النَّظْم الحَلَقي والمحوري في القرآن؛ قراءة نقدية في أعمال كويبرس وفارين
النَّظْم الحَلَقي والمحوري في القرآن
قراءة نقدية في أعمال كويبرس وفارين
الكاتب: نيكولاي سيناي - Nicolai Sinai
تزايد الاهتمام الغربي بالدراسة الأدبية الداخلية للقرآن في العقود الأخيرة، وافترض عدد من الدارسين نظم القرآن وفق بعض البنيات، وعلى رأسها البنية الحلقية أو المحورية، في هذه المقالة يقدِّم سيناي نقدًا تفصيليًّا لبعض الأعمال التي تنطلق من شيوع هذه البنية في القرآن، مثل أعمال كويبرس وفارين، إذ يطرح بعض التساؤلات حول معايير تقسيم الآيات والسور ومدى اتفقاها مع البنية الداخلية للنص.
النَّظْم الحَلَقي والمحوري في القرآن
قراءة نقدية في أعمال كويبرس وفارين
نيكولاي سيناي
مقدمة:
بدأ الباحثون الذين ينشرون باللّغات الغربية، منذ ثمانينيات القرن العشرين، يزدادون تقديرًا للخصائص الأدبية للخطاب القرآني، متجاوِزِين بذلك الأحكام التبخيسية التي صدرتْ عن بعض القرّاء الغربيين الأوائل للنصّ الإسلامي المقدّس. وقد تصدّر هذا التحوُّلَ سؤالٌ محوري مفاده: هل يمكن النظر إلى السور القرآنية على أنّها تتسم بدرجة معتبرة من التماسك الموضوعي والأدبي؟ وهل تُشكِّل السورُ -أو بعضُها على الأقلّ- وحداتٍ تركيبيةً متكاملة (compositional unities)، أم أنّها ليست سوى تجميعٍ لآيات مستقلّة بذاتها، أو في أحسن الأحوال مجاميع آياتٍ مترابطة ترابطًا محدودًا؟ إنّ ما نجده في جانب معتبر من التفسير الإسلامي القديم من ضعف الاهتمام ببنية السّور فوق مستوى الآية، مع ميلٍ إلى إرجاع الآيات المفردة إلى سياقات تاريخية متعدّدة من سيرة محمد [صلى الله عليه وسلم] = قد أسهم في تعزيز الاتجاه القائل بهذا التصوّر الأخير. ومع ذلك، يبدو أنّ الإجماع السائد اليوم بين الباحثين العاملين في الجامعات الأوروبية وأمريكا الشمالية قد مال -إلى حدٍّ كبير- نحو الإقرار بقدرٍ ما من وحدة السورة sura holism. ولا شكّ أنّ هذا التحوّل يُعَدّ تطوّرًا محمودًا ومسوّغًا علميًّا.
تندرج الدراستان موضوعُ البحث هنا في صميم هذا المنحى الكُلّي، غير أنّهما تسعيان إلى الدفع به إلى مدى أبعد؛ إِذْ يهدف كتاب ميشيل كويبرس (Michel Cuypers) نَظْم القرآن The Composition of the Qur’an إلى البرهنة -بمستوى تحليلي دقيق ومحفِّز- على أنّ السور القرآنية قد بُنيت وفق عددٍ محدود من المبادئ التركيبية العامة التي تحكم الإنتاج الأدبي السامي على نطاق أوسع. ويتمثّل مقصد كويبرس في إثبات أنّ منهج التحليل البلاغي الذي صاغه الباحثُ الكِتابي رولان مينيه )Roland Meynet( لا يقتصر على النصوص الكتابية وحدها، بل يُدَّعى صلاحيته كذلك لسائر آداب الشرق الأدنى القديم، بل وحتى لمادّة من متن الحديث النبوي (ص: 6- 7)، وهو منهجٌ قابل للتطبيق على القرآن أيضًا. واقتفاءً لأثر مينيه، يميّز كويبرس بين ثلاث صُوَر تركيبية عامّة، هي: التوازي (parallelism)، والتركيب المرآتي (mirror composition)، والتركيب المحوري (concentric composition) (ص: 61- 109). ولكي يُوصَف مقطعٌ أو نصٌّ ما بأنّه يقوم على تركيبٍ مرآتي، ينبغي أن يتّخذ بنيةً من نمط: ABCC'B'A' ، بحيث تُظهِر العناصر المتقابلة -كـ A وA′ مثلًا- وهي قد تكون جزء آية، أو آية كاملة، أو مجموعة آيات، أو مقطعًا كاملًا من السورة = قدرًا كافيًا من المشتركات والتقابلات الدلالية أو الأسلوبية، بما يبرّر وَسْمَها بالحرف نفسه. أمّا التركيب الحلقي/ المحوري فهو في جوهره تركيبٌ مرآتي يتمحور حول عنصرٍ وسطيّ، فيتّخذ الصيغة: ABCDC'B'A'. ويرى كويبرس أنّ هذا النمط البنيوي «شديد الكثرة والورود» في أنحاء القرآن (ص: 83).
ويحظى الرأيُ القائل بأنّ جانبًا واسعًا من القرآن قد صِيغ وفق بنيةٍ حلقية/ مركزية بتأييدٍ صريحٍ كذلك في كتاب ريموند فارين (Raymond Farrin( البنية والتفسير القرآني (p. xv) Structure and Qur’anic Interpretation؛ إذ ينطلق فارين من أعمال كويبرس، ومن كتاب ماري دوغلاس (Mary Dougla) التفكير وفقًا للمنطق الدائري Thinking in Circles، وكلاهما يؤكّد ضرورة إسناد وزنٍ تفسيريٍّ خاصّ إلى «نقطة الوسط» في البنية الأدبية الحلقية، بوصفها محورَ الدلالة ومفصلَ المعنى. ومع أنّ الدراستَيْن تشتركان في القناعة العامة بأهمية التركيب الحلقي ring composition في القرآن، فإنّ مقاصدهما ليست متطابقة، بل هي متكاملة. فعمل كويبرس يُمثّل دليلًا تفصيليًّا في التحليل البلاغي للقرآن، يعالج الأشكال التركيبية ابتداءً مما يقع دون مستوى الآية، وانتهاءً بتنظيم السّور بكاملها، بما في ذلك سور طوال كسورة المائدة. أمّا كتاب فارين -على الرغم من كونه أقصر حجمًا وأقلّ تعمقًا منهجيًّا- فإنّه أكثر طموحًا من حيث الغاية؛ إِذْ يسعى إلى إظهار أنّ القرآن الكريم برمّته ينتظم في بنيةٍ حلقية واحدة، تتمحور حول سورة: ق، والذاريات، والطور، والنجم، والقمر، والرحمن (انظر ص: 59- 69). ويجدر التنبيه، عرضًا، إلى أنّ دعوى قريبة من هذا الطرح كانت قد طُرحت بالفعل سنة 2002 في كتيّبٍ باللغة الإنجليزية محدود التداول، من تأليف جوليان بالديك (Julian Baldick)، ويبدو أنّ فارين لم يكن لديه اطّلاع عليه.
لقد غدَا اعتمادُ المقاربة الحَلَقيّة ring-compositional approach في قراءة القرآن أمرًا رائجًا لا مراء فيه، وهو ما يتجلّى أيضًا في تبنّيها البارز في كتاب كارل إرنست (Carl Erns) الحديث كيف نقرأ القرآن How to Read the Qur’an . ويُعزى ذلك -جزئيًّا- إلى قابليّة هذه المقاربة لأن تُسخَّر في خدمة نماذج تاريخية متباينة، وأجنداتٍ بحثية مختلفة الاتجاهات. فإلى جانب الهدف العام المتمثّل في إعادة الاعتبار للقيمة الأدبية للقرآن، قد تبدو القراءة التركيبية الحَلَقيّة للقرآن حليفًا واعدًا للخطاب الاعتذاري الإسلامي Islamic apologetics بقدر ما تصلح حليفًا لإعادة الصياغة التشكيكية للسردية الإسلامية التقليدية عن الإسلام المبكّر. فعلى سبيل المثال: يمكن بسهولة توظيف إصرار فارين على أنّ القرآن «ينطوي على تصميمٍ بديع» في جميع أجزائه (ص: xv) بوصفه خطوةً حاسمةً في بناء حُجّةٍ حديثة العهد من نمط الإعجاز لإثبات المصدر الإلهي للقرآن؛ وهو ما يوشك فارين نفسه أن يُلمّح إليه في الصفحة 74، (حيث يَبرز افتقارُ النبيّ [صلى الله عليه وسلم] إلى التكوين الأدبي الملائم لإنتاج وثيقةٍ في عظمة القرآن). ومع أنّ الإمكانات اللاهوتية لهذه المقاربة لا تُستثمر صراحةً، فإنّ فارين يمضي -على أيّ حال- إلى اعتبار تحليلاته الحَلَقيّة التركيبية دالّةً على أنّ «النبيّ نفسه رتّب القرآن كلَّه (سواء أكان ذلك بوحي أم لا)»، وبحسب رأيه، فإنّ افتراض وجود «مؤلّفين متعدّدين» للقرآن أمرٌ مستبعد، ما دام النصّ يحافظ على منطقٍ بنيويٍّ حلقيٍّ متّسق في جميع أجزائه (ص: 70- 71). وعلى النقيض من ذلك، صرّح كويبرس في موضعٍ آخر بأنّ التحليل البلاغي للقرآن يجعل من «الراجح جدًّا» أنّ القرآن قد نشأ في «وسطٍ رهبانيٍّ مسيحي»، حيث كانت المزامير الكتابية معروفة معرفةً واسعة، ومن ثمّ يُحتمل أنّها أدّت وظيفة النموذج الأدبي الذي استقى منه -على الأرجح- مؤلِّفُ القرآن أو مؤلِّفوه تقنياتِ التركيب الحَلَقي.
يبدو لي أنّ كِلَا الاستنتاجين التاريخيّين موضعُ تساؤلٍ وجيه. فعلى الأقلّ، ولأول وهلةٍ، يمكن تصوّرُ نصٍّ صِيغ وفق مبادئ التركيب الحَلَقي على أنّه نتاجُ مسارٍ تحريريٍّ بشريٍّ متعدّد الأجيال، أفضى -مع تعاقب الزمن- إلى تهذيبٍ متزايد التماثل للمادّة المنقولة، كما يمكن تصوّره نتاجَ مؤلِّفٍ بشريٍّ واحد اطّلع اطّلاعًا كافيًا على نصوصٍ مماثلة، بل ويمكن تصوّره كذلك ثمرةَ وحيٍ إلهيّ. وأيّ محاولةٍ لترجيح أحد هذه الاحتمالات الثلاثة تقتضي بناءً حجاجيًّا أكثر تفصيلًا وتعقيدًا ممّا هو مطروحٌ حاليًّا. ومن ثمّ، يبدو -في الوقت الراهن على الأقلّ- أنّ الأسلم هو الإحجام عن تحميل التحليل الحَلَقي للقرآن أيَّ دلالةٍ تاريخية، فضلًا عن أيّ حمولةٍ لاهوتية، حتّى وإن تبيّن لاحقًا أنّ هذا التحليل يمثّل منهجًا مقبولًا في الدرس الأدبي. غير أنّ السؤال الجوهري يبقى: هل يُعَدّ التحليل الحَلَقي منهجًا متماسكًا في التحليل الأدبي القرآني؟ لا بدّ من الإقرار بأنّ كلًّا من كويبرس وفارين يقدّمان جملةً من الملاحظات المقنعة، يعود بعضها -في جذوره- إلى مفسّرين مسلمين متقدّمين، كالمفسّر المملوكي البِقاعي، أو المفسّر الهندي-الباكستاني في القرن العشرين أمين أحسن إصلاحي. فعلى سبيل المثال: يُبرز فارين على نحوٍ وجيه أنّ سورة الفاتحة والمعوّذتين تؤدّيان وظيفة الإطار الجامع لمجموع المصحف (ص: 7- 8)، وأنّ سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة تُشكِّل مجموعةَ سورٍ مترابطة موضوعيًّا (ص: 48- 49). كما يشتمل كتاب كويبرس -على وجه الخصوص- على معالجاتٍ نافذة للبنية البلاغية لبعض المقاطع القرآنية، مثل الآيات: 15- 19 من سورة المائدة (ص: 52)، و الآيات: 19- 25 من سورة التكوير (ص: 85)، وسورة اللّيل (ص: 87). غير أنّي أذهب، في نهاية المطاف، إلى أنّ كلًّا من فارين وكويبرس يُبالغ -إلى حدٍّ بعيد- في دعواه أنّ البنى الحَلَقيّة تكاد تكون حاضرة حضورًا شاملًا في جميع أنحاء القرآن.
(البلاغة السامية)؟
قبل الانتقال إلى عرض تحفّظاتي من خلال جملةٍ من الأمثلة، يحسن التوقّف عند الإطار النظري الذي يعتمده كويبرس، وهو إطارٌ مؤسَّس على مفهوم (بلاغةٍ ساميّة) متميّزة يُزعَم أنّها تحكم طيفًا واسعًا من النصوص، يمتدّ من كتابات الشرق الأدنى القديم إلى القرآن الكريم. إذ يفترض كويبرس أنّ (الثقافة الساميّة) تتّسم بـ«طرائق خاصّة في التفكير والتعبير عن ذاتها» (ص: vii)، وبناءً على ذلك يخضع إنتاجها الأدبي لمنظومةٍ من القوانين البنيويّة (انظر مثلًا ص: 9) يمكن وصفها -بحسبه- بيقينٍ تامّ (ص: 5). غير أنّ التقابل الثنائي بين فكرٍ وأدبٍ ساميَّين من جهة، وغير ساميَّين من جهة أخرى، الذي يصرّ عليه كويبرس، يثير قدرًا كبيرًا من التوتّر مع الحساسيّة الفكرية السائدة لدى باحثي الأدب والثقافة في الغرب المعاصر، ولا سيّما في القرن الحادي والعشرين؛ إِذْ يميل كثيرٌ منهم -وأنا في عدادهم- ميلًا شبه فطري إلى الاحتفاء بالطابع المتحوّل والهجين للنصوص والهويّات الثقافية. وتبدو مقولة كويبرس العَجْلَى: «اليوناني يُبرهن، والسامي يُبيّن» (ص: 21) -وهي صياغةٌ مستوحاة من العبارة الأصلية لرولان مينيه: «اليوناني يُبرهن، واليهودي يُظْهِر» (منقولة في ص: 185، حاشية 12)- وكأنّها مقتطعةٌ مباشرةً من دفاتر التنظير العِرقي والثقافي في القرن التاسع عشر، بما تحمله من تعميماتٍ جوهريّة صارخة.
لا ريب أنّ في مجرّد مساءلة العادات البحثية المألوفة والمستكنّة قدرًا غير يسير من الوجاهة العلمية. غير أنّ النزعة الجوهريّة الثقافية التي تتردّد أصداؤها في التمييز المحكم الذي يقيمه كويبرس بين (طرائق تفكير) وأساليب تعبير ساميّة وأخرى غير ساميّة لا تعبّر تعبيرًا دقيقًا عن الفهم العلمي الراهن للأوساط الثقافية التي تَشكَّل في كنفها كلٌّ من الأدب الكتابي والقرآن. ففيما يتعلّق بالعهد الجديد -وهو مجال التخصّص الأساس لمينيه- يكفي مجرّدُ كونه مصوغًا باليونانية العاميّة (koinê Greek)، وإن كان بعض مؤلِّفيه من الناطقين أصلًا بالآرامية، لإثارة الشكّ في الفرضيّة القائلة إنّ مجرّد استعمال لغةٍ ساميّة أو غير ساميّة يستتبع -بالضرورة أو بالنفي- الالتزام بمجموعة مخصوصة من الأعراف التركيبية. وأمّا في شأن القرآن، فإنّ العالَم الفكري والديني في أواخر العصور القديمة، الذي يُمثّل سياق نشأته، كان بلا ريب فضاءً تداخلت فيه التأثيرات الثقافية اليونانية والساميّة تداخُلًا عميقًا منذ أمدٍ بعيد. ويُضاف إلى ذلك أنّ البنى الحَلَقيّة قد رُصِدَت في الملاحم الهوميرية، في حين أنّ قدرًا كبيرًا من الكتابة العربية اللاحقة على نزول القرآن لا يبدو منتظمًا وفق التركيب الحَلَقي. وصحيحٌ أنّ كويبرس قد يسعى إلى تحييد هذه الملاحظة الأخيرة بالتشديد على الأثر العميق الذي يرى أنّ البلاغة اليونانية خلّفته في الفكر الإسلامي (ص: 11). غير أنّ هذه الاعتبارات مجتمعةً تجعل من مفهوم الطريقة )الساميّة( المميَّزة في العرض والتعبير مفهومًا إشكاليًّا -على أقلّ تقدير.
يُقِرّ كويبرس نفسُه بأنّ بعض استعمال الأشكال التركيبيّة التي يعالجها يمكن العثور عليه أيضًا خارج الأدب السامي. غير أنّ ما يميّز البلاغة الساميّة -في نظره- ليس «الاستعمال العرضي للتوازيات أو للتقابل العكسي (chiasm)، ولا حتى للتركيب الحَلَقي»، بل هو «الاستعمال المنهجي الصارم لهذه الأشكال التركيبية على جميع مستويات النصّ» (ص: 9). وعلى هذا النحو، تقترن النزعة الجوهريّة الثقافية عند كويبرس بقدرٍ من الثقة الذاتية التي تُحاكي ذهنيّة العالِم الحديث؛ إِذْ تُدرَج مجموعةٌ معيّنة من المعطيات إدراجًا شاملًا تحت منظومةٍ من القوانين يُفترض ثباتُها وعدم قابليتها للاختلال، بما يُفضِي إلى «نتائج يقينيّة على نحوٍ مطلق» (ص: 5). وانسجامًا مع هذا النزوع العلموي الضمني، يفصح كتاب (نَظْم القرآن) عن رغبةٍ واضحة في إضفاء انطباعٍ صارم بالانضباط المنهجي، وهو ما يتجلّى على نحوٍ خاصّ في السلسلة المطوّلة من التعريفات الفنيّة التي يتألّف منها الفصل الثالث (ص: 23- 60). وفي الوقت ذاته، يُلمح إلى أنّ عدم الاقتناع بدعاوى كويبرس قد لا يكون إلّا مظهرًا من مظاهر نقص الخبرة اللازمة، أو ربّما افتقارًا إلى الموهبة الأدبية المطلوبة؛ إِذْ يقول: «فَلْيكن المبتدئ أو الهاوي على حذر! فلا بدّ من معرفة الصنعة، وامتلاك الخبرة، وربّما توفّر استعدادٍ خاصّ في الذهن للإحساس بالروابط بين عناصر النصّ» (ص: 10). ولا يكاد يُحتاج إلى تنبيه أنّ مآلَ مثل هذا الموقف قد يكون إرساءَ درجةٍ مقلقة من تحصين الذات ضدّ النقد العلمي للأقران.
بنية المقاطع القرآنية:
إنّ خلوّ كتاب فارين من قناعة كويبرس بوجود نظام بلاغي سامي متميز يُقدّم -لحسن الحظّ- تذكيرًا مهمًّا مفادُه أنّ المزاعم التي يطرحها أيٌّ منهما بشأن التنظيم الأدبي للقرآن الكريم ينبغي أن تُقوَّم في المقام الأوّل على ضوء المعطيات النصيّة الأدبية ذاتها؛ وهو ما تسعى بقيةُ هذه المراجعة إلى فعله. فعلى الرغم من أنّ كويبرس ينفي صراحةً أن يكون بصدد تسويق «أحكامٍ قبليّة تُفْرَض على النصّ على نحوِ نظريةٍ جاهزة الصنع» (ص: 10)، فإنّ القارئ الذي لم يسبق له التسليم بصحّة المقاربة الحَلَقيّة سيجد -عند إمعان النظر- مبرّراتٍ وجيهة للتشكيك في عددٍ غير قليل من التحليلات البنيويّة التي يقدّمها كلٌّ من كويبرس وفارين. ويرجع ذلك إلى خللين رئيسين: أوّلهما، الميلُ إلى تجزئة النصوص القرآنية على نحوٍ يبدو في كثيرٍ من الأحيان منافيًا للبداهة، بل تعسّفيًّا أحيانًا؛ وثانيهما، أنّ الروابط النصيّة الداخلية التي يستند إليها كويبرس وفارين في القول بوجود تقابلٍ مرآتي بين مقطعين ما تكون في غير قليل من المواضع- واهيةَ الأساس أو انتقائيّةً تخدم الغرض المسبق. ويبدو أنّ كِلا العيبين متجذّر في رغبةٍ واضحة في تعظيم حضور البنى التماثلية -ولا سيّما البنى الحَلَقيّة- في النصّ القرآني.
تتبدّى الصعوبةُ الأولى، المتمثّلة في إشكاليّة التقسيم البنيوي، منذ معالجة كويبرس للوحدة البلاغية الأساسية التي يسمّيها «مفصلًا» member، واتباعًا لـ(مينيه) يُعرَّف «المفصل» بأنّه: «الوحدة الأوّلية للتنظيم البلاغي» (ص: 26)، وبناءً على ذلك يُميّز كويبرس هذه الوحدات في اقتباساته من القرآن بفواصل سطريّة. ويُقسّم كويبرس -على نحوٍ وجيه في الجملة- عددًا من الآيات القرآنية الطويلة إلى عدّة أسطر أو (مفاصل)، وهو تقسيم يلتقي مع اقتراح أنجيليكا نويفرت القاضي بتجزئة هذه الآيات إلى ما تُسمّيه «كُوْلَا» (cola). وعلى هذا الأساس، يتّفق كلٌّ من كويبرس ونويفرت -اتفاقًا معقولًا- على أنّ الآيات الطويلة ذاتُ بنيةٍ داخلية معقّدة، أو إِنْ شئنا القول: وحداتٌ (جزيئيّة) تتألّف من لبناتٍ أدبية أصغر؛ إِذْ لا يمكن -في نهاية المطاف- قراءة آيةٍ مثل آية الدَّيْن (البقرة: 282) دون توقّفٍ لالتقاط الأنفاس في مواضع معيّنة. كما تتّفق نويفرت وكويبرس على أنّ كثيرًا من الآيات القصيرة تتألّف من سطرٍ واحد لا يضمّ سوى (مفصل) واحد أو (كولون) واحد. غير أنّ كويبرس -خلافًا لنويفرت- يُبدي استعدادًا للاعتراف بإمكان اعتبار آيتين معًا (مفصلًا) واحدًا، وهو ما يراه متحقّقًا في الغاشية: في قوله: {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14)}، والغاشية: في قوله: {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)}، والمدّثر: في قوله: {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41)} (ص: 28). وهذه خطوةٌ أخطر ممّا قد يبدو للوهلة الأولى؛ إِذْ يترتّب عليها عمليًّا اعتبارُ الحدّ الفاصل بين آيتين قرآنيّتين -أي الفاصلة caesura المؤسَّسة بوضوح على السَّجْع أو القافية- أمرًا لا وزنَ له بنيويًّا في التحليل.
وفي موضعٍ آخر، يصرّح كويبرس صراحةً بأنّ الفاصلة القرآنية لا تتجاوز -في أحسن الأحوال- أن تكون ذات صلةٍ ثانوية بتحديد التقسيم البنيوي لمقطعٍ معيّن (ص: 43- 44). وبهذا تُنْزَع عن سمةٍ أدبيةٍ شديدة البروز والأساسيّة، تسري في القرآن الكريم كلّه -وهي انقسامه الطبيعي إلى وحدات آيات مستقلّة تُحَدَّد بجرسٍ ختاميٍّ متجانس- تُنْزَع عنها قيمتُها التركيبية، فلا يبقى لها إلّا دلالةٌ هامشيّة محتملة. ويقع هذا الموقف في توتّرٍ لافت مع الهدف الذي يعلنه كويبرس لنفسه، والمتمثّل في «اتباع المؤشّرات التركيبيّة الكامنة في النصّ ذاته» (ص: 24).
وخلافًا لِمَا يذهب إليه كويبرس، أرى أنّ الحدّ الفاصل بين آيتين قرآنيّتين ينبغي -من حيث الأصل- أن يُعَدّ فاصلةً بنيويّة أثقل وزنًا من أيّ حَدٍّ يُفترَض بين (مفاصل) أو (كولا) متجاورة داخل الآية الواحدة. ومن شأن اعتماد هذا المبدأ أن يُقوّض فورًا عددًا من التقسيمات التي يقترحها كويبرس. ولنمثل على ذلك بآيتي المائدة: 7- 8، اللتَيْن يناقشهما في الصفحة 41، حيث يقسّمهما كويبرس إلى (المفاصل) الآتية:
7أ واذكروا نعمةَ الله عليكم
7ب وميثاقَه الذي واثقكم به،
7ج إذ قلتم: سمعنا وأطعنا،
7د واتّقوا الله،
7هـ إنّ الله عليمٌ بذات الصدور.
8أ يا أيّها الذين آمنوا،
8ب كونوا قوّامين لله،
8ج شهداء بالقسط،
8د ولا يجرمنّكم شنآنُ قومٍ
8هـ على ألّا تعدلوا،
8و اعدلوا،
8ز هو أقربُ للتقوى،
8ح واتّقوا الله،
8ط إنّ الله خبيرٌ بما تعملون.
يرتب كويبرس هذه (المفاصل) الأربعة عشر في ثلاثة (أقسام): قسمان طرفيان يتألف الأول منهما من المفاصل 7أ- 7هـ، ويتألف الثاني من 8د- 8ط، وبينهما (قسم مركزي) يتكون من الأعضاء 8أ- 8ج. ويذهب -علاوةً على ذلك- إلى أنّ القسم الأول والثالث متكاملان، وأنّ بينهما علاقة (تقابلٍ وتناظر). بالمناسبة، أضمر تحفّظًا شديدًا إزاء دعوى كويبرس إمكانَ استنباط علاقةٍ تقابليّة ذات دلالة بين الإشارة إلى نعمة الله في العضو 7أ، والإشارة إلى شنآن قوم في العضو 8د؛ غير أنّ مسألة تحديد ما يُعَدّ رابطًا نصيًّا داخليًّا صحيحًا -وهي القضية التي سبق أن أبرزتُها بوصفها الخللَ الثاني الرئيس في أعمال كويبرس وفارين- يَحسُن إرجاؤها إلى موضعٍ لاحق. وأمّا ما يهمّنا في هذا المقام، فهو أنّ الحدّ الفاصل بين القسم الأول والثاني كما يفترضه كويبرس يتطابق مع فواصل الآيات (أي الحد الفاصل بين الآيتين 7 و8)، في حين أنّ الحدّ الفاصل بين القسمين الثاني والثالث يقع كلّيًّا داخل الآية 8 نفسها. وإذا أخذنا الفاصلة (هذا المصطلح المتبع في علوم القرآن) القرآنية مأخذ الجدّ -وهو ما أراه لازمًا- تعَيَّن إضفاء وزنٍ بنيويٍّ أكبر على الفاصلة الواقعة بين المفصلين 7هـ و8أ؛ باعتبارها فاصلة نهاية الآية، من ذلك الوزن المعطى للحدّ الفاصل بين المفصلين 8ج و8د. ونتيجةً لذلك، يغدو الجزء أيسرَ وأقربَ إلى الطبع إذا قُسِّم إلى وحدتين نصيّتين متوازيتين، تختتم كلٌّ منهما بأمرٍ بالتقوى (العضوان 7د و8ح)، يعقبه ما يمكن تسميته بتأكيد عقديّ أو تقريرٍ لصفةٍ إلهيّة (المفصلان 7هـ و8ط). وفوق ذلك، فإنّ الشقّ الأوّل من هذا التوازي يُستحسن -على الأرجح- ألّا يُحصَر في الآية 7 وحدها، بل أن يمتدّ ليشمل الآية 6 أيضًا، إِذْ تُفتتح بالنداء نفسه الذي تُفتتح به الآية 8: {يا أيّها الذين آمنوا}، يعقبه أمرٌ تشريعيّ.
وعليه، فإنّ التصويرَ الأَوْفى للبنية التركيبية لآيات المائدة: 6- 8 يتمثّل في القول بأنّ الآيتين: 6- 7 من جهة، والآية 8 من جهة أخرى، تُشكِّلان امتدادين نصيّين متوازيين، يُظْهِر مطلعُهما وختامُهما تقاربًا بيّنًا في الصياغة: {يَا أيّها الذين آمنوا... اتّقوا الله}، كما يفصل بينهما -في الوقت نفسه- تحوّلٌ موضوعيٌّ واضح بين الآيتين: 7 و8. وعلى هذا الفهم، لا تعود الآيتان: 7- 8 لتظهرَا في صورة بنيةٍ حلقيّة تتمحور حول وحدةٍ مركزيّة مكوّنة من الأعضاء 8أ- 8ج. غير أنّ اقتراحي باعتبار الآيتين: 6- 7 وحدةً متّصلة يصطدم بالبنية التي يقترحها كويبرس لآيات المائدة: 5- 11 في دراسته الخاصّة بسورة المائدة؛ إِذْ يُحدَّد فيها موضعُ الآية 6 على أنّه مركزُ السلسلة بأكملها (أو «السلسلة الفرعيّة»، على حدّ تعبيره)، في حين تُلْحَق الآية 7 بالمقطع الختامي لتلك السلسلة. ومن اللافت للنظر كيف يتعامل هذا التصوّر لبنية آيات المائدة: 5- 11 مع صِيَغ النداء الواقعة في مطلع الآيتين: 6 و8: فبينما يُعَدّ النداء في الآية 6 مفتتحًا للمقطع المركزي من السلسلة الفرعيّة للآيات: 5- 11، لا يُعتدّ بالنداء الوارد في الآية 8 بوصفه فاصلةً بنيويّة، بل يُدْرَج في وسط مقطعٍ واحد دون وظيفةٍ تركيبيّة مميّزة. وهكذا، وبصورةٍ قريبة ممّا رأيناه آنفًا من إغفال كويبرس للدلالة البنيويّة للحدّ الفاصل بين الآيتين: 7 و8، نجده هنا يجرّد النداء الواقع في مطلع الآية من أيّ وظيفةٍ تركيبيّة. وممّا يُؤسَف له أنّ كويبرس لا يحاول الاشتباك مع مقالةٍ مهمّة لـزاهنيسر (Zahniser) تناولت استعمال القرآن لصيغ النداء بوصفها فواصل بنيويّة ذات دلالة.
تُجسِّد معالجةُ كويبرس لآيتي المائدة: 7- 8 بجلاءٍ كيف أنّ تقليله من شأن الفاصلة القرآنية يُيسِّر، على نحوٍ حاسم، اكتشافَ أنماطٍ حلقيّة. وتبرز حالةٌ مماثلة، يؤمِّن فيها بنيةً تركيبيّة حلقيّة بإنكارِه أن يكون للحدّ الفاصل بين آيتين وزنٌ بنيويٌّ أكبر من الحدّ القائم بين (مفاصل) داخل الآية الواحدة، في معالجته لآيتي: 72- 73 (ص: 86). غير أنّ من المهمّ التنبيه إلى أنّ هذه الممارسات ليست زلّاتٍ عَرَضيّة، بل اختياراتٌ منهجيّة مقصودة. فـكويبرس يصرّح بقناعته أنّ كيفيةَ تقسيم المقطع القرآني لا ينبغي أن تتحدّد باعتباراتٍ موضوعيّة أو دلاليّة (ص: 23)، وأنّه يجوز -عند الاقتضاء- تجاوزُ القافية (ص: 44). وبدلًا من ذلك، يرى أنّ التقسيم الصحيح للنصّ القرآني «يعتمد، قبل كلّ شيء، على التقابلات الشكليّة والدلاليّة» التي يمكن تمييزها بين وحدات النصّ المكوِّنة له. وعلى المنوال نفسه، يُحثّ صراحةً على أن يُبنى تحديد (المفاصل) المفردة على «قابليّة المفصل لتكوين تناظرٍ مع مفصل آخر» (ص: 28).
وخلاصةُ هذا التوجيه أنّه يمنح مفسِّرَ القرآن رخصةً واسعة لتجاهل مُعظم الإشارات الأدبيّة التي يُفترض، بحسب الفهم المألوف، أنّها تدلّ على البنية التركيبيّة -كالفاصلة، وصِيَغ النداء، والتحوّلات الموضوعيّة- متى كان في ذلك ما يسمح باستخراج قدرٍ أكبر من التماثل البنيوي، ولا سيّما التماثل الحلقي. وهكذا، يدعو كويبرس إلى تقسيم سورة الطارق إلى ثلاثة أقسام، متجاهلًا وقفةً بنيويّة ظاهرة بعد الآية 4، التي هي جواب القسم الذي يختتم استهلال السورة بالقسم (الآيات: 1- 3)، ويفرض بدلًا من ذلك فاصلةً بعد الآية 7، في وسط حجاجٍ متّصل ينتقل من الاستدلال بخلق الله للإنسان (الآيات: 5- 7) إلى تقرير قدرته على إرجاعه للحساب الأخروي (الآيات: 8- 10) (ص: 119- 120). والدافعُ الكامن وراء هذا الإجراء واضحٌ تمامًا: تأمينُ انطباق أحد (قوانين) التركيب الحلقي التي صاغها الباحث في العهد الجديد نيلس فيلهلم لوند (Nils Wilhelm Lund)، وهو «قانون الانتقال من المركز إلى الأطراف» (انظر ص: 115- 120)، وبمقتضاه يُقال: إنّ مركز سورة الغاشية يقابل أطراف سورة الطارق، في حين يرتبط مركز سورة الطارق بمطلع سورة الغاشية. وبناءً عليه، لا يكون من الجور تلخيصُ منهج كويبرس على النحو الآتي: تُفترَض صحّةُ النظام البلاغي الذي وضعه مينيه -والذي يضمّ معظم (قوانين لوند)- افتراضًا مسبقًا؛ ثم يُوفَّق القرآن مع هذا النظام، ولو اقتضى الأمرُ إغفالَ مؤشّراتٍ أدبيّة مهمّة كامنة في النصّ القرآني ذاته؛ وفي الختام يُدّعى أنّ قابلية نظام مينيه للتطبيق على متنٍ نصّيٍّ جديد قد ثبتت بنجاح. وليس هذا -على خلاف ما يؤكّده كويبرس- منهجًا استقرائيًّا (ص: viii)، بل هو منهجٌ استنباطيّ. بل قد يُعْذَر المرء إن رأَى في الإجراء برمّته مسارًا دائريًّا اختزاليًّا؛ إِذْ لا يُبدي كويبرس اهتمامًا باستكشاف إمكان أن يُظْهِر القرآن سماتٍ تركيبيّة لا تُختزل إلى مجرّد تجلّياتٍ لـ«منطقٍ بلاغيٍّ ساميٍّ» شامل (ص: 117).
ومع أنّ المسلّمات النظرية التي ينطلق منها فارين أكثر تواضعًا من تلك التي يعتمدها كويبرس، فإنّ كتاب (البنية والتفسير القرآني) لا يَسلم هو الآخر من إشكال الفواصل البنيويّة الاعتباطية. فعلى سبيل المثال: يُحدِّد فارين أحد أقسام سورة البقرة عند الآية 113 (ص: 13)، وهو موضعٌ يبعد للغاية اعتباره بمثابة حدٍّ بنيويّ؛ إِذْ إنّ الآية 113 تُتابع وتُتمّ مقطعًا جدليًّا موجَّهًا ضدّ اليهود والنصارى، يبدأ بالآية 111، كما أنّ ثمّة تحوّلًا موضوعيًّا بيّنًا بين الآيتين: 113 و114. ومن اللافت أنّ مقالةً سابقةً لفارين حول بنية سورة البقرة لا تضع أيّ فاصلٍ قِسميٍّ في هذا الموضع، وتحترم التماسك الموضوعي للآيات: 111- 113. ويَقترح فارين تقسيمًا أكثر غرابةً لسورة النجم؛ إِذْ يستخرج فواصل كبرى عند الآيتين: 29 و33، مُنتجًا بنيةً ثلاثيّة (الآيات: 1- 28، 29- 32، 33- 62) يُقال -مرّةً أخرى- إنّها بنيةٌ حلقيّة (ص: 97). والفاصل عند الآية 33 معقول، غير أنّ الآية 29 تقع في صميم مقطعٍ جدليّ يمتدّ -على الأقلّ- من الآية 23 إلى 32. فضلًا عن ذلك، تُهْمَل فواصلُ أخرى ظاهرة في النصّ، ولا سيّما عند الآيتين: 19 و57. وتبرز حالةٌ أخرى يفرض فيها فارين -على نحوٍ غير مقنع- فاصلًا قِسميًّا بين آيتين متلازمتين ترابطًا وثيقًا، وذلك في سورة ق: 15- 16؛ فالآية 15 تُبرز أنّ الله لم يَعْيَ بالخلق الأوّل، وتوبّخ المخاطَبين على شكّهم في قدرة الله على الإعادة، في إشارةٍ ظاهرة إلى البعث؛ ثم تأتي الآية 16 لتُفصِّل في معنى الخَلْق الأوّل باستحضار خَلْق الإنسان على وجه الخصوص، وتُقرِّر -على نحوٍ مُهدِّد- أنّ خالق الإنسان عليمٌ بما توسوس به نفسه: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}. ومن الواضح أنّ الآيتين تُشكِّلان زوجًا آيّيًّا متماسكًا موضوعيًّا؛ ولذلك فإنّ اقتراح فارين أن يمرّ أحد الفواصل الكبرى لسورة ق في وسطهما تمامًا (ص: 95) يبدو لي بمثابة جدار برلين أدبي، يمزّق مشهدًا نصيًّا موحّدًا. ويغدو جليًّا أنّ هذا التقسيم موجَّه أساسًا لخدمة دعوى فارين القائلة إنّ سورة ق هي الأخرى ذات بنيةٍ حلقيّة؛ فبجعل الفاصل بعد الآية 15، يضمن أن يتضمّن القسم الأوّل من السورة تصريحًا بعدم إعياء الله بالخلق الأوّل، وهو ما يقابل تصريحًا مماثلًا في الآية 38، الواقعة بعد بداية القسم المقابل (A′) بقليل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ}. ولا شكّ في وجود تناظر موضوعيّ ومعجميّ بين الآية 15 من سورة ق والآية 38 منها أيضًا؛ غير أنّ هذا التناظر لا ينسجم مع بنيةٍ حلقيّة إلّا إذا أُدرجت الآية 15 في مفتتح السورة، لا في وسطها -كما ترى نويفرت. وهكذا يفرض فارين على النصوص تقسيمًا بنيويًّا من شأنه أن يُضخِّم -إلى حدٍّ ملحوظ- عددَ التناظرات الحلقيّة الداخليّة التي يمكن استنباطها منها. ولا يخفّف من الإرباك الذي تثيره هذه النزعةُ لدى فارين -وكذلك لدى كويبرس- نحو فواصل قِسميّة غير محتملة، أنّ أيًّا منهما لا يبذل جهدًا لربط أطروحاته بأعمال باحثين آخرين عملوا على بعض السور نفسها، ولا للدفاع عنها في ضوء تلك الأعمال.
ومن اللّافت أنّ القلقَ من كون البنى الحَلَقيّة تُدَعَّم بفواصل قِسميّة ملتبسة أو غير رصينة قد أُثير من قبلُ أيضًا إزاء أعمال فارين السابقة حول الشِّعر العربي. وفي دراسته للقرآن، يبدو أنّه ينطلق من مسلّمةٍ مفادها أنّ النصّ -متى أُحسن تحليله- سيكشف بالضرورة عن تنظيمٍ حلقيٍّ مركزي، بحيث لا تتعدّى مهمّةُ المحلّل الأدبي حينئذٍ كونَها استكشافَ المسار الأكثر إقناعًا للوصول إلى وجهةٍ محدَّدة سلفًا. وكما هو الشأن عند كويبرس، فإنّ ثمنَ هذا النهج يتمثّل في إلحاق قدرٍ غير يسير من التحريف للنسيج الأدبي للقرآن، من خلال تجاهل ما وصفتُه بـأنه «إشارات أدبيّة يُفترض، بحسب البداهة، اعتبارها دليلًا على البنية التركيبيّة». وقد يجيب المدافعُ عن نظرية التركيب الحلقي على هذا الاعتراض بالقول إنّ دراسة القرآن تقتضي منّا التخلّي عن جميع بديهياتنا الافتراضية بشأن الفواصل النصيّة المعقولة، والانطلاق من فرضيّة أنّ «المنطق البلاغي السامي العامل في القرآن» غيرُ قابلٍ للمقايسة مع «منطقنا الغربي» (قارن: كويبرس، ص: 117). غير أنّ مثل هذا الجواب لا يعدو أن يكون مطالبةً بـقفزةٍ إيمانيّة؛ وهي قفزةٌ لم يتمكن الباحثون الذين لا يسعهم إلّا إسنادُ وزنٍ بنيويٍّ لفواصل الآيات، والتحوّلات الموضوعيّة، وصيغ النداء تحقيقها بعدُ. ويؤول الأمر، في نهاية المطاف، إلى نظريةٍ قد أحكمت لنفسها موقعًا مريحًا في حيّز عدم القابليّة للتكذيب.
ما الذي يجعل التناظر مقبولًا؟
كما جرى التأكيد عليه آنفًا، فإنّ وسم مجموعتين من الآيات القرآنية بحروفٍ مشتقّة -كأن تُعيَّنا بـ A وA′، أو B وB′، ونحو ذلك- يفترض سلفًا إمكانَ البرهنة على وجود تناظرات ملموسة بين المقطعين. وينبغي لهذه التناظرات أن تكون قويّة الإقناع، محدَّدة المعالم، و -على نحوٍ أمثل- حَصريّة أيضًا؛ أي ألّا تنطبق بالقدر نفسه على مقاطع أخرى من السورة، إلا إذا أُدرجت هذه المقاطع بدورها تحت الحرف نفسه (كأنْ تُوسَم بـ A وA′ وA″، مثلًا).
ومن الأمثلة التي لا يتحقّق فيها شرطُ الحَصريّة -وهو شرطٌ يجدر التنبيه إلى أنّ كويبرس وفارين لا ينصّان عليه صراحةً- آيات البقرة: 284- 286. إِذْ يرى فارين وجود رابطٍ موضوعيٍّ ذي صلة بين آيات البقرة: 2- 5 وآياتها: 285- 286، بدعوى أنّ «كِلَا المقطعين يتناول المؤمنين ومسألة الإيمان» (ص: 21). غير أنّ نيل روبنسون (Neal Robinson) قد بَيّن أنّ الآيات الثلاث الأخيرة من سورة البقرة تستدعي أصداءً ومعانيَ مشتركة مع عددٍ كبيرٍ من الآيات الأخرى المنتشرة في أرجاء السورة كلّها. وهذا ما يثير السؤال عمّا إذا كان أيٌّ من هذه الروابط النصيّة الداخليّة المتعدّدة يستحقّ الترجيح على غيره. إلا أنّ استعمال الترميز بالحروف المشتقّة يفرض -على نحوٍ غير مُساعِد- ضرورةَ الحسم القسري؛ إِذْ لا بدّ أن يُصنَّف مقطعٌ معيّن إمّا بوصفه A′ أو B′ أو C′، وهكذا، ومن ثمّ يُجعَل في مقام التقابل الأساسي مع مقطعٍ بعينه دون سواه. غير أنّ ما يُبرزه تحليل روبنسون لآيات البقرة: 284- 286 يدلّ على أنّ هذا الإجراء قد لا يكون، في واقع الأمر، ملائمًا لطريقة اشتغال السور القرآنية ووظيفتها الدلالية الفعلية.
كما يشوب معالجةَ فارين لسورة البقرة اعتمادٌ مفرط على روابط موضوعيّة شديدة العموميّة. فمثلًا، يذهب إلى أنّ الآيات: 1- 39 من سورة البقرة، والآيات: 243- 286 منها أيضًا تتقابلان تقابلًا مرآتيًّا، بما يسوغ وسمهما بالقسمين A وA′. ويُسوِّغ فارين ذلك بتقديم الملخّصين الآتيين لهذين القسمين: «المؤمنون في مقابل الكافرين؛ النبيّ يتحدّى الكافرين أن يأتوا بسورة؛ الله يحيي ويميت» (القسم A)، و«تشجيع المؤمنين على الجهاد في مقابل الكافرين؛ إبراهيم يتحدّى الملك في مسألة إتيان الشمس؛ الله يحيي ويميت» (القسم A′) (ص: 20؛ وانظر كذلك التقسيم الأكثر تفصيلًا للسورة في الصفحات: 75- 85). غير أنّ الإشكال يكمن في أنّ نقاطًا تلخيصيّة شديدة الشبه يمكن صياغتها لعددٍ كبيرٍ من المواضع الأخرى في سورة البقرة. ولإدراك مدى كثرة المقاطع التي يمكن تصنيفها على أنّها تعالج التقابل بين المؤمنين والكافرين، يجدر التذكير بتواتر ورود عبارتي {الذين آمنوا} و{الذين كفروا} خارج القسمين A وA′؛ فالأولى تَرِد في الآيات: 62، 76، 82، 104، 153، 165، 172، 178، 183، 208، 212، 213، 214، 218، في حين تَرِد الثانية في الآيات: 89، 105، 161، 171، 212. كما أنّ موضوعَي الخَلْق والبعث ليسَا غائبين عن المقاطع الوسطى من السورة (انظر مثلًا الآيات: 73، 117، 164، 174)، في حين يمكن -بوجهٍ غير بعيد- النظر إلى الآيات: 111- 113 أو 135- 141 بوصفها متضمِّنةً نوعًا من (التحدّي) لليهود والنصارى. وخلاصة القول أنّ أوجهَ التشابه الموضوعي الواسعة والملائمة التي يستند إليها فارين لا تكفي لتأسيس الدعوى القائلة بأنّ القسمين A وA′ يرتبط أحدهما بالآخر ارتباطًا أوثق من ارتباط كلٍّ منهما بسائر أجزاء السورة. وممّا يُؤسَف له أنّ فارين لا يُكلّف نفسه عناءَ رصد الروابط النصيّة الداخليّة التي لا تفضي إلى نتائج حلقيّة في التقسيم. ويمكن توجيه ملاحظاتٍ مماثلة إلى محاولاته إقامةَ تقابلاتٍ بين السور المتجاورة؛ إِذْ كثيرًا ما تأتي هذه التقابلات على الدرجة نفسها من العموميّة والافتقار للحصرية.
وكذلك الأمر عند كويبرس؛ إِذْ يَظهر لديه ميلٌ إلى تضخيم أوجه التقابل التي تبدو ملائمةً لمقصوده لكنها واهية الأساس، مع إغفال أوجه أخرى أكثر قوّةً وإقناعًا ولكنها غير ملائمة لفرضياته. ومن ذلك مثلًا أنّه يُفسِّر الآيات: 13- 19 من سورة الانفطار بوصفها تتابعًا حلقيًّا يتكوّن من ثلاثة (أقسام) الآيات: 13- 16، ثم 17- 18، ثم 19 (ص: 41- 42). ولا شكّ أنّ التقسيم الأوّلي للنصّ إلى هذه الوحدات معقول في ذاته، غير أنّ الحديث عن الآيتين: 17- 18 بوصفهما (الوحدة المركزيّة) للمقطع يقتضي إثبات وجود تناظرات محدَّدة وحصريّة بين الآيات: 13- 16 من جهة، والآية 19 من جهة أخرى. ويشير عرض كويبرس ذلك إلى أمرين: الأوّل أنّ ترجمته لكلٍّ من الآيتين: 16 و19 تتضمّن عبارة: to be able to، والثاني أنّ الآية 19 -على غرار الآية 15- تُحيل إلى (اليوم) الآخر الذي يحكم الله فيه بين الخلائق بعد بعثهم. غير أنّ كويبرس نفسه يُقرّ بأنّه استخدم عبارة: to be able to في ترجمته لكلماتٍ عربية مختلفة، وإن كانت -بحسب زعمه- «تحمل المعنى نفسه» (ص: 42). بيد أنّ النظر في النصّ العربي يثير شكًّا في صحّة هذا الزعم؛ فالآية 16 تقول: {وما هم عنها بغائبين}، أي إنّهم -أي أهل النار- غير غائبين عنها (أي عن نار جهنّم المذكورة قبل ذلك في الآية 14)، في حين يقول صدر الآية 19: {يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئًا}، أي في اليوم الذي لا تكون فيه نفسٌ قادرةً على أن تفعل شيئًا لنفسٍ أخرى. وبما أنّ تركيبَ ما X بـY ليس سوى صيغة نفيٍ مألوفة في العربية القرآنية، فلا موجب لاتّباع كويبرس في ترجمته للآية 16 من سورة الانفطار على نحو: and they will not be able to keep away from it «ولن يكونوا قادرين على الابتعاد عنها»، لِمَا في ذلك من توهّم تناظر دلاليٍّ مع صدر الآية 19 (The Day when no soul will be able). وأمّا التناظر الثاني، فإنّ كويبرس نفسه يُشير إلى أنّ الآيتين: 17- 18 -اللتين يُعِدّهما «الوحدة المركزيّة» للمقطع- تشتملان بدورهما على ذِكْر «يوم الدِّين». وبالجملة، فإنّ الآيات: 13- 19 من سورة الانفطار تعرض أمامنا تتابعًا من ثلاث مجموعاتٍ، تشتمل كلٌّ منها على إحالةٍ ما إلى (اليوم) الآخر، دون أن يوجد تقابلٌ حصريّ بين المجموعة الأولى والثالثة. وفي ضوء ذلك، يكون من المضلِّل وصفُ هذا المقطع بأنّه ذو بنيةٍ حلقيّة؛ والصواب أنّه ليس سوى تتابعٍ ثلاثيّ من ثلاث وحداتٍ للآيات، تتخلّله كلمةٌ محوريّة هي يوم / يوم الدين.
قد يحتجّ أنصارُ نظرية التركيب الحلقي بأنّ اشتراطَ وجود توازيات معجميّة حصريّة شرطٌ مُبالَغ في صرامته. غير أنّه، اتّقاءً لخطر الاعتباط، لا مناص من الإصرار على أنّ أيّ ادّعاء باكتشاف تقابلٍ حلقيّ بنيوي ينبغي أن يُدْعَم بما وعد به فارين في مقدّمته -نقلًا عن ماري دوغلاس- من الاستناد إلى «تكرار لفظٍ أو عبارةٍ لافتة للنظر، كاسمٍ عَلَم»، وإلى «صلةٍ موضوعيّة واضحة» (ص: xvi). بيد أنّ كويبرس وفارين، مرارًا وتكرارًا، يطمئنّان إلى افتراض تقابلاتٍ إمّا فضفاضة الإقناع إلى حدٍّ بعيد، وإمّا قائمة على فنّ الإضمار والاستبطان subintellection. ومن أكثر الأمثلة إثارةً للضيق محاولةُ كويبرس تمريرَ العبارة: {ألا يظنّ أولئك} في المطفّفين: 4 بوصفها تقابل الاسم (الناس) في المطفّفين: 6. إِذْ يُسوّي كويبرس الفجوةَ الناشئة عن غياب أيّ تطابقٍ لفظي بين الصياغتين العربيتين في الآيتين: 4 و6، وذلك بترجمته صدرَ الآية: 4 من السورة نفسها على النحو الآتي: Do they not think, these [people] (ص: 78)، فيُقحِم لفظ «الناس» إقحامًا، ويُمهِّد بذلك -على نحوٍ استباقي- لورود الاسم (الناس) في الآية 6. وفي مواضع أخرى، يُعلَن ببساطة أنّ مجموعتين من الآيات تتقابلان تقابلًا مرآتيًّا، دون الإشارة إلى أيّ تقابلاتٍ فعليّة من الأساس. وهذا هو الحال في قراءة كويبرس للآيتين: 4- 5 من سورة القارعة، والآيات: 6- 9 من السورة نفسها، حيث يرمز لهما بالرمزين C وC′ من تركيبٍ مرآتي (ص: 80). وصحيحٌ أنّ المجموعتين ترتبطان بعلاقة الجُمْلة الشرطيّة وجوابها، كما أنّ كِلتيهما -(4- 5 و6- 9)- تتضمّنان بنيةً متوازية داخليّة (الأولى من باب التوازي الترادفي، والثانية من باب التوازي التضادي). غير أنّ شيئًا من ذلك لا يبرّر استعمالَ الترميز بالحروف المشتقّة؛ إِذْ إنّ مجرّد توظيف وحدتين نصيّتين X وY لأداةٍ أسلوبيّة متشابهة -أو حتى واحدة- لا يكفي لإثبات قيام علاقة تقابلٍ مرآتي بينهما، وهي الدعوى التي يُفصح عنها بوضوح رمزها بـ X وX′ بدلًا من X وY. ومن المفارقات أنّ القراءة الصحيحة لسورة القارعة -على خلاف ما يذهب إليه كويبرس- هي في الواقع قراءةٌ حلقيّة؛ إِذْ تُشكِّل الآيات: 4- 9 مقطعًا وسطيًّا ممتدًّا، تحيط به إطارتان مزدوجتان تتمثّلان في الآيتين: 1/ 11 من جهة، والآيتين: 2/ 10 من جهة أخرى.
وأخيرًا، قد يُغفِل كويبرس أحيانًا تناظرات نصيّة داخليّة لا ريب في وجودها. ولننظر في تحليله لسورة البيّنة، حيث يعدّها «مكوَّنة من جزأين متوازيين، يشتمل كلٌّ منهما على قسمين» (ص: 47- 48). ويمكن تلخيص عرضه للسورة على نحوٍ منصف بالقول إنّه يرى بنيتها على الصورة A B A′ B′ (حيث A = الآيات: 1- 3، وB = الآيات: 4- 5، وA′ = الآية 6، وB′ = الآيات: 7- 8). غير أنّ التقابلات التي يُبرزها كويبرس إبرازًا طباعيًّا لا تأخذ في الحسبان التقابلَ التضادّي بين عبارتي {الذين كفروا} و{أولئك هم شرّ البرية} في الآية 6، من جهة، و{الذين آمنوا} و{أولئك هم خير البرية} في الآية 8، من جهة أخرى، فضلًا عن تكرار المفعول المطلق الظرفي {خالدين فيها} في الآيتين: 6 و8 (أي الخلود فيها، والمقصود بها نار جهنّم). ويبدو أنّ كويبرس، بعد أن قرّر سلفًا أنّ سورة البيّنة تنسجم مع الصيغة A B A′ B′، يعفي نفسه من الالتفات إلى أيّ تداخلاتٍ معجميّة إضافيّة أو تقابلاتٍ تضادّيّة تقع في النصف الثاني من السورة، أي بين مجموعتي الآيات A′ وB′. ولا يؤدّي الإقرارُ بهذه التناظرات الإضافيّة -في ذاته- إلى إبطال تلك التي أشار إليها كويبرس، غير أنّه يُعقِّد تعقيدًا ملحوظًا أيَّ محاولةٍ لتقديم تحليلٍ بنيويٍّ سلسٍ وحاسم للنصّ.
إنّ تعقيدَ التقابلات المعجميّة داخل السورة الواحدة جديرٌ بالتأكيد في هذا المقام. فكلُّ مَن حاول يومًا رسمَ خريطةٍ شاملة لتكرارات المصطلحات داخل إحدى السور القرآنية الطوال يدرك أنّ النتيجة -ويرجع ذلك جزئيًّا إلى الطابع الصيغي/التعبيري المتكرّر الذي يتّسم به قدرٌ كبيرٌ من القرآن- قد تكون شبكةً كثيفةً من الروابط المتداخلة، لا تنضبط في كثيرٍ من الأحيان على نمطٍ تماثليٍّ واحدٍ واضح المعالم، سواء أكان توازيًا أم تركيبًا حلقيًّا. بل الغالب أن يُلْحَظ تراكُبٌ معقّد لتشابك من الظواهر البلاغيّة، من توازياتٍ متنوّعة، وتقابلاتٍ عكسيّة chiastic، وتقويسات inclusion، وتكراراتٍ للكلمات المفتاحيّة. ويُجَسِّد ذلك ما نجده في مطلع سورة البقرة. فإذا قُسِّمت الآيات: 1- 5 إلى كولا أو مفاصل، جاءت على النحو الآتي:
1 ألم
2أ ذلك الكتاب
2ب لا ريبَ فيه،
2ج هدىً للمتّقين،
3أ الذين يؤمنون بالغيب،
3ب ويقيمون الصلاة،
3ج وممّا رزقناهم ينفقون،
4أ والذين يؤمنون بما أُنزِل إليك،
4ب وما أُنزِل من قبلك،
4ج وبالآخرة هم يوقنون.
5أ أولئك على هدىً من ربّهم،
5ب وأولئك هم المفلحون.
وتُظهِر هذه الآيات، على وجازتها، تداخُلَ صِيَغ الإحالة (الذين يؤمنون، أولئك)، وتكرارَ الألفاظ المحوريّة (هدى، يوقنون)، وتنوّعَ الروابط الدلاليّة، على نحوٍ يصعب اختزاله في مخطّطٍ تماثليٍّ واحدٍ بسيط، ويؤكّد -بدلًا من ذلك- ثراءَ البنية النصيّة وتراكُبَ مستوياتها.
يمكنُ حصرُ التكرارات المعجميّة الواردة في هذا المقطع على نحوٍ مناسب وفق الصيغة الآتية:

ولتقديم تعليقٍ موجز، فإنّ ورودي لفظ (هُدى) في الكولونين 2ج و5أ يُنشئان إطارًا تقويسيًّا يَحُفّ مجموعَ سلسلة الآيات برمّتها. أمّا الورود الثاني لـ(هُدى) فيأتي بدوره مُؤطَّرًا -ومن ثَمّ مُؤكَّدًا- بتكرار اسم الإشارة الجمعي (أولئك) في مطلع الكولونين 5أ و5ب. وداخل هذا الإطار الذي تُشكِّله إشارتا (هُدى)، نجد تكرارًا مزدوجًا لعبارة: (الذين يؤمنون) في الكولونين 3أ و4أ، يتوَّج تتويجًا تصاعديًّا بالتعبير القريب المعنى (يوقنون) في ختام الكولون 4ج. ويمكن، من جهةٍ أخرى، النظر إلى الورود الثاني لعبارة: (الذين يؤمنون) في 4أ، وإلى التعبير الختامي (يوقنون)، بوصفهما إطارًا يحتضن التوازي القائم بين العبارتين: (ما أُنزِل إليك) و(ما أُنزِل من قبلك) في الكولونين 4أ و4ب. كما ينبغي التنبيه إلى أنّ الكولونين الختاميين من الآيتين: 3 و4 (3ج، و4ج) يُظهران بنيةً نحويّةً متوازية، قوامها تقديمٌ وتأخيرٌ معكوس يُؤخَّر فيه الفعل الرئيس إلى خاتمة الآية: {وممّا رزقناهم ينفقون}، و{وبالآخرة هم يوقنون}.
وأتفق -دون تردّد- مع كويبرس وفارين بأنّ الشبكةَ المعجميّة المتولِّدة عن مثل هذه التكرارات تكشف عن صنعةٍ أدبيّة مقصودة وبالغة الإحكام. غير أنّه لا يقلّ أهميّةً الإصرارُ على أنّ شبكات التناظر المعجمي هذه قد تُنشِئ، على نحوٍ تامٍّ ومشروع، طبقاتٍ متعدّدةً من الأنماط: متوازية، وحلقيّة، وتصاعديّة climactic، وغيرها -من غير أن تتّجه جميعها بالضرورة في مسارٍ واحد. كما ينبغي ألّا يُسْمَح لها بأن تطمس سائر العلامات الأدبيّة الحاضرة في النصّ. ثمّ إنّ التقديرَ الصحيح لدورها التركيبي يقتضي إحصاءها ورسمها كاملةً، بصرف النظر عمّا إذا كان التكرارُ المعنيّ يندرج ضمن نمطٍ حلقيٍّ بعينه، أو ضمن أيّ نمطٍ آخر من الأساس. وعلى خلاف ذلك، يبدو أنّ كويبرس وفارين كثيرًا ما ينصرفان حصريًّا إلى تلك التكرارات والروابط الموضوعيّة التي يسهل توظيفها لدعم تصنيفٍ بنيويٍّ واحدٍ بعينه- غالبًا ما يكون حلقيًّا. وهذا تضييقٌ في الأفق لا مسوّغ له، ويجعل -صراحة- القرآنَ نصًّا أقلّ ثراءً وإثارةً للاهتمام ممّا هو عليه في حقيقة أمره.
الخاتمة:
على الرغم من النقد المتقدّم الموجَّه إلى كويبرس وفارين، فإنّي أميل إلى ترجيح أنّ عددًا معتبرًا من المقاطع القرآنية -وربّما بعض السور كاملةً- يوظّف، بدرجاتٍ متفاوتة، تقنياتٍ من التركيب الحلقي. وكما أُشير في مستهلّ هذه المقالة، فإنّ التحليلات البنيويّة التي قدّمها كويبرس ليست جميعها واهية أو غير مقنعة؛ بل إنّ مناقشتنا لبعض قراءاته الأضعف إقناعًا أفضت أحيانًا إلى ملاحظة حالاتٍ أخفق فيها في رصد بنى حلقيّة قائمة بالفعل، بدل أن يكون قد افتعلها. غير أنّه لا يمكن الركون إلى كويبرس وفارين في تقديم تقديرٍ رصين ومتوازن يبيّن على وجه الدقّة المَواطِن التي تنجح فيها المقاربة الحلقيّة في تحليل النصّ القرآني، وتلك التي تخفق فيها؛ إِذْ يبدو أنّ كليهما مفرطٌ في الحماسة لفكرة أنّه قد نجح في فكّ «الشفرة البلاغيّة» للقرآن (كويبرس، ص: viii)، على نحوٍ يَحُول دون ممارسة التحفّظ النقدي اللازم، ويُفضي إلى تعميمٍ يتجاوز ما يسمح به الدليل النصّي.
ليس ما يحتاج إليه هذا الحقل العلمي في الوقت الراهن هو سيلٌ من الدراسات التي تُحرّكها عزيمةٌ قبليّة على حشر مزيدٍ من السور القرآنية -قسرًا وبأيّ وسيلة كانت- في قوالب حلقيّة مُسبقة الصنع. بل إنّ ما سيعود على الحقل بأعظم النفع هو دراسةٌ تروم إنجاز تقييمٍ نقديٍّ محايد حقًّا لمدى توظيف متن القرآن لتقنيات التركيب الحلقي. وينبغي أن ينطلق مثل هذا البحث من أساسٍ مزدوج. ففيما يخصّ كلّ سورةٍ على حِدة، تتمثّل الخطوة الأولى في موازنةٍ حِجاجيّة دقيقة للدلالة البنيويّة لمختلف العلامات الأدبيّة القابلة للرصد في النصّ، من قبيل التحوّلات الموضوعيّة، وصيغ النداء، وتغيّر القافية، أو أشكال «الاختتام». ويُفترَض لمثل هذا المسح البنيوي -الذي يمكنه أن يستفيد استفادةً وافرة من أعمال نويفرت وزاهنيسر- ألّا يلتفت، في هذه المرحلة، إلى التكرارات اللفظية داخل السورة، اتّقاءً للإشكال الذي واجهناه مرارًا فيما سبق، والمتمثّل في تهذيب بنية السورة وتعديلها خفيةً على نحوٍ يُعظِّم النتائج الحلقيّة. ثمّ تأتي الخطوة الثانية، وهي جردُ جميع حالات التداخل النصّي الداخلي داخل السورة المعنيّة، على نحوٍ شبيه بما قدّمه روبنسون في دراسته لقدرٍ كبيرٍ من سورتي البقرة والمائدة. وأمّا تفضيلي الشخصي فيتّجه إلى عرض نتائج هذا الجهد في صيغةٍ قريبة من النمط المستخدم فيما سبق، بدل الاعتماد على أسلوب كويبرس القائم على الإزاحة، وتنوّع الخطوط، واستعمال رموز خاصّة متعدّدة من قبيل (=، +، −)، ممّا يُفضي أحيانًا إلى تشابكٍ طباعيٍّ عسير القراءة. وعلى أساس هذا العمل التمهيدي وحده، يصبح من الممكن تقويمٌ موضوعيّ للمقاطع القرآنية التي تُظهر فعلًا بنى حلقيّة. وإذا ما أسفرت مؤلّفات كويبرس وفارين -في نهاية المطاف- عن حثٍّ على تأليف دراسةٍ كهذه، فإنّ الباحثين في الدراسات القرآنية سيكون لهم ما يدعوهم إلى الامتنان لهما على إسهاماتهما الرائدة، وإن اتّسمت بمبالغةٍ حماسيّة في عرض النتائج.
عنوان هذه المقالة: Going Round in Circles، وقد نُشرت في: Journal of Qur’anic Studies 19.2 (2017): 106– 147.
جدير بالذِّكْر أنّ الترجمة الحرفية للعنوان هي: (الدوران في حلقة مفرغة)، لكننا آثرنا تعديله للعنوان الحالي، حتى يكون أكثر تعبيرًا عن موضوع اشتغال المادة. (قسم الترجمات)ترجم هذه المقالة: سعد خضر، مترجِم له عدد من الأعمال المنشورة.
أُنجِز العمل على هذه المراجعة النقدية خلال إجازةٍ بحثية مدعومة من مجلس البحوث البريطاني للفنون والعلوم الإنسانية (Arts and Humanities Research Council)، وذلك في إطار منحة بحثية تحمل الرقم المرجعي: AH/M011305/1.
Mary Douglas, Thinking in Circles: An Essay on Ring Composition (New Haven: Yale University Press, 2007).
Julian Baldick, The Qur’an: An Overview (Taipei: International Exchange Committee, Tamkang University, 2002);
وانظر خاصة، ص44.
[6] Carl W. Ernst, How to Read the Qur’an: A New Guide, with Select Translations (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 2011).
يُستدلّ على هذا التوظيف اللاهوتي لمقاربة البناء الحَلَقي أيضًا من خلال التقديم الإطرائي المصدَّر على الغلاف الخلفي لكتاب كويبرس الموسَّع حول سورة المائدة، إِذْ يثني على قراءته للقرآن بوصفها «منسجمة انسجامًا تامًّا مع الاعتقاد الإسلامي»، ويبرز ما تنطوي عليه من قابلية للإسهام في الحوار الإسلامي-المسيحي. انظر:
Michel Cuypers, The Banquet: A Reading of the Fifth Sura of the Qur’an, tr. Patricia Kelly (Miami: Convivium Press, 2009), الغلاف الخلفي.
راجع: هل تأخر ترتيب القرآن لِمَا بعد عهد النبوّة؟ أدلة جديدة على وحدة مصدر ترتيب القرآن وفرضية جديدة حول تدوين القرآن، ريموند فارين، ترجمة: مصطفى هندي، موقع تفسير. (قسم الترجمات)
Michel Cuypers, ‘L’analyse rhetorique face à la critique historique de J. Wansbrough et de G. Lüling: L’éxemple de la sourate 96’ in Carlos A. Segovia and Basil Lourié (eds), The Coming of the Comforter: When, Where, and to Whom? Studies on the Rise of Islam and Various Other Topics in Memory of John Wansbrough (Piscataway: Gorgias Press, 2012), pp. 343–369, at p. 364.
المادة الأولى مترجمة على موقع تفسير بعنوان: مقارنة بين التحليل البلاغي والنقد التاريخي لجون وانسبرو وغونتر لولينغ: سورة العَلَق أنموذجًا، ترجمة: خليل محمود اليماني. (قسم الترجمات)
فعلى سبيل المثال: إنّ ملاحظة فارين القائلة أنّ محمدًا [صلى الله عليه وسلم] «لم يُبدِ، على امتداد أربعين سنة من عمره، ميلًا خاصًّا إلى الأدب (إذ كان تاجرًا)» (ص: 74)، تقوم على مسلَّمةٍ غير ممحَّصة مفادُها أنّ مصادر السيرة الإسلامية -التي ينبغي اليوم الإقرار بما تحمله من أجندة لاهوتية أو خلاصية/تاريخية، لا عند أتباع جون وانسبرو المتصلِّبين فحسب- تزوِّدنا بمعطيات دقيقة عن حياة النبي [صلى الله عليه وسلم] المبكِّرة، وعن المؤثِّرات الأدبية التي يُفترض أنّه قد احتكّ بها أو اطّلع عليها.
انظر على سبيل المثال:
Douglas, Thinking in Circles, pp. 101–124; Seth L. Schein, ‘The Iliad: Structure and Interpretation’ in Ian Morris and Barry Powell (eds), A New Companion to Homer (Leiden: Brill, 1997), pp. 345–359; Stephen V. Tracy, ‘The Structures of the Odyssey’ in Ian Morris and Barry Powell (eds), A New Companion to Homer (Leiden: Brill, 1997), pp. 360–379.
Angelika Neuwirth, Studien zur Komposition der mekkanischen Suren, 2nd edn (Berlin: Walter de Gruyter, 2007), pp. 119–122.
انظر أيضًا:
Lutz Edzard, ‘Perspektiven einer computergestützten Analyse der qurʾānischen Morpho-Syntax und Satz-Syntax in kolometrischer Darstellung’, Arabica 50 (2003), pp. 350–381.
الكولون وفق تعريف حُسْن عبود في رسالتها (السيدة مريم في القرآن)، هي وحدة من الكلام تعطي معنى مختلفًا عمّا قبلها وعمّا بعدها، وهي وحدة موزونة، ويمكن تقسيم الجملة/ الآية لكولونات، وهذا التقسيم الكولومتري للجُمَل استندت فيه نويفرت للدراسات عن النصوص اللاتينية الشعائرية. راجع: السيدة مريم في القرآن، قراءة أدبية، حُسْن عبود، دار الساقي، ط1، بيروت، 2010، ص40. (قسم الترجمات)
وتكشف الملاحظات الوجيزة التي أبداها كويبرس بشأن السجع القرآني -مع الأسف- عن عدم اطّلاعٍ على الجهود التأسيسية المتخصّصة التي أنجزتها نويفرت في هذا الباب، كما هي مبسوطة في كتابها Studien (ص: 65– 115). فعلى سبيل المثال، وبالاستناد إلى منظومة المتغيّرات التي قدّمها أنطون شبيتالر، كانت نويفرت تصف نظام القافية في الآيات: 16– 19 من سورة الانشقاق بأنّه يوافق النسق 3C3q (أي: حركة قصيرة + صامت + حركة قصيرة + q)، في حين لا يتجاوز كويبرس القولَ بوجود «قافية في aq».
[المقصود أن كويبرس يتحدّث عن قافية الحرف المشدد ثم السكون، ـقَّتْ، ولا يتحدث عن التحول في القافية] (المترجم)لاحظ أنّني قمتُ بتعديل ترجمة كويبرس في عدّة جوانب.
Cuypers, The Banquet, p. 113.
حول الأهمية البنيوية للنداءات، انظر:
A.H. Mathias Zahniser, ‘Major Transitions and Thematic Borders in Two Long Sūras: al-Baqara and al-Nisāʾ’ in Issa J. Boullata (ed.), Literary Structures of Religious Meaning in the Qurʾān (Richmond: Curzon, 2000), pp. 26– 55, at pp. 30– 32.
ومن الأمثلة الأخرى على التقسيم الإشكالي ما نجده في معالجة كويبرس للآيات: 19- 29 من سورة التكوير، إِذْ يعرضها بوصفها بنيةً حلقيّةً تتمحور حول الآية 26 (ص: 125- 126). وهذه الآية الأخيرة ليست سوى استفهام جدليٍّ موجز: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. وبدل عزلها بوصفها مركز الخاتمة في سورة التكوير، يمكن -وبوجهٍ أرجح- النظر إليها على أنّها جملة اعتراضية (أو مداخلة فوق-نصّية / ميتانصّية) تُعزِّز القول السابق، ومن ثمّ ترتبط دلاليًّا بالآية 25، التي تنفي أن يكون هذا القول كلامَ شيطانٍ رجيم. وعلى خلاف ذلك، فإنّ التحوّل الواضح في مرجع ضمير الغائب (ما) بين الآيتين: 24 و25 يدلّ -في حدّه الأدنى- على فاصلٍ مقطعيٍّ جزئيٍّ في هذا الموضع. وبناءً عليه، يبدو من الأنسب عمومًا تنظيم هذا المقطع في ثلاث مجموعات آيات: 19- 21، 22- 24، و25- 29. ويُلاحظ أنّ كلًّا من المجموعتين الأولى والثالثة تستهلّان بجملٍ خبريّةٍ بضمير الغائب، موضوعُها ضميرٌ بلا سابقةٍ مرجعيّةٍ صريحة، يُفْهَم منه الإشارة إلى الوحي القرآني (هو/إنّه)، في حين يأتي محمولُ الجملة تركيبًا إضافيًّا يتصدّره لفظ (قول). ومن ثمّ، يغدو من الملائم توصيف هذا التعاقب الثلاثي من مجموعات الآيات بوصفه بنيةً حلقية، تتوسّطها الدفاعات عن الرسول القرآني (صاحبكم) الواردة في الآيات: 22- 24 بوصفها مِحور المقطع.
Raymond K. Farrin, ‘Surat al-Baqara: A Structural Analysis’, The Muslim World 100 (2010), pp. 17– 32, at p. 23.
للاطلاع على بنية سورة النجم، انظر التآليف الآتية (التي لا يتناولها فارين):
Neuwirth, Studien, pp. 207– 208; Nicolai Sinai, ‘An Interpretation of Sūrat al-Najm (Q. 53)’, Journal of Qur’anic Studies 13 (2011), pp. 1– 28, esp. pp. 11– 13 (مستفاد جزئيًّا من نويفرت).
انظر أيضًا:
Angelika Neuwirth, Der Koran: Handkommentar und Übersetzung, vol. 1: Poetische Prophetie: Frühmekkanische Suren (Berlin: Verlag der Weltreligionen, 2011), pp. 642–685.
انظر التقسيم البديل الذي تقترحه نويفرت في: Studien, p. 285,، حيث تفترض وجود فاصلٍ مقطعيٍّ فرعيٍّ قبل الآية 15، لا بعدها.
انظر الحاشية السابقة.
Geert Jan van Gelder, review of Raymond Farrin, Abundance from the Desert: Classical Arabic Poetry, Speculum 87 (2012), pp. 1,190–1,191, at p. 1,190:
حيث يقول: «إنّ التقسيم المتّزن إلى أجزاء غير متساوية كثيرًا ما يُسهم في الإيحاء بوجود تناظرات. غير أنّ مثالًا فَجًّا على ذلك يتمثّل في قصيدة الهجاء لجرير، حيث يضمّ القسم (أ) مقاطع متباينة كلّ التباين، من النسيب (استذكار المحبوبة، الأبيات: 1- 4) إلى الهجاء (الأبيات: 5- 14)، وهو أسلوب بالغ الغرابة في تقسيم القصيدة، كما أنّ تسويغ فارين له واهٍ إلى أبعد حدّ. لكن لا بدّ أن يكون الأمر كذلك؛ إِذْ لولا هذا التقسيم لانفرط العقد الحلقيّ (حلقتي النفيسة!). ولا يتّسع نطاق هذه المراجعة للإشارة إلى حالات مماثلة أخرى».
يشير سيناي لمبدأ عدم التكذيب الذي اجترحه كارل بوبر، ووفقًا لهذا المبدأ فإنّ معيار علمية النظرية هي قابليتها للتكذيب؛ إِذ النظرية ليست إلا فرضًا علميًّا لم يكذب بعدُ، وتبعًا لهذا رفض بوبر علمية بعض النظريات الشهيرة مثل نظرية التحليل النفسي لفرويد ومبدأ النقص لإدلر والمادية الجدلية؛ بسبب عدم قابليتها للتكذيب، ويعتبر سيناي أن هذا ينطبق على نظرية كويبرس عن شيوع التركيب الحلقي أو في العموم قواعد البلاغة السامية في القرآن. (قسم الترجمات)
Neal Robinson, Discovering the Qur’an: A Contemporary Approach to a Veiled Text, 2nd edn (London: SCM Press, 2003), pp. 221–223;
انظر أيضًا ملخص نتائج روبنسون الواردة عند:
Nevin Reda (El-Tahry), Textual Integrity and Coherence in the Qur’an: Repetition and Narrative Structure in Surat al-Baqara (unpublished PhD thesis: University of Toronto, 2010), p. 98.
Arne A. Ambros with Stephan Procházka, A Concise Dictionary of Koranic Arabic (Wiesbaden: Reichert, 2004), p. 331.
ومثالٌ آخر يُفهم فيه من عرض كويبرس لمقطعٍ قرآني أنّ مجموعتين من الآيات تقومان في علاقة تماثلٍ مرآتي، من غير أن يُشار إلى أيّ مقابلاتٍ دلالية أو تركيبية محدّدة بينهما، نجده في الآيات: 9- 13 من سورة العلق والآيات: 15- 19 منها أيضًا (ص: 117).
حول الصيغ اللغوية في القرآن، انظر:
Andrew G. Bannister, An Oral-Formulaic Study of the Qur’an (Lanham: Lexington Books, 2014).
مصطلح الاختتام wrap-up مأخوذ من: Zahniser, ‘Major Transitions’, pp. 32– 34.
Robinson, Discovering the Qur’an, pp. 201– 223, and Neal Robinson, ‘Hands Outstretched: Towards a Re-reading of Sūrat al-Māʾida’, Journal of Qur’anic Studies 3 (2001), pp. 1– 19.
الكاتب:
نيكولاي سيناي - Nicolai Sinai
باحث ألماني، أستاذ الدراسات الإسلامية بمعهد الدراسات الشرقية بجامعة أكسفورد، حاصل على الدكتوراه من جامعة برلين الحرّة بألمانيا، يتركّز اهتمامه في القرآن والتفسير واللاهوت الإسلامي.
مواضيع ذات صلة
((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))