قراءة في كتاب (تلاد الإعجاز - قراءة تحليلية لأوجه الإعجاز القرآني في ضوء آثار السلف الصالح)؛ للدكتور/ عبد اللطيف بن عبد الله التويجري
قراءة في كتاب (تلاد الإعجاز - قراءة تحليلية لأوجه الإعجاز القرآني في ضوء آثار السلف الصالح)
للدكتور/ عبد اللطيف بن عبد الله التويجري
الكاتب: محمد مصطفى قناوي
تقدم هذه المقالة قراءة نقدية لكتاب (تلاد الإعجاز) للدكتور/ عبد اللطيف التويجري، فتناقش منهجه في استجلاء وجوه الإعجاز القرآني من آثار السلف، وما يتعلّق بتحرير المصطلحات والتقسيمات، ومدى انطلاقه من أقوال السلف في معالجة قضية الإعجاز.
مقدمة:
لم يكن في الدنيا كتابٌ انشغل به الناس في فهمه والتعبد به وخدمته وإبراز علومه وحِفْظ ألفاظه وحروفه وحياطته مِنْ زيغ الأفهام وعبث الأهواء= كما كان للقرآن العظيم، وإنه لجدير بذلك، فهو كلام الله الذي جعله هُدى للناس من الضلال، ونورًا لهم من الظلمات، ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 44].
ومما اعتنتْ به الأُمّة في القرآن على مَرّ الدهر مسألة إعجازه، ولقد كثر الكلام في هذه المسألة حتى صارت عِلْمًا قائمًا برأسه؛ تعدّدت المذاهب في معرفة وجه الإعجاز، وتنوّعت التآليف التي بحثت جهات الإعجاز، حتى انبثق من هذا العِلْم علومٌ أخرى مثل علم البلاغة، فسطع من هذه المسألة نور علوم كثيرة، ولا عجب من نوره، فقد قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: 8].
إلا أنه لم يكن للسَّلَف كلام صريح في مفهوم مسألة الإعجاز، بل مصطلح «الإعجاز» نفسه حادث بعدهم، وكذلك التقريرات المذكورة في هذا العِلْم ليس لها مَرَدٌّ صريح لألفاظهم، وإنما هي اجتهادات العلماء وتعاور أنظارهم في هذه المسألة وهذا العِلْم، ومن هنا تأتي أهمية الكتاب الذي بين أيدينا: (تلاد الإعجاز؛ قراءة تحليلية لأوجه الإعجاز القرآني في ضوء آثار السلف الصالح) للدكتور/ عبد اللطيف بن عبد الله التويجري. إِذْ كانت إشكالية الكتاب كما سيأتي، هي أنّ جملة من مقالات المتأخِّرين في الإعجاز داخَلها شيء من التكلّف في تقرير معاني الآيات واستنطاق دلالات الإعجاز فيها، فعمد إلى استحضار بيان السلف لمعاني الآيات المتّصلة بوجوه الإعجاز والتعليق عليها. وتتجلّى أهمية قراءة الكتاب في الوقوف على صنيع مؤلِّفه في هذا الموضوع وما قدّمه فيه، وما أفضى إليه النظر في مسألة الإعجاز من خلال الرجوع إلى أقوال السَّلَف وما أدى إليه وأفاده من انعكاسات جديدة في النظر لقضايا الإعجاز نفسه.
عرض الكتاب:
يتألف الكتاب إجمالًا من:
- مبحث في أوّله سماه المؤلِّف (عرض التلاد): أراد فيه أن يؤسّس لتقريرات تصحيحية متعلّقة بأمهات المسائل في عِلْم الإعجاز على منهاج السّلف الصالح، وقد اتخذ المؤلِّف تقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية بيانًا عن السّلف فيما يخصّ الإعجاز وما يتعلق به من مسائل، ولم ينقل عن واحدٍ منهم شيئًا في ذلك.
- (موضوع التلاد وجوهره): كشف فيه عن إشكالية الكتاب وعن غرضه منه، وهو أنّ «جملة من مقالات المتأخِّرين المصنّفين في الإعجاز دَاخَلَها شيءٌ من التكلّف في تقرير معاني الآيات واستنطاق دلالات الإعجاز فيها»، ولذلك جاءت هذه الدراسة؛ فإنها «عُنيت باستحضار بيان السَّلَف من الصحابة ومَن بعدهم لمعاني الآيات المتّصلة بوجوه الإعجاز، مع التعليق عليها وإبراز جوانبها الإيمانية والبيانية من كلام المفسِّرين والعلماء المحقّقين، فكان جوهر البحث عائدًا إلى رياض السَّلَف الصالح وتلادهم الأصيل»، ثم إنه اقتصر على ثلاثة وجوهٍ من الإعجاز؛ هي:
الوجه الأول: الإعجاز البياني، وقسمه المؤلِّف إلى نوعين:
النوع الأول: إعجاز من جهة اللّفظ.
النوع الثاني: إعجاز من جهة البلاغة.
الوجه الثاني: الإعجاز الغيبي.
الوجه الثالث: الإعجاز التشريعي.
وهذه الحدود المنهجية مهمّة لفهم طبيعة الكتاب؛ إِذْ إنّ المؤلِّف لا يستقصي كلّ ما يمكن أن يُقال في الإعجاز، وإنما ينتخب هذه الوجوه فقط.
ثم ختم الكتاب بـ(خلاصات ونتائج) فيها حاصل ما في الكتاب.
إشكالية الكتاب وكيف عالجها المؤلِّف:
ينطلق الكتاب من إشكالية صَرّح بها المؤلِّف كما مَرّ، وهي أن «جملة من مقالات المتأخرين المصنّفين في الإعجاز داخَلَها شيء من التكلّف في تقرير معاني الآيات واستنطاق دلالات الإعجاز فيها»، ولذلك يعمد إلى استحضار «بيان السَّلَف من الصحابة ومَن بعدهم لمعاني الآيات المتّصلة بوجوه الإعجاز، مع التعليق عليها وإبراز جوانبها الإيمانية والبيانية من كلام المفسِّرين والعلماء المحقّقين، فكان جوهر البحث عائدًا إلى رياض السَّلَف الصالح وتلادهم الأصيل».
وهذه الإشكالية لها أهميتها لما قد تفيده -فيما يبدو- من إعادة النظر في بعض قضايا الإعجاز، وإثرائها بنظرات جديدة ينتج عنها مفاهيم وتقسيمات جديدة، وغير ذلك مما ينعكس بالفائدة العلمية على بحث هذه القضية التي شغلت العلماء طويلًا، ويساعد على تقدّم الحِراك البحثي في القضية نفسها أو مجاوزة بعض الإشكالات. فكيف تولّدت الإشكالية لدى المؤلِّف وكيف عالجها؟
إنّ التأصيل والتأسيس النظري للإعجاز وقضاياه جاء بعد عصر السّلف، وقد احتفّ بمسألة الإعجاز جدلٌ كبيرٌ ونقاشات مطوّلة واختلافات كثيرة في عدد من المناحي المؤثرة طالت الوجه الذي كان به الإعجاز نفسه، وهل هو مما يُدْرَك أم لا، وصار للمسألة مع معالجة العلماء لها مفاهيم وتصوّرات وتقسيمات نظرية مستقرّة يتعاورون على الكلام في المسألة من خلالها. والناظر في الكتاب يلحظ أن صلب إشكاليته نابع من رؤيته وجود إشكالات في تقريرات العلماء في مسألة الإعجاز، مما حدا به لضرورة الرجوع للسَّلَف ومقولاتهم للكشف عن مفهومهم وتصوّرهم للإعجاز حتى يستعمل ذلك في تقويم ومراجعة تلك الإشكالات والتكلّفات التي يراها عند المتأخِّرين بعدهم في موضوع الإعجاز، وهو ما سار في معالجته على النحو الآتي:
مسار الكتاب في معالجة الإشكالية:
أراد المؤلِّف أن يؤسِّس أولًا لتقريرات تصحيحية متعلّقة بأمهات المسائل في علم الإعجاز على منهاج السلف الصالح، وقد استعان في ذلك بتقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية بيانًا عن السلف في ما يخصّ الإعجاز وما يتعلق به من مسائل، ولم ينقل عن واحدٍ منهم شيئًا في ذلك.
وقد اقتصر المؤلِّف عمليًّا على ثلاثة وجوهٍ من الإعجاز هي: الإعجاز البياني، والإعجاز الغيبي، والإعجاز التشريعي. وهو في كلّ منها يسوق بعض الآيات، ويتبعها بأثر أو أثرين من آثار السَّلَف في التفسير، ثم يسوق بعد ذلك أحد تفسيرات المفسِّرين من غير السَّلَف ليبيّن ما في الآية من بلاغة وفوائد إيمانية.
وتفصيل هذا المسار فيما يأتي:
الوجه الأوّل وهو الإعجاز البياني:
بدأ المؤلِّف بِسَوْق كلام العلماء -بعد السَّلَف- في ذِكْر مكانته، وأنّه قد أثبته جَمْعٌ من العلماء الذين تكلّموا في الإعجاز قديمًا وحديثًا، وأنه أكثر الوجوه تناولًا عندهم، ثم قَسّم هذا الوجه إلى نوعين:
النوع الأول: إعجازه من جهة اللفظ.
وهذا النوع قسّمه إلى أقسام ثلاثة:
▪ القسم الأول: إعجاز اللفظ من حيث المبنى.
▪ القسم الثاني: إعجاز اللفظ من حيث المعنى.
▪ القسم الثالث: إعجاز اللفظ من حيث الموضع.
وهو في كلّ قسم يذكر بعض الكلمات من القرآن، ثم يسوق أحد تفسيرات السَّلَف لها أو ما يتعلق بالآية كلّها، ثم يتخذ من تفاسير العلماء -من غير السلف- بيانًا لما فيها من بلاغة، أو لما فيها من فوائد إيمانية.
النوع الثاني: إعجاز من جهة البلاغة.
ولم يبين ما وجه فَصْله عمّا سبق، ولم ينصّ على قسمةٍ فيه، ولكن يمكن أن نقسم ما تناوله فيه إلى قسمين:
♦ قسم تناول فيه بعض الآيات وساق بعض آثار السلف فيها، ثم نقل كلامًا للمفسرين -من غير السلف- في بلاغتها.
♦ وقسم فيه الكلام عن الحروف المقطعة وأنها من براعة الاستفتاح وأن هذا من البلاغة.
ثم الوجه الثاني وهو الإعجاز الغيبي:
فبدأ بذِكْر كلام العلماء في بيان أهمية هذا الوجه، واتخذ من كلام الدكتور مصطفى مسلم تعريفًا جامعًا لأقسام الغيب الواردة في القرآن، وهو أن «يُراد به كلّ ما ورد في القرآن الكريم عن بداية نشأة الكون، وما وقع منذ خلق آدم -عليه السلام- إلى مبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عظيمات الأمور ومهمّات السير، وكذلك يشمل ما غاب عن محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- في وقته من الحوادث التي كانت تحدث ويخبر بها بطريق الوحي، كإخبار الله سبحانه وتعالى له بما يكيده اليهود والمنافقون، ويشمل أيضًا ما تضمّنه من الإخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان».
وبناء على كلام الدكتور مصطفى قسّم الكلام في هذا الوجه إلى ثلاثة جوانب رئيسة وهي:
■ غيب الماضي.
■ غيب الحاضر.
■ غيب المستقبل.
وهو في كلّ قسم يبدأ بتعريفه، ويسوق عليه أمثلة من القرآن متبوعة بأحد تفاسير السلف، ثم يزيد عليه ببيان الآية لأحدٍ من علماء التفسير من غير السَّلَف.
ثم الوجه الثالث: الإعجاز التشريعي:
ويمكن أن نقسم ما تناوله فيه إلى:
🔸تعريف بهذا الوجه، نقله عن غير واحد من أهل العلم.
🔸ثم أتبع ذلك بآثار للسَّلَف يرى أن فيها إشارات للإعجاز التشريعي في كلامهم.
🔸بيان أنّ هذا الوجه من الإعجاز قلّ مَنْ ذَكَره من العلماء.
🔸ذكْر أمثلة له من الآيات، وسوق أحد تفاسير السلف لها وبيان الآية بكلام أحد علماء التفسير المتأخِّرين.
ويكشف هذا البناء عن الطريقة التي عالج بها المؤلِّف إشكاليته: فقد وضع تقسيمات محدّدة سابقة لوجوه الإعجاز، ثم جمع تحتها آثار السَّلَف، وأعقبها بتقريرات المفسِّرين من غير السلف.
ومن هنا يتجلّى لنا سؤال منهجي تتوقّف عليه قيمة الكتاب: هل كانت هذه التقسيمات نتيجة لما كشف عنه كلام السَّلَف، أم أنها أطر سابقة جرى تصنيف كلام السلف عليها؟ وهذا ما سنبحثه في الملاحظات على الكتاب.
مزايا الكتاب:
لا يخلو الكتاب من مزايا ظاهرة؛ من أهمها: وضوح لغته، وإيجازه، وجرأته على إعادة النظر في بعض المسائل المتعلقة بعلم إعجاز القرآن وعرضها على كلام السَّلَف لتقويمها، إلا أن قيمة هذه المحاولة لا تتحدّد بأصل الفكرة وحدها، وإنما بطريقة معالجتها ومدى وفائها بالإشكالية التي صدر عنها الكتاب.
المآخذ على الكتاب وأهم الملاحظات عليه:
1- عدم معالجة إشكالية الكتاب:
ذَكَر المؤلِّف غرضه من البحث في صدر الكتاب فقال إنّ: «جملة من مقالات المتأخّرين المصنّفين في الإعجاز دَاخَلها شيءٌ من التكلّف في تقرير معاني الآيات واستنطاق دلالات الإعجاز فيها»، ولذلك جاءت هذه الدراسة فإنها «عُنيت باستحضار بيان السلف من الصحابة ومَن بعدهم لمعاني الآيات المتّصلة بوجوه الإعجاز، مع التعليق عليها وإبراز جوانبها الإيمانية والبيانية من كلام المفسِّرين والعلماء المحقّقين، فكان جوهر البحث عائدًا إلى رياض السلف الصالح وتلادهم الأصيل».
وهذه الإشكالية التي انطلق منها المؤلِّف لا بد فيها من أمرين أساسين:
الأمر الأول: أن يكون الرجوع إلى كلام السَّلَف رجوعًا كاشفًا عن تصورهم للإعجاز، وأن تكون المادة المنقولة عنهم هي المنطلق في بناء التصوّر من خلال البحث عن مفاهيم الإعجاز وما يتعلّق بها في كلامهم، لا أن يُدخل عليها بتصوّرات مسبقة ثم تصنف آثارهم في ضوئها.
الأمر الثاني: أن يُحدّد ابتداءً المراد بالإعجاز وبالمصطلحات التي سيبحث المؤلِّف عنها؛ حتى يمكن التمييز بين ما هو مِن الإعجاز، وما هو مِن التفسير والبيان، وما هو من دلائل الصِّدْق.
وهنا بعض الوقفات نعرض فيها صنيع المؤلِّف على الإشكالية التي انطلق منها:
- أنّه لم يبيّن مَن هم المتأخِّرون الذين عناهم، وهذا مشكلٌ لأنه في كثيرٍ من الأحيان يستدلّ بتفاسير للمتأخِّرين الذين اشتهروا بالتنظير في مسألة الإعجاز، فالمصنّف ينقل عن الفيروزآبادي، وابن العربي، وابن القيم، وابن عاشور، وكلّ هؤلاء من المتأخرين، فكان ينبغي أن يحدّد مراده، ليتضح في المقابل الهدف الذي يسعى إلى إبرازه في البحث.
- أنه لم يبيّن ما وجه التكلّف في تقرير معاني الآيات واستنطاق دلالات الإعجاز فيها، وهذا يُعَدّ جوهر البحث، إِذ السبب الذي يرجِع بنا إلى أقوال السَّلَف والتفتيش فيها عمّا يخصّ الإعجاز هو التكلّف الذي لمسه، ولكن المؤلِّف لم يبيّن وجهه من قريب ولا من بعيد، وهذا يجعل الكتاب مؤسّسًا على إحساس وليس على أساس، وهذا مضرٌّ بالبحث، ويجرّه إلى إشكالية أخرى، وهي أنّا لا ندري ما الذي سنبحث عنه في كلام السَّلَف إذا لم نعلم التكلّف الحاصل من قبل.
لا يُقال إنّ المؤلِّف قد لمس هذه الإشكاليات واعتلجت في نفسه فكتب البحث؛ لأنّا نقول: إن القارئ لم يرَ هذه الإشكاليات، فهو بذلك لن يدرك قيمة ما يُبحث عنه في الكتاب.
- أنه استمدّ الجوانب البيانية من المفسِّرين والمحقّقين -من غير السلف- وهذا مشكلٌ؛ لأنّه يفضي بالبحث مرة أخرى إلى دائرة المتأخّرين والدوران في فلك تقريراتهم، أو سيؤول بالبحث إلى المصادرة على المطلوب أو الدخول إلى الفكرة بمسبّقات بحثية تَحُول دون فهم مراد السلف جليًّا، وهذا ما سنبيّنه.
2- عدم تحرير مصطلحات البحث:
إذ تصدى المؤلِّف في هذا الكتاب لعلاج مشكلة وقف عليها، ثم استعمل في ثنايا الكتاب مصطلحات تكاد تكون أكثر المصطلحات إشكالًا في تراث البلاغيين، مثل اللّفظ والمعنى، فإنّ المؤلِّف لما قسّم النوع الأول من الوجه الأول من إعجازه إلى ثلاثة أقسام: (إعجاز اللفظ من حيث المبنى، وإعجاز اللفظ من حيث المعنى، وإعجاز اللفظ من حيث الموضع)، أخذ في كلّ قسمٍ دون أن يوضح ما مراده بـ(اللفظ)، فهل يقصد بإعجاز اللفظ دلالته على أكثر من معنى وصلوحيته لذلك، أم هل يقصد حُسْن اللفظة نفسها؟ أم يقصد مراعاة الألفاظ لبعضها وأخذها بوئام بعضها كأنها أفرغت في قالبٍ واحدٍ؟ أم غير ذلك مما ظهر له؟
وكذلك في (المعنى) ما مراده بـ(المعنى)، أهو الغرض العام؟ أم المعنى المستفاد من خصوصية التراكيب؟ أم المعنى المُستخرج من ارتباط الآيات ببعضها ويظهر بمستتبعات التراكيب؟ أم غير ذلك؟
ولا يخفى على أيّ مطالع أنّ هذه المسألة مزلّة أقدام، ومحلّ اعتراك الأقران، فكيف بالمؤلِّف وهو لم يحدّد المفهوم المراد أن يستنبط من آثار السلف شيئًا، فكيف نستنبط من شيءٍ مجهول؟!
بل وأعمّ من ذلك وأشكل، أنّ المؤلِّف لم يذكر تعريفًا لـ(الإعجاز) مع أنه قوام البحث وأساسه وصلبه، وبفقده كانت بقية الإشكالات المنهجية التي سنشير إليها، فكان ينبغي أن يحدّد المؤلِّف مفهومًا للإعجاز ليبحث عنه في أقوال السَّلَف، فهل يبحث عن فكرة التحدي؟ أم يبحث عن فكرة المعارضة؟ أم يبحث عن فكرة انقطاع الخصم وشهادته بذلك؟ أم غير هذا؟
وكذلك لم يذكر تعريفًا لـ(البلاغة) التي استشهد عليها، ولا يخفى أيضًا أن فيها من الأقوال شيئًا كثيرًا متداخلًا.
فكلّ مصطلحٍ من هذه المصطلحات مشكلٌ دارت عليه رحى المناقشات، ولا سبيل للبدء في البحث دون تحديد لمفهوم هذه المصطلحات، ولأجل هذه الإشكالية كانت المآخذ التالية.
3- اضطراب التقسيمات:
وهذه الإشكالية من آثار ما سبق من انعدام تحرير المصطلحات وتعمية إشكالية الكتاب من أول الأمر، فإذا نظرنا في الوجه الأول من وجوه الإعجاز نجد المؤلِّف قد قسمه على هذه الصورة:
النوع الأول: إعجازه من جهة اللفظ.
وهذا النوع قسّمه إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول: إعجاز اللفظ من حيث المبنى.
القسم الثاني: إعجاز اللفظ من حيث المعنى.
القسم الثالث: إعجاز اللفظ من حيث الموضع.
والنوع الثاني: إعجاز من جهة البلاغة.
وهذا غريبٌ جدًّا، فأيّ شيء هي البلاغة سوى الأمور الثلاثة المذكورة سابقًا، ولعلّ ذلك هو ما جعل المؤلِّف يقول: «وهو [أي النوع الثاني وهو البلاغة] داخلٌ من حيث الجملة في النوع الأول [...] ولكنه أفرد بالذِّكْر لأهميته وكثرة الكلام فيه». ولكن ليس ذلك وجهًا.
وأيضًا تقسيمه لـ(اللفظ) مشكلٌ؛ لأنه لا بد لهذه الأقسام أن يكون لها مَقسِمٌ أعم منها، وهذا المقسم مجهول مبهمٌ لم يضع المؤلِّف له تعريفًا، فأي تفسيرٍ لـ(اللفظ) قسمه المؤلف؟
وبسبب هذا تجد المؤلِّف يُورد في القسم أشياء ليست منه قطعًا، كإدراجه تفسير كلمة ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً ...﴾ [النحل: 120] تحت قسم: (إعجاز اللفظ من حيث المعنى)، وقال:
«والسر الإعجازي في هذه اللفظة [أي: كلمة أمّة] مراعاتها للسياق؛ إذ السياق مقام مدح لإبراهيم عليه السلام». وهذا على قسمة المؤلِّف لا بد أن يكون تحت القسم الثالث وهو (إعجاز اللفظ من حيث الموضع). ولا يخفى أنّ السبب الأهم في هذه الإشكالية هو فقدان تحرير مصطلحات البحث، فلما كانت غير واضحة المفاهيم، أدى ذلك إلى انبهام القسمة، وخفاء مقصدها والغرض منها.
4- الدخول إلى كلام السَّلَف بمسلّمات بحثية تعيق عن فهم السَّلَف:
الإشكالية التي انطلق منها المؤلِّف وهي أن تقريرات المتأخِّرين التي داخلها تكلّفٌ في تقرير معاني الآيات واستنطاق دلالات الإعجاز= تقتضي أن يدخل الباحثُ إلى معالجة بحثه دون أن يستبطن تقسيمات أو مصطلحات مُسبقة، بل يدخل بالمفاهيم العامة، ويتلمّس حضورها أو غيابها في كلام السَّلَف، ليخرج بنتيجة حقيقيّة، والحاصل هنا أن المؤلِّف قد دخل إلى كلام السّلف بعُدّة مُسبقة من (تقريرات المتأخِّرين) التي انتقدها أول الأمر، فمصطلح (الإعجاز) و(المعجزة)، ووجوه الإعجاز الثلاثة التي ذكرها؛ البياني والغيبي والتشريعي، والتفاصيل التي في كلِّ واحدة منها= كلّ هذه أمور كان ينبغي أن لا ينطلق منها في تقسيم كلام السَّلَف، ونوضح ذلك بأمثلة:
- قسمة المصنّف في الوجه الأول من الإعجاز؛ الإعجاز البياني، في النوع الأول منه إلى ثلاثة أقسام: (إعجاز اللفظ من حيث المبنى، وإعجاز اللفظ من حيث المعنى، وإعجاز اللفظ من حيث الموضع)، لنا أن نسأل: من أين جيء بهذه القسمة من كلام السلف، وهل البحث يستدلّ بكلام السلف على صنيع المتأخرين؟ أم البحث يقوّم صنيع المتأخرين بكلام السلف؟ بل إن هذه القسمة نفسها منازعٌ فيها بين العلماء الذين بحثوا الإعجاز وكتبوا فيه.
- وكذلك المصنّف عدّ الإخبار بالغيب وجهًا من وجوه الإعجاز، ومعنى كونه وجهًا من وجوه الإعجاز أن التحدي واقعٌ به، ولكن المصنّف لم يسق من كلام السَّلَف أدنى ما يدلّ على ذلك.
بل إنّ كثيرًا من العلماء المحقّقين الذين كتبوا في الإعجاز لم يعتدُّوا بالإخبار بالغيب وجهًا من وجوه الإعجاز، ونظروا له على أنه من قبيل دلائل الصِّدْق، لا من الإعجاز، فسوق المؤلِّف لمسألة منازع فيها وتصنيف بعض كلام السَّلَف تحتها -إن سلّمنا بصحة هذا التصنيف- أمرٌ يحول دون استجلاء فهم السَّلَف لمفهوم الإعجاز.
5- المصادرة على المطلوب:
وهذا المأخذ نتيجة لكلّ ما سبق من ملاحظات منهجية، ولكن أفردناها لكثرة ما فيها. وصورة هذه الإشكالية: أن المؤلِّف في صدر الكتاب ذكر أنّه سيستحضر «بيان السلف من الصحابة ومَن بعدهم لمعاني الآيات المتصلة بوجوه الإعجاز»، وأنه فعل ذلك لأن «جملة من مقالات المتأخِّرين المصنفين في الإعجاز داخَلَها شيءٌ من التكلّف في تقرير معاني الآيات واستنطاق دلالات الإعجاز فيها». فكان المفترض أن تكون طريقة المعالجة:
🔹إيضاح وجه التكلّف الذي لحظه المؤلِّف ويسعى لتفاديه.
🔹التجرّد من المسلمات المسبقة.
🔹تتبّع كلام السلف.
🔹النظر في كلامهم إلى مفهوم المسألة التي نبحث عنها.
🔹وأن ننطلق في تقرير المعاني البيانية من كلامهم لا من كلام غيرهم.
🔹وأن ننطلق في فهم رؤيتهم للمسألة من خلال تتبع آثارهم لا بتقليد أحد المتأخِّرين.
ولكن كلّ هذه الأمور لم تتحقّق في الكتاب كما بينّا سابقًا، وسننظر لأحد تجليات المصادرة على المطلوب من خلال أمرين:
الأمر الأول: الانطلاق من تحرير شيخ الإسلام ابن تيمية لمسائل الإعجاز:
قبل أن يدخل المؤلِّف في صلب البحث قال: «من المناسب في صدر هذا البحث الإشارة إلى بعض التقريرات التصحيحية المتعلقة بأمهات المسائل في علم الإعجاز على منهاج السلف الصالح -رحمهم الله تعالى- بدايةً بتقويم المسمى نفسه ثم مرورًا بمباحثه وموضوعاته». وهذا مقصد لا شك عظيم لو كان قد تُصدِّيَ له بحقّ، ولكن المؤلِّف صادر على هذا المطلوب وانطلق في بيان هذه التقريرات معتمدًا على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال: «ومِن أقوى مَن تصدّى لذلك: الإمامُ ابن تيمية رحمه الله تعالى، فإنّ لكلامه وتقريراته عُمقًا كبيرًا في المشهد العلمي نظرًا لما حباه الله -عزّ وجلّ- من دقة الفهم ورسوخٍ في الشريعة، وتحريرٍ في المنقول والمعقول».
وهذه مصادرة على المطلوب؛ لأنّ المصنف هنا لم ينطلق من كلام السَّلَف ولا من تتبع آثارهم ولا من التفتيش في خفايا كلامهم، ولا من جمع لمتفرّق أنظارهم= بل انطلق من تقريرات أحد المتأخِّرين، ومهما كانت منزلة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإن كلامه -ككلام غيره- يحتاج أن يُعرض على فهم السَّلَف.
ولو أراد المصنّف أن ينطلق من تقريرات شيخ الإسلام -ولا غبار عليها- فكان يقتضي أن يكون الكتاب في بحث مسألة الإعجاز عند شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكان خيرًا له وأقوم.
ثم إن تقريرات شيخ الإسلام -رحمه الله- في هذا الباب لا تخرج عن تقريرات غيره من المتأخّرين، ولا يخالفهم إلا في مسائل دقيقة، وهذا من باب الاختلاف الحاصل في كلّ فروع العلم، فتقريرات شيخ الإسلام كتقريرات غيره، بل إنّ في كلام غيره من العلماء الذين أفردوا باب الإعجاز= تفصيلًا أكثر في بعض الأبواب، وطَرْقًا لشبهات لم يتطرّق لها شيخ الإسلام، وليس في ذلك منقصة له؛ لأنّه لم يؤلِّف في المسألة ابتداءً ويقصد استيعابها، ولو فعل لأجاد على عادته.
الأمر الثاني: عدم الانطلاق من فهم السَّلَف أنفسهم:
وهذا كثيرٌ جدًّا في الكتاب، فكان المفترض أن يكون في الأثر الذي ينقله المؤلِّف عن أحد السلف بيانٌ أو إشارةٌ أو تلميحٌ للفكرة التي أدرجه تحتها، ولكن هذا لم يكن، وهاك بعضَ الأمثلة:
- في النوع الأول من الإعجاز البياني وفي القسم الأول منه وهو (إعجاز اللفظ من حيث المبنى) أورد المؤلِّف تفسير قتادة لكلمة ﴿صِبْغَةَ﴾ وهو قوله: «إن اليهود تصبُغُ أبناءها يهودَ، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحًا والأنبياء بعده».
ثم قال المؤلّف بعقب ذلك: «هنا نلحظ أن قتادة أشار لصبغة الإسلام، وأنها أحسن الصبغ وأطهرها، في بيانٍ إيماني لطيفٍ لبلاغة هذه الكلمة ومدلولها..».
وهنا لم يوضح المؤلِّف ما دلالة قول قتادة السابق على الإعجاز البياني، أو أين أشار إليه، أو أين ألمح أنه في هذه اللفظة من البلاغة التي تحدّت العرب.
فكان ينبغي أن يكون في كلام قتادة أيّ إشارة لبنية الكلمة لكي تدخل أصلًا تحت القسم الذي أدخلها فيه، وكان ينبغي أن يكون في كلام قتادة أيّ إلماحة لكون هذه البنية ممّا امتاز به القرآن عن كلام العرب، ولكن كلّ ذلك لم يكن، فإنّ البنية مذكورة في كلام العرب معروفة ولم يصح على معيار المؤلِّف شيءٌ يدلّ على تفردها.
- في وجه الإعجاز البياني في القسم الثاني (إعجاز اللفظ من حيث المعنى) أورد المؤلِّف أثرًا لعمر بن الخطاب في تفسير كلمة: ﴿يَتْلُونَه﴾ من قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [البقرة: 121] فقال: «إذا مرّ بذكر الجنّة سأل اللهَ الجنة، وإذا مَرّ بذكر النار تعوّذ بالله من النار».
ثم قال المؤلِّف بعقبه: «ومراده القراءة بتدبّر وفهم، لا سيما إذا تذكرنا أنها صفة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، لا مجرّد القراءة، وهي أحد المعاني التي يرجع إليها اللفظ في اللغة».
ثم بعد ذلك أورد المؤلِّف بعض الآثار لابن عباس وعطاء والحسن في تفسير الآية، وأن معناها أنهم هم من يحلّون حلاله ويحرمون حرامه ولا يحرفونه.
قال بعد ذلك: «وتنوّع هذه المعاني الواردة عن السّلف مظهرٌ لإعجاز هذه اللفظة العظيمة كما بيّن الراغب في مفرداته فقال ...إلخ».
وهنا وقفة، فمن أين في كلام السلف أنّ «تنوع هذه المعاني مظهر لإعجاز هذه اللفظة»؟ بل هذا مشكلٌ من وجوه:
1- أن الخروج بهذه القاعدة الكلية هكذا دون استقراء سابق مشكل، ولا بد قبله من أدلة كثيرة.
2- أنه بناء على هذه القاعدة، هل كلّ لفظة في القرآن لها أكثر من معنى عند السَّلَف يُعَدّ هذا من الإعجاز؟ هذا مشكلٌ جدًّا، لأنّ القرآن وغيره من النصوص ترد عليها هذه الأمور، فتجد بيتَ شِعْرٍ فيه أقاويل كثيرة في تأويله وهي كلّها تصح من جهة المعنى، فهل نقول إنّ هذا البيت معجز؟ وذلك يعود بنا مرة أخرى إلى أن عدم تحرير المراد من الإعجاز أضرّ بالبحث.
3- وأيضًا كيف سيكون الموقف ممَّن يتعامل من المفسِّرين -ومنهم السلف- مع الخلاف ويرجّح بينه، وكيف سيكون الإعجاز عنده؟ وهذا سيؤول بنا مرّة أخرى إلى تحرير المراد من الإعجاز.
ثم إنه بيّن إعجاز اللفظة بالاستدلال على ذلك بكلام الراغب والسعدي وليس ذلك بشيء في البحث الذي يفترض فيه أنه ينطلق من كلام السَّلَف، ثم ختم المؤلِّف بخاتمة وقال: «وبهذا ندرك سِرّ اختيار القرآن لهذه اللفظة الجامعة لإقامة حروف القرآن وحدوده حتى غلب استعمال التلاوة في القرآن دون القراءة، وندرك أيضًا اهتمام السَّلَف بهذه اللفظة ووجوه معانيها».
ولكن الحقيقة أنّ المؤلِّف لم يقدّم لنا أي دليل من كلام السَّلَف على هذا لندركه. وأمثال هذا كثيرٌ في الكتاب، بل لا يكاد يَسْلم مثال من هذه الإشكالية.
6- الاستطراد فيما لا يخصّ البحث:
وهذا أيضًا من آثار تعمية إشكالية الكتاب وعدم تحرير المصطلحات، ومن أمثلته ما كان يذكره المؤلِّف من فوائد إيمانية لكلّ آية من كلام المفسِّرين -غير السلف- وهذا، وإن نصّ عليه المؤلِّف، إلا أنّه لا محلّ له من البحث، فالبحث عن كلام السَّلَف في الإعجاز وليس الحديث عن المباحث الإيمانية منها، وليست المباحث الإيمانية التي يتكلّم فيها المؤلف من كلام السلف ابتداءً وإنما مجتلبة من كلام المفسِّرين.
وأيضًا حديثه وهو بصدد الكلام عن الإعجاز الغيبي أنّ أخبار القرآن لا تملّ، واستغرق ذلك صفحة كاملةً منه نقل فيها عن ابن عطية، وهو لا يصل من قريبٍ أو بعيدٍ إلى الإعجاز، بله الإعجاز الغيبي.
الخاتمة:
رأينا أنّ المؤلِّف في كتابه أراد أن ينظر لكلام السَّلَف ويستجلي منه مفهوم الإعجاز ليقوّم بذلك ما خالط صنيع المتأخّرين -في رأيه- من إشكالات، ولكن المؤلِّف مضى دون أن يحرّر مصطلحات البحث، فكان لزامًا عليه أن يوضح ما الإعجاز الذي سيبحث عنه أو يستجلي مفهومه؟ ولما كان ذلك كذلك دفع به هذا الإشكال في إشكالات منهجية أخرى، فجاءت القسمة مضطربة لعدم وضوح الأمر من أوّله، وكذلك تداخلت الأقسام مع بعضها، ووقع في البحث مصادرة على المطلوب كثيرًا، فلم يكن البحث ينطلق من كلام السلف أنفسهم وإنما يحمل كلامهم على المستقر عند المتأخّرين، وغير ذلك مما ذكرناه.
وفي الحقيقة لو تأمّلنا الكتاب لوجدناه قد خرج بنتيجة هي عكس الغرض الذي دخل به، فالكتاب أراد أن يقوّم صنيع المتأخِّرين في علم الإعجاز وما شابَ كلامهم من التكلّف، ولكنْ لمّا لم يحدّد المؤلِّف المصطلحات والمفاهيم خرج الكتاب ليستدلّ بكلام السَّلَف على صنيع المتأخِّرين، فكأنه ينتصر لنظرهم لا يقوّمه، وذلك لأنه انطلق من تقريراتهم ومن تقسيماتهم في النظر لكلام السَّلَف، وكان يجدر بالبحث أن يكون على ضدّ ذلك.
ومع ذلك، فإنّ أصل الإشكالية التي أثارها المؤلِّف لا يلزم أن يكون باطلًا لمجرد اضطراب مقاربته لها؛ فقد يكون صنيع المتأخِّرين في مسائل الإعجاز بحاجة إلى مراجعات وإعادة نظر لتقويمه، لكن بشرط أن يكون هذا البحث على أُسس علمية صحيحة حتى لا يضطرب البحث كما رأينا في هذه المقالة.
وإنّ الإشكالية الأجدر بالبحث ليست مجرّد السؤال عن وجود الإعجاز في كلام السلف، وإنما: كيف كان السَّلَف يفهمون ما يتصل بخصوصية القرآن وتحدّيه وبيانه ودلالاته، وما الذي يمكن أن يستخلص من مجموع آثارهم دون تحميلها اصطلاحات وتقسيمات حادثة؟
ثم بعد ذلك يمكن النظر في نتاج المتأخِّرين، وتمييز ما كان منه مستندًا إلى دلالة معتبرة ممّا دخله التكلّف، وبهذا يستقيم النظر في الإشكالية، ويكون الرجوع إلى السلف أداةً للتحقيق، دون اتخاذ تقريرات المتأخِّرين إطارًا حاكمًا يُفسَّر كلام السلف في ضوئه.
ممن نصّ على ذلك الأستاذ محمود شاكر -رحمه الله- في كتابه (مداخل إعجاز القرآن)، واستظهر أنّ أول من تكلّم بهذا اللفظ هو الجاحظ في القرن الثالث، يُنظر: ص8، طبعة دار القدس.
الكتاب من منشورات آفاق المعرفة، لعام 1444هـ، ويقع في 128 صفحة، والدكتور عبد اللطيف بن عبد الله التويجري حاصل على درجة الدكتوراه في القرآن وعُلومِه، من كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
تلاد الإعجاز، عبد اللطيف التويجري، ص21.
تلاد الإعجاز، عبد اللطيف التويجري، ص21.
تلاد الإعجاز، عبد اللطيف التويجري، ص21.
تلاد الإعجاز، عبد اللطيف التويجري، ص21.
تلاد الإعجاز، عبد اللطيف بن عبد الله التويجري، ص49، بتصرف يسير.
تلاد الإعجاز، عبد اللطيف بن عبد الله التويجري، ص38.
تلاد الإعجاز، عبد اللطيف بن عبد الله التويجري، ص21.
تلاد الإعجاز، عبد اللطيف بن عبد الله التويجري، ص15.
تلاد الإعجاز، عبد اللطيف بن عبد الله التويجري، ص16.
تفسير الطبري، (2/ 603).
تلاد الإعجاز، عبد اللطيف بن عبد الله التويجري، ص28.
تفسير ابن أبي حاتم (11/ 218).
تلاد الإعجاز، عبد اللطيف بن عبد الله التويجري، ص34.
تلاد الإعجاز، عبد اللطيف بن عبد الله التويجري، ص35.
تلاد الإعجاز، عبد اللطيف بن عبد الله التويجري، ص36.
راجع: تلاد الإعجاز، عبد اللطيف بن عبد الله التويجري، ص 28، 30، 37.
كلمات مفتاحية
الكاتب:
محمد مصطفى قناوي
حاصل على ليسانس كلية الآداب قسم اللغة العربية - جامعة الإسكندرية.
مواضيع ذات صلة
((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))