالغ القوّة عن لحظة تاريخية حملت طاقة دينية هائلة.
لكن هذا الفهم، وإن بدَا «علميًّا» في معاييره، كان كافيًا ليُحدث شرخًا عميقًا مع الرؤية الإسلامية. فالوحي في الوعي الإسلامي ليس مجرّد تجربة دينية رفيعة، بل هو تدخّل إلهي مباشر في التاريخ، لا يمكن اختزاله في شروط اللغة ولا في منطق المجتمع. وهنا يكمن جوهر التعارض. فالمنهج الألماني يقرأ الوحي بوصفه حدثًا يقع في التاريخ ويمكن تفسيره بمنطق التاريخ، بينما يراه الوعي الإسلامي حدثًا يؤسّس التاريخ من جديد ولا يُختزل فيه.
وإذا أردنا صياغة الفرق بأقصى درجات التكثيف، يمكن القول إنّ (نولدكه) و(فلهاوزن) لم يتعاملَا مع الوحي -كما ذكرت- كـ«وَهْمٍ»، لكنهما تعاملَا معه باعتباره تجربة دينية إنسانية قابلة للتحليل الكامل من الخارج. الوحي عندهما لا يُفهم بوصفه رسالة نازلة من السماء، بل بوصفه خطابًا صاعدًا من قلب المجتمع والتاريخ، وإن ارتدى لغة المطلق. ومع ذلك، فإنّ في هذا الاختزال قوّة تفسيرية كبرى، كما أن فيه حدودًا صارمة لا يمكن إنكارها. قوّته أنه سمح بفهم ديناميّات تشكّل النصّ، وتحوّل الموضوعات، وتداخل الديني بالاجتماعي والسياسي. وحدوده أنه يصمت تمامًا أمام السؤال الوجودي، وهو: لماذا كان لهذا الخطاب بالذات هذا العُمْق، وهذه القدرة الفريدة على التحويل، وهذا الامتداد الحضاري الكاسح؟ فالمنهج الألماني يشرح كيف تشكّل الوحي، لكنه يعجز، بحكم طبيعته، عن تفسير لماذا كان لهذا الوحي هذا الأثر الكوني الذي تجاوز ثقافته الأولى. فسؤال «لماذا» يبقى خارج مختبر التاريخ، وخارج أدوات الفيلولوجيا، ومعلقًا في منطقة يتقاطع فيها الإيمان بالفلسفة.
إنّ (نولدكه) و(فلهاوزن) قد حسمَا مسألة الوحي منهجيًّا لا عقديًّا، فالوحي عندهما ليس ظاهرة غيبية متعالية تُؤخذ بالتسليم، بل ظاهرة دينية تاريخية تُفهم في ضوء شروطها الثقافية والاجتماعية. بهذا المعنى، لم ينفيَا الوحي بوصفه تجربة، لكنهما نزعَا عنه صفته الماورائية والمتعالية داخل المنهج العلمي. وهنا يتحدّد الحد الفاصل بين الرؤية الفيلولوجية الألمانية والرؤية الإيمانية الإسلامية. حدٌّ لا يمكن ردْمُه تقنيًّا؛ لأنه ليس اختلاف أدوات، بل اختلاف أُفق كامل في فهم معنى الدِّين نفسه.
س5: ما التصوّرات التي تبنّاها المستشرقون الألمان حول تطوّر النصّ القرآني زمن النبوّة؟
د/ عبد الملك هيباوي:
حين اقترب (نولدكه) و(فلهاوزن) من سؤال تطوّر النصّ القرآني زمن النبوّة، لم يكن هدفهما وصف الأحداث كما تحفظها الذاكرة الإسلامية، بل إعادة تركيب البنية الداخلية لحركة الخطاب القرآني ذاته. لقد تعاملَا مع القرآن بوصفه نصًّا يمر عبر موجات متعاقبة من التشكّل، تتأثر بظروف الجماعة، وتغيّر موقع النبيّ، وتحوّل البنية الاجتماعية والسياسية في مكة والمدينة. والنتيجة كانت تصورًا مركّبًا لتاريخ النصّ، يراوح بين التحليل الفيلولوجي والتأويل التاريخي.
في تصور (نولدكه)، يبدأ القرآن كتجلٍّ لوعي ديني أوّلي مرتبط بالصراع الوجودي للمؤمنين الأوائل. فالمرحلة المكية المبكّرة عنده تمثّل اللحظة التي يكون فيها الخطاب موجّهًا إلى مجتمع مشرك من موقع الأقلية المستضعفة؛ فهي مرحلة، حسب رأيه، قصيرة الآيات، حادّة الإيقاع، مشحونة باللّغة الرمزية عن القيامة والجزاء. فهذا الأسلوب ليس مجرد (بلاغة)، بل شاهد، في نظره، على وضع تاريخي محدّد؛ وحي يتخذ طابع التحذير، ويتكِئ على صور كونية لا على تشريعات. ثم مع توسّع الدعوة في مكة، يرى (نولدكه) تحولًا أسلوبيًّا، مثل ازدياد طول الآيات، تبلور خطاب توحيدي أكثر نسقية، ودخول موضوعات جديدة تعكس جدلًا متصاعدًا مع قوى اجتماعية متنوّعة.
أمّا الانتقال إلى المدينة فكان -في تصور (نولدكه)- لحظة انقلاب في طبيعة الخطاب. فالنصّ لم يعد موجّهًا إلى مجتمع خارجي مُعَادٍ، بل إلى جماعة قيد التشكّل تبحث عن نظام سياسي واجتماعي يحكم حياتها. وهنا تبرز التشريعات، وتتمدّد السور طولًا، ويتراجع الجانب الجدلي لصالح بناء مؤسّسي للسلطة الناشئة. هذا التطور، بحسب (نولدكه)، ليس مجرّد تبدّل موضوعي، بل طبقة جديدة من الوحي تختلف عن الطبقة المكية في مهمتها وتركيبها اللغوي.
أمّا (فلهاوزن) فكانت قراءته أكثر انغراسًا في تاريخ الأفكار الدينية. فهو يرى أنّ الوحي لم يكن سلسلة خطابات متفرّقة فحسب، بل كان -في الأساس- عملية إعادة بناء للتراث التوحيدي في بيئة عربية. لذلك ينظر إلى التطوّر الأسلوبي والمضموني للقرآن بوصفه انتقالًا من «التذكير الأخلاقي الكوني» في مكة، إلى «التنظيم التشريعي والسياسي» في المدينة. هذا التطوّر عنده ليس مفاجئًا، بل استمرار لنمط مألوف في تاريخ الأديان، أي لحظة روحانية تأسيسية تعقبها لحظة مؤسِّسة تنظِّم الجماعة وتحكم مؤسساتها. يرى (فلهاوزن) أيضًا أن هذا التحوّل لا يفسَّر بالظرف السياسي وحده، بل بكون النبوّة نفسها -في تصوره- تنتج خطابًا يتغير مع تغير الحاجة الدينية للجماعة. فالدعوة تبدأ خطابًا أخلاقيًّا جذريًّا يهدم الأساطير، ثم تتحوّل إلى خطاب تشريعي يؤسّس مجتمعًا، ثم تُختتم بتوازن دقيق بين الأخلاقي والقانوني. وهكذا يصبح تطوّر النصّ -في قراءته- انعكاسًا لتطور الجماعة المؤمنة لا مجرّد استجابة ظرفية.
ويُجْمِع كلّ من (نولدكه) و(فلهاوزن) على أنّ هذا التطوّر لم يكن خطيًّا ولا مبرمًا سلفًا، بل كان تاريخًا حيًّا للخطاب، تتداخل فيه التحديات السياسية والمجادلات الدينية وضرورات بناء الهوية. فالتغيّر في طول السور، وفي موضوعاتها، وفي نبرة الخطاب، ليس في نظرهما تغيُّرًا اعتباطيًّا، بل بنية منتظمة تخضع لقوانين التاريخ الداخلي للنبوّة. غير أنّ هذا التصور، على ما فيه من قوة تفسيرية، يختلف جذريًّا عن الرؤية الإسلامية التي ترى الوحي سلسلة متكاملة من الخطاب الإلهي لا يخضع لاختبار التاريخ، بل يشكّل التاريخ نفسه. ففي حين يرى (نولدكه) و(فلهاوزن) أن النصّ يتطوّر مع الجماعة، يرى الوعي الإسلامي أن الجماعة تتطوّر بتوجيه النصّ. هنا يكمن التوتّر الرئيس، كما سبق وأن ذكرتُ. فالاختلاف ليس في قراءة الأحداث فقط، بل في معنى الوحي وموقعه من الزّمن.
ومجمل القول: إنّ التصورات التي وضعها (نولدكه) و(فلهاوزن) حول تطور النصّ القرآني زمن النبوّة ليست تحليلًا للترتيب فحسب، بل محاولة لإعادة بناء منطق داخلي يحكم حركة الوحي من لحظة الضعف إلى لحظة التأسيس. إنه تاريخ للنصّ بقدر ما هو تاريخ للجماعة، وتاريخ للتجربة الدينية بقدر ما هو نقد لغوي. وبين هذا المنظور التحليلي والرؤية الإيمانية الإسلامية، تتأسّس واحدة من أكثر مناطق التوتر حيوية في الدراسات القرآنية الحديثة.
س6: ما أثر هذه التصوّرات لنولدكه وفلهاوزن في الأدبيات الغربية الحديثة حول (تاريخية القرآن)؟
د/ عبد الملك هيباوي:
لم تبقَ تصورات (نولدكه) و(فلهاوزن) حول تطور النصّ القرآني زمن النبوّة حبيسة القرن التاسع عشر، بل تحولت، مع مرور الزمن، إلى بنية تحتية نظرية تأسّست عليها معظم الأدبيات الغربية الحديثة حول ما يُسمّى بـ(تاريخية القرآن). لقد كان أثرهما أعمق من كونه استشهادًا بمقولات، إِذْ تمثّل في تغيير زاوية النظر نفسها إلى النصّ القرآني، من نصّ يُفهم في أفق الوحي، إلى نصّ يُعاد تركيبه في أفق الزمن.
أول أثر مباشر لهذه التصوّرات تمثّل في ترسيخ فكرة (الطبقات النصّية) داخل القرآن. فالتمييز بين المكي والمدني، الذي كان حاضرًا في التراث الإسلامي بوصفه تصنيفًا تعليميًّا ووظيفيًّا، تحوّل في الدراسات الغربية، تحت تأثير (نولدكه)، إلى أداة لإعادة بناء التسلسل الزمني للنصّ، ورسم خريطة تطوّره الداخلي بوصفه خطابًا يستجيب لتحوّلات الجماعة. هذا التحويل من (تصنيف تقليدي) إلى (أداة تاريخية صارمة) فتح الباب أمام سؤال جديد، وهو: إذا كان الأسلوب والمضمون يتغيران، فإلى أيّ حدٍّ يكون النصّ نتاج لحظته التاريخية؟
ثم جاء الأثر الأعمق مع ما يعرف بالاتجاه (التنقيحي) (Revisionist) في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث لم تعد (تاريخية القرآن) تعني فقط تتبّع تطوّر الخطاب زمن النبيّ، بل إعادة مساءلة الإطار الزمني بأكمله الذي وُضع فيه النصّ. هنا يظهر أثر (نولدكه) و(فلهاوزن) لا بوصفهما مرجعَيْن يُتَّبعان، بل كبوابة فكرية سمحت بانتقال السؤال من داخل زمن النبوّة إلى ما بعده.
يمثّل هذا الاتجاهَ أحدُ رموز المدرسة الأنجلوساكسونية، والذي أشرنا إليه من قبل، الأمريكي (جون وانسبرو) الذي بنى تصورًا جذريًّا يرى أن القرآن، بوصفه مصحفًا، قد تبلور في سياق جدل ديني لاحق، داخل بيئات يهودية-مسيحية في العراق والشام، لا في مكة والمدينة بالمعنى الذي استقرّ في الذاكرة الإسلامية. هذا الطرح ما كان ممكنًا لولا أن (نولدكه) و(فلهاوزن) قد كسرَا سابقًا (بداهة التطابق) بين زمن الوحي وزمن النصّ المدّون. أمّا البريطانيان (باتريشيا كرون) و(مايكل كوك)، فقد وسَّعَا هذا الأفق التنقيحي باتجاه أشمل؛ حيث لم يعد القرآن وحده موضوع التاريخية، بل الإسلام المبكّر برمّته. هنا يظهر الأثر غير المباشر لـ(نولدكه) و(فلهاوزن)؛ ففكرة أنّ النصّ يتطوّر مع الجماعة، وأنّ الخطاب الديني يتفاعل مع البنية الاجتماعية والسياسية، تحوّلت إلى فرضية عامة تُطبق على مجمل نشأة الإسلام. لكن هذه الأدبيات الحديثة، على راديكاليتها، لم تكن مجرّد تكرار للمسار الألماني الكلاسيكي، بل كانت أيضًا انفصالًا عنه. فبينما ظلّ (نولدكه) و(فلهاوزن) يعملان داخل حدٍّ أدنى من الاعتراف بزمن النبوّة بوصفه الإطار المركزي لتشكّل النصّ، تجاوزت الاتجاهات التنقيحية هذا الإطار نحو فرضيات تُضْعِف العلاقة بين القرآن وسياقه العربي المباشر. وهنا يتبدّى الأثر الألماني بوصفه منطلقًا لا سقفًا.
إلا أنّ الأثر الأهمّ لهذه التصوّرات لا يكمن فقط في إنتاج نماذج تنقيحية جذرية، بل في تغيير طبيعة السؤال في الأدبيات الغربية السائدة. فلم يعد السؤال هو: هل القرآن تاريخي أم متعالٍ؟ بل أصبح: بأيّ معنى يمكن أن يكون تاريخيًّا؟ هل تاريخيته في الأسلوب؟ في البنية؟ في التطور التشريعي؟ في زمن الجَمْع؟ في طبقات التدوين؟ هكذا تحوّلت (تاريخية القرآن) من شعار أيديولوجي إلى حقل إشكالي متعدّد المستويات.
كما أثّرت هذه التصورات في ظهور تيارات وُسطى في الدراسات الغربية، نذكر منها تيار الباحثين القائلين بنشأة قرآنية في القرن السابع مع تعديلات لاحقة، مثل أعمال المستشرق الفرنسي (فرانسوا ديروش) (François Déroche) -وُلد سنة 1952-، الذي يدرس تطوّر تدوين المصحف عبر المخطوطات، ويرى أنّ النصّ القرآني مَرّ بمراحل تثبيت وترتيب بعد زمن النبوّة، دون أن يشتبك مع فكرة الوحي أو ينكر زمن وبيئة ظهور القرآن. وأيضًا مدرسة المستشرقين الجدد (Neo-Orientalists) مثل المستشرق الأمريكي (فريد دونر) (Fred Donner) -وُلد سنة 1945-، الذي يؤكّد على وحدة الجماعة المؤمنة في القرن السابع، ويعتبر أنّ القرآن كان محورًا لتلك الجماعة، لكنه يطرح إمكانية وجود مراجعات نصية لاحقة وتأطير جماعي للنصّ. ولا ننسى طبعًا تيار الدراسات النصية التاريخية المعتدلة، مثل المستشرقة الألمانية (أنجيليكا نويفرت) (Angelika Neuwirth) -وُلدت سنة 1943-، التي ترفض التصورات التنقيحية الراديكالية، وتؤمن بأنّ القرآن نشأ في بيئته العربية في القرن السابع، لكنه خضع لعملية جَمْع وتثبيت وتأويل عبر التاريخ الإسلامي المبكّر.
هذه التيارات لا تنفي زمن النبوّة ولا تسلِّم بالكامل بالسردية الإسلامية. فهي ترى أنّ القرآن تشكّل فعلًا في القرن السابع، لكنه خضع في مراحل لاحقة لعمليات ترتيب وتثبيت وتأطير نصّي. وهنا يظهر الأثر المتوازن (لنولدكه)، ليس في قلبِ السردية رأسًا على عقب، بل في زعزعة يقينها المطلق وفتحها على السؤال النقدي. وتجمع هذه النماذج بين الاعتراف بزمن النبوّة كإطار تأسيسي للنصّ القرآني، وبين الإقرار بأن عمليات الترتيب والتثبيت النصِّي لعبت دورًا مهمًّا في تشكيل المصحف كما وصَلَنا اليوم، مستفيدين من أدوات النقد التاريخي دون الانزلاق إلى فرضيات تنقيحية جذرية أو تسليم غير نقدي بالسردية التقليدية.
أمّا على مستوى الوعي الإسلامي المعاصر، فقد أدّى هذا الأثر إلى ردّ فعل مزدوج: ردّ فعل دفاعي يرى في (تاريخية القرآن) مشروع نزعٍ للقداسة. وردّ فعل نقدي يحاول أن يميز بين التاريخية بوصفها وصفًا لزمان التنزّل، والتاريخية بوصفها اختزالًا للوحي في شروطه البشرية. وهنا تحديدًا تظهر المفارقة الكبرى لأثر (نولدكه) و(فلهاوزن). فمِن جهةٍ، أسّسَا لأدوات علمية سمحت بفهم أدقّ لتطور الخطاب القرآني. ومن جهةٍ أخرى، فتحَا الباب، بقصد أو دون قصد، أمام انتقال بعض التيارات من تاريخ النصّ إلى نزع طابعه المتعالي بالكامل.
وخلاصة القول: إنّ أثر تصوّرات (نولدكه) و(فلهاوزن) في الأدبيات الغربية الحديثة حول (تاريخية القرآن) لم يكن أثرًا خطيًّا يسيرًا، بل كان أثرًا تحويليًّا. أي أنه حوّل القرآن من نصّ يُقرأ خارج الزمن إلى نصّ يُقرأ داخل الزمن، ومن خطاب يُتناول بوصفه وحدة مكتملة إلى خطاب يُدرس بوصفه صيرورة، ومن تاريخ يُروى إلى تاريخ يُعاد بناؤه نظريًّا. غير أن هذا التحوّل، على عمقه وقيمته العلمية، ظلّ محفوفًا بمخاطر التأويل المفرط والفصل القسري بين النصّ والتجربة الإيمانية التي أنجبته. وبين هذين الحدّين؛ حدّ التفسير التاريخي وحدّ الاختزال التاريخاني، لا تزال الدراسات القرآنية الغربية، حتى اليوم، تتحرك في منطقة شدّ وجذب لم يُحْسَم فيها الصراع على معنى تاريخية القرآن بعد.
كلمات مفتاحية
ضيف الحوار
الدكتور عبد الملك هيباوي
دكتوراه في الدراسات الاستشراقية الألمانية من جامعة محمد الخامس بالرباط وجامعة بون بألمانيا. رئيس قسم حوار الأديان والحضارت بالمعهد الألماني للحوار والتفاهم "مواطنة" بألمانيا. أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة توبنجن الألمانية، ومنسق ماستر الدراسات الإسلامية التطبيقية للرعاية الروحية والخدمة الاجتماعية-سابقا-.
مواضيع ذات صلة
((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))