حروف المعاني وعلاقتها بتوجيه مشكل القرآن

حروف المعاني وعلاقتها بتوجيه مشكل القرآن

%D8%AD%D8%B1%D9%88%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%86%D9%8A%20%D9%88%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D9%87%D8%A7%20%D8%A8%D8%AA%D9%88%D8%AC%D9%8A%D9%87%20%D9%85%D8%B4%D9%83%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86.jpg - حروف المعاني وعلاقتها بتوجيه مشكل القرآن | Tafsir Center for Quranic Studies | مركز تفسير للدراسات القرآنية

كان لدلالات حروف المعاني حضورٌ في عدد من مسائل مشكِل القرآن، وهذه المقالة تسلِّط ضوءًا على هذا الموضوع، فتدرس عددًا من الأمثلة، كاشِفة عن علاقة دلالات حروف المعاني بتوجيه المشكل، والمقالة مستلّة من كتاب (أثر البلاغة في توجيه مشكل القرآن).

حروف المعاني وعلاقتها بتوجيه مشكل القرآن

الحروف في كلام العرب نوعان:

۱- حروف مبانٍ، وهي حروف الهجاء، وهذه لا معاني لها في نفسها حتى تسبك في كلمة.

۲- وحروف معانٍ، وهي ثالث أقسام الكَلِم، كما قال سيبويه: «الكَلِم: اسمٌ، وفعلٌ، وحرفٌ جاء لمعنى»ومنها: حروف الجر، والعطف، والشرط، والاستفهام، وغيرها، وقد عُني بها النحاة في مؤلَّفاتهم وأفردوها بالتأليف؛ كالزجّاجي والرُّمَّاني والهَرَوي والـمَالَقي والمُرَادي وابن هشام.

وفي أهميتها يقول المرادي: «لمّا كانت مقاصد كلام العرب على اختلاف صنوفه، مبنيًّا أكثرها على معاني حروفه، صُرِفَت الهِمَم إلى تحصيلها، ومعرفة جُمْلَتِها وتفصيلها، وهي مع قِلَّتِها، وتيسُّر الوقوفِ على جُمْلَتِها، قد كَثُرَ دَوْرُهَا، وبَعُدَ غَوْرُهَا، فَعَزَّت على الأذهان معانيها، وأبَت الإذعان إلّا لِمَن يُعانيها».

«وحسبنا أن نعلم كيف يغيِّرُ الحرفُ معنى ما تعلَّق به، ويَقْلِب دلالته إلى النقيض منها، حتى يصير للّفظ الواحد -فعلًا كان أو اسمًا- أكثر من معنى حسب الحرف الواصل له».

ثم إنَّ كثيرًا من تلك الحروف تتشابه معانيها، ويتساءل الناظر عن سبب إيثار بعضها على بعض، وهذا السؤال كان على البلاغي أن يكون مجيبًا له، وحفيًّا به، ومع ذلك لم يخصّ البلاغيون حروفَ المعاني بالدرس، مع أنها كاشفة عن بلاغة القرآن وإعجازه، وإنما عُني بها النحاة والمفسِّرون.

يقول الأستاذ محمود شاكر في تقديمه لكتاب (دراسات لأسلوب القرآن الكريم): «وحروفُ المعاني التي يتناولها هذا القسم الأول من جمهرة عِلْم القرآن العظيم، أصعب أبواب هذه الجمهرة؛ لكثرتها وتداخل معانيها، فقلّ أَنْ تخلو آيةٌ من القرآن العظيم من حرف من حروف المعاني. أمّا المشقّة العظيمة، فهي في وجوه اختلاف مواقع هذه الحروف من الجُمَل؛ ثم اختلاف معانيها باختلاف، مواقعها ثم ملاحظة الفروق الدقيقة التي يقتضيها هذا الاختلاف في دلالته المؤثرة في معاني الآيات، وهذا وحده أساس عِلْمٍ جليل من علوم القرآن العظيم».

وهناك مسألة مهمّة لا بدّ من الإشارة إليها قبل (الدراسة التطبيقية)، وهي: تناوب الحروف وتعاقبها، وقد اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنّ حروف الجر لا ينوب بعضها عن بعض، كما أنَّ حروف النصب والجزم لا ينوب بعضها عن بعض، وليس لحرف الجر سوى معنى واحد حقيقي، فإِنْ أوهمَ معنى آخر خُرِّج على المجاز (أي: الاستعارة في الحرف -على ما فَصَّل البلاغيون في الاستعارة التبعية- وحينئذ لا بدّ من علاقة وقرينة)، وإن لم يمكن الحَمْل على أحدهما حُكِمَ بشذوذه. وهو مذهب البصريين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ويدلُّ عليه أنَّ القول بإنابة الحروف يؤدِّي إلى الاشتراك، وهو خلاف الأصل، فإن وُجِد ما ظاهره التناوب قالوا بالتضمين.

القول الثاني: أنّ الحروف ينوب بعضها عن بعض، ويكون للحرف عدّة معانٍ، وهو مذهب الكوفيين، واختاره ابن مالك. ومعناه: أن يكون الحرف من قَبِيل (المشترك اللفظي) الذي يدلُّ على عدّة معانٍ دلالةً حقيقية.

القول الثالث: التوسّط بين القولين، وهو أنَّ الأصل أنَّ لكلّ حرف معنًى كما هو مذهب البصريين، فيجب رَدُّ المعنى إليه، فإن لم يمكن رَدُّه إلّا بتكلُّف قيل بالتناوب، وهذا هو الأقرب، وهو قول ابن جنّي، وابن السِّيْد البَطَلْيَوْسي، والرَّضي.

فقد بَوّب ابن جنّي في (الخصائص): «باب في إقرار الألفاظ على أوضاعها الأُوَل، ما لم يَدْعُ داعٍ إلى الترك والتحوُّل».

وقال ابن السِّيْد: «هذا الباب -أي: التناوب- أجازه قوم من النحويين أكثرهم الكوفيون، ومنع منه قوم أكثرهم البصريون، وفي القولين جميعًا نظر؛ لأنَّ مَن أجازه دون شرط وتقييد لزمه أن يجيز: (سرتُ إلى زيد)، وهو يريد: مع زيد، و(زيد في عمرو) وهو يريد: مع عمرو.. وهذه المسائل لا يجيزها من يجيز إبدال الحروف، ومن منع من ذلك على الإطلاق لَزِمه أن يتعسّف في التأويل لكثير مما وردَ في هذا الباب».

ففي هذا القول جمعٌ بين القولين؛ فالأصل أنَّ إنابة حرفٍ عن آخر يجب أن يكون لنكتة، وهو ما يرتضيه البلاغيون، فإنَّ تغيير الألفاظ تابع لتغيّر المقاصد والمعاني، ومن الواجب علينا أن نتعامل مع النصوص القرآنية بدقّة متناهية، قبل أن نطلق القول بأنَّ هذا الحرف بمعنى ذلك الحرف، استنادًا إلى ظواهر الآيات من غير تدبّر لمعانيها.

وقد شَنَّع الزمخشري على من يسارع إلى القول بتناوب الحروف، قبل التأمّل في الفروق الدقيقة بينها التي تكشف بلاغة القرآن، فقال: «فإنْ قلت: ﴿يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، و﴿يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أهو مِن تعاقُب الحرفين؟ قلت: كلّا، ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليدُ الطَّبْع ضَيِّقُ العَطَن». وهو لا يرى إنكار القول بالتناوب، فقد قال به في مواضع، وإنما أنكر المسارعة إلى القول به مع إمكان حملِ الكلام على غيره.

وقد كثرت المشكلات التي ترجع إلى (حروف المعاني)، وسأدرس خمسةً منها تبيِّن أهميتها، وأثر البلاغة في حلّ مشكلها، وبيان دقائقها.

۱- قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١4٧].

الإشكال ووجهه:

كيف قال: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ و﴿أَوْ﴾ للشكّ، والشكّ لا يجوز نِسبته إلى الله تعالى؟

توجيه الإشكال:

ذكر ابن مالك أنَّ (أو) تأتي لسبعة معانٍ، فقال:

خَيِّر أَبِح قَسِّم بـ(أو) وأَبْهِمِ ** واشْكُك وإضرابٌ بها أيضًا نُمِي

وربما عَاقَبَتِ الواو إذَا ** لم يُلْفِ ذو النطقِ لِلَبْسٍ مَنْفَذَا

وعلى هذه المعاني -باستبدال التحقيق بالتقسيم- خُرِّجت الآية، فالأقوال سبعة:

القول الأول: أنها على أصلها للشَّكِّ، لكن باعتبار المخاطَبِين، أي: إذا رآهم الرائي قال: هُم مائة ألف أو يزيدون، وهو قول المبرّد، وابن جني، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي.

القول الثاني: أنها للإبهام على المخاطَب، كما تقول: (جاءني زيد أو عمرو)، وأنت تعرف من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطَب. ذكره مكي.

والفرق بين الشك والإبهام: أنَّ الشّك يكون المتكلِّم به شاكًّا، أمّا الإبهام فالمتكلِّم به عالـمٌ، لكنه أراد تشكيك السامع.

القول الثالث: أنها للإضراب، أي: بل يزيدون، وهو قول ابن عباس، واختاره الفرّاء، وابن جرير.

وقد نُوقش بأنَّ مجيء (أو) للإضراب إنما هو قول الكوفيين، أمّا سيبويه فقد اشترط لإجازته شرطين: تقدُّم نفي أو نهي، وإعادة العامل، فإذا لم يتحقّق الشرطان لم يصحّ مجيئهما إلا بعد غلطٍ أو نسيان، ولا يمكن نسبتهما إلى الله سبحانه وتعالى.

القول الرابع: أنها بمعنى الواو، قاله ابن قتيبة. بدليل قراءة جعفر بن محمد: (وَيَزِيدُونَ)، واتّحاد معنى القراءتين أَوْلَى من اختلافهما.

القول الخامس: أنها للإباحة، ووجهها أنّ الناظر إليهم يُباح له أن يحْزِرَهم بهذا القَدْرِ أو بهذا القَدْرِ، وكلاهما صادقٌ في قوله

القول السادس: أنها للتخيير، ووجهها أن الناظر مُخيَّر بين أَنْ يحزرهم كذا أو كذا.

والفرق بين التخيير والإباحة: جواز الجمع في الإباحة، ومنع الجَمْع في التخيير.

وهذان القولان (الإباحة والتخيير) لا يصحّان؛ فإنهما يكونان بعد الطلب، فالتخيير نحو: (تَزوَّجْ زينبَ أو أختها)، والإباحة نحو: (جالِسِ الحسن أو ابن سيرين)، وهي في الآية واردة بعد الخبر، ثم لو صحّا فإِنَّ المقام ينبو عنهما.

القول السابع: أنها للتحقيق والتوكيد، أي: تحقيق ما وردَ قبلها وتوكيده، والمعنى: أنهم إن لم يزيدوا على المائة ألف لـم ينقصوا عنها، فهي تدلُّ على أنَّ المراد بالعدد الحقيقة لا المبالغة، وهو قول ابن القيم، وقد جَعَل هذا القول أحسن وألطف وأدقّ من غيرهوتبعه ابن عثيمين، وزاده إيضاحًا، فقال: «هو كما لو سألك سائل عن قوم: كم عددهم؟ فقلت: مائة ألف أو أكثر، يعني: أنهم إن لم يزيدوا لم ينقصوا، وليس المراد إثبات الأكثرية أو الزيادة على هذا العدد، بل المراد تأكيد هذا العدد».

وفي هذا القول نظر من وجهين:

الأول: أنَّ هذا المعنى للحرف (أو) لم يذكره أحدٌ من أهل اللغة فيما أعلم، ولم يذكر ابنُ القيم شواهدَ صريحةً لإثباته، وهو مضادّ للمعنى الأصلي لـ(أو) وهو التردّد بين أمرين.

الثاني: أنَّ معنى الآية حينئذ كما نصَّ ابن القيم: «أنهم إن لم يزيدوا على المائة ألف لم ينقصوا عنها»، وهو يؤول إلى الشك؛ فإنَّ هذا الأسلوب لا يسلكه من كان متيقنًا من قوله، بل هو مناسب للمرتاب في خبره أو في تصديق غيره له، وكلاهما يُنَزَّه الله -سبحانه وتعالى- عنه.

وكم عدد قوم يونس بناءً على الأقوال السابقة؟

أمّا على القول بأنَّ (أو) للإضراب أو بمعنى الواو فعددهم أكثر من مائة ألف، وأمّا على القول بأنها للتحقيق فعددهم مائة ألف، وعلى سائر الأقوال لا يُعلم عددهم أهو مائة ألف أم أكثر.

هذا، وبعد استعراض الأقوال يظهر لي أنّ أقواها ثلاثة:

الأول والثاني: أنها بمعنى الواو أو للإضراب، ومؤدّاهما واحد؛ إِذ العدد معهما أكثر من مائة ألف، ويؤيّدهما قراءة: (وَيَزِيدُونَ)، يضاف إلى ذلك أنَّ بعض أهل التأويل قد أثبت الزيادة، واختلفوا في قدرها على خمسة أقوال: قيل: يزيدون عشرين ألفًا. وقيل: ثلاثين ألفًا. وقيل: سبعين ألفًا. وقيل غير ذلك. ووردَ في ذلك حديثٌ مرفوع رواه الترمذي عن أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه، قال: سألتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قول الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، قال: (عشرون ألفًا). لكنه ضعيف الإسناد.

الثالث: أنَّ (أو) للشك باعتبار المخاطَبِين؛ وذلك لأنَّ (الشك) من أصل معناها، ثم إنَّ هذا الأسلوب وهو (اعتبار المخاطَبِين)، له نظائرُ عديدةٌ في القرآن ذكرها الزركشي في باب (الخطاب بالشيء عن اعتقاد المخاطَب دون ما في نفس الأمر)، ومنه قوله تعالى: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦]. وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥].

وأمّا بلاغة التعبير بـ(أو):

فعلَى القول بأنّها بمعنى الواو أو للإضراب أو للشّك، نقول: عُبِّر بها، لإفادة الكثرة؛ لأنها أعظم في الـمِنَّة، يدلُّ على ذلك السياق؛ فبعد ما ذكر تكذيبَ قومِ يونسَ له، ثم إِبَاقَه إلى الفلك المشحون، والتقامَ الحوت له، ذَكَر بعد ذلك منَّته عليه، حيث نبذَه بساحل البحر، وأنبتَ عليه شجرةً من يقطينٍ تُظِلُّه، ثم قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، فظاهر أنَّ الآية واردة في سياق الامتنان على يونس عليه السلام، ولا شكّ أنَّ الـمِنَّةَ تكون أعظم إذا بُعِثَ إِلى قوم كَثِيري العدد، فإنَّ كثرة المهتدين أعظم في أَجْرِه، كما أنَّ كثرةَ الأتباع أقَـرُّ لِعَيْنِه وأشرحُ لصدره، فجاءته البشرى بطريق الترقِّي؛ وهي أنهم مائة ألف، ثم بُشِّر بالزيادة بواسطة (أو) فكأنه بُشِّر مرّتَين، وسُرَّ سرورَيْن.

- ويحتمل معنى آخر، يتضح بما روى ابنُ أبي شيبة عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، أنّ يونس -عليه السلام- لمّا أنبت الله عليه شجرةً من يقطينٍ كان يستظلُّ بها ويصيب منها، فَيَبِسَتْ فبَكَى عليها حين يَبِسَتْ، فأوحى اللهُ إليه: تبكي على شجرة يَبِسَت، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أرَدْتَ أن تُهْلِكَهُموعليه يكون وجه التعبير بـ(أو): الترقِّي في العتاب من الأدنى إلى الأعلى.

لكنَّ هذا المعنى لا يصحّ حملُ الآية عليه؛ فإنَّ الأثر المذكور عاتبَ اللهُ فيه يونسَ -عليه السلام- على إرادته أوّل الأمر عند إباقِه، وأمّا الآية فهي واردة بعد الإرسال الثاني ولم يكن حينئذ -عليه السلام- مُرِيدًا لِهَلاكِهم. فالمتعيّن الأول، وهو المنّة.

فإن قيل: وما سبب إبهام الله -سبحانه وتعالى- عددهم، حيث قال: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾، ولم يعيِّن تلك الزيادة؟

فيُقال: لأمور:

الأول: أنَّه ليس في تعيينهم كبير فائدة، وهكذا في جملةٍ من مبهمات القرآن تُبْهَم لأنه لا طائل من تعيينها، ومنه: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ [القصص: ٢٠]، ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩].

الثاني: قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب: «﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، هو التحديد الحقّ، الذي يضبط أعداد تلك الجماعة، فهي ليست مائة ألف، بل إنها تزيد على مائة ألف، أمّا هذه الزيادة على المائة الألف فلا يمكن ضبطها إلا لِلَحْظَةٍ لا تتجاوز غمضة عين؛ إِذْ كانت مواليد هذه الجماعة مستمرَّةً، ونُموُّها مستمرًّا في كلّ لحظة، وإنَّ أَيَّ قولٍ يُضْبَط به عددُها ضبطًا كاملًا، لا يمكن أن يقع موقع الصِّدْق الذي يمثِّلُ الواقع، حيث إنه ما يكاد المحصِي الذي يحصِي هذه الأعداد -ما يكاد ينطق بما أحصَى، حتى تكون الحياة قد ألقت إلى هذه الأعداد بأعدادٍ، فإذا قال: إنها مائة ألف ومائتان وعشرون مثلًا، تغيّر هذا العدد بمجرد تلفّظه به فزاد واحدًا أو اثنين أو عشرةً أو أكثر.. والذي يلفت النظر أيضًا من هذا التعبير القرآني، هو لفظ ﴿يَزِيدُونَ﴾ فهذا اللفظ لا يتَغيَّرُ أبدًا، وحُكمه ملازمٌ لهذه الجماعة ما دامت على الحياة، فهي في زيادة وليست في نقص؛ إِذْ إنّ هذا هو شأن الكائنات الحية، إنها في زيادة، حيث إنَّ مواليدها أكثر من أمواتها».

۲- قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].

الإشكال ووجهه:

كيف قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، وكلُّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم موصوفون بالإيمان والعمل الصالح وبغيرهما من الصفات الحميدة التي ذكرها اللهُ تعالى في هذه الآية، فما معنى التبعيض هنا؟

توجيه الإشكال:

اختلف في معنى (مِنْ) في هذه الآية على أقوال:

القول الأول: أنها لبيان الجنس، كما تقول: أنفق نفقتك من الدراهم لا من الدنانير، وكما قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، والمعنى: وعدَ اللهُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس -وهم الصحابة- أجرًا عظيمًا.

القول الثاني: أنها للتبعيض، واختُلف في معنى الآية حينئذٍ:

١- فقال الزجّاج والنحّاس: المعنى: وعد اللهُ الذين ثبتوا على الإِيمانِ والعمل الصالح من الصحابة مغفرةً وأجرًا عظيمًا.

وفي هذا القول بُعْدٌ؛ فإنَّ الذي لم يثبت على الإيمان ليس صحابيًّا. 

ووجَّهَه ابنُ الزبير الغرناطي بأنَّ المقصود إخراج المنافقين الذين كانوا من جملة الصحابة في الظاهر، فإنَّ الصحابة -رضي الله عنهم- قد دخل معهم منافقون تظاهروا بالإيمان وأسَرُّوا الكفر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]. وقد شمل الكلّ عموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، فَهُم معهم في الظاهر، بدليل قول المنافقين للمؤمنين يوم القيامة: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد: ١٤]. فلوجود قَدْرٍ من الاحتمال في دخولهم في الوعد، حَسُن التحرُّز بقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾، ليخرج من لَزِق بالمؤمنين وليس منهم.

وما ذكره ابن الزبير من أنّ المراد إخراج المنافقين لأنهم داخلون في الظاهر في قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، ليس بصحيح؛ لأنَّ الصفات المذكورة قد أَخْرَجَتْهُم، وهي قوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، فبِذِكْر هذه الصفات العظيمة، لم يَعُد ثمة احتمال في دخول المنافقين.

٢- وذهب الطبري إلى أنّ الضمير عائد إلى الشطء، حيث قال: «﴿مِنْهُمْ﴾، أي: من الشَّطء الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع الذي وصف ربنا تبارك وتعالى صِفته، والهاء والميم في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ عائدة على معنى الشطء لا على لفظه؛ ولذلك جمع فقيل: ﴿مِنْهُمْ﴾؛ وإنما جمع الشطء لأنه أُريد به مَن يدخل في دين محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى يوم القيامة بعد الجماعة الذين وصف اللهُ صفتهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾».

ويشكِل عليه أنَّ فيه استعمالًا لِلَفظ (الشطء) في حقيقته ومجازه، وهو خلاف الأصل.

٣- وقال الرازي: «المعنى: والذين آمنوا من الكفار لهم الأجر العظيم».

ومعناه: أنَّ الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ عائد إلى ﴿الْكُفَّارَ﴾. ويقوّيه: أَنَّه أقربُ مذكور. ويُرَدُّ: بدلالة السياق، فإنَّ عود الضمير إلى المحدَّث عنه مقدَّم على عوده إلى أقرب مذكور.

٤- وقال ابن عاشور: «لأنه وَعْدٌ لكلّ من يكون مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحاضر والمستقبل، فيكون ذِكْرُ (مِنْ) تحذيرًا، وهو لا ينافي المغفرة لجميعهم؛ لأنَّ جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات، وأصحابُ الرسول صلى الله عليه وسلم هم خِيرةُ المؤمنين» .

وقريب منه قول الخطيب: «وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾: إشارة إلى أنَّ وصْفَ المؤمنين لا يتمّ إلا بالعمل الصالح، وأنّ الذين لهم المغفرة والأجر العظيم من الله هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لا المؤمنون على إطلاقهم. فقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعزل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، عن الذين آمنوا ولم يعملوا الصالحات».

وعلى هذا القول يكون قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا...﴾، مستأنفًا، وهو من أحسن ما وُجِّه به معنى التبعيض.

فإن قيل: لكن مقتضى هذا القول أنّ هناك مؤمنين لا يعملون الصالحات، وهذا لا يقول به إلا المرجئة الذين أرجَؤُوا العمل عن مسمَّى الإيمان.

فيقال: لا شك أن العمل داخلٌ في مسمى الإيمان، ولكنَّ المقصود بالإيمان في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: التصديق؛ لأنه قُرِن بالعمل، أمّا إذا أُفرد الإيمان بالذِّكْر فالمقصود به القول والعمل.

القول الثالث: أنها زائدة، وهو مذهب بعض الكوفيين كالكسائي، حيث «قالوا: (مِنْ) هاهنا ليست مبعِّضة، إنما المعنى: وعدهم الله كلّهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا، فدخلت (مِنْ) هاهنا للتوكيد».

وهذا ممتنع عند الجمهور؛ إِذْ يشترطون لزيادتها أن تكون في كلام منفي، وأن يكون المجرور بها نكرة، كما قال ابن مالك:

وَزِيدَ في نَفْيِ وشِبْهِهِ فَجَرّ ** نكرةً كـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ)

وأقرب الأقوال القول الأول، وهو أنَّ (مِنْ) بيانية، والمعنى: وعد اللهُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات -وهم الصحابة- مغفرةً وأجرًا عظيمًا، وخُصُّوا بالذِّكْر تشريفًا لهم لسابقتهم، ولعِظَمِ أجرهم، ولأنَّ السياق في الحديث عنهم. ومثله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]. وكلُّهم محسنٌ ومتَّقٍ. وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، وكلُّهم كفّار.

وأمّا القول بالتبعيض فهو وإن كان مرجوحًا إلا أنه لا يلزم منه الطعنُ في الصحابة، خلافًا لقول ابن هشام: «وفي كتاب المصاحف لابن الأنباري أنَّ بعض الزنادقة تمسّك بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ في الطعنِ على بعض الصحابة، والحقُّ أنَّ (مِنْ) فيها للتبيين لا للتبعيض، أي: الذين آمنوا هم هؤلاء».

فظاهره أنَّ التبعيض يلزم منه الطعنُ في الصحابة، والحقُّ أنه لا يلزم منه ذلك، كما في الأوجه الأربعة التي تقدّم ذِكرُها.

۳- قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢0].

الإشكال ووجهه:

كيف قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا﴾، ولم يكن غرضه من الوسوسة كشف عورتهما، بل إخراجهما من الجنة؟

توجيه الإشكال:

الأول: أنَّ اللام للعاقبة والصيرورة، أي: بيان عاقبة الأمر، وما يصير إليه. والمعنى: فوسوس لهما الشيطان فكانت العاقبةُ بُدُوَّ عوراتهما. وليس المراد أنه وسوس لأجل ذلك، فإنّ الشيطان لم يعلم أنهما إن أكَلَا من الشجرة بَدَت سوآتهما، إنما أراد إيقاعهما في المعصية فقط. ومنه: (لِدُوا لِلْمَوتِ وابْنُوا للخَرابِ)، والإنسان لا يلد للموت، ولا يبني للخراب، وإنما تكون العاقبة كذلك.

ومثله قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. فَهُم لم يلتقطوه لذلك، وإنما التقطوه فكانت العاقبة ذلك. وهو ما ذهب إليه مكّي والواحدي.

و(لام العاقبة) هذه ذَكَرَهَا الكوفيون ووافقهم ابن مالك، وأنكرها البصريون وحملوها على لام التعليل، قال الزمخشري: «والتحقيق أنها لام العلة، وأنَّ التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة». والمقصود بالمجاز هنا الاستعارة، إمّا التبعية أو المكنية:

فيقال في التبعية: شُبِّه ترتُّب العاقبة على الوسوسة بترتُّب العلة الغائية عليها، بجامع حصول مطلق الترتيب في كلٍّ، ثم حذف المشبَّه وهو ترتُّب العاقبة واستعير له لام التعليل، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.

وفي المكنية: شُبِّهَت العلة المذكورة وهي الإبداء بالعلة المرجوّة وهي المعصية، بجامع مطلق ترتيب شيء على شيء، ثم حُذف المشبه به وكُنِّي عنه بشيء من لوازمه وهو لام التعليل، على سبيل الاستعارة المكنية الأصلية.

ويمكن أن تكون مجازًا مرسلًا علاقته الـمُسَبَّبِيَّة، فَذُكِر المسبَّب وهو الإبداء، وأُريد السبب وهو الوقوع في المعصية.

قال خالد الأزهري: «مَنْ منعَ الصيرورة في اللام رَدَّها إلى التعليل بحذف السبب وإقامة المسبّب مُقامه».

وبَيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ لام العاقبة لا تكون إلّا مِن جاهلٍ أو عاجِز؛ فالجاهل كفرعون كما في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، فلم يعلم فرعون بهذه العاقبة. والعاجِز كقولهم: (لِدُوا للموتِ وابْنُوا للخَرابِ)، فإنهم يعلمون هذه العاقبة؛ لكنهم عاجزون عن دفعها؛ ولذلك يستحيل دخول لام العاقبة في فِعْل الله؛ لأنه عليم قدير

الثاني: أنَّ اللام للتعليل؛ لجواز أن يكون مقصودُه ظهورَ سوآتهما زيادةً على وقوعهما في المعصية. وهو قول الزمخشري.

وذكر الرازي وجهين آخرين للتعليل:

«أحدهما: أن يُجْعَل بُدُوُّ العورة كنايةً عن سقوط الحُرمة وزوال الجاه. والمعنى: أنَّ غرضه من إلقاء تلك الوسوسة إلى آدم زوال حُرمته وذهاب منصبه.

والثاني: لعلّه رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من بعض الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدَتْ عورته، وذلك يدلّ على نهاية الضّرر وسقوط الحُرْمة، فكان يوسوس إليه لحصول هذا الغرض».

ومعقد الخلاف يرجع إلى مسألة، وهي: هل يعلم الشيطان أنَّ العصيان في الجنة سببٌ لِسَلْبِ اللِّباس؟

فمَن رأى أنه يعلم ذلك -وقد جزم بذلك الإيجي- فاللام عنده للتعليل الحقيقي، ومَن رأى أنه لا يعلم فاللام عنده للعاقبة، أو مؤوَّلةٌ بالتعليل المجازي. 

والحقّ أنه لا دليل على أنه كان يعلم، والأصل أنه جاهل بما تؤول إليه الأمور، وإنما يعلم علمًا إجماليًّا أنَّ المعصية شَرٌّ يستحقّ صاحبها العقوبة، وحينئذ فالأظهر القول الأول، وهو أنَّ اللام للعاقبة أو للتعليل المجازي على طريقة الزمخشري.

فإن قيل: وما السِّرّ البلاغي وراء استعمال هذه اللام؟ وهلّا قيل: (فوسوس لهما الشيطان فكانت العاقبة بُدُوَّ سوآتهما)؟

فيُقال: في ذلك تحذير من المعصية، وأنَّ لها عقوبةً وشؤمًا، وكأنّها لازمة لها لزوم العلة للمعلول، فَمُواقَعَةُ الحَرَام ستذهب لَذَّته وتبقى حَسْرَتُه، وتتلوه عقوبته إلا أن يغفرها اللهُ، فلهذا المعنى عُبِّر بلام العاقبة أو بالتعليل المجازي، في قوله: ﴿لِيُبْدِيَ﴾، مع أنّ إبداء العورة لم يكن من غرض الشيطان ولا خطر له ببالٍ، لكن لمّا كان عقوبةً للذّنب، جُعِل كأنه غَرَضٌ له، وعِلَّةٌ لوسوسته. والله أعلم.

٤- قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].

الإشكال ووجهه:

كيف قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾، ولم يقل: (أفئدة الناس)، ومن ذلك قولهم: قلوب الناس، فهو أظهر استعمالًا من (قلوبًا مِن الناس)؟

توجيه الإشكال:

سبب التعبير بـ(من) عائد إلى معناها هنا، وقد اختُلف فيه على قولين: 

الأول: أنها للتبعيض، أي: اجعل أفئدةً مِن أفئدة الناس تهوي إليهم، والمراد بالبعض: المسلمون، قال سعيد بن جبير: «لو قال: (أفئدة الناس) لحَجَّت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾، فهم المسلمون». وقال مجاهد: «لو قال: (أفئدة الناس)، لازدحمت عليه فارس والروم»وذلك لأنَّ الجمع المضاف إلى المعرفة يفيد العموم.

الثاني: أنها للابتداء، وهذا المعنى جَوَّزه الزمخشري، فقال: «ويجوز أن يكون (مِنْ) للابتداء، كقولك: (القلب مِنّي سقيم)، تريد قلبي، فكأنه قيل: (أفئدة ناسٍ)، وإنما نَكَّرْتُ المضاف إليه في هذا التمثيل لتنكير ﴿أَفْئِدَةً﴾؛ لأنها في الآية نكرة؛ ليتناول بعض الأفئدة».

فَجَعَل (مِنْ) ابتدائيةً لتفخيم الأمر، مثل قوله تعالى: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]. والمعنى: نشأ سُقْمُ هذا العضو مِنِّي ومِن جِهَتِي.

و﴿النَّاسِ﴾ على هذا القول نكرة، واللام فيها للعهد الذهني التي يُقْصَد بها بعضٌ مبهمٌ من الجنس، وهي أي: ﴿ النَّاسِ﴾ وإن كانت معرفةً لفظًا إلا أنها نكرة معنًى؛ ولذلك عُوملت معاملة النكرة في قول الشاعر:

ولقد أمرُّ على اللئيمِ يَسُبُّنِي 

فلا يريد لئيمًا بعينه، وإنما المراد: قد يسبُّني لئيمٌ ما، فأدعه ولا أبالي.

واستبعده أبو حيان، فقال: ولا يظهر كونها لابتداء الغاية؛ لأنه ليس لنا فعل يُبتدَأ فيه بغاية يُنتهَى إليها؛ إِذْ لا يصح ابتداءُ جعلِ الأفئدة من الناس، وإنما الظاهر في (مِنْ) التبعيض.

وأُجيب: بأنه قد يُقْصَد الابتداء دون قصدِ انتهاءٍ مخصوص، إذا كان المعنى لا يقتضي إلا المبتدأ منه، قال ابن الحاجب: «وقد يأتي (مِنْ) لغرض الابتداء دون أن يُقْصَد إلى انتهاءٍ مخصوص، إذا كان المعنى لا يقتضي إلا المبتدأ منه، كقولك: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، و(زيد أفضل من عمرو)».

القول الثالث: أنها بَيانِيَّة، وهو قول ابن عاشور، حيث قال: «المراد: (فاجعل أُناسًا يهوون إليهم)؛ فأقحم لفظ (الأفئدة) لإرادة أن يكون مسير الناس إليهم عن شوقٍ ومحبّة، حتى كأنَّ المُسرِع هو الفؤاد لا الجسد، فلما ذكر ﴿أَفْئِدَةً﴾ لهذه النكتة حَسُن بيانُه بأنهم من الناس، فـ(مِنْ) بيانية لا تبعيضية؛ إِذْ لا طائل تحته. والمعنى: فاجعل أُناسًا يقصدونهم بحبّات قلوبهم».

قلتُ: وهذا المعنى لا يعارض التبعيض، والقولان متقاربان، وإن كنت أميل إلى القول بالتبعيض؛ لأنه هو المتبادر، كما أنه هو الثابت عن السلف.

٥- قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩].

الإشكال ووجهه:

لِـمَ قال: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ والمتبادر: (فاسْأَلْ عنهُ)؟

توجيه الإشكال:

الأول: قال الطبري: «اسأل يا محمد خبيرًا بالرحمن، خبيرًا بخلقه، فإنه خالق كلّ شيء، ولا يخفى عليه ما خَلَق».

فعلى هذا القول تكون الباء للإلصاق، والجار والمجرور متعلق بـ﴿خَبِيرًا﴾، وقُدِّم مراعاةً لرؤوس الآي.

ويناقش: بأنَّ التقديم هنا ممتنع لوجود اللَّبْس، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨]. قال القزويني: «فإنه لو أَخَّر ﴿مَنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ عن ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ لَتُوُهِّم أَنَّ (مِنْ) متعلِّقَةٌ بـ﴿يَكْتُمُ﴾، فلم يُفهم أنَّ الرجل من آل فرعون». وهكذا هنا، فلو كان قوله: ﴿بِهِ﴾ مقدَّمًا لأوهم تعلّقه بالسؤال؛ لأنه وردَ تعدّيه به، كما في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١].

الثاني: قال ابن كثير: «استعلِم عنه من هو خبيرٌ به عالمٌ به فاتَّبِعه واقتدِ به، وقد عُلم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبدِه ورسولِه محمد صلى الله عليه وسلم».

فالباء على هذا بمعنى (عَن)، كما قال علقمة:

فإِنْ تَسألوني بالنِّسَاءِ فإنّني ** بَصِيرٌ بأدواء النِّسَاء طبيبُ 

والجار والمجرور ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ(اسأل).

وهذا القول جارٍ على مذهب الكوفيين، فإنهم يرون أنّ الباء تأتي بمعنى (عَن) وهو المجاوزة، كما في قوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ [ق: ١٥]. أي: عن الخلق الأول، وتأوَّل البصريون قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، على أَنَّ الباء للسببية، وزعموا أنها لا تكون بمعنى (عَن) أصلًا، وفيه بُعْدٌ؛ لأنه لا يقتضي قولك: (سألت بسببه) أن المجرور هو المسؤول عنه.

الثالث: أنَّ السؤال عُدِّي بالباء لِتَضَمُّنِه معنى الاعتناء والاهتمام، والفاء: الفصيحة، والمعنى: إن شئْتَ تحقيق ما ذُكر أو تفصيل ما ذُكر فاسأل معتنيًا به خبيرًا عظيمَ الشأن محيطًا بظواهر الأمور وبواطنها، وهو الله عز وجل، يطلعك على جليّة الأمر.

الرابع: أن يكون الكلام من باب التجريد، نحو: (لئن سألتَ فلانًا لتَسأَلَنَّ به البحر)، والباء هي التجريدية، ومعناها: السببية، أو المصاحبة، وهي هنا للمصاحبة، والمعنى: فَسَلْ بسؤاله تعالى خبيرًا، أي: إِنْ سألته وجدته خبيرًا.

وهذا الوجه جَوَّزَه الزمخشري وابن عطية، وهو أظهر الأقوال، وهو أَوْلَى من حملِ الآية على التضمين، أو على أنَّ (الباء) بمعنى (عَنْ)، وهو اختيار الطيبي وتلميذه الفارسي، وذلك ليكون كالتتميم لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ...﴾؛ فإنه لإثبات القدرة مدمجًا فيه العِلْم، كما أنَّ قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨]؛ تتميمٌ لمعنى قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨].

وبلاغة التجريد المبالغة في كمال الصفة في الموصوف، حتى إنه ليتجرّد منه مثله فيها، ولا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤].

والمسؤول على القولَين الأوّلَين غير الله، وعلى القولَين الأخيرَين هو الله عز وجل.

وأمثلةُ أثَرِ حروفِ المعاني في توجيه مشكِل القرآن في كتب المشكِل كثيرة.


  1. ^

     هذه المقالة من كتاب (أثر البلاغة في توجيه مشكل القرآن)، الصادر عن مركز تفسير سنة ١٤٤٤هـ، ص٢٤۰ وما بعدها. (موقع تفسير)

  2. ^

     الكتاب (١/ ١٢).

  3. ^

     الجنى الداني، ص۱۹.

  4. ^

     من أسرار حروف الجر، ص۷.

  5. ^

     دراسات لأسلوب القرآن (١/ ٤).

  6. ^

     الجنى الداني، ص٤٦، مجموع الفتاوى (۱۳/ ۱۸۳)، بدائع الفوائد (٢/ ٤٢٣).

  7. ^

     تأويل مشكل القرآن، ص٥٦٥، الجنى الداني، ص٤٦، الألفية بشرح ابن عقيل (٢/ ١٧).

  8. ^

     الخصائص (۲/ ۳۰۸، ٤٥۹)، الاقتضاب (٢/ ٢٦٢)، شرح الكافية، للرضي (٢/ ٢٩٩، ۳۲۰).

  9. ^

     الخصائص (٢/ ٤٥٩).

  10. ^

     الاقتضاب (٢/ ٢٦٢).

  11. ^

     الدراسات اللغوية والنحوية، ص۳۷۳.

  12. ^

     الكشاف (٣/ ٥٠٢).

  13. ^

     تأويل مشكل القرآن، ص٥٤٣، أنموذج جليل، ص٤٣٤، فتح الرحمن، ص٤٨٤.

  14. ^

     الألفية بشرح ابن عقيل (٢/ ٢١٢).

  15. ^

     المقتضب (٣/ ٣٠٥)، الخصائص (٢/ ٤٦٣)، الكشاف (٤/ ٦٢)، تفسير الرازي (٢٦/ ٣٥٨)، البيضاوي (٥/ ١٩).

  16. ^

     الهداية (٩/ ٦١٦٩).

  17. ^

     معاني القرآن (۲/ ۳۹۳)، تفسير الطبري (١٩/ ٦٣٧).

  18. ^

     الكتاب (١/ ٤٩١)، مغني اللبيب، ص١٠٣.

  19. ^

     ينظر: تأويل مشكل القرآن، ص٥٤٣، المقتضب (٣/ ٣٠٥).

  20. ^

     تأويل مشكل القرآن، ص٥٤٣.

  21. ^

     المحتسب، لابن جني (٢/ ٢٢٦). وهي قراءة شاذة.

  22. ^

     الصاحبي، ص۱۷۱، الدر المصون (٩/ ٣٣٢).

  23. ^

     الدر المصون (۹/ ۳۳۲).

  24. ^

     التبيان في أيمان القرآن، ص۳۷۲، مدارج السالكين (١/ ٣٢٦)، (٣/ ٣٠٢).

  25. ^

     تفسير سورة الصافات، ص٣٠٥.

  26. ^

     ينظر: تفسير الماوردي (٥/ ٦٩).

  27. ^

     سنن الترمذي (٣٢٢٩)، وقال: «غريب». وفي إسناده مجهول، والوليد بن مسلم وهو ضعيف.

  28. ^

     البرهان (٤/ ٥٥).

  29. ^

     مصنف ابن أبي شيبة (٣١٨٦٦، ٣٥٤٨٩).

  30. ^

     التفسير القرآني (١٢/ ١٠٣١).

  31. ^

     أنموذج جليل، ص٤٧١، الروض الريان (٢/ ٤٢٥)، فتح الرحمن، ص٥٢٦.

  32. ^

     معاني القرآن للزجاج (٥/ ٢٩)، معاني القرآن، للنحاس (٦/ ٥١٨)، الكشاف (٤/ ٣٤٨).

  33. ^

     معاني القرآن، للزجاج (٥/ ۲۹) معاني القرآن، للنحاس (٦/ ٥١٨).

  34. ^

     ينظر: ملاك التأويل (١/ ١٢٠).

  35. ^

     تفسير الطبري (٢١/ ٣٣٣).

  36. ^

     تفسير الرازي (٢٨/ ٩٠).

  37. ^

     التحرير والتنوير (٢٦/ ٢١١).

  38. ^

     التفسير القرآني (١٣/ ٤٣١).

  39. ^

     الأزهية في علم الحروف، ص٢٢٩.

  40. ^

     مغني اللبيب، ص٤٠٠.

  41. ^

     أنموذج جليل، ص١٤٨، فتح الرحمن، ص١٩٠.

  42. ^

     قطعة من حديث مرفوع رواه أبو الشيخ في العظمة (٣/ ٩٩٥)، وهو ضعيف. ينظر: السلسلة الضعيفة للألباني (٥٥٥٦). وهو شطر بيتٍ من البحر الوافر، فلذا اقتبسه الشعراء، كعلي -رضي الله عنه- في ديوانه (٤١)، وأبي نواس في ديوانه (۹۹)، وأبي العتاهية في ديوانه (۳۳).

  43. ^

     الهداية (٤/ ٢٣١٩)، البسيط (٩/ ٦٢).

  44. ^

     الجنى الداني، ص۱۲۱، مغني اللبيب، ص۲۸۳.

  45. ^

     الكشاف (٣/ ٣٤٩).

  46. ^

     شرح التصريح (١/ ٦٤٥).

  47. ^

     مجموع الفتاوى (٨/ ٤٤). وقد سمع هذه الفائدة من ابن تيمية تلميذه ابن القيم، ثم قال: «ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يُحتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء». بدائع الفوائد (١/ ١٧٥).

  48. ^

     الكشاف (٢/ ٩٤)، حاشية الجمل على الجلالين (۳/ ۱۸).

  49. ^

     تفسير الرازي (١٤/ ٢١٨).

  50. ^

     جامع البيان (١/ ٦٠٦).

  51. ^

     أنموذج جليل، ص٢٤٧.

  52. ^

     تفسير الطبري (١٣/ ٦٩٨).

  53. ^

     الكشاف (٢/ ٥٥٩).

  54. ^

     فتوح الغيب (٨/ ٦١٥).

  55. ^

     عجز بيت صدره: (فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يعنيني). وهو لرجل من بني سلول كما في الكتاب (٣/ ٢٤)، ونُسب إلى شمر بن عمر الحنفي في الأصمعيات، ص١٢٦.

  56. ^

     البحر المحيط (٦/ ٤٤٧).

  57. ^

     الإيضاح، لابن الحاجب (٢/ ١٤٢)، حاشية الشهاب (٥/ ٢٧١).

  58. ^

     التحرير والتنوير (١٣/ ٢٤١).

  59. ^

     تأويل مشكل القرآن، ص٥٦٨.

  60. ^

     تفسير الطبري (١٧/ ٤٨١).

  61. ^

     الإيضاح (۱/ ۲۱۳).

  62. ^

     تفسير ابن كثير (٦/ ١١٩).

  63. ^

     ديوان علقمة، ص٣٥.

  64. ^

     ينظر: دراسات لأسلوب القرآن (۲/ ۱۷).

  65. ^

     مغني اللبيب، ص١٥٢.

  66. ^

     الكشاف (۳/ ۲۸۹)، البيضاوي (٤/ ۱۲۹)، روح المعاني (۱۰/ ۳۸).

  67. ^

     ينظر: عروس الأفراح (٢/ ٢٦٠).

  68. ^

     الكشاف (۳/ ۲۸۹)، المحرر الوجيز (٤/ ٢١٦).

  69. ^

     فتوح الغيب (١١/ ٢٧٤)، روح المعاني (۱۰/ ۳۸).

  70. ^

     ينظر: تأويل مشكل القرآن، ص٥۱۷- ٥۷۸، الفوائد في مشكل القرآن، ص٨١، ١٥٠، ١٦٤، ۱۳۸، ۱۷۲، ۱۷۹، أنموذج جليل، ص٢٠، ٥٢، ٧٦، ۱۰۳، ۱۱۲، ۱۸۲، ۱۸۳، ۱۸٤، ٢٤٣، ٢٥٥، ٢٥٦، ٢٥٩، ٢٦٣، ٢٦٥، ٢٧٤، ٢٧٥، ٢٨٧، ٢٩٦، ٣١٣، ٣١٨، ٣٣٨، ٣٤٤، ٣٥١، ٣٥٥، ٣٦٠، ٤٥٢، ٤٦٩، ٤٧٩، ٤٨٣، ٤٨٥، ٤٩٥، ٥١٧، ٥٨١، الروض الريان (۱/ ۲۹، ٢۱۸، ۲٦٨، ۲۷۳، ۲۷۸)، (٢/ ٤٤٢، ٤٤٧، ٤٥٠). فتح الرحمن، ص١١، ٧٥، ١٠٦، ٢٣٢، ٢٣٤، ٢٣٥، ۳۰٤، ۳۱۱، ۳۱۸، ۳۱۹، ۳۲۹، ۳۳٠، ٣٥٠، ٣٩٤، ٤٠١، ٥٠٣، ٥٢٤، ٥٣٦، ٥٣٩، ٥٤٢، ٥٤٨، ٥٧١، ٦٢٩.

الكاتب:

ياسر بن حامد المطيري

الدكتور ياسر بن حامد المطيري

حاصل على الدكتوراه من قسم البلاغة بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود، وعضو هيئة التدريس بجامعة الأمير سطام بن عبد العزيز.

مواضيع ذات صلة

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))