الأنصاص القرآنية بالمغرب؛ ضوابط للحفظ وصناعة للتعلّم
الأنصاص القرآنية بالمغرب
ضوابط للحفظ وصناعة للتعلّم
الكاتب: عز الدين حدو
تتناول المقالةُ الأنصاصَ القرآنية في المغرب بوصفها صِيَغًا تعليمية لضبط المحفوظ وتمييز المتشابهات، وتحلِّل بنيتها ووظائفها في استحضار الأحكام، وشروط الإفادة منها، مع اقتراح تطبيقات تربوية لاستثمارها في التعليم القرآني.
مقدّمة:
حين نتأمّل الوسائل التي اعتمدها أهلُ الإقراء بالمغرب الأقصى في تعليم القرآن الكريم، تستوقفنا الأنصاص القرآنية بما تختزنه من خبرة في التعامل مع صعوبات الحِفْظ والكتابة والأداء. ولعلّ ما يستحقّ النظر فيها هو تلك العناية بالتفاصيل التي يَكْثُر فيها تعثّر الطالب، ومحاولة جَمْعها في عبارات موجَزة، يستعينُ بها على ضبط ما تشابه عليه أو اضطرب في ذاكرته. ونرى أنّ هذه الصِّلَة بين صعوبة التعلّم وصياغة الوسيلة المعِينة على تجاوزها هي المدخل الأنسب لفهم قيمتها التربوية؛ إِذْ تكشف عن معرفة بالتعليم تشكّلت في أثناء ممارسته، وعن قُدرة على تحويل الخبرة المتراكمة إلى ضوابط ينتفع بها الطالب.
ننطلق في هذا المقال من سؤال نراه أساسًا لهذه القراءة: كيف تسهم الأنصاص في تنظيم ما يتعلّمه طالب القرآن الكريم، وفي تيسير رجوعه إلى مواضع الحُكْم حين يحتاج إليه؟ وهدفنا بيان مفهومها وتحليل بعض وظائفها التعليمية، مع النظر في الشروط التي تجعل اختصارها مُعِينًا على التعلّم. ونعتمد في ذلك وصف نماذج منها وتحليل بنائها، مستفيدِين من الشواهد التي جمعها عبد العزيز العيادي العروسي في كتابه: (الأنصاص القرآنية). ونقسم المقال إلى ثلاثة محاور: نوضح في أوّلها مفهوم الأنصاص وبناء الضابط فيها، ونبحث في ثانيها وظائفها في تنظيم المحفوظ واستحضاره، ثم ننظر في ثالثها إلى شروط الانتفاع بها وإمكان تطوير استعمالها. وتبقى هذه القراءة تحليلًا لإمكاناتها التعليمية؛ أما تقدير أثرها الفعلي في أداء الطالِبِين فيحتاج إلى دراسة ميدانية.
يلزم هنا توضيح استعمالنا لفظ (الطالب)؛ إِذْ نقصد به في سياق هذا المقال: المشتغِل بحِفْظ القرآن الكريم في الكتاتيب ومؤسّسات التعليم العتيق، ولا نريد به مطلق الطالب كما قد يُفهم من شيوع اللفظ في الاستعمال المشرقي. كما نعتمد كتاب (الأنصاص القرآنية) لعبد العزيز العيادي العروسي مرجعًا أساسًا في عرض نماذج الأنصاص وتحليلها؛ لكونه أهم مصنَّف وأشهَره في جَمْع هذا الموروث التعليمي بالمغرب، وأكثره استيعابًا وتوسيعًا لمادته، بما يجعله مرجعًا مناسبًا للكشف عن بنية الأنصاص ووظائفها كما استقرّت في الممارسة التعليمية القرآنية المغربية.
أولًا: مفهوم الأنصاص وبناء الضابط التعليمي:
الأنصاص في اصطلاح أهل التعليم القرآني بالمغرب صِيَغٌ تعليمية يغلب عليها النَّظْم، تُجمع فيها مسائل تتصل برسم الكلمات القرآنية وضبطها وكيفية أدائها، وتُبيّن بها الفروق بين المواضع المتشابهة، مع تعيين مواقعها في السور أو الأحزاب أو الأرباع أو الأثمان. فهي تؤطّر الكلمات الخارجة عن القياس في رسمها أو ضبطها أو أدائها، كما تعتني بالمتشابهات من جهة التقديم والتأخير والحذف والإضافة، وتتسع موضوعاتها للوقف والابتداء وآداب القراءة والتعليم. وهي بهذا المعنى معرفة وضعها أهل الإقراء لخدمة تعلّم القرآن الكريم، وجعلوا من اختصار العبارة وجمع النظائر سبيلًا إلى تقريب مسائل قد يصعب على الطالب استحضارها متفرّقة.
وتحتاج صفة "القرآنية" هنا إلى بيان؛ فالأنصاص صِيَغ وضعها أهل التعليم لضبط مسائل متعلّقة بالقرآن الكريم، وليست جزءًا من ألفاظه. كما أن وصفها بالنَّظْم لا يقتضي بالضرورة أن تستوفي دائمًا خصائص الشِّعْر من وزن وقافية؛ فقد وصف العيادي العروسي بعض صِيَغها بالعفوية، وذكر استعمال العامية أحيانًا في تقريبها إلى الطالبين. وتفيدنا هذه الملاحظة في تعيين الجهة التي ننظر منها إليها: ما الذي تحفظه العبارة من معرفة، وكيف تتيح للطالب الوصول إليها؟ فالحُكْم على فائدتها التعليمية يحتاج إلى فحص الصِّلَة بين صياغتها والمهمة التي تؤديها في موقف التعلّم.
تلتقي الأنصاص بالمنظومات التعليمية في اتخاذ العبارة الموزونة القابلة للحِفْظ وسيلة لحمل المعرفة. غير أن النماذج التي ندرسها هنا تضبط مسائل جزئية محدّدة، وتضم إلى أحكامها علامات تدلّ على مواقعها في المحفوظ. وهذا التحديد لا يُراد به وضع حدّ فاصل بين جميع الأنصاص وسائر المنظومات؛ فموضوعاتها وصِيَغها متنوّعة، وإنما نقصد به إبراز خاصية تتكرّر في الشواهد المختارة، وتفسِّر جانبًا من ملاءمتها لحاجات الطالب أثناء الكتابة والمراجعة. ومن ثم لا نستطيع استيفاء معناها بتعداد موضوعاتها؛ إِذْ ينبغي أن ننظر أيضًا في طريقة ترتيب عناصرها وفي المعرفة التي تفترضها لدى مستعملها.
من أمثلتها ما أورده العيادي العروسي في فصل الكلمات المقطوعة والموصولة:
وَحَيْثُ مَا مَفْرُوقَةٌ حَرْفَانِ
فِي سَيَقُولُ الْأَوَّلِ مَعَ الثَّانِي
هذا النصّ يجمع موضعي فصل "حيث" عن "ما" في قوله عز وجل: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144، 150]، ويحيل عليهما بواسطة "سيقول"، وهي مطلع الحزب الثالث الذي يضمهما. والمقصود بـ"حرفان" هنا موضعان. والذي يستوقفنا فيه أن العبارة القصيرة تحمل حُكْم الكلمة، وعدد مواضعه، ومفتاح الوصول إليها؛ فكأنها تضع بين يدي الطالب دليلًا موجزًا يستعين به على مراجعة ما كتب أو استحضار ما نسي.
إذا بسطنا هذا الضابط وجدنا أنّ "مفروقة" تعين الحكم الكتابي، وأن "حرفان" تحصر عدد مواضعه، ثم تأتي "سيقول" لتدلّ على المجال الذي يبحث فيه الحافظ. أما "الأول مع الثاني" فتربط الحكم بالورودَيْن داخل ذلك المجال. ولا تستوي هذه المكونات من حيث ما يحتاج إليه الطالب لفهمها؛ فمعرفة معنى الفصل والوصل تشرح الحكم، ومعرفة تحزيب القرآن الكريم تشرح الإحالة، ثم يأتي الرجوع إلى الشاهدَيْن لربط الأمرَيْن. وهنا نلمس أن الاختصار ينقل جانبًا من العمل إلى الطالب: عليه أن يفتح العبارة على شواهدها، وأن يتحقّق من موافقة كتابته لما تقرّره. فإذا عجز عن ذلك بقي ما حَفِظه أقلّ من المعرفة التي أُريد للضابط أن يحملها.
كما يكشف هذا البناء عن وجهٍ آخر في طريقة صياغة الضابط، يمكن وصفه -من منظور تربوي- بأنه ترميز للمعرفة في صورة موجزة. فالحكم الذي يحتاج الطالب إلى استحضاره لا يقدَّم له في العبارة على صورته المفصّلة، وإنما يختزل في ألفاظ وعلامات تحيل إلى عناصره الأساسية، بحيث يستطيع المتعلم -متى امتلك مفاتيحها- أن ينتقل منها إلى الحُكْم وشواهده. وليس المقصود بهذا الوصف أنّ أهل الإقراء صاغوا هذه الأنصاص وفق مفهوم حديث للترميز التربوي، وإنما المقصود أنّ بنيتها التعليمية تتضمّن آلية تقوم على اختزال قَدْر من المعرفة في صِيغة قابلة للحفظ والاستدعاء، مع إبقاء ما يكفي من العلامات لفكّ هذا الاختصار والرجوع إلى مواضعه.
فلا يكون اختصار العبارة مجرّد تقليل لألفاظها، وإنما إعادة تنظيم للمعلومة بحسب ما يحتاج إليه المتعلّم في موقف المراجعة والاستحضار. فالكلمة الدالّة، وعدد المواضع، والإحالة إلى المجال، وعلامة التمييز بين الشواهد، تتآزر لتكوين صِيغة مختصرة تحمل معرفة أوسع من حجمها اللّفظي. وتظهر قيمة هذا الترميز بقَدْر قُدْرة الطالب على الانتقال من العلامة إلى ما ترمز إليه؛ إِذْ لا تتحقّق الفائدة بمجرّد استظهار العبارة، وإنما بفهم العلاقات التي تصل ألفاظها بالحكم والشاهد.
ومنها أيضًا: قولهم في ضبط موضعي وصل "أن" بـ"لن":
أَنْ لَنْ بِغَيْرِ النُّونِ بِسَلَامَةِ
فِي سُورَةِ الْكَهْفِ مَعَ الْقِيَامَةِ
ويشير إلى قوله عز وجل: ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: 48]، وقوله عز وجل: ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: 3]. والمقصود بـ"بغير النون" حذف نون "أن" من الرسم عند وصلها بـ"لن" في هذين الموضعَيْن؛ فالضابط يقرّر هنا حكمًا كتابيًّا. وبذلك تتضح طريقة أخرى في بناء الضابط، قوامها حصر الاستثناء وتعيين موضعه بأسماء السور. ونرى أنّ قيمة المثالَيْن تكمن في إظهارهما الصِّلَة بين المعرفة وطريقة استدعائها؛ فالطالب يحتاج إلى معرفة الوجه الصحيح، وإلى علامة تُعِينه على استحضاره حين تتشابه عليه الصور. وتلك، في تقديرنا، إحدى الخصائص التعليمية التي تستحقّ إبرازها في مفهوم الأنصاص.
يكشف اختلاف الإحالة بين المثالَيْن عن ضرورة العناية بمفاتيح الضابط عند شرحه؛ ففي الأول يحتاج الطالب إلى معرفة مطلع الحزب، وفي الثاني يرجع إلى اسمي السورتَيْن. وفي الحالتين لا تكفي تسمية المكان إذا لم يستطع تعيين الشاهد فيه. ولهذا نرى أن شرح الأنصاص ينبغي أن يصل منذ البداية بين ألفاظها وما تشير إليه، وأن يتيح للطالب الانتقال في الاتجاهين: من الضابط إلى الشاهد، ومن الشاهد إلى الحكم الذي يجمعه بنظيره.
ثانيًا: وظائف الأنصاص في تنظيم المحفوظ واستحضاره:
غير أنّنا نرى أن تعريف الأنصاص بموضوعاتها وحدها لا يكفي للكشف عن حقيقتها التعليمية؛ فثمة فرق بين معرفة الحُكْم وصياغته على نحو يستطيع الطالب الانتفاع به. فقد يكون الفقيه محيطًا بمواضع كلمة أو بوجوه اختلافها، لكن نقل هذه المعرفة إلى الطالب يقتضي اختيار طريقة لجَمْعها، وعلامات لتعيينها، وعبارة تَصلح لحفظها. وفي هذا الانتقال من العلم بالمسألة إلى تيسير تعلّمها تتجلّى الصّنعة التربوية في الأنصاص. فالنصّ التعليمي يحمل حُكْمًا، ويحمل معه تصوّرًا للطريقة التي يمكن أن يُفهم بها هذا الحكم ويُستحضر ويُطبّق.
يؤيّد هذا النظر ما ورد في وصف نشأة بعض الأنصاص في سياق تصحيح الألواح؛ إِذْ يجد الفقيه خطأ في كتابة الطالب، فيصححه، ثم يجمع له نظائر الكلمة ومواضعها في نَظْم قريب من فهمه. والذي يهمنا في هذا الوصف هو أنّ الخطأ يستدعي عملًا تعليميًّا يتجاوز إصلاح الكلمة التي وقع فيها. فالمعلِّم يتنبّه إلى أن وراء الخطأ مسألة لم تُضبط، وأنّ تكرار التصحيح قد لا يغني عن بناء ضابط لها. ومن ثم، فإنّ النصّ الذي يقدّمه للمتعلّم يتّصل بحاجة ظهرت في أدائه، ويجيب عن صعوبة خبرها بالفعل؛ وهذا ما يمنح تعلّمه معنى، ويجعل فائدته قريبة الإدراك.
من هنا يمكننا أن نفهم الأنصاص بوصفها إحدى صور إعادة تنظيم المعرفة بحسب حاجات التعلّم. فالمصنَّفات العلمية ترتّب مسائل الرسم والضبط والأداء وفق أبواب الفنّ وأصوله، أما النصّ التعليمي فيجمع مواضع قرآنية متفرّقة يشترك حُكْمها، ويقرنها بعلامات تُعِين الطالب على استحضارها. ومعيار الجَمْع، في هذه الحال، هو ما يحتاج طالب القرآن الكريم إلى استحضاره معًا حتى يستقيم أداؤه. وهذه مسألة نعدّها ذات دلالة؛ لأنها تظهر أن التعليم القرآني أتاح مجالًا للتصرّف في عرض المعرفة وتنظيمها، مع الالتزام بما تقرّر من أحكامها.
إذا كان الضابط يعيد تنظيم المعرفة بحسب حاجات التعلّم، فإن من وجوه هذا التنظيم ترميز العلاقات التي تَجمع بين المواضع المتفرّقة. فالنصّ لا يحفظ كلّ موضع في عزلة عن نظائره، وإنما يجمعها في صِيغة واحدة، ويجعل بينها علامات تتيح للطالب استحضارها بوصفها مجموعة مترابطة. وبذلك يصبح الترميز وسيلة لتنظيم المحفوظ، لا مجرّد وسيلة لحفظ العبارة؛ إِذْ تنتقل المعلومة من صورة المواضع المتفرّقة إلى صورة شبكة من العلاقات يمكن استدعاؤها عند الحاجة.
تتضح أهمية ذلك بوجه خاصٍّ في المسائل التي يكثر فيها التشابه؛ لأنّ الصعوبة لا تنشأ دائمًا من غياب المعرفة بالموضع، وإنما قد تنشأ من تقارب المواضع واختلاط بعضها ببعض. وهنا تؤدِّي العلامة المختصرة وظيفة توجيه الانتباه إلى العنصر الذي ينبغي تمييزه، وتصل الحُكْم بمجاله وشواهده. ومن ثم يمكن النظر إلى بعض الأنصاص بوصفها وسيلة لترميز الفروق داخل المحفوظ، بحيث لا يبقى الحفظ قائمًا على استظهار الألفاظ وحدها، وإنما يستند كذلك إلى معرفة مواضع الاختلاف والعلامات التي تُعِين على استحضارها.
جمع النظائر وتمييز الفروق:
تبدو هذه الوظيفة أوضح في الأنصاص التي تضبط المتشابه اللفظي، فالحافظ قد يَعرف الموضعَيْن، ويكون قد كرّرهما مرّات كثيرة، ثم ينتقل في التلاوة من أحدهما إلى الآخر بسبب تقاربهما. والصعوبة هنا تتصل بتمييز المحفوظات بعضها من بعض بقدرِ اتصالها بثباتها في الذاكرة. ولذلك نرى أنّ جانبًا من عمل الأنصاص يتّجه إلى تعيين موضع الفَرْق: حرف يُثبت هنا ويُحذف هناك، أو كلمة تتقدّم في موضع وتتأخّر في غيره. إنها توجّه انتباه الطالب إلى التفصيل الذي يتوقّف عليه إحكام الحفظ، وتمنحه علامة يرجع إليها حين يلتبس عليه الوجه الصحيح.
هذا الجانب يدعونا إلى مراجعة النظرة التي تختزل الحفظ في التكرار، فالحفظ الذي يُستعان عليه بهذه الضوابط يقتضي قدرًا من المقارنة والتصنيف وإدراك العلاقات. والطالب الذي يستطيع أن يجمع نظائر المسألة، ويبيّن موضع اختلافها، ويصل كلّ صورة بموقعها، يمارس عملًا معرفيًّا يتجاوز استظهار الألفاظ. ومع ذلك، ينبغي أن نُبقي هذا الحكم في حدوده؛ ففهم العلاقات بين المواضع المتشابهة لا يستلزم فهم دلالاتها التفسيرية أو عِلَل اختلافها البلاغية. وما نثبته هنا هو إمكان بناء وعي ببنية المحفوظ وفروقه، وهو مستوى له قيمته في التعلّم، وإن لم يستوعب سائر مستويات الفهم القرآني.
وما نراه جديرًا بالفحص هو نوع السؤال الذي يوجّه إلى الطالب عند مراجعة هذه الضوابط. فسؤاله عن ألفاظ النصّ يكشف مقدار استظهاره، وسؤاله عن شواهده يكشف قدرته على فكّ إحالاته، أما مطالبته ببيان سبب إدراج شاهد في الضابط دون غيره فتكشف مدى ضبطه لمجال الحكم. وهذه مطالب متمايزة، وإن اجتمعت في نشاط واحد. وقد ينجح الطالب في أحدها ويتعثّر في الآخر؛ لذلك لا ينبغي أن نحمل جودة استظهاره على أنها دليل كاف على استيفاء التعلم. والأنصاص -من هذه الجهة- تتيح للمعلِّم مادة ينوّع بها أسئلته، ويعيّن من خلالها موضع الحاجة إلى الشرح أو التدريب.
الإحالة إلى مواضع المحفوظ:
ولعلّ من خصائص الأنصاص التي تستحق التأمّل أيضًا أنها تصل المعلومة بمكانها في المحفوظ، فالإحالة على بداية حزب أو ربع أو ثمن تستثمر معرفة سَبَق للطالب تحصيلها، وتجعلها وسيلة للوصول إلى شاهد جديد أو لاستحضار حكم معلوم. ونميل إلى فهم هذه الإحالات بوصفها جزءًا من طريقة تنظيم المعرفة عند الحافظ؛ إِذْ تغدو المقاطع المألوفة لديه علامات يهتدي بها إلى مواضع المسائل. ولهذا لا يكفي نقل ألفاظ الأنصاص إلى متعلِّم لم يألَف نظام إحالاتها، ثم توقّع الفائدة نفسها؛ لأنّ ما يبدو واضحًا عند طالب متمرّس قد يحتاج عند غيره إلى شرح وتمثيل وتدريب.
وتتضح قيمة هذه الإحالات حين ننظر إلى ما تفترضه من معرفة سابقة. فالعبارة التي تؤدِّي عند الحافظ المتمرّس إلى استحضار مقطع مألوف قد لا تعني للمبتدئ أكثر من كلمات متجاورة. ومن هنا نميل إلى أن تدريس الضابط ينبغي أن يسبقه التأكّد من امتلاك الطالب ما يلزم لفهم علاماته. وليس المقصود تأخير جميع الأنصاص إلى مرحلة واحدة من التعلّم، وإنما اختيار ما يستطيع الطالب ربطه بمحفوظه، وتقديم ما ينقصه من بيان. فملاءمة الضابط تقاس أيضًا بموقعه من مسار الطالب، وبقدرته على الانتفاع به في المسألة التي يتعلّمها.
ثالثًا: شروط الانتفاع بالأنصاص وتطوير استعمالها:
هنا تظهر حدود الاختصار نفسه؛ ذلك أنّ العبارة الموجَزة تستطيع أن تجمع معرفة واسعة، لكنها تظلّ محتاجة إلى مَن يمتلك مفاتيح بَسْطها. ولعلّ مما يكشف عن ذلك أن كشف الأثمان والأرباع والأحزاب مُعِين على «فكّ ألغاز الأنصاص القرآنية المؤطرة». وهو ما نفهم منه أنّ إتقان العبارة لا يُغني عن معرفة نظام إحالاتها؛ فقد يستظهر الطالبُ النصّ، ثم يتعثّر في تعيين شواهده أو تحديد مجال حُكمه. ولذلك نرى أنّ القيمة التعليمية للأنصاص تتبيّن في قُدْرة الطالب على الانتقال من الضابط إلى مواضعه، والتمييز بين ما يندرج فيه وما يخرج عنه.
ويقتضي ذلك أنْ يبيّن المعلِّم حدودَ الحكم الذي تحمله العبارة، وأن يفرّق في شرحه بين الرسم والضبط والأداء، فلا ينتقل الطالبُ من حُكْم في أحدها إلى تعميمه على الآخر. ففي مثال "أن لن" ينبغي أن يتجه النظر إلى صورة الكلمة في الكتابة، مع إبقاء أحكام أدائها في موضعها من الشرح. كما ينبغي تعيين الاختيار الذي ينقله الضابط عند وجود اختلاف، والرجوع إلى المصدر المعتمد في تقريره. وهذه العناية جزءٌ من القيمة التعليمية نفسها؛ لأن سهولة الحفظ قد تجعل العبارة أشد رسوخًا، فتزداد الحاجة إلى إحكام ما يثبت معها من معنى.
من تصحيح الخطأ إلى المراجعة الذاتية:
كما تفتح صِلَة الأنصاص بالخطأ بابًا للنظر في وظيفتها التقويمية؛ إِذْ يمكن أن يتجه التصحيح إلى بيان الضابط وتوسيع مجال الإفادة منه. وفي وصف طريقة الفقيه يقول العيادي العروسي: «يقوم المصحّح بعد ذلك باستعراض نظائر تلك الكلمة والأماكن التي توجد فيها في نَظْم بسيط قريب إلى عقلية التلميذ والطالب». والذي نستفيده من هذا الوصف أن الخطأ يتيح مناسبة لجمع النظائر، وتقديم حُكْم يمكن تطبيقه على مواضع أخرى.
غير أنّ هذه الوظيفة التقويمية لا تكتمل بمجرّد تقديم الضابط للطالب؛ إِذْ تقتضي أن يعيد الطالب النظر في خطئه، وأنْ يستخرج نظائره، وأن يختبر الضابط في شواهد جديدة، حتى ينتقل تدريجيًّا من تلقّي التصحيح إلى القُدْرة على ممارسته. وعندئذ يمكن أن تنتقل أداة التصحيح من يد المعلِّم إلى الطالب نفسه، فيغدو إحكام الحفظ قائمًا -إلى جانب التوجيه الخارجي- على مراجعة ذاتية يستطيع بها الطالب اكتشاف مواضع اضطرابه ومعالجتها. ونحن نعرض هذا الانتقال بوصفه غاية تعليمية يمكن العمل على تحقيقها؛ فوَصْف الممارسة في المصدر لا يكفي وحده لإثبات تحقّقها لدى جميع الطالبين.
تطبيق تعليمي مقترح:
ولإيضاح هذا الاستعمال نقترح نشاطًا يستند إلى ضابط "وحيث ما". يبدأ المعلِّم بعرض الشاهدَيْن في سورة البقرة، ويطلب من الطالب ملاحظة صورة الكتابة وتعيين الكلمتين المفصولتَيْن. ثم يقدّم الضابط، ويسأله عن معنى "مفروقة" و"حرفان" وعن دلالة "سيقول". والمقصود أنْ يدخل الطالب إلى حِفْظ العبارة بعد أن يعرف ما تجمعه، وأن يكون قادرًا على شرح كلّ علامة فيها. ويمكن أن يعيد الشرح بعبارته الخاصّة؛ لأنّ صحة المعنى هنا أقدر على الكشف عن الفهم من تكرار ألفاظ المعلِّم.
وفي خطوة تالية يُغلق الطالبُ المصحفَ، ويحاول استحضار الشاهدَيْن وتعيين موضعهما مستعينًا بالضابط، ثم يعود إلى المصحف للتحقّق من جوابه. وبعد ذلك يعرض عليه المعلم كتابة للشاهد وقع فيها وصل "حيث" بـ"ما"، ويطلب منه تصحيحها وتعليل التصحيح. وإذا تعثر، ينظر المعلم في منشأ التعثّر: هل نسي الحكم، أم لم يفهم الإحالة، أم عرفهما ولم ينتبه إلى صورة الكتابة؟ فاختلاف منشأ الخطأ يقتضي اختلاف المعالجة، ولا يكفي أن يطلب منه إعادة حفظ النصّ في كلّ مرة.
ويستكمل النشاط في مراجعة لاحقة، يُطلب فيها تعيين الشاهد وكتابة موضع الحكم دون عرض الضابط أولًا، ثم يُستعان به عند الحاجة. ويمكن للمتعلِّم أن يسجل ما أخطأ فيه وما أعانه على تصحيحه، حتى يصبح أقدر على توجيه مراجعته. وهذا النشاط اقتراح لاستثمار البنية التي رأيناها في النصّ، وليس وصفًا لتجربة أُجريت أو نتيجة ثَبتت. وتبقى قيمته موضع اختبار من خلال أداء الطالبين، ولا سيما قُدرتهم على استحضار الحكم بعد مدّة، وعلى استعماله حين يتغيّر ترتيب الأسئلة أو طريقة عرض الشواهد.
يمكن الإفادة -في تطوير هذا الاستعمال- من نتائج الدراسات المتعلّقة بالاسترجاع النشط. فقد أظهرت دراسة روديغر وكاربيك أنّ استدعاء المادة من الذاكرة حَسّن الاحتفاظ المؤجّل بها مقارنة بإعادة دراستها. وما نستفيده منها هنا هو توجيه النشاط التعليمي نحو استحضار الضابط وشواهده وتطبيقاته، بدل الاكتفاء بإعادة قراءته. ولا نتّخذ هذه النتيجة دليلًا مباشرًا على فاعلية الأنصاص، فذلك يحتاج إلى دراسة خاصّة بها؛ وإنما نستأنس بها في اقتراح طريقة لاستثمارها، يشارك فيها الطالب بالبحث والتعيين والتصحيح، ويظهر من خلالها مقدار ما امتلكه من المعرفة.
خاتمة:
سعينا في هذا المقال إلى بيان مفهوم الأنصاص القرآنية، وقراءة بعض صِيَغها من جهة بنائها ووظيفتها في التعلّم. وأظهر تحليل المثالَيْن أنّ الضابط يجمع حُكْم الكلمة وعدد مواضعه أو مجالها، ويقرن ذلك بعلامات تُعِين على الرجوع إلى الشواهد. ومن هنا تتحدّد إحدى خصائصه التعليمية في تنظيم الصِّلَة بين معرفة الحُكْم والقدرة على استحضاره عند الحاجة. كما بيّنت القراءة أنّ جمع النظائر وتمييز الفروق يمكن أن يتيحَا للطالب عملًا معرفيًّا يتجاوز استظهار العبارة، من غير أن يستلزم ذلك استيفاء مستويات الفهم التفسيري والبلاغي.
وخلصنا إلى أنّ الانتفاع بالأنصاص مشروطٌ بفهم إحالاتها وضبط مجال أحكامها والتدرّب على بَسْط ما اختصرته. أما التصحيح الذاتي فغاية يمكن أن يسهم استعمالها في بنائها متى أتيح للطالب تعيين خطئه، وتطبيق الضابط، والتحقّق من عمله. ولهذا اقترحنا نشاطًا يصل الشرح بالاسترجاع والتصحيح، مع إبقاء الحُكْم على فاعليته مفتوحًا للدراسة الميدانية. إن ما نراه جديرًا بالاستعادة في هذه التجربة هو الحِسّ التعليمي الذي يصل دقة المعرفة بصعوبة تعلّمها؛ ومن إنصافها أن نبحث في شروط عملها وما تؤديه فعلًا في بناء حِفْظ محكَم، يصحبه وعي بالفروق وقدرة على المراجعة.
الأنصاص القرآنية (رواية ورش بالسند المتصل)، عبد العزيز العيادي العروسي، ط5، 2006م، (1/ 99-101).
راجع: الأنصاص القرآنية، العيادي العروسي، (1/ 99-102).
الأنصاص القرآنية، العيادي العروسي، (1/ 259)، النصّ رقم 100.
الأنصاص القرآنية، العيادي العروسي، (1/ 263)، الصيغة التالية للنص رقم 107.
الأنصاص القرآنية، العيادي العروسي، (1/ 102).
الأنصاص القرآنية، العيادي العروسي، (1/ 99، 129-130).
الأنصاص القرآنية، العيادي العروسي، (1/ 130).
الأنصاص القرآنية، العيادي العروسي، (1/ 102).
Roediger, H. L., & Karpicke, J. D. (2006). Test-Enhanced Learning: Taking Memory Tests Improves Long-Term Retention. Psychological Science, 17(3), 249–255. DOI: 10.1111/j.1467-9280.2006.01693.x
كلمات مفتاحية
الكاتب:
دكتور عز الدين حدو
حاصل على الدكتوراه في علوم القرآن، وباحث في المناهج التربوية لتدريس العلوم الشرعية.
مواضيع ذات صلة
((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))