الأساليب العربية المتعلقة بعلم المعاني
وأثرها في التفسير (2-2)

الأساليب العربية المتعلّقة بعلم المعاني وأثرها في التفسير (2-2)[1]
الأسلوب الثامن: (التَّقدِيمُ الذي هو بمعنى التَّأخِير، والمُؤَخَّر الذي هو بمعنى التَّقديم)[2]:
أولًا: توضيح الأسلوب:
مِن تفنُّنِ العرب في الكلام تقديم ما حقّه التأخير، وتأخير ما حقّه التقديم؛ كتقديم الخبر على المبتدأ، والمفعول على الفاعل، إذا وُجدت قرينةٌ واضحة تدلّ على ذلك، وتُخرجه عن نَظْمِه وترتيبه المألوف[3]، حتى لا يقع اللَّبس على السامع، والقدح في بيان مُراد المتكلم[4].
ومن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ)[5].
فقوله: (كلمتان) خبر مقدَّم، و(خفيفتان) وما بعدها صفة، و(سبحان الله) إلى آخره مبتدأ مؤخَّر، والنكتة في تقديم الخبر تشويق السامع إلى المبتدأ[6].
ثانيًا: صيغ الأسلوب:
وردَت ثلاث صِيَغ لهذا الأسلوب عند الطبري، وهي:
الصيغة الأولى: «التقديم الذي هو بمعنى التأخير، والمؤخَّر الذي هو بمعنى التقديم في كلام العرب أفشى، وفي منطقها أكثر من أن يُحصى»[7].
الصيغة الثانية: «ولا وجه لتقديم شيء من كتاب الله عن موضعه، أو تأخيره عن مكانه إلا بحجة واضحة»[8].
الصيغة الثالثة: «الحرف إنما يُحتال لمعناه المُخْرَج بالتقديم والتأخير إذا لم يكن له وجه مفهوم إلا بتقديمه عن موضعه أو تأخيره، فأمّا وله في موضعه وجه صحيح فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير»[9].
ومن خلال النظر في هذه الصِّيَغ يتّضح أنّ الأصل في الكلام أن يبقى على ترتيبه ونَظْمه، وأن تقديم ما حقّه التأخير، وتأخير ما حقّه التقديم؛ خلاف الأصل، فلا يُصار إليه إلا بحُجّة واضحة تُثبت عدم إمكان ورود الأصل.
ثالثًا: دراسة الأسلوب:
تُعتبر قضية التقديم والتأخير ظاهرة قديمة ومنتشرة في كلام الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من علماء اللغة والتفسير، أكتفي هنا بذِكْر بعضٍ من أقوالهم:
۱- عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- (ت ٤٠هـ):
فقد سمع الحسنَ والحسينَ -رضوان الله عليهما- يقرءان: ﴿وأرجُلِكم إلى الكعبَيْنِ﴾ [المائدة: 6][10]، وكان يقضي بين الناس، فقال: «﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾[11]، هذا من المُقدَّم والمُؤخَّر من الكلام»[12].
۲- ابن عباس -رضي الله عنهما- (ت ٦٨هـ):
قال عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]: «إنهم إذا رأوه فقد رأوه، إنما قالوا جهرة: أرنا الله. قال: هو مُقدَّم ومُؤخَّر»[13].
٣- قتادة (ت ۱۱۸هـ):
قال عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]: «هذا من مقاديم الكلام، وتأويلها: وقال الذين أوتوا الإيمان والعلم: لقد لبثتم في كتاب الله»[14].
٤- الأخفش (ت ٢١٥هـ):
فقد ذكر أمثلة على ذلك من القرآن الكريم، ثم قال: «ومثل هذا في كلام العرب وفي الشِّعْر كثير في التقديم والتأخير، يكتب الرجل: أمّا بَعْدُ -حَفِظَكَ اللهُ وَعافاك- فإِنِّي كَتَبْتُ إِلَيْكَ. فقوله: (فَإِنِّي): محمول على (أَمَّا بَعْدُ)، إنما هو (أَمَّا بَعْدُ فإنِّي)، وبينهما كما ترى كلام»[15].
رابعًا: الأمثلة التطبيقية:
وردَت أمثلة لهذا الأسلوب عند الطبري، ومنها:
١- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ۱۹۹].
ذكر الطبري خلاف أهل التأويل فيمَن عُني بالأمر بالإفاضة من حيث أفاض الناس، ومَن الناس الذين أُمِرُوا بالإفاضة؟ على قولين:
الأول: أنّ المعنيَّ بقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ هم قريش ومَن ولَدته الذين يُسمَّون الحُمْس، أُمِرُوا في الإسلام أن يُفيضوا من عرفات، والمعنيَّ بقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، هم سائر الناس غير الحُمْس، وهو قول عائشة وابن عباس رضي الله عنهما.
الثاني: أنّ المعنيَّ بقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ هُم المسلمون كلّهم، أُمروا أن يفيضوا من مزدلفة، والمعنيَّ بقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، هو إبراهيم عليه السلام، وهو قول الضحاك[16].
ثم قال: «والذي نراه صوابًا من تأويل هذه الآية التأويل الذي رُوي عن عائشة وابن عباس أنه عَنى بهذه الآية قريشًا ومَن كان مُتَحَمِّسًا ومن معها من سائر العرب؛ لإجماع الحُجّة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: فمَن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، وما تفعلوا من خيرٍ يَعْلَمْه الله.
وهذا إذ كان ما وصفنا تأويله فهو من المُقدَّم الذي معناه التأخير، والمؤخَّر الذي معناه التقديم، على نحو ما تقدّم بياننا في مثله»[17].
۲- قوله جلّ ذِكْره: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ ءَاوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ ءَامِنِينَ﴾ [يوسف: ۹۹].
قال الطبري بعد ذِكْره معنى الآية: «فإن قال قائل: وكيف قال لهم يوسف: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ ءَامِنِينَ﴾ بعدما دخلوها، وقد أخبر الله -عزّ وجلّ- عنهم أنهم لمّا دخلوها على يوسف وضمَّ إليه أبويه، قال لهم هذا القول؟ قيل: قد اختلف أهل التأويل في ذلك»[18].
ثم ذكر قولين، خلاصتهما:
الأول: إنّ يوسف تلقّى أباه -تكرمةً له- قبل أن يدخل مصر، فآواه إليه، ثم قال له ولمن معه: ﴿ادْخُلُواْ مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ ءَامِنِينَ﴾ بها قبل الدخول، ونسَبه إلى السدّي.
الثاني: إنّ قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللهُ﴾ استثناء من قول يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ۹۸]، وهو من المؤخَّر الذي معناه التقديم، ومعنى الكلام: قال أستغفر لكم ربي إن شاء الله، إنه هو الغفور الرحيم، فلمّا دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه، وقال ادخلوا مصر، ورفع أبويه. وهو قول ابن جريج[19].
ثم قال: «والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله السدي، وهو أن يوسف قال ذلك لأبويه ومَن معهما من أولادهما وأهاليهم قبل دخولهم مصر حين تلقّاهم؛ لأن ذلك في ظاهر التنزيل كذلك، فلا دلالة تدلُّ على صحة ما قال ابن جريج، ولا وجه لتقديم شيء من كتاب الله عن موضعه أو تأخيره عن مكانه إلا بحُجّة واضحة»[20].
٣- قوله عزّ وجل: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤، ٥].
قال الطبري في بيان معنى الآية: «يقول تعالى ذِكْره: فجعل ذلك المرعى غثاء، وهو ما جفّ من النَّبت ويبس فطارت به الريح؛ وإنما عُني به هاهنا أنه جعله هشيمًا يابسًا متغيِّرًا إلى الحوَّة، وهي السواد... وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخَّر الذي معناه التقديم، وأنّ معنى الكلام والذي أخرج المرعى أحوى؛ أي: أخضر إلى السواد فجعله غثاء بعد ذلك... وهذا القول -وإن كان غير مدفوع أن يكون ما اشتدَّتْ خضرته من النبات قد تسميه العرب أسود- غير صواب عندي؛ لخلافه تأويل أهل التأويل في أنّ الحرف إنما يُحتال لمعناه المُخرج بالتقديم والتأخير، إذا لم يكن له وجه مفهوم إلا بتقديمه عن موضعه أو تأخيره، فأمّا وله في موضعه وجه صحيح، فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير»[21].
خامسًا: أثره في التفسير:
من خلال النظر في هذه الأمثلة يتّضح أثر هذا الأسلوب في اختلاف معنى الآيات، وفي الجواب عما أشكل منها، وفي حدوث أقوال مرجوحةٍ مخالفة لظاهر نَظْمها، وإليك بيان ذلك:
ففي المثال الأول: ظهر أثر هذا الأسلوب في الجواب عن إشكال واردٍ على مَن فسَّر الإفاضة التي في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ۱۹۹]، بالإفاضة من عرفات؛ وذلك أن الله تعالى قد ذكر الإفاضة من عرفات في الآية التي قبلها، وهي قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ۱۹۸]، فلا وجه لإعادتها ثانية فى قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، ولصار تقدير الآية: (فإذا أفضتم من عرفات، ثم أفيضوا من عرفات)، وهذا غير جائز[22].
فيُقَال في الجواب عن هذا الإشكال: إنّ في الآية تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا اللهَ إن الله غفور رحيم، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله، وهذا ما ذهب إليه جماعة من المفسِّرين كالطبري والبغوي وابن الجوزي[23].
وهذا الإشكال لا يَرِد على من فَسّر الإفاضة أنها من مزدلفة؛ لدلالة ظاهر النَّظْم القرآني على ذلك، وذلك أنه ذُكرت أولًا الإفاضة من عرفات، ثم عُطف عليها بـ(ثم) الدالة على الترتيب والتراخي في قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾، فدلّ على أنّ هذه الإفاضة بعد الإفاضة الأولى التي هي من عرفات، ولا إفاضة بعدها غير الإفاضة من مزدلفة.
والذي صرف الطبري عن القول به -مع أنه ظاهر النَّظْم- إلى القول بالتقديم والتأخير، هو الإجماع الذي حكاه عن أهل التأويل، ولولاه لاختاره[24].
وفي المثال الثاني: يتبيّن أثر القول بهذا الأسلوب في حدوث قول مرجوح لظاهر الآية، والسبب في ذلك عدم مراعاة شرط هذا الأسلوب، وهو وجود دلالة واضحة تخرج الكلام عن نَظْمه وترتيبه المألوف، وذلك أنه ورد إشكال في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ۹۹]، وهو: كيف قال ادخلوا مصر بعد ما أخبر أنهم دخلوها؟ وما وجه هذا الاستثناء وقد حصل الدخول؟
فقد تنوّعت عبارات أهل العلم في الجواب عن هذا الإشكال، وكان بعضهم يقول: إنّ في الآية تقديمًا وتأخيرًا، فيكون معنى الكلام على تقديره: (وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، وآوى إليه أبويه، ورفعهما على العرش)[25].
وردَّ هذا القولَ الإمامُ الطبري؛ لعدم وجود دلالة واضحة تدلّ على ذلك، ولا يُحكم بتقديم شيء أو تأخيره في كتاب الله إلا بحُجّة واضحة، ووافقه على ذلك ابن كثير[26]، ورجّح الطبري أن يكون معنى الآية على ظاهرها، وأن يوسف قال ذلك لأبويه ومَن معهما قبل دخولهم مصر حين تلقّاهم[27].
وفي المثال الثالث: يتجلّى أثر القول بهذا الأسلوب كذلك في حدوث قول مرجوح مخالف لظاهر الآية -وإنما حصل هذا عند عدم مراعاة شرط هذا الأسلوب- وهو أن بعض أهل العلم قال إنّ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤، ٥]، تقديمًا وتأخيرًا، وإن معنى الآية: والذي أخرج المرعى أحوى أسود، فجعله غثاء بعد ذلك يابسًا، وهذا ما ذهب إليه الفرّاء[28]، وجوَّزه الزمخشري[29].
بينما يمكن حمل الآية على ظاهر نَظْمِها، وأن المعنى: والذي أخرج المرعى فجعله غثاء يابسًا أحوى أسودَ قديمًا، والقول بهذا أَوْلى من القول بالتقديم والتأخير؛ لأنه جارٍ على الأصل فلا وجه للعدول عنه، وهذا ما رجّحه الطبري والنحاس وغيرهما[30].
الأسلوب التاسع: (إخراجُ الكلام على وجه الخطاب فيه لبعض الناس والمَقصُودُ به غيره[31]، وعلى وجه الخبر بلفظ الجمع والمقصودُ به واحد)[32]:
أولًا: توضيح الأسلوب:
مِن تفنّن كلام العرب أنهم قد يخاطبون الرجل بالشيء ومرادهم بذلك غيره، فتقول مثلًا: أنت الكريم الشجاع، وقصدك بذلك أهل بيته أو قبيلته، وهذا مشهور في كلامهم وأشعارهم[33].
وكذا معروف عندهم إخراج الخبر عن الواحد بلفظ الجماعة إذا لم يُقصد واحد بعينه، كما يقال في الكلام: ركب فلان السفن، وإنما ركب سفينةً واحدة[34].
ثانيًا: صيغ الأسلوب:
وردَت عدّة صِيَغ متقاربة في المعنى لهذا الأسلوب، أكتفي بذِكْر بعضها:
الصيغة الأولى: «...وذلك من كلام العرب مستفيض بينهم فصيح أن يخرج المتكلّم منهم كلامه على وجه الخطاب منه لبعض الناس وهو قاصد به غيره»[35].
الصيغة الثانية: «من شأن العرب إذا أَخبَرتْ خبرًا عن بعض جماعة بغير تسمية شخص بعينه أن تُخرج الخبر عنه مخرج الخبر عن الجميع»[36].
الصيغة الثالثة: «العرب تُخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، إذا لم تقصد واحدًا بعينه ولم تُسَمِّه»[37].
ثالثًا: دراسة الأسلوب:
يتكوّن هذا الأسلوب من شقّين:
الأول: ما فيه خطاب لبعض الناس والمقصود به غيره.
والثاني: ما ذُكر بلفظ الجمع والمقصود به أحدهم.
أمّا ما يتعلّق بالخطاب لبعض الناس والمقصود به غيره فقد قرّره جماعة من علماء اللغة والتفسير، وطبّقوه على كثير من الآيات التي في ظاهرها مخاطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- لا بأمر أو نهي، ولا يتصوَّر في بعضها أنه -صلى الله عليه وسلم- كان قبل الخطاب تاركًا لما أُمر به أو فاعلًا ما نُهي عنه، حتى جاءه هذا الخطاب الآمر والناهي، وأكتفي بذِكْر بعض أقوالهم:
۱- ابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ):
ذكر قول من استشكل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، وهل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يشكّ فيما يأتيه به جبريل؟ وكيف يدعو الشاكّين من هو على مثل سبيلهم؟[38].
ثم ذكر تأويلين في الجواب عن ذلك، فقال في أحدهما: «أن تكون المخاطبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمراد غيره من الشكّاك؛ لأنّ القرآن نزل عليه بمذاهب العرب كلّهم، وهم قد يخاطبون الرجل بالشيء ويريدون غيره؛ ولذلك يقول متمثلهم: (إيّاكِ أعني، واسمعي يا جارة[39])»[40].
٢- الزجّاج (ت ۳۱۱هـ):
قال في الآية السابقة: «هذه آية قد كثر سُؤَالُ الناس عنها وخوضهم فيها جدًّا، وفي السورة ما يدلّ على بيانها وكشف حقيقتها: والمعنى أنّ الله -جلّ وعزّ- خاطب النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك الخطاب شامل للخَلْق، فالمعنى: إن كنتم في شكّ فاسألوا»[41].
3- ابن فارس (ت ٣٩٥هـ):
قال عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]: «الخطاب له -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- والمراد الناس جميعًا»[42].
٤- عبد الرزاق الرسعني (ت ٦٦١هـ):
قال عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤]: «اختلفوا في تأويل هذه الآية؛ فذهب الأكثرون إلى أن الخطاب للنبيّ والمراد غيره من أهل الشك، وهو أسلوب من أساليب العرب، يخاطبون الرجل ويريدون غيره»[43].
وأمّا ما يتعلّق بإخراج الكلام على وجه الخبر عن الجماعة والمقصود به أحدهم، فقد قرّره جماعة من أهل العلم، ومنهم:
١- ابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ):
قال في (باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه): «ومنه جمع يراد به واحد واثنان... وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ [التوبة: 66]: كان رجل من القوم لا يمالئهم على أقاويلهم في النبي -صلى الله عليه وسلم- ويسير مجانبًا لهم، فسمّاه الله طائفة، وهو واحد»[44].
۲- ابن فارس (ت ٣٩٥هـ):
قال: «ومن سُنن العرب الإتيان بلفظ الجميع والمراد واحد واثنان... ومنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: 4]، كان رجلًا نادَى: يا محمد! إِنّ مدحي زَيْنٌ وإِنّ شتمي شَيْنٌ»[45].
٣- أبو نصر الحدادي (ت بعد ٤٠٠هـ):
قال: «سائغ في كلام العرب ذِكْر الواحد بلفظ الجمع، وذِكْر الجمع بلفظ الواحد»[46].
رابعًا: الأمثلة التطبيقية:
وردَت أمثلة كثيرة لهذا الأسلوب في تفسير الطبري، ومنها:
۱- قوله جلّ جلاله: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣].
ذكر الطبري قولين لأهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، وخلاصتهما ما يأتي:
الأول: ما كتمه إبليس في نفسه من الكِبر والاغترار ألا يسجد لآدم.
الثاني: ما كتمته الملائكة في أنفسهم بقولهم: يخلق الله ما يشاء، فلن يخلق خلقًا إلا ونحن أكرم عليه منه[47].
ثم رجح الطبري القول الأول، ثم قال: «فإن ظنّ ظانّ أن الخبر عن كتمان الملائكة ما كانوا يكتمون لمّا كان خارجًا مخرج الخبر عن الجميع، كان غير جائز أن يكون ما رُوي في تأويل ذلك عن ابن عباس ومن قال بقوله من أن ذلك خبر عن كتمان إبليس الكِبر والمعصية صحيحًا، فقد ظنَّ غير الصواب؛ وذلك أن من شأن العرب إذا أخبرت خبرًا عن بعض جماعة بغير تسمية شخص بعينه أن تخرج الخبر عنه مخرج الخبر عن الجميع، وذلك كقولهم: قُتل الجيش وهُزموا، وإنما قُتل الواحد أو البعض منهم، وهُزم الواحد أو البعض، فتُخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم... فكذلك قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، أَخرج الخبر مَخرج الخبر عن الجميع، والمراد به الواحد منهم»[48].
۲- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٦، ١٠٧].
ذكر الطبري إشكالًا في معنى الآية، وهو: أوَلم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلم أن الله على كلّ شيء قدير، وأنه له ملك السماوات والأرض، حتى قيل له ذلك؟
ثم أجاب عنه فقال: «ولكنَّ ذلك عندي وإن كان ظهر ظهور الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنما هو معنيّ به أصحابه الذين قال لهم الله جلّ ثناؤه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، والذي يَدُلُّ على أن ذلك كذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ۱۰۷]، فعاد بالخطاب في آخر الآية إلى جميعهم، وقد ابتدأ أولها بخطاب النبيّ لا بقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأنّ المراد بذلك الذين وصفتُ أمرهم من أصحابه، وذلك من كلام العرب مستفيض بينهم فصيح، أن يُخرج المتكلِّم منهم كلامه على وجه الخطاب منه لبعض الناس وهو قاصد به غيره، وعلى وجه الخطاب لواحدٍ وهو يقصد به جماعة غيره، أو جماعة المخاطب به أحدهم؛ وعلى وجه الخطاب للجماعة والمقصود به أحدهم»[49].
3- قوله عزّ وجلّ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ۲۱۰].
ذكر الطبري قراءتين في الآية، وهما:
الأولى: برفع (الملائكةُ) عطفًا على اسم الله[50]، بمعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم اللهُ والملائكةُ في ظُلَل من الغمام.
الثانية: بخفض (الملائكةِ) عطفًا على الظُّلَل[51]؛ بمعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظُلَلٍ من الغمام وفي الملائكة[52].
ثم قال: «وأمّا الذي هو أَوْلَى القراءتين في: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ بالصواب[53]، فالرفع عطفًا بها على اسم الله -تبارك وتعالى- على معنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظُلَل من الغمام، وإلا أن تأتيهم الملائكة؛ على ما رُوي عن أُبَيّ بن كعب؛ لأن الله -جلّ ثناؤه- قد أخبر في غير موضع من كتابه أن الملائكة تأتيهم، فقال جلّ ثناؤه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ۲۲]، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، فإن أشكل على امرئ قول الله جلّ ثناؤه: ﴿وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ فظنّ أنه مخالف معناه معنى قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، إِذْ كان قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ في هذه الآية بلفظ جمع، وفي الأخرى بلفظ الواحد، فإن ذلك خطأ من الظنّ، وذلك أن المَلَك في قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾، بمعنى الجميع، ومعنى الملائكة، والعرب تذكر الواحد بمعنى الجميع فتقول فلان كثير الدرهم والدينار، يُراد به الدراهم والدنانير، وهلك البعير والشاةُ، بمعنى جماعة الإبل والشاء، فكذلك قوله: ﴿وَالْمَلَكُ﴾ بمعنى الملائكة»[54].
خامسًا: أثره في التفسير:
يتبيّن أثر هذا الأسلوب في الترجيح بين الأقوال، وفي إزالة إشكال قد يَرِد في معنى الآية، وفي دفع توهّم التعارض بين آيات الكتاب، إضافة إلى ما يحوي من لطائف بلاغية، وإليك التفصيل:
ففي المثال الأول: كان لهذا الأسلوب أثر في الترجيح بين الأقوال؛ وذلك أنّ المفسِّرين اختلفوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]، في الكاتم وفي الشيء المكتوم، على قولين؛ أحدهما: أنّ الكاتم إبليس، والذي كتمه الكِبْر.
والثاني: أن الكاتم الملائكة، والذي كتمته قولهم: لن يخلق اللهُ خلقًا إلا ونحن أكرم عليه منه.
ورجح الطبري أن الكاتم إبليس -وهو واحد- والآية في ظاهرها مخاطبة الجمع، في قوله: ﴿كُنْتُمْ﴾، و﴿تَكْتُمُونَ﴾، فوجه ذلك اعتمادًا على هذا الأسلوب، أنّ العرب قد تُخرج الخبر عن الجميع والمراد به الواحد، كقولهم: قُتل الجيش وهُزموا، وإنما قُتل أو هُزم الواحد أو البعض منهم[55].
وفي المثال الثاني: يتّضح أثر هذا الأسلوب في إزالة إشكال قد يَرِد في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٦، ١٠٧]، وهو: أوَلم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلم أن الله على كلّ شيء قدير، وأنه له ملك السماوات والأرض حتى قيل له ذلك؟
فيُقَال في الجواب عن ذلك: إنّ القرآن عربي نزل بمذاهب كلام العرب، وكان معروفًا عندهم مخاطبة الرجل بالشيء ويريدون به غيره، وهذه الآية جاءت كذلك، وإن كان ظاهرها مخاطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن المراد به أصحابه، فيزول حينئذ الإشكال، وهذا ما ذهب إليه الطبري، ووافقه على ذلك القرطبي والبيضاوي[56].
ويُوجد أثر بلاغي لطيف في إفراد الخطاب له وعدم الإتيان بضمير الجمع، يقول ابن عاشور: «وإنما سلك هذا الطريق دون أن يُؤتى بضمير الجماعة المخاطبين؛ لِما في سلوك طريق الكناية من البلاغة والمبالغة مع الإيجاز في لفظ الضمير»[57].
وفي المثال الثالث: يظهر أثر هذا الأسلوب في دفع توهّم التعارض بين آيات الكتاب، وذلك أنه وردَت لفظة (الملائكة) بصيغة الجمع في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وبصيغة المفرد في قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكَ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ۲۲]، فقد يظنّ ظانّ أنّ بينهما تعارضًا في المعنى.
فيُقال في الجواب عن ذلك: ليس في الآيتين تعارض، وإنما قوله: ﴿وَالْمَلَكُ﴾ معناه: والملائكة، كما هو معروف ومشهور عند العرب في كلامهم وأشعارهم من إطلاق المفرد ومعناه الجمع، فيقولون: فلان كثير الدرهم والدينار، يراد: الدراهم والدنانير، والقرآن عربي نزل بلغة العرب ومذاهبهم، فيزول حينئذ هذا التوهّم[58].
الأسلوب العاشر: (مُخَاطَبةُ الوَاحدِ بخطاب الاثنين)[59]:
أولًا: توضيح الأسلوب:
الأصل في خطاب الواحد أن يكون بلفظ الواحد[60]، وقد يُخرج عن هذا الأصل في كلام العرب فيخاطبون الواحد بخطاب الاثنين؛ اتساعًا في الكلام وتوكيدًا له[61]، فيقولون للرجل: افْعَلَا ذاك، وقومَا عنّا، ورُوي عن الحجاج أنه كان يقول: يا حَرَسِي اضربَا عنقه[62].
وإنما جيء بلفظ الاثنين؛ لأنّ أدنى أعوان الرجل في إِبِلِه وغنمه اثنان، وأكثر ما يتكلّم به العرب فيمن تأمره بلفظ الاثنين؛ وذلك أنّ الغالب أن يترافق في الأسفار ونحوها ثلاثة، فكلّ واحد منهم يخاطب اثنين، فجرى كلام الرجل على ما قد أُلِف من خطابه لصاحبيه؛ ولهذا كان أكثر كلام الشعراء قولهم: (يا صاحبيَّ، يا خليليَّ)[63].
ثانيًا: صيغ الأسلوب:
وردَت صيغتان لهذا الأسلوب في تفسير الطبري، وهما:
الصيغة الأولى: «العرب تخاطبُ الواحد خطاب الاثنين»[64].
الصيغة الثانية: «العرب تأمرُ الواحد والجماعة بما تأمر به الاثنين»[65].
ثالثًا: دراسة الأسلوب:
لقد أشار علماء اللغة والتفسير إلى أن مخاطبة الواحد بخطاب الاثنين واردة في كلام العرب -وقيل إنها لغة بني تميم[66]- ومن هؤلاء:
۱- مقاتل بن سليمان (ت ١٥٠هـ):
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيْدٍ﴾ [ق: ٢٤]: «يعني الخازن، وهو في كلام العرب خذاه؛ يخاطب الواحد مخاطبة الاثنين للواحد»[67].
2- الفرّاء (ت ٢٠٧هـ):
قال: «العرب تأمر الواحد والقوم بما يُؤمَر به الاثنان، فيقولون للرجل: قومَا عنّا، وسمعت بعضهم: ويحك! أرحَلاها وازجُراها... ألا ترى الشعراء أكثر شيء قيلًا: يا صاحبيَّ، يا خليليَّ!
فقال امرؤ القيس[68]:
خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبِ ** نُقَضِّ لُبَانَاتِ الفُؤادِ الْمُعَذَّبِ
ثم قال:
أَلَمْ تَرَ أَنِّي كُلَّمَا جِئْتُ طَارِقًا ** وَجَدْتُ بِهَا طِيبًا وَإِنْ لَمْ تَطَيَّبِ
فقال: ألم تر، فرجع إلى الواحد، وأوّل كلامه اثنان»[69].
3- ابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ):
قال في (باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه): «...ومنه أن تأمر الواحد والاثنين والثلاثة فما فوق أمْرَك الاثنين: فتقول: افْعَلَا... قال الفرّاء: والعرب تقول: ويلك، أرحَلاها وازجُراها»[70].
رابعًا: الأمثلة التطبيقية:
وردَت أمثله لهذا الأسلوب عند الطبري، منها:
۱- قوله جلّ جلاله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ۸۸]، ثم قال: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩].
قال الطبري: «وهذا خبر من الله عن إجابته لموسى وهارون -عليهما السلام- دعاءَهما على فرعون وأشراف قومه وأموالهم... فإن قال قائل: وكيف نُسبت الإجابة إلى اثنين والدعاء إنما كان من واحد؟
قيل: إنّ الداعي وإن كان واحدًا، فإن الثاني كان مُؤَمِّنًا وهو هارون، فلذلك نُسبت الإجابة إليهما؛ لأنّ المؤَمِّن داعٍ... وقد زعم بعض أهل العربية أن العرب تخاطبُ الواحد خطاب الاثنين، وأنشد في ذلك[71]:
فقلتُ لِصَاحِبي لا تُعجِلانَا[72] ** بنَزْعِ أُصُولِهِ وَاجْتَزَّ شِيحَـا»[73].
۲- قوله عَزّ ذِكْره: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ۲۳، ٢٤].
قال الطبري عند قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾: «فيه متروك استُغني بدلالة الظاهر عليه منه، وهو: يُقال ألقيا في جهنم، وقال تعالى: ألقيا، فأخرج الأمر للقرين -وهو بلفظ واحد- مخرج خطاب الاثنين، وفي ذلك وجهان من التأويل:
أحدهما: أن يكون القرين بمعنى الاثنين.
والثاني: أن يكون كما كان بعض أهل العربية يقول، وهو أنّ العرب تأمر الواحد والجماعة بما تأمر به الاثنين، فتقول للرجل: ويلك، أرحَلاها وازجُراها، وذكر أنه سمعها من العرب»[74].
3- قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣].
قال الطبري: «فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فخاطب اثنين، وإنما ذُكر في أول الكلام واحد، وهو الإنسان؟ قيل: عاد بالخطاب في قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلى الإنسان والجانّ، ويدلُّ على أنّ ذلك كذلك ما بعد هذا من الكلام، وهو قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٤، ١٥]، وقد قيل: إنما جُعل الكلام خطابًا لاثنين، وقد ابتُدئ الخبرُ عن واحد؛ لما قد جرى من فعلِ العرب بمثل ذلك، وهو أن يخاطبوا الواحد بفعل الاثنين، فيقولون: خلِّيَّاها يا غلام، وما أشبه ذلك مما قد بينّاه من كتابنا هذا في غير موضع»[75].
خامسًا: أثره في التفسير:
من خلال التأمّل في الأمثلة السابقة يتّضح أثر هذا الأسلوب في دفع إشكال قد يَرِد في معنى الآيات، إضافة إلى ما فيه من معانٍ بلاغية، وإليك بيان ذلك:
ففي المثال الأول: كان لهذا الأسلوب أثر في دفع إشكال قد يَرِد في قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [ يونس: ۸۹]، وهو كيف نُسبت الإجابة إلى اثنين، وإنما كان الدعاء من واحد وهو موسى عليه السلام؟
فيُقال في الجواب عن ذلك: إنّ بعض أهل العلم بالعربية وَجَّه هذا الخطاب إلى موسى وحده، وجعل ذلك من باب مخاطبة الواحد بخطاب الاثنين، كما تفعل العرب ذلك كثيرًا في كلامهم وأشعارهم[76]، وعلى هذا القول يكون أثر هذا الأسلوب في حلّ الإشكال السابق ذِكْره؛ ولكن بعض المفسِّرين -كابن عطية وأبي حيان- لم يرتضوا هذا التوجيه؛ لكون الآية تتضمّن بعدُ مخاطبة موسى وهارون -عليهما السلام- في قوله: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾، فدلّ ذلك على أن المراد بقوله: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ هما موسى وهارون عليهما السلام[77]، وأجابوا عن هذا الإشكال بأمرين:
الأول: وهو قول أكثر المفسِّرين -وهو الذي مالَ إليه الطبري- أنّ سبب نسبة الدعوة إليهما؛ لأن هارون كان مؤَمِّنًا على دعاء أخيه، والمؤَمِّن داعٍ[78].
الثاني: لا يبعُد أن يكون كلُّ واحدٍ منهما ذَكَر هذا الدعاء، وكون موسی ذُكر في الآية، فلا يعني ذلك نفي أن يكون هارون قد ذَكَر ذلك الدعاء أيضًا[79].
وفي المثال الثاني: يتّضح أثر هذا الأسلوب كذلك في دفع الإشكال الوارد في قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤]، وهو أنّ قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ مثنّى، والمخاطب به مفرد وهو القرين في قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ۲۳]، فكيف يُخاطب الواحد بخطاب الاثنين؟
فيقال في الجواب عن ذلك: إنّ من عادة العرب في كلامهم مخاطبة الواحد بخطاب الاثنين، فتقول للرجل: قومَا وارحَلَا واضربَا وما شابه ذلك، والقرآن عربي نزل على ما تعرفه العرب من عادتهم فيزول حينئذ الإشكال، وهذا التوجيه ذهب إليه مقاتل بن سليمان والفرّاء[80].
بينما يرى آخرون أن الخطاب في قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ لملَكَيْن من ملائكة العذاب، أو للسائق والشهيد، فحينئذ لا يَرِد عليهم هذا الإشكال؛ لكونهما اثنين، وهذا ما رجّحه الزجّاج وأبو حيان[81].
ويوجد أثر بلاغي لمن عمل بهذا الأسلوب، وهو أنّ تثنيةَ الضمير في قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ تثنيةٌ للأمر، كأنه قال للقرين: ألْق ألْق، ففيه تأكيدٌ له وتهويلٌ، وإفهام له أنه يُراد منه الفعل بجدٍّ عظيمٍ تكون قوّته فيه معادلة لقوة اثنين، نسأل الله السلامة[82].
وفي المثال الثالث: يظهر أثر هذا الأسلوب كذلك في إزالة الإشكال الوارد في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣]، وهو أنّ الضمير في قوله: ﴿رَبِّكُمَا﴾ مثنى، والمخاطب بذلك واحد، وهو الإنسان في قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤]، فكيف خُوطب بخطاب الاثنين؟
فيُقال في الجواب عن ذلك: إنّ القرآن عربي، نزل على مذاهب لغة العرب، وكان معروفًا عندهم مخاطبة الواحد بخطاب الاثنين في قولهم: ارحَلَاها يا غلام، ونحو ذلك، فجاء القرآن كذلك، فيزول هذا الإشكال، وهذا التوجيه للآية أحد الوجهين اللذَيْن ذكرهما الفرّاء والطبري[83].
والوجه الثاني: وهو مذهب جمهور المفسِّرين[84]، أنّ الضمير في قوله: ﴿رَبِّكُمَا﴾ للجنّ والإنس؛ لدلالة ما بعدها من الآيات عليهما.
وذكر ابن عاشور وجهًا ثالثًا ورجّحه وهو: أن ضمير التثنية في الآية خطاب للمؤمِنين والكافِرين اللذَيْن ينقسم إليهما جنس الإنسان المذكور في قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: ٣][85].
ويُوجد أثر بلاغي لهذا الأسلوب، وهو أنّ تثنية الضمير في قوله: ﴿رَبِّكُمَا﴾، والمخاطب واحد وهو الإنسان، يدلّ على أن التثنية قائمة مقام تكرير اللفظ لتأكيد المعنى مثل: لبيك وسعديك[86].
الأسلوب الحادي عشر: (إخراجُ الفعل المُخْتَلَط مع جَمَاعة بني آدم والبَهائم، مخرج فعلِ جماعة بني آدم؛ لتغليب فعل بني آدم على فعل البَهائم)[87]:
أولًا: توضيح الأسلوب:
قبل أن أشرع في ذِكْر معنى الأسلوب إجمالًا لا بد لي أوّلًا أن أعرِّف معنى التغليب، فأقول:
تدور مادة (غَلَب) على القوة والقهر والشدة، ومنه المُغَلَّب الذي غلَب خصمه أو قِرْنه، أي: جُعلت له الغلبة[88].
وفي اصطلاح البلاغيين، هو: «إعطاء أحد المتصاحبين في اللفظ، أو المتشاكِلَيْنِ المتشابِهَيْنِ فِي بَعْضِ الصفات، أو المتجاورين أو نحو ذلك، حُكْمَ الآخر»[89].
وأمّا المعنى الإجمالي للأسلوب، فهو:
أنّ الأصل في خطاب مَنْ يعقل كجماعة بني آدم، أن يكون مختلفًا عن خطاب ما لا يعقل كالبهائم وغيرها، فمثلًا ضمير (الواو والنون) خاصّ بجَمْعِ العقلاء، فتقول: الرجال يسيرون، ولا تقول في البهائم مثلًا: الجمال أو البغال يسيرون، وإنما هي تسير، أو هُنّ يسرن[90]. ولكن إذا اختلط في الفعل صنّف مَن يعقل بصنف ما لا يعقل، فإنّ العرب تُغلِّب في الخطاب فعل مَن يعقل؛ تشريفًا له لكونه الأفضل[91]، فتقول: الرجل وأباعره مقبلون، وتقول: من هذان المقبلان؟ لرجل ودابته، فجاءت (الواو والنون) و(مَن) وهما للعقلاء، خطابًا للعقلاء وغيرهم؛ لاختلاطهما[92].
ثانيًا: صيغ الأسلوب:
وردَتْ صِيغة واحدة لهذا الأسلوب عند الطبري، وهي:
«العرب إذا أرادت الخبر عن فِعْل جماعة بني آدم مختلطًا بهم البهائم، جعلوا الفعل خارجًا مَخْرَجَ فعل جماعة بني آدم؛ لتغليبهم فعل بني آدم على فعل البهائم»[93].
ثالثًا: دراسة الأسلوب:
عمل أهل اللغة والتفسير بهذا الأسلوب وأشاروا إليه، ومن هؤلاء:
۱- الفرّاء (ت ٢٠٧هـ):
قال: «إذا قلت: هؤلاء قومك وإبلهم قد أقبلوا، ذهبت بالفعل إلى الناس خاصّة؛ لأن الفعل لهم، وهم الذين يُقبلون بالإبل، ولو أردتَ إقبال هؤلاء وهؤلاء لجاز: قد أقبلوا؛ لأن الناس إذا خالطهم شيء من البهائم، صار فعلهم كفعل الناس»[94].
٢- النحّاس (ت ۳۳۸هـ):
قال: «قال -جلّ وعزّ-: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥]، ولم يقل: (فمنها) ولا (فمنهن)؛ لأنه غَلَّب ما يُمَيِّز، فلما وقعت الكناية على ما يكون لما يميِّز جاء بـ(مَن) ولم يأتِ بـ(ما)، ألا ترى أنه قد خَلَط في أول الكلام ما يميِّز مع ما لا يميِّز»[95].
3- ابن فارس (ت ٣٩٥هـ):
رجّح أنّ المراد بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَة﴾ [البقرة: ۳۱]، أي علّمه أسماء كلّ شيء من أسماء ذريته، والملائكة، والدوابّ، وغيرها، ثم قال: «إن قال قائل: لو كان ذلك كما تذهب إليه لقال: (ثُمَّ عرَضهُنّ) أَوْ (عرَضها) فلمّا قال: ﴿عَرَضَهُمْ﴾، عُلم أن ذلك لأعيان بني آدم أو الملائكة؛ لأنّ موضوع الكناية في كلام العرب يُقال لِما يَعقِل: (عرَضهم)، ولِما لا يَعقِل: (عرَضها) أو (عرَضهنّ) -قيل له: إنما قال ذلك -والله أعلم-؛ لأنه جمع مَا يَعقِل وَمَا لا يَعقِل فغلَّب ما يَعْقِل، وهي سُنّة من سنن العرب، أعني باب التغليب»[96].
رابعًا: الأمثلة التطبيقية:
وردَت أمثلة لهذا الأسلوب عند الطبري، وهي:
۱- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20].
ذكر الطبري معنى الآية، وأن اللهَ تعالى جعل لنا في الأرض معايش، وهي جمع معيشة، ثم ذكر خلاف أهل التأويل في المَعْنِيّ بقوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾، وذكر قولين:
أحدهما: عَنَى به الدَّواب والأنعام.
الثاني: عَنى بذلك الوَحْشَ خاصّة[97].
ثم قال: «وأَوْلَى ذلك بالصواب وأحسنُ أن يُقال: عَنَى بقوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾، من العبيد والإماء والدوابّ والأنعام، فمعنى ذلك: وجعلنا لكم فيها معايشَ والعبيد والإماء والدوابّ والأنعام. وإذا كان ذلك كذلك، حسُن أن تُوضع حينئذ مكان العبيد والإماء والدواب (مَن)؛ وذلك أن العرب تفعل ذلك إذا أرادت الخبر عن البهائم معها بنو آدم»[98].
٢- قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥].
قال الطبري بعد ذِكْره معنى الآية: «فإن قال قائل: فكيف قيل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي﴾، و(مَن) للناس، وكلُّ هذه الأجناس أو أكثرها لغيرهم؟
قيل: لأنه تَفْريقُ ما هو داخل في قوله: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾، وكان داخلًا في ذلك الناسُ وغيرهم، ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ لاجتماع الناس والبهائم وغيرهم في ذلك واختلاطهم، فكَنَى عن جميعهم كنايته عن بني آدم، ثم فَسَّرهم بـ(مَن)، إِذْ كان قد كَنَى عنهم كناية بني آدم خاصّة»[99].
۳- قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ۲۷، ۲۸].
قال الطبري في تفسير قوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾: «يقول تعالى ذِكْره: (نبّئهم): أخبرهم أن الماء قسمة بينهم، يوم غبِّ الناقة[100]، وذلك أنها كانت ترِد الماء يومًا، وتَغِبُّ يومًا، فقال -جلّ ثناؤه- لصالحٍ: أخبر قومك من ثمود أنّ الماء يوم غبِّ الناقة قسمة بينهم، فكانوا يقتسمون ذلك يوم غبِّها، فيشربون منه ذلك اليوم، ويتزوّدون فيه منه ليوم ورودها.
وقد وجّه تأويل ذلك قومٌ إلى أن الماء قسمة بينهم وبين الناقة، يومًا لهم ويومًا لها، وأنه إنما قيل: بينهم، والمعنى ما ذكرت عندهم؛ لأن العرب إذا أرادت الخبر عن فعل جماعة بني آدم مختلطًا بهم البهائم، جعلوا الفعل خارجًا مَخرجَ فعل جماعة بني آدم؛ لتغليبهم فعل بني آدم على فعل البهائم»[101].
خامسًا: أثره في التفسير:
يتبيّن أثر هذا الأسلوب في الترجيح بين الأقوال، وفي إزالة إشكال قد يرِد في الآية، وفي اختلاف المفسِّرين، وإليك البيان:
ففي المثال الأول: كان لهذا الأسلوب أثر في الترجيح بين الأقوال، وذلك أنّ الإمام الطبري رجح أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20]، هم العبيد والإماء والدوابّ والأنعام، على قول من قال: إنّ المراد بها الدوابّ والأنعام أو الوحش خاصّة، وكان استناده في هذا الترجيح على أمرين:
الأول: لو كان المراد بها الدوابّ والأنعام أو الوحش خاصّة لكانت (مَن) في موضع (مَا)، وهو قليل في كلام العرب.
الثاني: لما اختلط بنو آدم مع غيرهم من البهائم حسن التعبير بـ(مَن)، كما تفعل العرب ذلك إذا أرادت الخبر عن البهائم ومعها بنو آدم، فإنها تُغلِّب خبر بني آدم على غيرهم[102].
ووافق الطبريَّ على هذا التخريج جمعٌ من المفسِّرين منهم أبو المظفر السمعاني[103] ومكي بن أبي طالب[104]، وأبو السعود[105].
وفي المثال الثاني: كان لهذا الأسلوب أثر في إزالة إشكال قد يَرِد في قوله تعالى ذِكْره: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥]، وهو كيف عُبِّر بـ(مَن) في الآية مع كون أكثر المذكور لا يَعْقِل، والمعروف في كلام العرب استعمال (مَن) فيمَن يعقِل؟
فيُقال في الجواب عن ذلك: إنّ من أساليب العرب وعاداتهم إذا اختلط مَنْ يعقل بما لا يعقل تغليب مَنْ يعقل في الخطاب تشريفًا له، والآية الكريمة جاءت على نحو ما عرَفَتْه العرب، وذلك أن الاختلاط حاصل في العموم الذي في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾، فإنه يشمل الناس وغيرهم من الدّاوب، وفي قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ اختلاط آخر، فإنه يعمّ الإنسان والطائر، فحينئذ حَسُن التعبير بـ(مَن) الخاصّة بمن يعقل؛ تغليبًا له وتشريفًا، ولأنه المخاطب والمُتَعَبَّد[106].
وفي المثال الثالث: يظهر أثر هذا الأسلوب في اختلاف المفسِّرين في عود الضمير الذي في قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ۲۸]، في كلمة: ﴿بَيْنَهُمْ﴾، على قولين:
الأول: أنه عائد على قوم صالح، فيكون المعنى: أنّ الماء قسمة بينهم يتواسونه في اليوم الذي لا ترده الناقة، فنهاهم الله عن أن يستأثر أهل اليوم الذي لا ترد الناقة فيه بيومهم، وأمرهم بالتواسي مع الذين ترد الناقة في يومهم، ولا يتعدّى بعضهم على بعض[107].
الثاني: أنه عائد على قوم صالح وعلى الناقة، فيكون المعنى: أن الماء قسمة بينهم وبين الناقة يومًا لهم يشربون منه، ويومًا لها تشرب منه[108]، فيكون ضمير (الهاء والميم) الذي في قوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ عائدًا على جميعهم، جماعة بني آدم والناقة، والأصل فيه أن يكون عائدًا على جماعة بني آدم؛ لأنه خاصّ بهم، وإنما جاز ذلك لاختلاط فعل مَنْ يعقل بفعل ما لا يعقل، كما تفعل العرب ذلك إذا أخبروا عن بني آدم مع البهائم غَلَّبوا بني آدم.
الأسلوب الثاني عشر: (تَغْلِيبُ الذُّكُور على الإناث من بني آدم في الخِطاب[109]، وتأنيثُ أخبار الذكور من غير بني آدم في الجَمْع)[110]:
أولًا: توضيح الأسلوب:
من عادات العرب وأساليبهم إذا اجتمع المذكر والمؤنث من بني آدم في الخبر، تغليب المذكَّر على المؤنث؛ لأنه هو الأصل، والمؤنث فرع عليه، فيقولون: الرجل والمرأة قامَا وقعدَا، ولا يجوز أن يُقال: قامتَا وقعدَتا[111].
ومن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمّا دخل على عائشة -رضي الله عنها- وعندها امرأة وذكرَت له من صلاتها: (مَهُ، عَلَيكُم بما تُطِيقُونَ، فوالله لا يَمَلُّ اللهُ حتَّى تَمَلُّوا)[112].
فعبَّر -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (عَلَيكُم)، مع أن المخاطب النساء، ولم يقل: (عليكنّ)؛ تغليبًا للذكور على الإناث حتى يكون الحكم عامًّا للجميع[113].
وكذا من عاداتهم تأنيث أخبار الذكور من غير بني آدم في الجمع، أي: تأنيث جمع ما لا يعقل كالبهائم والموات، فتقول: الجمال تسير، وهنّ يسرْنَ، والأقلام بريتُها، وبريتهنَّ، وما أشبه ذلك[114].
ثانيًا: صيغ الأسلوب:
وردَتْ ثلاث صِيَغ لهذا الأسلوب عند الطبري، وهي:
الصيغة الأولى: «مِن شأنِ العرب إذا اجتمعت الرجال والنساء، ثم أبهمت عددها أن تُخرجه على عدد الذكران دون الإناث»[115].
الصيغة الثانية: «وإذا اجتمع الرجال والنساء في الخبر، فإنّ العرب تُغلِّب الذكور على الإناث»[116].
الصيغة الثالثة: «من شأنِ العرب إذا جمعوا الذَّكَر إلى الأنثى أن يُخرجوا كنايتهما بلفظ كناية المذكّر... [و] من شأنهم أن يُؤنِّثُوا أخبار الذكور من غير بني آدم في الجمع»[117].
ثالثًا: دراسة الأسلوب:
اتفق أهل اللغة على أن الذكور والإناث من بني آدم إذا اجتمعوا غُلِّب الذكور على الإناث في الخطاب[118]، وأكتفي هنا بذِكْر بعضٍ من أقوالهم:
1- أبو عبيدة (ت ٢١٠هـ):
قال: «وإذا كانت امرأةٌ مع رجال كانت صفاتهم صفات الرجال، كقولك: عجوزًا من الغابرين، وقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ۱۲]»[119].
وقال أيضًا: «صفة النساء مع صفة الرجال تُذكَّر، إذا أُشرك بينهما»[120].
۲- ابن الأنباري (ت ۳۲۸هـ):
قال: «اعلم أن المذكر والمؤنث إذا اجتمعَا غُلِّبَ المذكرُ على المؤنث، تقول من ذلك: الرجل والمرأةُ قامَا وقعدَا وجلسَا، ولا يجوز: قامتَا وقعدَتا؛ لأن المذكَّر يَغْلِب على المؤنث؛ لأنه هو الأصل، والمؤنث مزيد عليه»[121].
3- الحريري (ت ٥١٦هـ):
قال: «من أصول العربية التي يطّرد حكمُها، ولا يَنْحَلُّ نَظمها، أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث غُلِّب حكم المذكر على المؤنث؛ لأنه الأصل، والمؤنث فرع عليه»[122].
وأمّا بالنسبة لتأنيث أخبار الذكور من غير بني آدم في الجمع، فقد ذكر ذلك جماعة من أهل العلم، منهم:
۱- الفرّاء (ت ٢٠٧هـ):
قال: «كلّ ذكر من غير الناس وشبههم، فهو في جمعه مؤنث، تقول: مرَّ بي أثواب فابتعتهنَّ، وكانت لي مساجد فهدمتُهنَّ وبنيتُهنَّ، يُبنى على هذا»[123].
٢- أبو عبيدة (ت ٢١٠هـ):
قال: «وجميع الحيوان ذكرًا كان أو مؤنثًا، أو ذكرًا مع مؤنث، يُخرج إلى التأنيث»[124].
3- المبرد (ت ٢٨٥هـ):
قال: «واعلم أن كلّ جمع مؤنثٌ؛ لأنك تريد معنى جماعة، ولا تُذَكِّر من ذلك إلا ما كان فعله يجري بالواو والنون في الجمع، وذلك كلّ ما يعقِل... فكلُّ ما خرج عمّا يعقل فجمعه بالتأنيث وفعله عليه، لا يكون إلا ذلك»[125].
رابعًا: الأمثلة التطبيقية:
وردَت أمثلة لهذا الأسلوب عند الطبري، منها:
۱- قوله تعالى ذِكْرُه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣].
قال الطبري: «يقول تعالى ذِكْرُه: فلما أبَى قوم لوط مع توبيخ لوط إياهم على ما يأتون من الفاحشة، وإبلاغِه إياهم رسالةَ ربّه، بتحريم ذلك عليهم؛ إلا التمادي في غيّهم، أنجينا لوطًا وأهله المؤمنين به، إلا امرأته فإنها كانت للوطٍ خائنة، وبالله كافرة.
وقوله: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، يقول: من الباقين، وقيل: ﴿الغَابِرِينَ﴾، ولم يُقَل: من الغابرات؛ لأنه أُريد أنها ممن بقي مع الرجال، فلما ضَمَّ ذِكْرها إلى ذِكْر الرجال، قيل: ﴿مِن الْغَابِرِينَ﴾»[126].
۲- قوله عَزّ ذِكْره: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣].
ذكر الطبري قولين لأهل التأويل في معنى ﴿الخَالِفِينَ﴾:
الأول: أنهم النساء، وهو قول قتادة.
الثاني: أنهم الرجال، وهو قول ابن عباس[127].
ثم قال: «والصواب من التأويل في قوله: ﴿الخَالِفِينَ﴾، ما قال ابن عباس، فأمّا ما قال قتادة من أن ذلك النساء، فقول لا معنى له؛ لأنّ العرب لا تجمع النساء إذا لم يكن معهنَّ رجال بالياء والنون، ولا بالواو والنون، ولو كان معنيًّا بذلك النساءُ، لقيل: فاقعدوا مع الخوالف، أو مع الخالفات؛ ولكن معناه ما قلنا من أنه أُريد به: فاقعدوا مع مرضى الرجالِ وأهلِ زمانتهم، والضعفاء منهم والنساء، وإذا اجتمع الرجال والنساء في الخبر، فإنّ العرب تُغَلِّبُ الذّكور على الإناث؛ ولذلك قيل: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾، والمعنى ما ذكرنا»[128].
3- قوله جلّ جلاله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ۳۷].
قال الطبري بعد ذكره لمعنى الآية: «وقيل: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ فجمع بالهاء والنون؛ لأن المراد من الكلام: واسجدوا لله الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر، وذلك جمع، وأنَّث كنايتَهن، وإن كان من شأنِ العرب إذا جمعوا الذَّكَر إلى الأنثى أن يُخرجوا كنايتهما بلفظ كناية المذكّر، فيقولوا: أخواك وأختاك كلموني، ولا يقولوا: كلَّمْنَنِي؛ لأن من شأنهم أن يُؤنثوا أخبار الذكور من غير بني آدم في الجمع، فيقولوا: رأيت مع عمرو أثوابًا فأخذتهنّ منه، وأعجبني خواتيم لزيدٍ قَبضتُهن منه»[129].
خامسًا: أثره في التفسير:
عند التأمّل في الأمثلة السابقة يظهر أثر هذا الأسلوب في توضيح معنى الآية، وفي الترجيح بين الأقوال وفي دفع إشكال قد يرد في المعنى، إضافةً إلى ما يحويه من لطائف بيانية، وإليك التفصيل:
ففي المثال الأول: يتبيّن أثر هذا الأسلوب في توضيح معنى الآية، وذلك أنّ الله تعالى قال في امرأة لوط: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: ۸۳]، فذَكّر الضمير، ولم يقل: (من الغابرات)؛ جريًا على أساليب العرب في تغليب الذكور على الإناث في الخطاب؛ وذلك أنها لمّا هلكت مع رجال قومها وأصابها مثل عذابهم، قيل: ﴿مِنَ الغَابِرِينَ﴾[130].
ويوجد أثر لطيف بياني لهذا الأسلوب، وهو أنّ قوله: ﴿مِنَ الغَابِرِينَ﴾، أبلغ من حيث النَّظْم القرآني، والجرس الصوتي، من قوله: (من الغابرات)؛ لموافقتها لفواصل الآيات، فإنّ ما قبلها وما بعدها جاء على نفس الفاصلة، والله أعلم.
وفي المثال الثاني: يتبيَّن أثر هذا الأسلوب في الترجيح بين الأقوال، وذلك أنّ الإمام الطبري ردَّ قول قتادة حينما فَسَّر (الخالفين) بالنساء فقط في قوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ۸۳]، وكان استناده في ردّ هذا القول هو أنّ العرب لا تجمع النساء بالواو والنون ولا بالياء والنون، ولو كان المراد بذلك النساء لقيل: الخوالف أو الخالفات، ثم رجّح أن يكون المعنى: فاقعدوا مع مرضى الرجالِ وأهلِ زمانتهم، والضعفاء منهم والنساء، ولمّا كان في المعنى اجتماع الرجال والنساء حَسُن التعبير بالياء والنون مع كونها خاصّة بجمع ذكور بني آدم، تغليبًا للرجال على النساء، كما هو معروف ذلك عن العرب، ووافقه على هذا التخريج ابنُ عطية والسمين الحلبي[131].
وفي المثال الثالث: يتّضح أثر هذا الأسلوب في دفع إشكال قد يرِد في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ۳۷]، وهو كيف جاء الضمير في قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ ضمير إناث، مع كون المذكور قبل ثلاثة أشياء مذكَّرات، وهي: (الليل والنهار والقمر)، وواحد مؤنث، وهي: (الشمس)، والقاعدة أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث يُغلَّب المذكَّر لا المؤنث؟!
فيُقَال في الجواب عن ذلك: إنّ قاعدة تغليب المذكَّر على المؤنث إنما هي فيمن يعقل كجماعة بني آدم، وأمّا إذا اجتمع المذكَّر والمؤنث من غيرهم؛ كالبهائم والجمادات، فإنّ العرب تُخرج الخبر مؤنثًا، ولا تُغلِّب المذكر، كما هو الحال في هذه الآية؛ فإنّ الليل والنهار والشمس والقمر كلّها جمادات لا تعقل، ولهذا حسن التعبير عنهن بضمير المؤنث، فيزول حينئذ الإشكال، وهذا التوجيه للآية ذهب إليه جماعة من المفسِّرين منهم أبو عبيدة والأخفش والطبري[132].
وقيل في الآية توجيه آخر وهو أن الضمير المؤنث الذي في قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ عائد على قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ المتقدّم ذِكْرها؛ لأنه لمّا قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾، فنظم الأربعة في سلك الآيات صار كلّ واحد منها آية، فعبّر عنها بضمير الإناث[133].
والتوجيه الأول أقوى؛ لكونه جاريًا على أساليب العرب التي نزل بها القرآن، ولا يخلو التوجيه الثاني من تكلّف، بل قال الأخفش فيمن قال ذلك: «ولا أُراه قال ذلك إلا لجهله بالعربية»[134].
الأسلوب الثالث عشر: (إذا اجتَمَعَ في الخَبَرِ المُخَاطَبُ والغَائبُ، غُلِّبَ المُخَاطَبُ، فَيَدخُلُ الغائبُ في الخِطاب)[135]:
أولًا: توضيح الأسلوب:
الأصل في الخبر عن الغائب أن يكون بضمير الغائب، ولكن إن اجتمع في الخبر المخاطبُ والغائبُ فإنّ العرب تُخْرِج الخبر عنهما بتغليب المخاطب؛ لأنه الأقرب للمتكلّم من الغائب، والعرب تُقدِّم الأقرب على الأبعد[136].
فتقول مخاطبًا لرجل حاضر وآخر غائب: فعلنا بكما، وصنعنا بكما، كأنهما حاضرين، ولا يجوز أن تقول: فعلنا بهما[137]، وتقول: أنت وزيد تخرجان، ولا يجوز أن تقول: أنت وزيد يخرجان[138].
ثانيًا: صيغ الأسلوب:
وردَت عدّة صِيَغ متقاربة في المعنى لهذا الأسلوب عند الطبري، منها:
الصيغة الأولى: «من شأنِ العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب، أن يُغلِّبوا المخاطب، فيُدْخِلوا الغائب في الخطاب»[139].
الصيغة الثانية: «المخاطب والغائب إذا اجتمعَا في الخبر، فإنّ العرب تُخْرِج الكلام على الخطاب»[140].
الصيغة الثالثة: «العرب مِن شأنها إذا خاطبتْ إنسانًا وضَمَّت إليه غائبًا فأرادت الخبر عنه، أن تُغَلِّب المخاطب، فيخرج الخبر عنهما على وجه الخطاب»[141].
ثالثًا: دراسة الأسلوب:
تحدّث علماء اللغة والتفسير عن هذا الأسلوب وعملوا به، ومن هؤلاء:
١- أبو بكر القفّال (ت ٣٦٥هـ):
قال: «من شأنِ العرب إذا أخبروا عن حاضر وغائب، أن يُغلِّبوا الخطاب، فيقولوا: كنت أنت وفلان الغائب فعلتما»[142].
٢- مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧هـ):
قال: «والعرب تُغَلِّب المخاطب على الغائب؛ فلذلك قال: ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ولم يقل: إيمانهم»[143].
3- أبو حيان (ت ٧٤٥هـ):
قال: «إذا اجتمع مخاطب وغائب، وأُسند إليهما حكم، كان التغليب للمخاطب، فتقول: أنت وزيد تخرجان، ولا يجوز: يخرجان»[144].
رابعًا: الأمثلة التطبيقية:
وردَت أمثلة لهذا الأسلوب عند الطبري، منها:
۱- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
قال الطبري: فمعنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة... فإن قال لنا قائل: وكيف قال اللهُ جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين، والقوم المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلُّون نحو بيت المقدس، وفي ذلك مِن أمرِهم أنزلت هذه الآية؟
قيل: إنّ القوم، وإن كانوا قد أشفقوا من ذلك، فإنهم أيضًا قد كانوا مشفقين من حبوطِ ثواب صلاتهم التي صلّوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة، وظنّوا أن عملهم ذلك قد بطل وذهب ضياعًا، فأنزل اللهُ -جلّ ثناؤه- هذه الآية حينئذ، فوجّه الخطاب بها إلى الأحياء، ودخل فيهم الموتى منهم؛ لأن من شأن العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب أن يُغَلِّبوا المخاطب، فيُدْخِلوا الغائب في الخطاب، فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه، وعن آخر غائب غيرِ حاضر: فعلنا بكما وصنعنا بكما، كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران، ولا يستجيزون أن يقولوا: فعلنا بهما، وهم يُخاطبون أحدهما، فردّوا المخاطب إلى عِداد الغائب»[145].
۲- قوله جلّ وعزّ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨].
قال الطبري بعد ذِكْره معنى الآية: «فإن قال قائل: وكيف قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾، ومَن المخاطَب بذلك، وقد ذكرت أن المعنيَّ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، نبيُّنا مع الأنبياء الذين مضوا قبله، وأممهم الذين قبل نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم- على حِدَة؟
قيل: إنّ الخطاب وإن كان لنبيّنا، فإنه قد أُريد به الخبر عن الأنبياء قبله وأُممهم، ولكن العرب من شأنها إذا خاطبت إنسانًا وضَمَّت إليه غائبًا، فأرادت الخبر عنه أن تُغلِّب المخاطب، فيُخرَج الخبر عنهما على وجه الخطاب، فلذلك قال تعالى ذكره: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾»[146].
3- قوله جلّ جلاله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
قال الطبري: «وأمّا قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فإنّ أهل التأويل اختلفوا في المعنيِّ بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
فقال بعضهم: عَنى بذلك: الذين سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الروح، وجميع الناس غيرهم، ولكن لما ضَمَّ غير المخاطب إلى المخاطب، خرج الكلام على المخاطبة؛ لأنّ العرب كذلك تفعل إذا اجتمع في الكلام مخبر عنه غائب ومخاطب، أخرجوا الكلام خطابًا للجمع... وقال آخرون: بل عَنى بذلك الذين سألوا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن الروح خاصّة دون غيرهم... وأَولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقَال: خرج الكلام خطابًا لمن خُوطب به، والمراد به جميع الخلق؛ لأنّ عِلْم كلّ أحد سوى الله، وإن كَثُر، في عِلْمِ الله قليل، وإنما معنى الكلام: وما أُوتيتم أيها الناس من العلم إلا قليلًا من كثير مما يعلم الله»[147].
خامسًا: أثره في التفسير:
كان لهذا الأسلوب أثر في دفع إشكال قد يرِد في معنى الآية، وفي تقوية القول الراجح، وإليك التفصيل:
ففي المثال الأول: يتّضح أثر هذا الأسلوب في دفع إشكال قد يَرِد في قوله تعالى ذِكْرُه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وهو أنّ الخطاب الذي في قوله: ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانِكُمْ﴾، خطاب للأحياء، مع أن السؤال الذي نزلت بسببه الآية إنما هو فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس باتفاق العلماء[148]، فلماذا لم يُقَل -إذا كان الأمر كذلك-: (ليضيع إيمانهم)؟
فيُقال في الجواب عن ذلك: إنّ من عادة العرب إذا اجتمع المخاطب والغائب في الخبر، تغليب المخاطب على الغائب، وهذه الآية جاءت على سنن كلام العرب؛ وذلك أن الأحياء مع شفقتهم على إخوانهم الذين ماتوا قبل تحويل القبلة أن تحبط صلاتهم، كانوا مشفقين على أنفسهم كذلك من حبوطِ ثواب صلاتهم، فجاء الجواب لهم جميعًا: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، بتغليب خطاب الحاضرين؛ ليكون شاملًا لهم وللغائبين الأموات، وهذا بخلاف ما إذا قيل: (وما كان الله ليضيع إيمانهم)، فإنه لا يشمل إلا الأموات فحَسْب.
وفي المثال الثاني: يتبيَّن أثر هذا الأسلوب كذلك في دفع إشكال قد يَرِد في قوله تعالى ذِكْرُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: 48]، وهو أن الضمير الذي في قوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ ضمير مخاطب، مع أنّ المراد به -على رأي الطبري- أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- والأمم التي قبله، فكيف عُبِّر عن الأمم الماضية بضمير المخاطب؟
فيُقال في الجواب عن ذلك: إنّ القرآن عربي نزل بلغة العرب وأساليبهم، فلمّا كان معروفًا عندهم تغليب المخاطب على الغائب إذا اجتمعَا جاءتْ هذه الآية على وفق ذلك، وذلك أنه اجتمع في المراد بقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾، أمّةُ محمد -صلى الله عليه وسلم- والأممُ التي قبله، فغُلِّبت أمّةُ محمد -صلى الله عليه وسلم- في الخطاب، ودخلت فيه الأمم الماضية، وهذا ما ذهب إليه الطبري[149].
وذهب مجاهد إلى أن الضمير الذي في الآية خاصّ بأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- دون غيرها من الأمم[150]، فحينئذ لا يَرِد عليه هذا الإشكال؛ لأن ضمير الخطاب عائد على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- وهي المخاطبة بذلك، فتوافق الضمير وعائده، والله أعلم.
وفي المثال الثالث: كان لهذا الأسلوب أثر في تقوية القول الراجح، وذلك أن المفسِّرين اختلفوا فيمن خُوطب بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، على قولين:
أحدهما: أنهم الذين سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة.
الثاني: أنهم الذين سألوا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وجميع الناس غيرهم -وهذا ما رجحه الطبري- وخرج الكلام على تغليب المخاطب على الغائب، كما تفعل العرب ذلك.
وفي هذا القول إظهار لسعة عِلْم الله سبحانه وتعالى، وأنه مهما أُوتي الأوّلون والآخرون من عِلْم فهو قليل بجنب عِلْم الله تعالى.
الأسلوب الرابع عشر: (إضافةُ الجِنَايَةِ إِلى اليَدِ تَغْلِيبًا، والمقصودُ بها سائرُ الأعضاء)[151]:
أولًا: توضيح الأسلوب:
من عادات العرب في الكلام واتساعهم فيه إضافة جميع الجنايات التي يجنيها الإنسان إلى يده، وإن كان بعضها قد جناها بقلبه أو بلسانه أو بفَرْجِه، وإنما أُضيفت إلى اليد دون غيرها من الأعضاء؛ لأنها هي الأصل في التصرُّف، وبها تُزاوَل أكثر الأعمال[152]، فغُلِّبت على غيرها من الجوارح[153].
ومن ذلك ما تتمثّل به العرب في كلامها فتقول لمن عُوقب بجنايةٍ جناها على نفسه: (يداك أَوْكَتَا وفوك نفخ)[154]، وقد تكون هذه الجناية التي استحقّ عليها العقوبة كانت بلسانه أو بفَرْجِه، أو بغيرهما من الأعضاء سوى اليد.
ثانيًا: صيغ الأسلوب:
وردَت صيغتان في معنى هذا الأسلوب عند الطبري، وهما:
الصيغة الأولى: «فتقول [أي العرب] للرجل يُؤخذ بجَرِيرةٍ جرَّها، أو جناية جناها فيُعاقب عليها: نالك هذا بما جنَت يداك، وبما كسبَت يداك، وبما قدّمَت يداك؛ فتُضيف ذلك إلى اليد، ولعلّ الجناية التي جناها فاستحقّ عليها العقوبة كانت باللسان أو بالفَرْج أو بغير ذلك من أعضاء جسده سوى اليد»[155].
الصيغة الثانية: «...كما أضافوا [أي العرب] جنايات أعضاء الأبدان إلى اليد فقالوا ذلك بما كسبَت يداه، وإن كان الذي جَرَّ عليه لسانُه أو فرجُه»[156].
ثالثًا: دراسة الأسلوب:
أشار أهل العلم بِلُغة العرب إلى أنّ الأفعال قد تُضاف إلى الأيدي، ويكون المقصود من هذه الإضافة غيرها من الجوارح، ومن هؤلاء:
1- الزجّاج (ت ۳۱۱هـ):
قال: «...يقال فيه: ذَلِكَ بمَا كسبَتْ يَدَاك، وإن كانت اليدان لم تجنيَا شيئًا، إلا أنه يُقَال لكلِّ ما عمله عامل: كسَبَتْ يَدَاكَ؛ لأنّ اليَدَيْن الأصل في التَّصَرُّف، فجُعلتا مثلًا لجميع مَا عُمِلَ بغيرهِمَا»[157].
٢- الخطابي (ت ۳۸۸هـ):
قال: «...الأفعال من فاعليها تُضاف إلى الأيدي، كقوله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ۳۰]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠]، وليس ذلك بمقصور على جناية الأيدي دون غيرها من الأعضاء»[158].
3- مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧هـ):
قال: «...فأُضيفت الجناية إلى اليد، وإن كانت تكون بغير اليد من لسانٍ واعتقاد؛ لأنّ معظم الجنايات باليد تكون، فَجَرَتِ الإضافةُ في كلام العرب إلى اليد في جميع ذلك، من أجلِ أنّ بها يكون أعظم الجنايات»[159].
رابعًا: الأمثلة التطبيقية:
لقد اعتمد الإمام الطبري على هذا الأسلوب في مواضع كثيرة من تفسيره، وإن لم يُشِر إليه صراحة -حسب اطلاعي- إلا في موضعين[160]، وأكتفي بضرب بعض الأمثلة:
۱- قوله تعالى ذِكْره: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٤، ٩٥].
قال الطبري: «وأما قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فإنه يعني به: بما أسلفته أيديهم، وإنما ذلك مَثَلٌ، على نحو ما تتمثّل به العرب في كلامها، فتقول للرجل يُؤخذ بجَرِيرةٍ جرَّها، أو جناية جناها فيُعاقب عليها: نالك هذا بما جنَت يداك، وبما كسبَت يداك، وبما قدَّمَت يداك؛ فتُضيف ذلك إلى اليد، ولعلّ الجناية التي جناها فاستحقّ عليها العقوبة كانت باللسان أو بالفَرْج أو بغير ذلك من أعضاء جسده سوى اليد، وإنما قيل ذلك بإضافته إلى اليد؛ لأن عُظْم جنايات الناس بأيديهم، فجرى الكلام باستعمال إضافة الجنايات التي يجنيها الناس إلى أيديهم، حتى أُضيف كلُّ ما عُوقب عليه الإنسان مما جناه بسائر أعضاء جسده إلى أنها عقوبة على ما جَنَتْه يداه؛ فلذلك قال -جلّ ثناؤه- للعرب: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾... فأضاف -جلّ ثناؤه- ما انطوت عليه قلوبهم، وأضمرته أنفسهم ونطقت به ألسنتهم -من حسد محمد صلى الله عليه وسلم والبغي عليه وتكذيبه وجحود رسالته- إلى أيديهم، وأنه مما قدَّمَته أيديهم؛ لِعِلْم العرب بمعنى ذلك في منطقها وكلامها؛ إِذْ كان -جلّ ثناؤه- إنما أَنزلَ القرآن بلسانها، وبلغتها خاطَبها»[161].
٢- قوله عزّ وجلّ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ۱۸۱، ۱۸۲].
قال الطبري: «وأمّا قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، أي: قولنا لهم يوم القيامة: ذوقوا عذاب الحريق بما أسلفَتْ أيديكم، واكتسبَتْها أيام حياتكم في الدنيا، وبأنّ الله -جلّ ثناؤه- عدل لا يجور، فيُعاقب عبدًا له بغير استحقاق منه العقوبة، ولكنه يجازي كلّ نفس بما كسبَت، ويُوفِّي كلّ عاملٍ جزاءَ ما عمل، فجازى الذين قال لهم يوم القيامة من اليهود الذين وصف صفتهم، فأخبر عنهم أنهم قالوا: إنّ الله فقير ونحن أغنياء، وقَتلوا الأنبياء بغير حقّ صلوات الله عليهم، بما جازاهم به من عذاب الحريق، بما اكتسبوا من الآثام واجترحوا من السيئات، وكَذَبُوا على الله بعد الإعذار إليهم والإنذار...»[162].
3- قوله جل جلاله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢].
قال الطبري: «يعني بذلك جلّ ثناؤه: فكيف بهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك، ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾، يعني: إذا نزلَت بهم نِقمة من الله، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، يعني: بذنوبهم التي سلَفَتْ منهم»[163].
خامسًا: أثره في التفسير:
من خلال الأمثلة السابقة يتبيّن أثر هذا الأسلوب في توضيح معنى الآيات، وفي إزالة إشكال قد يرِد في معناها، وإليك البيان بالتفصيل:
ففي المثال الأول: كان لهذا الأسلوب أثر في توضيح معنى قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]، وأن قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، يشمل جميع الأعمال التي اكتسبوها، سواء كانت باليد كتحريفهم التوراة وقتلهم الأنبياء، أو باللسان كقولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ و﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾، أو بالاعتقاد كجحودهم نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وما أضمرته قلوبهم من الحقد والحسد، وغير ذلك من الأفعال الظاهرة والباطنة، وإنما خُصّصت اليد بالذِّكْر دون غيرها من الأعضاء؛ لكونها تباشر أكثر الأعمال، وهذا وارد في كلام العرب وأمثالهم وأشعارهم، والقرآن عربي نزل بلغة العرب وأساليبهم.
وإضافةً إلى ما تقدَّم فإن الأفعال التي اكتسبَتْها أيديهم هي في الغالب أبشع الأفعال وأفظعها، مقارنة بغيرها من الجوارح، فقد حرّفوا التوراة وقتلوا الأنبياء، وحَرَمُوا الناس من هدى عظيم[164].
وفي المثال الثاني والثالث: يتّضح أثر هذا الأسلوب في دفع إشكال قد يَرِد إلى الأذهان، وهو أنّ الله -تعالى ذِكْره- أسند كلّ ما عمله المشركون والمنافقون من المعاصي إلى أيديهم، فقال: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ۱۸۱، ۱۸۲]، وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء: ٦٢]، مع أنّ من هذه الأفعال ما لم تجنِه أيديهم قطعًا، وإنما جنته ألسنتهم؛ كقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، وقولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾، أو اعتقادهم؛ كنفاقهم وكفرهم بالله ورسوله، أو فروجهم كالزنى، فكيف أُضيف ذلك كلّه إلى أيديهم؟
فيقال في الجواب عن ذلك: «إنَّ من أساليبِ اللغة العربية التي نزل بها القرآن إسنادَ جميع الأعمال إلى اليد؛ نظرًا إلى أنها الجارحة التي يُزاوَل بها أكثر الأعمال، فغُلِّبت على غيرها، ولا إشكال في ذلك»[165].
الأسلوب الخامس عشر: (تَكرَارُ الكَلِمَةِ أو الكَلامِ مَرَّتَينِ أو أكثر، إذا أُريد التَّغْلِيظُ في التخويف والتهديد)[166]:
أولًا: توضيح الأسلوب:
التكرار في الكلام من أساليب اللغة العربية ومحاسنها؛ لِما ينطوي عليه من فوائد ومعانٍ جديدة تُعْرَف من خلال السياق[167]، ومن هذه المعاني إرادة التغليظ في التخويف والتهديد كقولك مُهَدِّدًا: ويل لك، فويل لك، وهذا مشهور في كلام العرب وأشعارهم.
وقد وردَت أمثلة للتكرار في السُّنّة النبوية، وبوّب لها البخاري بقوله: «باب مَن أعاد الحديث ثلاثًا ليُفهم عنه»[168]، وذكر جملة من الأحاديث، ومن ذلك حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- لمّا رأى بعضَ أصحابه لا يُحسِن غسل رجليه، فنادى بأعلى صوته قائلًا: (وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِن النَّارِ) مرتين أو ثلاثًا[169]، مبالغة في الزجر والتهديد، والتخويف من عذاب النار.
ثانيًا: صيغ الأسلوب:
وردَت لهذا الأسلوب صيغة واحدة عند الطبري، وهي:
«العرب إذا أرادَت التغليظ في التخويف والتهديد، كرّروا الكلمة مرتين»[170].
ثالثًا: دراسة الأسلوب:
لقد تكلّم العلماء قديمًا على أسلوب تكرار الكلام، وأشاروا إلى بعض فوائده، ومن هؤلاء:
١- أبو الزناد (ت ۱۳۱هـ):
قال: «إنما كان -يعني الرسول صلى الله عليه وسلم- يُكرِّر الكلام ثلاثًا، والسلام ثلاثًا، إذا خشي أن لا يُفهم عنه، أو لا يُسمع سلامه، أو إذا أراد الإبلاغ في التعليم، أو الزّجر في الموعظة»[171].
٢- الفرّاء (ت ٢٠٧هـ):
قال: «والكلمة قَدْ تكرّرها العرب عَلَى التغليظ والتخويف»[172].
3- ابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ):
قال في باب (تكرار الكلام والزيادة فيه): «فقد أعلمتُكَ أنّ القرآن نزل بلسان القوم وعلى مذاهبهم، ومن مذاهبهم التكرار؛ إرادة التوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز؛ لأن افتتان المتكلّم والخطيب في الفنون، وخروجه عن شيء إلى شيء أحسن من اقتصاره في المقام على فنّ واحد، وقد يقول القائل في كلامه: والله لا أفعله ثم والله لا أفعله، إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع من أن يفعله»[173].
وقد ردَّ الزركشي على من أنكر هذا الأسلوب وظنّ أن لا فائدة منه، وأنه خارج عن الفصاحة والبلاغة، فقال: «وقد غلط من أنكر كونه من أساليب الفصاحة، ظنًّا أنه لا فائدة له، وليس كذلك بل هو من محاسنها، لا سيما إذا تعلَّق بعضه ببعض، وذلك أن عادة العرب في خطاباتها إذا أَبهمَتْ بشيءٍ إرادةً لتحقيقه وقرب وقوعه، أو قصدت الدعاء عليه، كررته توكيدًا... وإنما نزل القرآن بلسانهم، وكانت مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض، وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة وعلى ذلك يُحتمل ما ورد من تكرار المواعظ والوعد والوعيد...»[174].
رابعًا: الأمثلة التطبيقية:
وردَت أمثلة لهذا الأسلوب عند الطبري، منها:
١- قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣١- ٣٥].
قال الطبري: «يقول تعالى ذِكْره: فلم يصدِّق بكتاب الله، ولم يُصَلِّ له صلاة، ولكنه كذَّب بكتاب الله، وتولّى فأدبر عن طاعة الله، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل... وقوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، هذا وعيد من الله على وعيدٍ لأبي جهل»[175].
۲- قوله جلّ ثناؤه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ١- ٥].
قال الطبري: «وقوله: ﴿كَلَّا﴾، يقول تعالى ذِكْره: ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون الذين ينكرون بعث الله إياهم أحياءً بعد مماتهم، وتوعَّدهم -جلّ ثناؤه- على هذا القول منهم، فقال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾، يقول: سيعلم هؤلاء الكفار المنكرون وعيدَ اللهِ أعداءَه ما اللهُ فاعلٌ بهم يوم القيامة، ثم أكَّد الوعيد بتكرير آخر، فقال: ما الأمر كما يزعمون من أن الله غير محييهم بعد مماتهم، ولا معاقبهم على كفرهم به، سيعلمون أن القول غير ما قالوا إذا لقوا الله، وأفْضَوا إلى ما قدّموا من سيئ أعمالهم»[176].
3- قوله تعالى ذِكْره: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ١- ٤].
قال الطبري: «وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، يعني تعالى ذِكْره بقوله: ﴿كَلَّا﴾: ما هكذا ينبغي أن تفعلوا، أن يُلهيكم التكاثر، وقوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، يقول جلّ ثناؤه: سوف تعلمون إذا زرتم المقابر أيها الذين ألهاهم التكاثر، غِبَّ فِعلكم واشتغالكم بالتكاثر في الدنيا عن طاعة ربكم.
وقوله: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، يقول: ثم ما هكذا ينبغي أن تفعلوا، أن يُلهيكم التكاثر بالأموال، وكثرة العدد، سوف تعلمون إذا زرتم المقابر، ما تلقون -إذا أنتم زرتموها- من مكروه اشتغالكم عن طاعة ربّكم بالتكاثر. وكرّر قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مرتين؛ لأن العرب إذا أرادت التغليظ في التخويف والتهديد كرّروا الكلمة مرتين»[177].
خامسًا: أثره في التفسير:
كان لهذا الأسلوب أثر ظاهر في إبراز المعاني البيانية والبلاغية في الآيات، وإليك بيان ذلك:
ففي المثال الأول: يتبيَّن أثر هذا الأسلوب في إظهار المعاني البلاغية التي تكمن في تكرار قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤، ٣٥]؛ وذلك أن الله -جل في عُلاه- كرّرها مرتين، ولا شكّ أن في هذا التكرار معنًى زائدًا على المعنى الأول، وهو المبالغة في الزجر والتهديد -كعادة العرب إذا أرادت التغليظ في التخويف والتهديد كرّرت الكلمة مرتين أو أكثر- وهذا مذهب جمهور المفسِّرين[178].
وإضافة إلى ما تقدَّم فإنّ هذا التكرار يدلّ على أن الوعيد الثاني يختلف عن الوعيد الأول، ويحتمل أن يكون هذا الاختلاف راجعًا إلى اختلاف وقت العذاب، كأن يكون الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة[179]، أو إلى نوعه كأن يكون المراد بقوله: ﴿أَوْلَى لَكَ﴾ الموت، وبقوله: ﴿فَأَوْلَى﴾ عذاب القبر، وبقوله: ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ﴾ أهوال القيامة، وبقوله: ﴿فَأَوْلَى﴾ -الثانية- عذاب النار[180]، أو إلى كليهما جميعًا -وقت العذاب ونوعه- نسأل الله العافية والسلامة.
وقيل: إنّ التكرار لتأكيد الوعيد لمن توعّده الله تعالى[181]؛ ولكن القول الأول أَوْلَى؛ لأنّ فيه معنى زائدًا جديدًا، والكلام إذا دار بين التأسيس والتوكيد، فحَمْلُه على التأسيس أَوْلَى؛ كما قرّر ذلك أهل العلم[182].
وفي المثال الثاني: يتّضح أثر هذا الأسلوب كذلك في إبراز وجوه من المعاني البلاغية في تكرار قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤، ٥] مرّتين، وأن هذا التكرار فيه مبالغة في الزجر والوعيد، وتأكيد في حصول هذا التهديد لكلّ منكر يوم القيامة، كما هي عادة العرب في تكرار الكلام إذا أرادَت به التهديد.
ويدل هذا التكرار أيضًا على أنّ التهديد الأول يختلف عن الثاني، واختلف المفسِّرون في بيان كلّ منهما، فقيل: إنّ المراد بالأول: سيعلمون معنى العذاب إذا شاهدوه. وبالثاني: سيعلمون العذاب، وقيل: كلّا سيعلمون ما الله فاعل بهم يوم القيامة، ثُم كلّا سيعلمون أنّ الأمر ليس كما كانوا يتوهّمون من أن الله غير باعث لهم، وقيل: كلّا سيعلمون ما يصل إليهم من العذاب في الدنيا، ثم كلّا سيعلمون بما ينالهم في الآخرة[183].
والجزم بأحد هذه الأمور يفتقر إلى دليل، وكلّها تدخل في باب الاحتمال، والقرآن حمّال ذو وجوه كما قال عليّ رضي الله عنه[184]، ولعلّ عدم ذِكْر ما يتعلّق بالعلم في قوله: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ على سبيل التهويل؛ ليحملها كلّ إنسان بحسب تَصَوُّره وتخيّله، وهذا أبلغ ما إذا جُعل مقيدًا بشيء، والله أعلم.
وفي المثال الثالث: كان لهذا الأسلوب الأثر الواضح في إبراز المعاني البلاغية التي تكمن في تكرار قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣- ٤] مرّتين، وأنّ هذا التكرار يحمل في طياته معنى زائدًا جديدًا، وهو المبالغة في الزجر والتهديد والوعيد لكلّ من ألهته كثرة الأموال والأولاد وغيرهما عن طاعة ربّه سبحانه وتعالى.
ويدلُّ هذا التكرار أيضًا على أن العلم الأول الذي في قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، يختلف عن العلم الثاني الذي في قوله: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، واختلف المفسِّرون في بيان كلّ من العِلْمَيْن، فقد ورَدَ عن عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه فَسَّر العِلْم الأول: في القبور، والثاني: في البعث والنشور[185]، وفسّر مقاتل بن سليمان العِلْم الأول: عند نزول الموت، والثاني: عند دخول القبر[186]، وقيل غير ذلك من الاحتمالات الواردة في معنى الآية[187].
وأمّا جمهور المفسِّرين فقد ذهبوا إلى أن هذا التكرار إنما هو لتأكيد حصول العِلم[188]، بمعنى أنّ العلم الأول هو نفس العلم الثاني، وإنما كرّر للزجر والردع، ولكن القول الأول أَوْلَى؛ لأنّ فيه معنى جديدًا زائدًا، والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة، فهو مقدَّم على التوكيد، كما هي القاعدة المعروفة عند أهل العلم، والله أعلم[189].
[1] هذه المقالة من كتاب (الأساليب العربية الواردة في القرآن الكريم وأثرها في التفسير، من خلال جامع البيان للطبري)، الصادر عن مركز تفسير سنة ١٤٣٦هـ، ص٤٧٩ وما بعدها، وقد قسمنا مادة هذا الفصل على مقالتَيْن، تناولت الأولى منهما سبعة أساليب من مجموع خمسة عشر أسلوبًا متعلقًا بعلم المعاني، وتعرض هذه المقالة سائرها، ويمكنكم الاطلاع على الجزء الأول من خلال هذا الرابط: tafsir.net/article/5613. (موقع تفسير).
[2] انظر: جامع البيان (١/ ١٤٩).
[3] والقرينة هذه تارة تكون من جهة الإعراب، وتارة من جهة معنى الكلام وسياقه. انظر: البرهان في علوم القرآن (٣/ ٢٥٧، ٢٧٦).
[4] انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (۱٦/ ۲۱۸)، والصواعق المرسلة، لابن القيم (٢/ ٧١٥).
[5] أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ۱۷۳)، في كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح، برقم: (٦٤٠٦)، ومسلم في صحيحه، ص۱۰۸۱، في كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل، برقم: (٢٦٩٤).
[6] انظر: فتح الباري (١٣/ ٦٧٣).
[7] جامع البيان (١/ ١٤٩).
[8] جامع البيان (١٣/ ٣٥١).
[9] جامع البيان (۲٤/ ٣١٤).
[10] وهي قراءة ابن كثير وحمزة وأبي عمرو وأبي بكر عن عاصم. انظر: السبعة في القراءات، ص٢٤٢، ٢٤٣، والنشر في القراءات العشر (٢/ ٢٥٤).
[11] وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب. انظر: النشر في القراءات العشر (٢/ ٢٥٤)، وإتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر، للدمياطي، ص٢٥١.
[12] انظر: جامع البيان (۸/ ۱۹۱)، والدر المنثور (٥/ ٥٢٠).
[13] انظر: جامع البيان (٧/ ٦٤٢)، والدر المنثور (٥/ ٩٤).
[14] انظر: جامع البيان (١٨/ ٥٢٧).
[15] معاني القرآن، للأخفش (۱/ ۳۲۸).
[16] انظر: جامع البيان (٣/ ٥٢٤- ٥٣٠).
[17] جامع البيان (٣/ ٥٣٠).
[18] جامع البيان (١٣/ ٣٤٩).
[19] انظر القولين في جامع البيان (١٣/ ٣٤٩- ٣٥١).
[20] جامع البيان (١٣/ ٣٥١).
[21] جامع البيان (۲٤/ ۳۱۳، ٣١٤) وانظر: أمثلة أخرى (۱/ ١٤۸، ١٤٩، ٣٤٥)، (۲/ ٣٣١، ٣٦٨)، (٤/ ٦٣٦)، (٥/ ٨٨، ٤٥١)، (٦/ ١٣٨، ٦٠١)، (٨/ ١٨، ١٨٩، ١٩١)، (١٠/ ٥٦، ٦١١)، (١١/ ۲٨٣، ۲٨٤، ٥٠٠)، (١۲/ ۲١٣، ٤٧٦)، (١٣/ ٤٧٤، ٥٣١، ٥٨٩، ٥٩٠)، (١٤/ ٣٥٧)، (١٥/ ٦٠، ١٤٠ – ١٤۲، ٤٥٣)، (١٦/ ٥۲، ۲٠٧، ۲٠٨، ٤٩٥)، (١٧/ ۲٤٦، ٣٣۲)، (١٨/ ۲٣، ٤٥، ٣٥۲، ٥۲٧، ٦٠٠)، (١٩/ ٣٦٣)، (۲٠/ ٧٨، ١٠٣، ١۲٦، ۲٤٤)، (۲۲/ ١٣، ٧٦، ٣٦۲، ٤٥٩، ٥٥٨)، (۲٣/ ٥٣٦)، (۲٤/ ۲٣٤، ٥٦۲، ٥٨٩).
[22] انظر: مفاتيح الغيب (٥/ ١٩٦).
[23] انظر: جامع البيان (٣/ ٥٣٠)، ومعالم التنزيل (۱/ ۲۳۰)، وزاد المسير (١/ ٢١٤).
[24] انظر: جامع البيان (٣/ ٥٣٠، ٥٣١).
[25] انظر: تفسير القرآن العظيم (۸/ ۷۲، ۷۳).
[26] انظر: تفسير القرآن العظيم (۸/ ۷۳).
[27] انظر: جامع البيان (١٣/ ٣٥١).
[28] انظر: معاني القرآن، للفراء (٣/ ١٤٥).
[29] انظر: الكشاف (٦/ ٣٥٧).
[30] انظر: جامع البيان (٢٤/ ٣١٤)، وإعراب القرآن، للنحاس (٥/ ٢٠٤)، والهداية إلى بلوغ النهاية (۱۲/ ۸۲۰۷، ۸۲۰۸).
[31] انظر: جامع البيان (٢/ ٤٠٥).
[32] انظر: جامع البيان (٢٠/ ٣٤٥).
[33] انظر مثالًا على ذلك من شعر العرب في جامع البيان (٢/ ٤٠٥، ٤٠٦).
[34] انظر: جامع البيان (٥/ ٣٦٤، ٣٦٥).
[35] جامع البيان (٢/ ٤٠٥).
[36] جامع البيان (١/ ٥٣٤).
[37] جامع البيان (۱۰/ ٦۳۱)، وانظر إلى الصيغ الأخرى (٣/ ٥٣١، ٦٠٧)، (٥/ ٣٦٤)، (٨/ ٥٥٦، ٥٥٧)، (١١/ ٣٧٦)، (١٨/ ٥٧)، (٢٠/ ٣٤٥).
[38] انظر: تأويل مشكل القرآن، ص۲۳.
[39] مَثَل يُضرب لمن يتكلّم بكلام ويريد به شيئًا غيره. انظر: مجمع الأمثال (١/ ٤٩).
[40] تأويل مشكل القرآن، ص۲۰۹.
[41] معاني القرآن، للزجاج (۳/ ۳۲).
[42] انظر: الصاحبي في فقه اللغة، ص۲١٥.
[43] رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز (٣/ ١٠٠).
[44] تأويل مشكل القرآن، ص۲۱۸.
[45] انظر: الصاحبي في فقه اللغة، ص۲١٧.
[46] المدخل لعلم تفسير كتاب الله، ص۲۸۳.
[47] انظر: جامع البيان (١/ ٥٣١- ٥٣٣).
[48] جامع البيان (١/ ٥٣٤).
[49] جامع البيان (٢/ ٤٠٤، ٤٠٥).
[50] وهي قراءة نافع، وابن كثير، وعاصم، وأبي عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف. انظر: النشر في القراءات العشر (۲/ ۲۲۷)، وإتحاف فضلاء البشر، ص۲۰۲.
[51] وهي قراءة أبي جعفر. انظر: النشر في القراءات العشر (۲/ ۲۲۷)، وإتحاف فضلاء البشر، ص۲۰۲.
[52] انظر: جامع البيان (٣/ ٦٠٥، ٦٠٦).
[53] والقراءتان كلتاهما صواب.
[54] جامع البيان (٣/ ٦٠٧)، وانظر: أمثلة أخرى (۲/ ٤۲٠، ٦٧٤)، (٣/ ۲۲، ٥٣١، ٥٣۲)، (٥/ ٣٦٤، ٣٦٥)، (٦/ ٣۲٤، ٣۲٥، ٣٩٧)، (٨/ ۲٨٧، ٤١۲، ٤١٣)، (٩/ ١٣، ١١٣)، (١٠/ ٥٧، ٣٠٦، ٦٣١)، (١١/ ٣٧٥، ٣٧٦)، (١۲/ ۲٠٦، ۲٨٩، ٣٤٦، ٣٨١)، (١٣/ ١٤٧)، (١٤/ ٥٤١، ٥٦٤، ٥٨٤، ٥٨٥)، (١٥/ ۲٨٣، ٣١٣)، (١٧/ ٥٩، ١٣٠)، (١٨/ ٥٦، ٥٧، ۲٧٣، ٤٩٧، ٤٩٨)، (١٩/ ٦١٠)، (۲٠/ ٣٤٤)، (۲١/ ٤٩)، (۲۲/ ٧، ١۲۲، ٣٧٣).
[55] انظر: جامع البيان (١/ ٥٣٤).
[56] انظر: الجامع لأحكام القرآن (۲/ ۳۱۱)، وأنوار التنزيل (١/ ٩٩).
[57] التحرير والتنوير (١/ ٦٦٤، ٦٦٥).
[58] انظر: جامع البيان (٣/ ٦٠٧)، ودفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب، ص۱۹، ۲۰، ٣٥٤.
[59] انظر: جامع البيان (۱۲/ ۲۷۱).
[60] انظر: ارتشاف الضرب (۲/ ٥۸۲)، وهمع الهوامع (١/ ١٦٦).
[61] بيَّن الإمام الزجّاج عن محمد بن يزيد المبرد وجه التوكيد، فقال في قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، وفي قول الشاعر (قِفَا نبكِ من ذِكرى حبيب ومنزل): «وقال محمد بن يزيد: هذا فعل مثنى توكيدًا، كأنَّه لَمَّا قال: (ألْقِيَا) ناب عن قوله: (أَلْقِ أَلْقِ)، وكذلك عنده (قِفَا) معناه عنده (قف قف)، فناب عن فعلين فبنى». انظر: معاني القرآن، للزجاج (٥/ ٤٦)، ونقل صاحب خزانة الأدب عن المبرد قوله: «التثنية لتأكيد الفعل، والأصل (قف قف) بالتكرير للتأكيد، فلما كان الفعل لا يُثنَّى ثُنِّي ضميره». انظر: الخزانة (۱۱/ ۱۸)، ولم أجد هذا الكلام للمبرد في الكامل في اللغة والأدب، ولا في المقتضب.
[62] انظر: معاني القرآن، للزجاج (٤٥/ ٥، ٤٦).
[63] انظر: معاني القرآن، للفراء (٢/ ٣٦٣)، ومعاني القرآن، للزجاج (٥/ ٤٦)، والمحرر الوجيز (٥/ ١٦٣).
[64] جامع البيان (۱۲/ ۲۷۱).
[65] جامع البيان (٢١/ ٤٣٧).
[66] ذكر ابن أبي زمنين في تفسيره الموسوم بتفسير القرآن العزيز (٤/ ٢٧٣) أن مخاطبة الواحد بخطاب الاثنين هي لغة بني تميم.
[67] تفسير مقاتل بن سليمان (۳/ ۲۷۱).
[68] هذا البيت والذي يليه في ديوانه، ص٤١، و(لبانات) جمع لُبانة، وهي الحاجة من غير فاقة. انظر: لسان العرب (٥/ ٣٩٩٢)، مادة (لبن).
[69] معاني القرآن، للفراء (٢/ ٣٦٢، ٣٦٣).
[70] تأويل مشكل القرآن، ص٢٢٤، وانظر: الصاحبي في فقه اللغة، ص۲۲۲، وانظر: فقه اللغة، للثعالبي (٢/ ٥٧٢).
[71] البيت بلا نسبة في معاني القرآن، للفراء (٢/ ٢٣٦)، وفي تأويل مشكل القرآن ص٢٢٤؛ ونُسب إلى يزيد بن الطَّثَرِيَّةِ، ورجح ابن بَرِّي نسبته إلى مضرس بن ربعي الأسدي، ذكر ذلك صاحب لسان العرب (١/ ٦١٥)، مادة (جزز).
[72] قال في اللسان: «وقوله: لا تحبسنا بنزع أصوله، يقول: لا تحبسنا عن شَيِّ اللحم بأن تقلع أُصول الشجر، بل خذ ما تيسر من قُضْبانِهِ وعيدانه وأَسْرِع لنا في شَيِّه، ويُروى: لا تَحْبِسانا». انظر: لسان العرب (١/ ٦١٥)، مادة (جزز).
[73] جامع البيان (۱۲/ ۲۷۰، ۲۷۱).
[74] جامع البيان (٢١/ ٤٣٧).
[75] جامع البيان (۲۲/ ۱۹۱).
[76] هذا القول بلا نسبة في جامع البيان (۱۲/ ۲۷۱)، والمحرر الوجيز (٣/ ١٤٠)، والبحر المحيط (٥/ ١٨٦)، ونسبه الزركشي والسيوطي إلى المهدوي. انظر: البرهان في علوم القرآن (٢/ ٢٤٠)، والإتقان (٤/ ١٤٩٨).
[77] انظر: المحرر الوجيز (٣/ ١٤٠)، والبحر المحيط (٥/ ١٨٦).
[78] انظر: جامع البيان (۱۲/ ۲۷۰،۲۷۱)، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (١١/ ٤٢)، والدر المصون (٦/ ٢٦١).
[79] انظر: مفاتيح الغيب (١٧/ ١٥٩)، والبحر المحيط (٥/ ١٨٦)، واللباب في علوم الكتاب (١٠/ ٤٠١).
[80] انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (۳/ ۲۷۱)، ومعاني القرآن، للفراء (٢/ ٣٦٢، ٣٦٣).
[81] انظر: معاني القرآن، للزجاج (٥/ ٤٥، ٤٦)، والبحر المحيط (٨/ ١٢٥).
[82] انظر: نظم الدرر (١٨/ ٤٢٦، ٤٢٧).
[83] انظر: معاني القرآن، للفراء (۳/ ۲٣)، وجامع البيان (۲۲/ ۱۹۱).
[84] انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (۲۰/ ۱۲۲)، والتحرير والتنوير (٢٧/ ٢٤٣).
[85] انظر: التحرير والتنوير (٢٧/ ٢٤٣).
[86] انظر: التحرير والتنوير (٢٧/ ٢٤٣).
[87] انظر: جامع البيان (٢٢/ ١٤٢، ١٤٣).
[88] انظر: مقاييس اللغة (٤/ ۳۸۹)، مادة (غلب).
[89] البلاغة العربية أُسسها وعلومها وفنونها، ص٥١٠.
[90] انظر: الكامل، للمبرد (۱/ ۱٤۷۷)، والأصول في النحو (١/ ٤٧).
[91] انظر: شرح الكافية الشافية، لابن مالك (١/ ١١٦).
[92] انظر: معاني القرآن، للفرّاء (٢/ ١٥٧).
[93] جامع البيان (٢٢/ ١٤٢، ١٤٣).
[94] معاني القرآن، للفراء (۳/ ۲۱).
[95] معاني القرآن، للنحاس (٤/ ٥٤٦).
[96] الصاحبي في فقه اللغة، ص٣٦.
[97] انظر: جامع البيان (١٤/ ٣٧، ٣٨).
[98] جامع البيان (١٤/ ٣٨).
[99] جامع البيان (١٧/ ٣٤٠).
[100] أي: اليوم الذي لا تشرب فيه؛ وذلك أن الغِبَّ من ورد الماء هو أن تشرب يومًا ويومًا لا. انظر: لسان العرب (٤/ ٣٢٠٣) مادة (غيب).
[101] جامع البيان (٢٢/ ١٤٢، ١٤٣).
[102] انظر: جامع البيان (١٤/ ٣٨).
[103] انظر: تفسير القرآن، للسمعاني (٣/ ١٣٤).
[104] انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية (٦/ ٣٨٧٤، ٣٨٧٥).
[105] انظر: إرشاد العقل السليم (٤/ ١٣).
[106] انظر: إعراب القرآن للنحاس (٣/ ١٤٤)، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (١٥/ ٣١٤).
[107] انظر: المحرر الوجيز (٥/ ۲۱۸)، والتسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ٣٩٠).
[108] انظر: جامع البيان (٢٢/ ١٤٢)، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٢٠/ ٩٥).
[109] انظر: جامع البيان (١١/ ٦٠٩، ٦١٠).
[110] انظر: جامع البيان (٢٠/ ٤٣٦).
[111] انظر: المذكر والمؤنث، لابن الأنباري (۲/ ۲۷۸).
[112] أخرجه البخاري (۱/ ۳۰) في كتاب الإيمان، باب أحبُّ الدين إلى الله أدومه، برقم: (٤٣)، ومسلم في صحيحه ص۳۰۸، ۳۰۹، في كتاب الصلاة، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد، برقم: (٧٨٥).
[113] انظر: فتح الباري (۱/ ۱۳۷)، وعمدة القاري (١/ ٤٠٢).
[114] انظر: الكامل في اللغة والأدب (١/ ١٤٧٧)، والكشاف، للزمخشري (٥/ ٣٨٤).
[115] جامع البيان (٤/ ٢٥٨).
[116] جامع البيان (١١/ ٦٠٩، ٦١٠).
[117] جامع البيان (٢٠/ ٤٣٦).
[118] أشار إلى هذا الاتفاق القاضي أبو يعلى في العدة في أصول الفقه (٢/ ٣٥٣)، ط. الثانية، تحقيق: أحمد بن علي بن سير المباركي، (١٤١٠هـ = ۱۹۹۰م)، وابن النجار في شرح الكوكب المنير (٣/ ٢٣٧).
[119] مجاز القرآن (٢/ ١١٥).
[120] مجاز القرآن (۱/ ۲۱۹).
[121] المذكر والمؤنث، لابن الأنباري (۲/ ۲۷۸).
[122] دُرّة الغوّاص، للحريري ص٣٠٥، ٣٠٦.
[123] معاني القرآن، للفراء (٢/ ٣١٥).
[124] مجاز القرآن (۲/ ۱۹۷).
[125] الكامل في اللغة والأدب (١/ ١٤٧٧)، وانظر: معاني القرآن، للأخفش (١/ ٣٩٤، ٣٩٥)، ومعاني القرآن، للزجاج (۳/ ۳۷۸).
[126] جامع البيان (۱۰/ ۳۰۷، ۳۰۸).
[127] انظر: جامع البيان (١١/ ٦٠٩).
[128] جامع البيان (١١/ ٦٠٩، ٦١٠).
[129] جامع البيان (٢٠/ ٤٣٦)، وانظر مثالًا آخر (٣/ ٧٤٤) (١٣/ ١١٤).
[130] انظر: نظم الدرر (٧/ ٤٥٧)، والسراج المنير، للشربيني (١/ ٤٩٢).
[131] انظر: المحرر الوجيز (٣/ ٦٦، ٦٧)، والدر المصون (٦/ ٩٣).
[132] انظر: مجاز القرآن (۲/ ۱۹۷)، ومعاني القرآن، للأخفش (١/ ٣٩٤، ٣٩٥)، وجامع البيان (٢٠/ ٤٣٦).
[133] انظر: معاني القرآن، للزجاج (۳/ ۳۷۸)، وإعراب القرآن وبيانه، للدرويش (٨/ ٥٦٤).
[134] معاني القرآن، للأخفش (١/ ٣٩٥).
[135] انظر: جامع البيان (٢/ ٦٥٤).
[136] انظر: الكليات، للكفوي، ص۲۸۱، فصل التاء (التغليب).
[137] انظر: جامع البيان (٢/ ٦٥٤).
[138] انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٠٦).
[139] جامع البيان (٢/ ٦٥٤).
[140] جامع البيان (٦/ ٣٥٠).
[141] جامع البيان (٨/ ٤٩٩)، وانظر إلى صيغ أخرى: (١٥/ ٧۲)، (١٧/ ٣٧۲).
[142] حكاه عنه الرازي في تفسيره (٤/ ١١٨، ١١٩).
[143] الهداية إلى بلوغ النهاية (١/ ٤٨٦).
[144] البحر المحيط (٢/ ٢٠٦)، وانظر: البرهان في علوم القرآن (۳/ ۳۰۳).
[145] جامع البيان (۲/ ٦٥٣، ٦٥٤).
[146] جامع البيان (٨/ ٤٩٩).
[147] جامع البيان (۱٥/ ۷۲، ۷۳)، وانظر إلى أمثلة أخرى: (٦/ ٣٥٠)، (١٧/ ٣٧٢).
[148] نقل هذا الاتفاق الإمام القرطبي في تفسيره (٢/ ٤٣٩).
[149] انظر: جامع البيان (٨/ ٤٩٩).
[150] حكاه الطبري عنه في جامع البيان (٨/ ٤٩٤، ٤٩٥)، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٥/ ٢٤٩)، ولم أجده في تفسير مجاهد المطبوع بين أيدينا.
[151] انظر: جامع البيان (۲/ ۲۷۳)، مع تصرف يسير.
[152] انظر: جامع البيان (٢/ ٢٧٤)، ومعاني القرآن، للزجّاج (٢/ ٣٢٥).
[153] انظر: الكشاف، للزمخشري (١/ ٦٦٨)، (٤/ ٥١١) والبرهان في علوم القرآن (۳/ ۳۱۱، ۳۱۲).
[154] انظر: كتاب الأمثال، لأبي عبيد بن سلام، ص۳۳۱، والأمثال، لأبي الخير الهاشمي، ص۲۸۹.
[155] جامع البيان (۲/ ۲۷۳).
[156] جامع البيان (١٤/ ٥٢١).
[157] معاني القرآن، للزجاج (٢/ ٣٢٥).
[158] انظر: طرح التثريب في شرح التقريب، للعراقي (۸/ ۲۲).
[159] الهداية إلى بلوغ النهاية (١/ ٣٥٥).
[160] انظر: جامع البيان (٢/ ٢٧٣)، (١٤/ ٥٢١).
[161] جامع البيان (٢/ ٢٧٣، ٢٧٤).
[162] جامع البيان (٦/ ٢٨٣).
[163] جامع البيان (٧/ ١٩٦)، وانظر أمثلة أخرى: (۱۱/ ۲۳۱، ۲۳۲)، (١٨/ ٢٦٤، ٥٠١)، (٢٠/ ٥١٢، ٥١٣، ٥٣٦)، (٢٢/ ٦٣٦).
[164] انظر: التحرير والتنوير (١/ ٦١٦).
[165] أضواء البيان (٥/ ٤٦، ٤٧).
[166] انظر: جامع البيان (٢٤/ ٦٠١).
[167] لمعرفة هذه المعاني انظر: البرهان في علوم القرآن (۳/ ۱۱- ۲۹)، والإتقان في علوم القرآن (٥/ ١٦٤٨- ١٦٥٨).
[168] انظر: صحيح البخاري (١/ ٥٠).
[169] أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٥١)، في كتاب العلم، باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليُفهم عنه، برقم: (٩٦) ومسلم في صحيحه، ص١٢٤، بدون لفظ (مرتين أو ثلاثًا) في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، برقم: (٢٤٠، ٢٤١).
[170] جامع البيان (٢٤/ ٦٠١).
[171] انظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (۱/ ۱۷۲، ۱۷۳).
[172] معاني القرآن، للفراء (۳/ ۱۷۷).
[173] تأويل مشكل القرآن، ص۱۸۲، وانظر: الصاحبي في فقه اللغة، ص۲۱۳.
[174] البرهان في علوم القرآن (۳/ ۹).
[175] جامع البيان (٢٣/ ٥٢٢، ٥٢٤).
[176] جامع البيان (٢٤/ ٨).
[177] جامع البيان (٢٤/ ٦٠١).
[178] انظر: أسرار التكرار في القرآن، ص٢٤٣.
[179] انظر: كشف المعاني في المتشابه من المثاني، ص٣٦٩.
[180] انظر: أسرار التكرار في القرآن، ص٢٤٣، ٢٤٤.
[181] انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٠٧)، والتحرير والتنوير (٢٩/ ٣٦٤).
[182] انظر تقرير هذه القاعدة في الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (۱/ ۲۸۹)، ومجموع الفتاوى (۳۱/ ۱۳۳، ۱۳٤)، وعدة الصابرين، لابن القيم، ص۲۰۱، ودفع إيهام الاضطراب، ص٣٠٤.
[183] انظر: مفاتيح الغيب (٣١/ ٦)، واللباب في علوم الكتاب (٢٠/ ٩٥).
[184] ومقولة عليّ -رضي الله عنه- هذه قالها لابن عباس -رضي الله عنهما- حين أرسله إلى الخوارج، فقال له: «اذهب إليهم فخاصمهم، ولا تحاجّهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسُّنة»، وفي رواية أخرى: «...ولكن القرآن حَمَّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنن». انظر: الإتقان في علوم القرآن (۳/ ۹۷۷)، وعزا السيوطي هاتين الروايتين إلى ابن سعد، فبحثت عنهما في كتاب الطبقات المطبوع بين أيدينا فلم أجدهما.
[185] انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٥١٩)، والبحر المحيط (٨/ ٥٠٦).
[186] انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٥١٤).
[187] لمعرفة المزيد من الاحتمالات، انظر: مفاتيح الغيب (۳۲/ ۷۸)، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٢٢/ ٤٥٤، ٤٥٥).
[188] انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٥١٩)، والبحر المحيط (٨/ ٥٠٦).
[189] انظر: عدة الصابرين، ص۲۰۰، ۲۰۱، وذكر ابن القيم أربعة أوجه أخرى في ترجيح هذا القول، انظر: المصدر السابق وما بعده.