القرآن واللغة العربية
تيسيرُ القرآن صورةٌ من إعجازه ومنهجٌ لغويٌّ لأتباعه
القرآن واللغة العربية
تيسيرُ القرآن صورةٌ من إعجازه ومنهجٌ لغويٌّ لأتباعه[1]
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17، 22، 32، 40]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: 97]، وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: 58].
القرآن كلمة شاعَ استعمالها ومعناها، فقُرِئَتْ بكلّ لسان وذاعَتْ في كلّ مكان؛ لأنها اسم لكلام الله القويّ الغالب، أنزله على رسوله وخير خَلْقه محمد -صلى الله عليه وسلم- معجزًا يتحدَّى ببلاغته ومعناه البَشَر كافة على اختلاف ألسنتهم وأوطانهم وأزمانهم، حُجّة عليهم وهاديًا لهم ورسالة خاتمة إلى قيام الساعة، وصائنًا لقدسيته وجمال أسلوبه وعلوّ بلاغته وصحّة تواتره من عبث العابثين وإفساد المارقين: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وذلك بتيسير حِفْظه، وتوفيق أُمّةٍ من المسلمين في كلّ زمان وعلى توالي الأجيال والقرون للعكوف على حِفْظِه وإتقان قراءته وحُسْن إقرائه ووَصْل نقله بالسند الثابت المتّصل والرواية الصحيحة وفهم ألفاظه ومعانيه، وتفصيل أحكامه وبيانها للناس وهدايتهم إليها وجَمْعهم عليها، وحثّهم على العمل بها، محكومةً بقواعد اللّسان العربي وبلاغة بيانه، والشائع من لغته وأساليبه.
وهي أشهر أسماء الكتاب المبين، سمّاه مُنزِلُه -عزّ وجل- بها، فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، ولكن العلماء اختلفوا في المعنى اللغوي لهذا الاسم الكريم، فهو مصدر -مثل الغُفران والشُّكران- يحتمل المعاني الآتية:
أ- أن يكون مصدرًا بمعنى القراءة والتلاوة، وهما بمعنى واحد، وهو ما أسنده الإمام أبو جعفر الطبري[2] إلى عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ورجّحه، وذهب إليه كثير من العلماء، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 17]، أي: جَمْعه في صدرك وقراءته وتلاوته عليك، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: 18]: فإذا قرأه جبريل -عليه السلام- ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يا محمد، فالخطاب له صلى الله عليه وسلم، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: قراءته وتلاوته عليك ونُطْقه به، وقد قال الإمام أبو القاسم الزمخشري في تفسير هذه الآية: (والقرآن: القراءة)[3].
ب- أن يكون بمعنى الجَمْع والضمّ، وهذا المعنى يذهب إليه كثيرٌ من العلماء أيضًا، ونجد النصّ عليه في معاجم اللغة، ففي اللِّسان لابن منظور قوله: «ومعنى القرآن معنى الجمع؛ وسُمِّي قرآنًا لأنه يجمع السور فيضمّها»[4]، وفي تهذيب اللغة للأزهري[5] قوله: «قال -يعني أبا إسحاق الزجّاج- معنى القرآن معنى الجَمْع»، وقال -يعني الزجّاج- قال قطرب: «في القرآن قولان: أحدهما هذا وهو المعروف والذي عليه أكثر الناس»، وقد أسنده الإمام الطبري إلى التابعي الجليل مجاهد بن دعامة السدوسي، فقال فيه وفي قول ابن عباس السابق: «فقد صرّح هذا الخبر عن ابن عباس أنّ معنى القرآن عنده القراءة، فإنه مصدر من قول القائل: قرأت على ما قد قلناه. وأمّا على قول قتادة فإنّ الواجب أن يكون مصدرًا من قول القائل: قرأت الشيء إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض، كقولك: ما قرأت هذه الناقة سَلا قط، تريد بذلك أنها لم تضمّ رحمًا على ولد، وكما قال عمرو بن كلثوم التغلبي:
تُريك إذا دخَلْتَ على خلاءٍ .. وقد أمِنَتْ عيون الكاشحينا
ذراعَيْ عَيْطل أدماءَ بكر .. هجانِ اللون لم تقرأ جنينا[6]
يعني بقوله: لم تقرأ جنينا: لم تضمّ رحمًا على ولد»[7].
ويُقال: قرأت الشيء قَرْءًا وقرآنًا: جمعته وضممت بعضه إلى بعض.
ج- المعنى الثالث: أن يكون معنى القرآن اللغوي اللفظ والإلقاء، وهو عن قطرب فيما ينقل الأزهري عن الزجّاج، قال: «والقول الآخر ليس بخارج عن الصحة -وهو حسن- قال: لم تقرأ جنينًا لم تُلْقِهِ. وقال: ويجوز أن يكون معنى قرأت القرآن: لفظت به مجموعًا؛ أي: ألقيته»، وقد وردَ هذا القول نفسه في اللسان (قرأ) بنصّه تقريبًا دون نسبة، وقد فسّر أصحاب هذا القول -قول أبي عمرو السابق- بأنها (لم تُلْقِ جنينًا). والقول الأول أرجحها وأَوْلَى ما حملت آية القيامة السابقة، ومن شواهده قول حسان بن ثابت في رثاء عثمان بن عفان -رضي الله عنه-:
ضَحَّوا بأشمطَ عُنوانُ السُّجودِ بِه .. يُقَطِّعُ الليلَ تسبيحًا وقرآنًا[8]
أي: قراءة للقرآن الكريم.
- وقد رجّح الإمامان الطبري وابن عطية هذا القول، وقال الثاني: «والقول الأول أقوى؛ لأن القرآن مصدر قرأ: إذا تلا»[9]، كما يُفهم من كلام أبي حيان الأندلسي في (البحر المحيط)[10] ترجيحه؛ إِذْ بدأ به مستدلًّا ببيت حسان السابق، ثم أتى بالقول الثاني حاكيًا له بـ(قيل).
فالقرآن مصدر بمعنى القراءة والتلاوة هو الراجح الذي عليه أكثر العلماء، وقد سُمِّي به كلام الله تعالى فأصبح بمعنى المقروء، كالكتاب بمعنى المكتوب[11].
وأمّا تعريفه في اصطلاح العلماء المسلمين فله صِيَغ كثيرة وخصائص يجمعها قولنا[12]: القرآن: «هو كلام الله المنزَّل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، المنقول بالتواتر، المعجِز المكتوب في المصاحف المتعبَّد بتلاوته».
وهي خصائص تجعله في مستوى لا يلحق به غيره، ولا يلتبس به ما عداه من كلّ كلام؛ سواء أكان منزَّلًا أم غير منزَّل. ولكن جَمْع هذه الخصائص كلها في تعريفه، فيه من الطول ما لا يخفى، وفيه جمع واضح بين الخصائص المميزة: (المنزَّل، المعجِز، المنقول بالتواتر)، وما يعتبره صيانة له (المكتوب في المصاحف)، أو غاية نزوله: (المتعبَّد بتلاوته)، وهما وصفان مهمّان، وكثير من العلماء لا يذكر (المعجِز) لصعوبة تصوّر الإعجاز من غير العلماء، والتعاريف تُبنى على الوضوح وسهولة التصور لكلّ قارئ وقادر، ومَن ذكرَها منهم فهو لمجرّد تصوير مفهوم لفظ القرآن لمن يعرف الإعجاز والسورة ونحوهما[13].
وقد توسّط الإمام السيد الجرجاني في تعريف القرآن، فقال: «القرآن: هو المنزَّل على الرسول المكتوب في المصاحف المنقول عنه نقلًا متواترًا بلا شبهة»[14]، وهو تعريف واضح غير طويل.
وللقرآن أسماء أخرى مشهورة ذُكرت فيه، سمّاه أو وَصَفَه منزِّلُه بها.
التيسير:
والتيسير معناه: التسهيل وإيجاد اليُسر في شيء، واليُسر هو السهولة وعدم الكُلفة في تحصيل المطلوب من شيء، ومعنى يَسَّره: سَهَّله وهَيَّأه للانتفاع به دون مشقّة ولا عناء؛ لِما أودع فيه من صفات السهولة وميزات الليونة والسماحة والانقياد، والتيسير مصدر يسَّر القياسي.
وعليه يكون معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ﴾؛ واللهِ لقد، ﴿يَسَّرْنَا﴾: سهّلْنا وهيّأْنا وأعدَدْنا ﴿الْقُرْآنَ للذِّكْر﴾: للحفظ والترتيل والفهم والاستنباط والتأثر والاتعاظ، من جوانب ثلاثة: الألفاظ، والأساليب، والمعاني.
- فألفاظ القرآن أو مفرداته فصيحة منتقاة لمعانيها، مناسبة أخصّ المناسبة لمواضعها من التراكيب، شديدة منذرة في موضع الشدة والإنذار، وليّنة مبشِّرة في موضع اللِّين والبُشرى، سليمة من التنافر والغرابة المنفرة والثقل الكريه في كلّ الأحوال والمواضع.
- وأساليبه بليغة فائقة المستوى بما توفّر لها من فصاحة المفردات وانسجامها، وحُسْن النَّظْم القائم على الفواصل ومقاطع الآي وجوامع الكَلِم، وعلى روعة التعبير ودقّته وتنوّعه وانسجام كلماته، وعلى جمال التصوير للمعاني والمواقف والعواطف ومخاطبة العقل والوجدان، والخلوّ من الحشو والتناقض مع شرف المقاصد وصحّتها وسموّها ومواءمتها للعامة والخاصّة، فكلٌّ يحسّ جلاله ويذوق حلاوته ويفهم منه على قَدْر استعداده، وغير هذه السِّمات العالية مما يحقِّق معنى الإعجاز فيه، ويهزُّ النفوس ويُرضِي العقول، وبه تطمئن القلوب، وتقشعرّ الجلود، ويسهل حِفْظه ويهوِّنه ويعين عليه كما هو في تاريخه الطويل، ومعلوم بالمشاهدة والتجربة حتى إنّ الأطفال ليحفظونه حفظًا بالغًا دقيقًا وليرتّلونه ترتيلًا جميلًا بخلاف غيره من الكتب؛ ولذا قال بعض العلماء: رُوي أنه لم يُحفظ شيء من كتب الله غير القرآن[15].
- ومعانيه ميسَّرة مهيّأة للفهم والاستنباط والتذكّر والاستحضار في القلوب، والتدبّر والاتعاظ لأسلوبه البليغ المحكم المشرق -كما سبق وصفه- ولِما تضمّن من البراهين والحُجَج العقلية والحكم النفسية، والتراكيب الجامعة بين الإيجاز في موضعه والإطناب عندما تقتضيه الحال ويستوجبه المقام وبين الإجمال والبيان، ولِمَا فيه من الاستجابة لفطرة الإنسان وتحقيق لمطالبها الإنسانية المشروعة الموفية بسعادة الجسد والروح، ثم لِمَا فيه من مراعاة لمقتضى حال الأمّة التي نزل فيها، فهي أمّة تغلب عليها الأميّة لا تَحْسِب ولا تَكْتُب كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنّا أمّة أميّة لا تَكْتُب ولا تَحسِب) -أي: لا تعدُّ عدًّا حسابيًّا مبنيًّا على قواعد رياضية أو فلكية- (الشهر هكذا وهكذا، وعَقَدَ الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، يعني تمام ثلاثين)[16]، وهذا ما يشير إليه القرآن الكريم في قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: 2]؛ ولذلك عقدَ الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي مسألة في كتابه (الموافقات)، بدأها بقوله: «هذه الشريعة المباركة أميّة؛ لأن أهلها كذلك، فهو أجرى على اعتبار المصالح»[17]، وقال شارح الموافقات الشيخ عبد الله دراز تعليقًا على هذه الفقرة: «أي: فإنّ تنزيل الشريعة على مقتضى حال المنزل عليهم أوفق برعاية المصالح التي يقصدها الشارع الحكيم»، وقد لاحظ أنّ معنى ذلك أنها لا تحتاج في فهمها وتعرّف أوامرها ونواهيها إلى التعمّق في العلوم الكونية أو العقلية أو الرياضية أو غيرها، وهذا كلّه فيما يتعلّق بأحكام التكليف؛ لأنه عام يجب أن يفهمه العرب والجمهور ليمكن الامتثال، أمّا الأسرار والحِكَم والمواعظ والعِبَر، فمنها ما يدقّ عن فهم الجمهور ويتناول الخواصّ منه شيئًا فشيئًا بحسب ما يَسَّره اللهُ لهم وما يلهمهم به، وذلك هو الواقع لمن تتبّع الناظرين في كلام الله تعالى على مَرّ العصور. وقال أبو إسحاق في التعليق على الحديث السابق: «وقد فسّر معنى الأميّة في الحديث؛ أي: ليس لنا علم بالحساب ولا الكتاب، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: 48]، وما أشبه هذا من الأدلة المثبوتة في الكتاب والسنّة الدالة على أن الشريعة موضوعة على وصفه الأميّة؛ لأنّ أهلها كذلك».
ثم لما اشتمل عليه القرآن من العقائد وأصول المعاملات والآداب والقصص والمواعظ، والترغيب في اتّباع الحقّ ونُصْرته وترك الباطل وخذلانه، وحبّ العدل وإشاعته وكراهية الظُّلْم ومحاربته، والوعد بالأجر الجزيل لمن استجاب لذلك وعمل، والوعيد الشديد لمن تنكر له واتّبع غير سبيل المؤمنين، فللقرآن تعلّق بالقلوب وتأثير في العقول وحلاوة في السمع وارتباط بالإيمان والإخلاص.
– وقد تبيَّن مما سبق أن جملة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا...﴾، قَسَميّة مؤكَّدة بالقَسَم المقدَّر الدال عليه جوابه المصدَّر بـ(قد) المقرونة باللام، وهو ما يدلّ على الاهتمام بهذا الخبر وتأكيد مضمونه والدلالة على تحقّق معنى هذه الجملة وصِدْق مدلولها.
﴿فَهَلْ﴾: الفاء للتفريع على ما سبق من تيسير حِفْظ القرآن وفهمه والاتعاظ به، ﴿مِنْ مُدَّكِر﴾: مُتَّعِظ مُزدجِر عن المعاصي، أو هل من طالبٍ لحِفْظه فيُعان عليه ويُيسَّر له، وتكون معانيه وعلومه حاضرة في نفسه بادية في تفكيره، وزواجره مراعاة في سلوكه، ويكون مهتديًا بهديه.
وأصل (مُدَّكِر) مذتكر، على وزن (مُفْتَعِل)، مِن (اذتكر) على وزن (افتعل)، فأبدلت تاء الافتعال دالًا لوقوعها بعد الذّال التي أُبدلت دالًا، وأُدغمت الدال في الدال، فهو إبدال لأجل الإدغام للتخفيف، وهي مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة لأنّ (مِن) صلة زائدة في الصناعة النحوية لتأكيد المعنى واستغراق الأفراد، والخبر محذوف، أي: فهل مُدّكر موجود، أو نائب فاعل لفعل مقدَّر، أي: فهل يوجد مدّكر. و(هل) حرف استفهام للتحضيض، فالمراد الحضّ والحثّ على الادكار والاعتبار وحفظ القرآن؛ لأنها مأخوذة من الذِّكْر بمعنى الحفظ أو بمعنى الاستحضار والتفكّر والتدبّر.
وقد رَوى الإمام البخاري بسنده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرؤها (مدَّكر) بالدال[18].
ورود جملة التيسير في سورة القمر خاصة:
ثم إنّ اللّافت للنظر والداعي للتدبر والتأمل ورود هذه الجملة في سورة القمر خاصة، وأَنْ تُكَرَّرَ فيها أربع مرات، وأن تُكَرّرَ معها جملة أخرى، هي: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أربع مرات أيضًا؛ تفريعًا على مختصر أربع قصص لأمم سابقة، هي: قصة قوم نبي الله نوح وإهلاكهم بالطوفان والإغراق (من الآية 9- 16)، وهي الأُولى من هذه القصص، والثانية قصة عاد قوم نبي الله هود وإهلاكهم بالريح الصرصر العاتية العقيم (من الآية 18- 21)، والثالثة قصة ثمود قوم نبي الله صالح وإهلاكهم بالصيحة الواحدة (من الآية 23- 31)، والقصة الرابعة هي قصة قوم نبي الله لوط وإهلاكهم بالحاصب الذي أمطر عليهم، وهو الطين المتحجّر المذكور في الآية (81/ هود، والآية 74/ الحجر) - (من الآية 33- 40 القمر)، وقد ذُكرت في هذه القصة جملة: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ مرتين، وخُتمت بجملة (التيسير)، كالقصص السابقة.
وجملة: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾، جملة استفهامية أُريد من الاستفهام فيها التعجيب والتهويل من شأن عقاب الله -عز وجل- لهذه الأقوام، وما أحلَّ بهم من العذاب والنكال؛ للاعتبار والاتعاظ والتذكّر في عواقب الخروج عن أمرِ الله -عز وجل-. و﴿نُذُرِ﴾ أصلها (نُذُرِي) بالإضافة إلى ياء المتكلِّم وهو الله عز وجل، حُذفت منها هذه الياء للفواصل ورؤوس الآي التي تنتهي جميعها بحرف الراء في هذه السورة، وهي جمع (نذير) بمعنى الإنذار؛ أي: فكيف كان عذابي وعاقبة إنذاري؟ إنهما لشديدان أقسى ما تكون الشدة وسوء العذاب، وأسوأ ما تكون العاقبة؛ إِذْ قُضِي على هؤلاء الأقوام واستؤصلوا جميعًا إلا أنبياءهم -عليهم وعلى نبيّنا الصلاة والسلام- ومن كان معهم من المؤمنين.
وقد كان هذا التكرار -تكرار الجملتَيْن السابقتَيْن- لتكرّر المناسبة باعتبار كلّ قصة من القصص السابقة مستقلّة عن الأخرى، وفيها عظة وعِبرة يجب على القارئ والسامع أن ينتبِهَا إليها ويعتبِرَا بها. كما يجب أن يعجبَا من كلّ واحدة منها ويلفت نظرهما لِما فيها من الوعيد والتهديد، بينما كان في تكرار جملة (التيسير) ملاحظة من الله لعباده وامتنان عليهم بتيسير القرآن، ومبالغة بالتكرار في حثّهم على حفظ القرآن والتذكّر والاتعاظ بمصائر الأمم السابقة وما حلّ بها بسبب الكفر وعصيان الله -عز وجل- وهو أمر ميسَّر بتيسير القرآن.
وقال الحافظ ابن حجر: «وقد تكرر في هذه السورة قوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ بحسب تكرار القصص من أخبار الأُمم؛ استدعاءً لإفهام السامعين ليعتبروا»[19].
وهناك قصة خامسة ذُكرت في سورة القمر بعد القصص الأربع السابقة، وهي قصة آل فرعون وأنصاره وتكذيبهم بآيات الله كلّها وأَخْذ الله إياهم أَخْذ عزيز مُقتدِر بإغراقهم في البحر، وقد ذُكرت قصتهم في أكثر من سورة، وننظر الآيات: (90- 92/ يونس، و63- 66/ الشعراء) على وجه الخصوص، ولكنها لم تُختم في هذه السورة بما خُتمت القصص السابقة؛ لإيجازها فيها أكثر من سابقاتها.
وبذلك يتحدّد الجانب الأكبر من موضوع هذه السورة وهو مختصر خمس قصص من قصص الأمم السابقة التي أُهلكت بطغيانها وكفرها ومعصيتها لرُسُلها.
وقد ذُكرت هذه القصص ليتعظ بها مشركو العرب الذين بُدئت السورة بالحديث عنهم وعن تكذيبهم لمعجزة انشقاق القمر، الذي انشق بمكة فلقتين تصديقًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-كما جاء في الخبر الصحيح المتفق عليه[20]، وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: 1- 2]، وقد مهّد للانتقال من الحديث عنهم إلى الحديث عن الأمم المذكورة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: 4].
وقد فُصِّلَت هذه الأنباء في القصص المذكورة؛ لذلك جاءت الأربع الأُولى منها مفصولة غير معطوفة، ورُبطت الأُولى منها بالمشركين بذِكْر ضميرهم فيها، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر: 9]، أي: قبل مشركي العرب. وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ [القمر: 18]، وقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ [القمر: 23]، وقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ [القمر: 33].
ثم رجَعَت السورة إلى خطاب المشركين بأسلوب الالتفات لتذكيرهم وتقريرهم بالحقيقة، ودَعوتهم للمقارنة بين حالهم وكُفْرهم وحال الأمم السابقة وإهلاك الله إياها بالكفر والعصيان اللذَيْن كان مشركو العرب يتصفون بهما -وفي مقدمتهم قريش- عند نزول هذه السورة بمكة، مما يوجب أن يحلّ بهم عقاب الله كما حلّ بتلك الأمم وما سيلاقونه في الآخرة من العذاب، قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ [القمر: 43] يا عرب ﴿خَيْرٌ﴾ أفضل وأقوى ﴿مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ الأقوام السابقين ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ﴾: يا مشركي العرب، ﴿بَرَاءَةٌ﴾: إعذار من العذاب برفعه عنكم وسلامة منه مكتوبة ﴿فِي الزُّبُرِ﴾: في الكتب المنزلة، والحقيقة التي يجب أن يقرُّوا بها أنهم ليسوا خيرًا منهم وليس لهم براءة في الزبر، وأنه لا فرق بين الناس إلا بالإيمان والتقوى، وتُختم السورة ببيان جزاء المؤمنين المتقين وما ينتظرهم من الإكرام والرضا والنعيم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54- 55].
فهذا هو ملخّص موضوع هذه السورة كلّه ومنه يظهر أنها مكية اهتمّت بأحد موضوعات السور المكية وهو قصص الأنبياء وما فيها من عِبرة وعظة، وما تستلزمه من دعوة للتوحيد وأصول الدين وبيان أمور الغيب والاتعاظ بمصائر الكافرين وعُقباهم الأليمة وعُقبى المؤمنين السعيدة يوم الدِّين، وأنها في أسلوبها تمثّل القرآن المكي في قوة الأسلوب وجزالته وشدة أسره وسَبْكه، وفي الإيجاز وقِصَر الآيات، وفي بروز الفواصل في أواخرها ونبرة رويّها الذي تمتاز هذه السورة باتفاق جميع آياتها الخمس والخمسين فيه، فهي كلّها تنتهي بحرف الراء المجهور القويّ من بدئها بقوله سبحانه وتعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، إلى نهايتها: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾.
وهي صورة من صور الإعجاز لا تتفق لأبلغ البلغاء دون تكلّف أو ضعف في بعض الفقرات، ولكن هذه السورة جاءت كلّها في أقوى الأساليب وأشدها تأثيرًا وانسجامًا في تماثل الفقرات أو تقاربها طولًا وقِصَرًا وتلاحمًا في المعاني وقوة التماسك، وتبعية السجع للمعنى إن سمّينا هذا الأسلوب أو النظام القرآني سجعًا.
فالسورة تمثّل وحدة بلاغية وإعجازية يتحقّق بها تحدي المعارضين أن يأتوا بسورة مثلها، وتضمّ مجموعة من الوجوه التي جعلها العلماء من منايط الإعجاز القرآني ومظاهره، وهي:
أ- الأسلوب القوي الذي جاءت عليه وما ضمّ من أفانين البلاغة والصور البيانية والبديعية الجميلة؛ مثل التشبيهات البديعة وما وصفْتُ من اتفاق جميع فواصلها في حرف الروي، والإيجاز المكتنز بالمعاني والمتمثّل في جُملها القصيرة وإيجازها لقصص الأنبياء، والاقتصار فيها على موضع العِبرة منها التي يمكن أن يُكتب فيها الصفحات الكثيرة، وهو ما يدخل في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (بُعِثْتُ بجوامِع الكَلِم)، التي هي القرآن الكريم، يقول الحافظ ابن حجر في (فتح الباري بشرح البخاري): «وجزم غير الزهري بأنّ المراد بجوامع الكَلِم القرآن، بقرينة قوله: (بُعِثتُ)، والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ واتساع المعاني»[21].
وقال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: «(أُعطيت جوامع الكَلِم)، وفي الرواية الأخرى: (بُعثت بجوامع الكلم) قال الهروي: يعني به القرآن، جمع اللهُ تعالى في الألفاظ اليسيرة منه المعاني الكثيرة، وكلامه -صلى الله عليه وسلم-كان بالجوامع قليل اللفظ كثير المعاني».
وفيها ما يشبه ردّ العَجُزِ على الصّدر بأسلوب الالتفات؛ إذ بدأَت الحديث عن المشركين بأسلوب الغيبة (من الآية 2- 4)، ثم رجعت إليهم في أواخر السورة بأسلوب الخطاب: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾، ثم بأسلوب الغيبة مرة أخرى (من الآية 44- 48)، ثم بأسلوب الخطاب مرة أخرى بقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾. وغير ذلك من ألوان الإعجاز البياني.
ب- ما فيها من أخبار الغيب مثل ما أخبرتْ به من أنّ المشركين يخرجون من القبور خُشّعًا أبصارهم كأنهم جراد منتشر، وهو من تشبيهاتها المصوّرة الجميلة، ﴿مهطعين﴾، أي: مسرعين إلى الداعي المنادي للحشر، يقول الكافرون، أي: حال كونهم قائلين: هذا يوم عسر شديد الصعوبة والمشقة، والتعبير بـ﴿الْكَافِرُونَ﴾ مِن وضعِ الظاهر موضع المضمر؛ للتصريح بوصفهم وسبب العسر عليهم، إذا كانت (أل) فيها عهدية فيكون المراد المشركين السابق ذكرهم، فالموضع للضمير، ويصح أن تكون جنسية استغراقية. وما أخبرت به من أنه ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾، جمعُ المشركين في مكة -الذين قالوا: ﴿أَمْ﴾ بل يقولون: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾-، ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: يرجعون ويُعْطُون المسلمين أدبارهم منهزمين أمامهم، وقد كان ذلك في غزوة بدر كما وردَ عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وأنّ موعدهم الساعة يوم القيامة، والساعة أدهى وأفظع وأمرّ: أشد مرارة وأكثر صعوبة، يوم يُسحَب المجرمون في النار على وجوههم، ويقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾، وأنّ الله -تبارك وتعالى- خالق كلّ شيء بتقدير سابق وقضاء قديم وتدبير محكم، وأنّ كلّ شيء فعله البشر والأُمم المهلَكة مكتوب في الزبر؛ أي: كُتُب الحَفَظَة من الملائكة وصُحُف الأعمال، المسطور المكتوب عليهم فيها كلّ حقير وجليل من أعمال البشر، وأنّ المؤمنين المتقين في جنات ونهر يوم القيامة في مكان الرضا والقبول في حضرة ربٍّ مليك مقتدر.
ج- ما فيها من أخبار الأمم السابقة مما كان لا يعلمه العرب ولا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا يعلم القصة الواحدة منه إلا القليل من أحبار أهل الكتاب في ذلك الزمان، وقد سبق ما تضمّنته هذه السورة من ذلك بأسلوب موجَز محكَم.
ومن هذا التحليل لسورة القمر ندرك سِرّ تخصيصها بذِكْر جملة تيسير القرآن وتهيئته للادكار والحفظ، وتكرار هذه الجملة؛ فهو راجع لقوة أسلوبها وجماله وإيجازها وتميزها ببعض الظواهر اللغوية، وتضمّنها الشيء الكثير من القصص وعظاتها.
تيسير القرآن يرجع إلى لغته وأسلوبه وصورة إعجازه:
كما ندرك من هذا التحليل أن تيسير القرآن لا يعني التساهل في الأسلوب، ولا الضعف في التعبير، ولا التماس اللهجات المرذولة أو المتروكة من جمهور العرب، بل التيسير يكون بالتزام الحقّ والصدق، وقد جاء في حديث أخرجه أبو نعيم ومن طريقه أورده الديلمي في (مسند الفردوس)، وذكره السيوطي في الجامع الصغير (رقم 7572) بشرح فيض القدير للمناوي، وصاحب كنز العمال من حديث أبي هريرة قال: «ليس البيان كثرة الكلام، ولكن فَصْل (أي: قول قاطع فاصل بين الحق والباطل) فيما يحب الله ورسوله، وليس العيُّ عيَّ اللسان ولكن قلّة المعرفة بالحقّ»، وبإيراد المعاني الصحيحة وبإحكام التعبير وصحته في صور بلاغية واضحة تناسب مَن يخاطب بها، ويراد منه تمثّلها والتأثر بها، وتناسب مقتضى المقام ومتطلبات الموقف، في جُمَل محكمة تعلق بالأذهان وتحْلُو في الأسماع وتطرب لها النفوس وتخشع العقول وتستقر في الذواكر.
إنّ التيسير مظهر من مظاهر الإعجاز وليس وسيلة للضعف والابتذال، ومظهر من مظاهر اللغة الفصحى التي كانت شائعة في العرب، وهي لغة النبي -صلى الله عليه وسلم- ولسانه ووسيلته لتبشير المؤمنين المتقين، وإنذار المشركين الكافرين اللُّدِّ المتشدّدين في خصومتهم لله ودينه ورسوله، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ [مريم: 97]، بلسانك؛ أي: بلغتك، اللغة العربية الفصحى التي وحَّد القرآن عليها العرب، وكانت متمثلة في لهجة قريش أظهر تمثّل، حتى قيل: إنه نزل بها؛ إذ هي لغته -صلى الله عليه وسلم-، وهو أفصح مَن نطقَ بهذه اللغة أو بالضاد، وهي لغة العرب الشائعة فيهم المشتركة بينهم والتي كانت إرهاصًا لتوحيد القرآنِ العربَ عليها وجَمْعِ لهجاتهم فيها، ثم أصبحت لغة جميع المسلمين، بها يتلون كتاب الله ويفهمون معانيه وآدابه وأحكامه ويتذوّقون أسراره.
والأقرب إلى الصحة والأجدر بالقبول أن يقال: إنّ القرآن نزل باللغة الموحدة، لغة جميع العرب المشتركة بينهم؛ لأنّ الله -سبحانه وتعالى- وصف كتابه في طائفة من الآيات بأنه عربي لنزوله بلغة العرب ولجمعه إياهم على اللغة التي نزل بها، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 193- 195].
فهي اللغة التي يُفسَّر بها كتاب الله وسنّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وتُستنبط بها الأحكام منهما، وقد نبه إلى ذلك الإمام أبو إسحاق الشاطبي في كتابه القيم: (الموافقات)، فهو يقول: «لا بدّ في فهم الشريعة من اتّباع معهود الأميّين وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب في لسانهم عرفٌ مستمرّ، فلا يصحّ العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثم عرفٌ فلا يصحّ أن يجري في فهمها على ما لا تعرفه»[22]، ويقول: «وإذا كان كذلك فلا يستقيم للمتكلّم في كتاب الله أو سنّة رسول الله أن يتكلّف فيهما فوق ما يسعه لسان العرب»[23]، ويقول: «فكذلك يلزم أن ينزل فهم الكتاب والسنّة بحيث تكون معانيه مشتركة لجميع العرب؛ ولذلك أُنزل القرآن على سبعة أحرف، واشتركت فيه اللغات حتى كانت قبائل العرب تفهمه»[24]، ويختم هذه الأقوال أو المسائل بقوله: «فالحاصل أنّ الواجب في هذا المقام إجراء الفهم في الشريعة على وِزان الاشتراك الجمهوري الذي يسع الأميّين كما يسع غيرهم»[25].
فالقرآن نزل بأحسن اللّهجات العربية وأعمّها وأكثرها اشتراكًا بينهم، وتجنّب في قراءاته المتواترة اللهجات المرذولة الرديئة أو المتروكة من جمهور العرب، وهذا من أسباب تيسيره ودواعي قبوله وتأثيره وحِفْظه وتدبّره ويُسْر الاستنباط منه ومواءمته لعموم رسالته، ودعوته للتذكّر والتأمّل كما في آية التيسير الثالثة، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: 58].
وهذا كلّه يشير إليه ربط التيسير بلسان النبي -صلى الله عليه وسلم- وجَعْل لغته أداته، وهي اللغة الجامعة السليمة من عيوب اللهجات الضعيفة التي كانت شائعة في العرب، فإضافة لغة التيسير إلى النبي تشير إلى أن هذا التيسير كان بأعلى مستويات هذه اللغة وأرقى نماذجها، وهي لغة أفصح العرب محمد -صلى الله عليه وسلم- بالإجماع.
وما بقي من آثار اللهجات غير الفصيحة في القراءات المتواترة التي يُقرأ بها القرآن، فهو من تعدّد وجوه النطق التي تحتملها طبيعة اللغة العربية وتعتري الكلمات أو التراكيب العربية حسب مقاييس العرب في كلامها وضبط كلماتها، التي يمكن تفسير الحديث المشهور بها، وهو (أُنزِل القرآنُ على سبعةِ أحرف)، إِذْ أحسن ما فسَّر به الأقدمون هذا الحديث -كما يقول سماحة الأستاذ الشيخ الطاهر بن عاشور[26]- هو لهجات العرب في كيفيات النطق؛ كالفتح والإمالة والمدّ والقصر والهمز والتخفيف وضبط بنية بعض الكلمات والاختلاف في بعض وجوه الإعراب، وقال المرحوم الشيخ عليّ محمد الضباع: «والذي عليه الجماهير من السَّلف والخلف أنها (أي: المصاحف العثمانية) مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة الجامعة للعَرْضة الأخيرة التي عرضها -صلى الله عليه وسلم- على جبريل -عليه السلام- ولم تترك حرفًا منها، قال في النشر: وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة تدل عليه»[27].
منهج النحويين في البناء على الأكثر وفي استشهادهم بالقراءات من منهج تيسير القرآن:
يمكنني بعد ما وصفتُ من منهج تيسير القرآن بنزوله بأفصح اللغات وأشيعها في العرب، واعتباره ظاهرة من ظواهر الإعجاز ودليلًا من أدلة الفصاحة والبلاغة العالية ونعمة من نعم الله -عز وجل- علينا يجب شكرها والإقبال عليها، بعد هذا يمكنني أَنْ أقرّر أنّ منهج النحويين في البناء على الأكثر الشائع من كلام العرب واستشهادهم بالقراءات من منهج تيسير القرآن.
والموضوعان -البناء على الأكثر والاستشهاد بالقراءات- مرتبط أحدهما بالآخر تمام الارتباط.
أمّا بناؤهم على الأكثر الفصيح -خصوصًا البصريين- فقد دلّت عليه أقوالهم ومناهجهم التطبيقية، ومن ذلك:
أ- قول عيسى بن عمر الثقفي: «أرى أن أضع الكتاب على الأكثر وأسمّي الأخرى لغات، فهو أول من بلغ غايته في كتاب النحو»[28]، وكان هذا القول مرتبًا على ما رُوي من أنّ رجلًا من بني ليث وضع أبوابًا في كتاب نحو بدأه أبو الأسود الدؤلي، فإذا في كلام العرب ما لا يدخل فيه فأقصر عنه، وفي خبر آخر أنه قيل له يومًا: خبِّرني عن هذا الذي وضعْتَ، يدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا، قال (أي السائل): قلتُ: فمَن تكلّم بخلافك واحتذى ما كانت العرب تتكلم به أتراه مخطئًا؟ قال: لا، قلتُ: فما ينفع كتابُك[29].
ب- قول أبي عمرو بن العلاء لمن قال له: أخبرني عمّا وضعْتَ مما سمّيته عربية، أيدخل فيها كلام العرب كله؟ فقال: «فقلت: كيف تصنع فيما خالفَتْك فيه العرب وهم حُجة؟ قال: أعمل على الأكثر، وأسمِّي ما خالَفني لغات»[30].
ج- من المعلوم أن سيبويه بنى منهجه على الأخذ بالأكثر من كلام العرب والقياس عليه، واعتبار المخالف له قليلًا شاذًّا لا يُقاس عليه، ومن ذلك قوله: «ولو قالت العرب: اضرب أيُّ أفضل -ببناء (أيُّ) وهي غير مضافة- لقلّته، ولم يكن بدٌّ من متابعتهم، فلا ينبغي لك أن تقيس على الشاذّ المنكَر في القياس، كما أنك لا تقيس على (أمْسِ) بالبناء على الكسر (أمْسِك) المضافة، ولا على (أتقول) بتاء الخطاب (أيقول) بالياء، ولا سائر أمثلة القول، ولا على (الآن) (آنك)، وأشباه ذا كثير»[31].
د- قول أبي العباس المبرد تعليقًا على بيت استشهد به النحويون الكوفيون على اشتقاق أفعل التفضيل من البياض، وهو ما يمنعه البصريون، قوله: «هذا معمول على فساد، وليس البيتُ الشاذ والكلامُ المحفوظُ بأدنى إسناد حجةً على الأصل المجمع عليه في كلام ولا نحو ولا فقه، وإنما يركن إلى هذا ضَعَفَةُ أهل النحو ومَن لا حُجّة معه، وتأويل هذا وما أشبهه في الإعراب كتأويل ضَعَفَة الحديث وأتباع القُصّاص في الفقه»[32].
هـ- قول أبي عليّ الفارسي: «فالضرورة والنادر مما لا حُكم لهما ولا يُعترض على الكثرة بهما»[33]، «فإن قلت: (ويْلُمّه) حذف: (أي: حذف همز أُمّه) ولم يعوّض منه شيء، فإن القياس على هذا الفذّ الشاذ غير سائغ، ولا سيما إذا كان المقيس فيه معنى أوجبه شيء ليس في المقيس مثله، وهو كثرة الاستعمال»[34].
و- عقدَ أبو الفتح بن جني بابًا في كتابه: (الخصائص)[35]، بعنوان: «باب اختلاف اللغات وكلها حُجّة»؛ للمقارنة بين اللهجات العربية، بَيَّن فيه أن اللهجتين المتساويتين في الفصاحة والشيوع لا يجوز ردّ إحداهما بالأخرى، مثل إعمال (ما) النافية عمل ليس عند الحجازيين، فسُمِّيَت (ما الحجازية)، وإهمالها عند التميميين (ما التميمية)، وهي التي لا تعمل عمل ليس، فاللهجتان فصيحتان قويتان متكافئتان، وبالأُولى نزل القرآن، والثانية يؤيدها القياس؛ لأن (ما) مشتركة بين الأسماء والأفعال فتدخل على كليهما، والحرف المشترك الشأنُ فيه أن لا يعمل.
وأمّا إذا كانت إحدى اللهجتين -أو اللهجات- ضعيفة شاذة قليلة؛ مثل كسر اللام مع كاف الخطاب (لِك)، وفتح الباء في (بَه)، فهما لهجتان ضعيفتان منسوبتان إلى قبيلة قضاعة خاصتان بها، والأكثر الفصيح هو فتح الأُولى وكسر الثانية، فمَن تركهما ونطق بالأُوليين الشاذتين يكون تاركًا للأجود الأفصح الأكثر إلى القليل الشاذ المخالف لقياس كلام العرب.
- فالفصيح عند الرواة وعلماء اللغة والنحو هو ما كَثُر استعماله على ألسنة العرب وشاع في أكثر لهجاتهم واطّرد في مقاييسهم، وهو الذي يُقاس عليه وتُبنى القواعد والمقاييس اللغوية حسب هذه النصوص والأحكام التي سبقتها، ومع أن لهم اختلافات كثيرة في التطبيق والفروع وتقويم بعض المسموع من النصوص، فإنهم لا يختلفون في هذا المبدأ والأصول الكلية المبنية عليه.
استشهاد النحويين بالقراءات:
وقد رأيتُ أن أتتبع منهج النحويين في تطبيقهم لمبدأ (البناء على الأكثر) في استشهادهم بالقراءات ومدى اعتمادهم عليه فيه، وفي موقفهم منها ومدى تحكيمهم للقرآن نفسه؛ إِذْ إنَّ استشهادهم بالقراءات المتواترة والشاذة أمر لا يختلفون فيه، فأعمالهم النحوية وكتبهم شاهدة على أنهم بنوا النحو على كلام العرب الفصيح: شعرًا ونثرًا، وعلى القرآن الكريم وقراءاته كلّها.
يقول الإمام السيوطي في الاقتراح: «أمّا القرآن الكريم فكلّ ما ورد أنه قُرئ به جاز الاحتجاج به في العربية؛ سواء أكان متواترًا أم شاذًّا، وقد أطبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في العربية إذا لم تخالف قياسًا معروفًا، بل ولو خالفته يُحتجّ بها في ذلك الحرف بعينه وإن لم يَجُز القياس عليه، كما يُحتجّ بالمُجْمَع على وروده ومخالفته القياسَ في ذلك الوارد بعينه ولا يُقاس عليه، نحو (استحوذ ويأبى)، وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءة الشاذة لا أعلم فيه خلافًا بين النحاة»[36].
فهذا الكلام من السيوطي يصوّر منهج النحويين في هذا الاستشهاد ويثير قضايا مهمة منه، هي:
أ- إطباق النحاة على الاحتجاج بالقراءات الشاذة إذا لم تخالف قياسًا معروفًا لدى العرب، ومن باب أَولى القراءة المتواترة في هذا الإجماع، فهاتان يُقاس عليهما، لا يخالف في ذلك أحد، وشواهد ذلك كثيرة معروفة.
ب- المخالف للقياس، أي: للأكثر الشائع من كلام العرب من القراءات المتواترة والشاذة يحتج به في ذلك الوارد بعينه ولا يقاس عليه، لأنّ الذي يقاس عليه هو ما كان كثيرًا شائعًا في الاستعمال، فهذا الشاذ لا يُرفض ولكنه لا يُعتبر قاعدة عامة يقاس عليها.
ج- مثَّل السيوطي للمُجمَع عليه في القراءات المتواترة المخالف لقياس كلام العرب الكثير بنحو (استحوذ) الذي لم تقلب واوه ألفًا وهي متحركة – مثل: استجاب، واستجار، واستقام؛ وغيرها كثير جدًّا، ومثله: (أبى يأبى) بفتح عينه في الماضي والمضارع، وليست عينه ولا لامه حرف حلق، وقياسه أن يكون مكسور العين في المضارع، مثل: يهدي، ويقضي، ويأتي؛ وغيرها كثير.
د- ومثّل للقراءة الشاذة المخالفة لقياس كلام العرب الكثير بقراءة التاء في قوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]؛ لدخول لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب، وهو قليل، والأكثر في كلام العرب أمر المخاطب بصيغة الأمر، قال الأشموني: «والأكثر الاستغناء عن هذا بفعل الأمر»[37].
ومن ذلك يظهر أنّ النحاة -خصوصًا البصريين منهم- يقبلون كلّ القراءات ويستشهدون بها، ولكنهم يطبقون عليها منهجهم في البناء على الأكثر والقياس عليه، والحكم على ما خالفه بالقلّة والشذوذ وعدم القياس عليه.
هـ- ومن هذا المنهج جاء نظرهم في بعض القراءات أو نقدهم لها، لعلّ أشهرها قراءتان، هما: قراءة حمزة بن حبيب الزيات من القرّاء السبعة ومَن وافقه من غيرهم بجرّ الأرحام في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ﴾ [النساء: 1]، عطفًا فيما يظهر على الضمير المتصل المجرور وهو ما لا يقبله النحاة جميعًا؛ ولذا نجد أقوال الأئمة الأوائل من البصريين والكوفيين واضحة في تقبيحه ووصف العرب بكراهته وملازمة إعادة الجارّ مع المعطوف، فهذا الفرّاء يقول: «وفيه قبح؛ لأنّ العرب لا تردّ مخفوضًا على مخفوض وقد كنى عنه... وإنما يجوز هذا في الشِّعْر لضيقه»[38]؛ وأبو إسحاق الزجّاج يقول: «فأمّا الخفض في الأرحام فخطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار شِعْر»، وأضاف: «فأمّا في العربية فإجماع النحويين أنه يقبح أن ينسق باسم ظاهر على مضمر في حال الخفض إلا بإظهار الخافض»[39]، فهو يحكي إجماع النحويين على قبحه.
فالاستقباح يتّفق عليه المذهبان وهو إجماع لديهم فكلاهما لا يجيز النطق عليه ابتداءً، ولكنّ البصريين لا يقبلون التخريج على الوارد منه فهم أشدّ رفضًا له، ولا أرى هذا اختلافًا في حُكْم نحوي بقدر ما هو اختلاف في المنهج وطريقة الاستدلال وتطويع المقاييس؛ فالكوفيون يقبلون الاحتجاج بالمروي مهما كان، ويتوسّعون في الرواية والتخريج على الشاذّ والقليل النادر ولا يتحرّجون من اختلاف الأحكام. بينما البصريون يبنون على الأثر الموثوق به ويأبون الخروج عنه وعما ينتهون إليه من القواعد والأحكام، وقد كان أبو جعفر النحاس دقيقًا في تلخيصه للمذهبين في هذه القضية؛ إِذْ قال: «وقرأ إبراهيم النخعي وقتادة وحمزة ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ بالخفض، وقد تكلّم النحويون في ذلك؛ فأمّا البصريون فقال رؤساؤهم: هو لحن لا تحلّ القراءة به، وأمّا الكوفيون فقالوا: هو قبيح ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا عِلّة قبحه فيما علمتُ»[40]، وأقول: إنّ الفرّاء علَّله بكراهية العرب له وعدم ردّهم على الضمير المخفوض؛ أي إنّ علة قُبحه عدم فصاحته وشيوعه عند العرب، فما ورد منه عنهم قليل، بل إنّ الإمام الطبري -وهو كوفي المذهب النحوي- بالغَ في نقد هذه القراءة وردّها ووصفها بالرداءة وعدم الفصاحة، فقد قال -بعد نقله ما قال الفراء في نقدها-: «وأمّا الكلام غير الشِّعْر فلا شيء يضطر المتكلّم إلى اختيار المكروه من المنطق والرديء في الإعراب منه»[41].
هذه القراءة أنموذج لاستشهاد النحاة بالقراءات وموقفهم منها، وقد قلتُ: إنهما مبنيّان على الأكثر من كلام العرب، فلنرجع إلى القرآن والقراءات لنعلم مدى تأييدهما لهذا القول ودلالتهما عليه، في هذه القراءة والقراءة الآتية على وجه الخصوص، وهو تأييد واضح لا ريب فيه يتمثل في ثلاثة أمور، هي:
أ- الآيات التي فيها العطف على الضمير المجرور وأُعِيدَ فيها الجارّ كثيرة جدًّا تبلغ حوالي المائة، وقد سبق لي إحصاؤها ولكن هذا الإحصاء ليس معي الآن، منها قوله تعالى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ [المائدة: 110]، وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: 111]، وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: 22]، وقوله: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: 47]، وقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل: 19]، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الشورى: 3]، وقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10]، وقوله: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: 4]، وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: 33]، وغير هذه الآيات كثير.
ب- الآيات التي يبدو أنّ العطف فيها على الضمير المجرور دون إعادة الجار قليلة لا تزيد عن أربع -فيما أعلم- منها آية النساء السابقة، وقد خرّجها المانعون على غير هذا العطف، فهي محتملة، والآية الثانية قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: 127]، والثالثة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20]، والرابعة قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: 4]، وقد خرَّجتُ هذه الآيات الثلاث على غير هذا العطف دون تعسّف[42].
وقد اعتمد الإمام ابن مالك على مثل هذه الآيات وما جاء منه في الشِّعْر فأجاز هذا العطف، وهو خلاف مذهب الجمهور -كما يقول ابن عقيل في شرح الألفية- ولا شك أنه المذهب المبنيّ على الأكثر الذي لا يُطعن فيه.
ج- قراءة الإمام حمزة السابقة لم يقرأ بها أحد من السبعة ولا من الثلاثة المكمِّلين العشرةَ غيره، فكلّهم قرؤوها بالنصب فهو الأكثر الذي تُبنى عليه الأحكام النحوية إلى جانب إعادة الجار في الآيات عند إرادة العطف.
فهذه الأمور الثلاثة هي التي جعلت جمهور النحويين يتّخذون حكمهم السابق على هذه القراءة، وإن كان ردّهم ونقدهم لها غير مقبولَيْن، وبناءً عليها وعلى الوارد الكثير من كلام العرب شرَّعوا حكمهم بمنع العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار، وهو دليل بنائهم على الأكثر ورفضهم البناء على القليل إذا ما توفّر الأول.
القراءة الثانية هي قراءةُ عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي قولَه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ بنصب (أولادَهم) مفعولًا به للمصدر فاصلًا بين المضاف (قَتْلُ) والمضاف إليه (شركائِهم)، وقد نقدها النحاةُ نقدًا شديدًا، وكان أبو زكريا الفراء أسبقهم إلى نقدها -فيما وصل إلينا- ولم يُجِز الإمامُ الطبري القراءة بها لمخالفتها قراءة الجماعة، وقال عنها: «وذلك في كلام العرب قبيح غير فصيح»[43]، وبالغَ جار الله الزمخشري في نقدها وردّها[44]، ولا يختلف النحاة في تقبيح الفصل بين المضاف والمضاف إليه إلا في الضرورة.
وإذا ما علمنا أنّ هذه القراءة لم يقرأ بها أحد غير ابن عامر وأنه لم تجئ قراءة أخرى بهذا الفصل سوى قراءة شاذّة منسوبة لبعض السَّلَف لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾، بنصب (وَعْدَ)، وجرّ (رُسُلِ)[45]، إذا ما علمنا ذلك علمنا علم اليقين أنّ حُكم جمهور النحويين بمنع الفصل بينهما مبنيّ على أساس متين من القرآن الكريم، وأنّ هذا الفصل أمرٌ غير طبيعي، وأنّ الذين أجازوه اتّباعًا لابن مالك لا يستطيعون أن يصفوه بالفصاحة لمخالفته مخالفة ظاهرة لِما اطّردت عليه أساليب القرآن الكريم وكلام العرب، وابن مالك هو الذي أجاز هذا الفصل بشرط أن يكون الفاصل منصوبًا بالمضاف كالقراءتين السابقتين.
والنتيجة التي ننتهي إليها من هذا البحث من عرضِ معنى تيسير القرآن ومنهجه واقتداء اللغويين به في البناء على الأكثر والالتزام باللغة الفصحى الشائعة الموحَّدَة والموحِّدة، هي الدعوة الملحّة للالتزام بهذا المنهج القرآني في المفردات والأساليب والتعريب بحيث لا نُدخِل في لغتنا إلا ما كان فصيحًا سليمًا إن كان من الأساليب موافقًا لأوزان العربية في حروفه وصيغته إن كان من المفردات المعرَّبة أو المولَّدة، بحيث تكون طريقة صياغة الألفاظ واشتقاقها موافقة لموازين الصياغة والاشتقاق التي استقرّ عليها فكرنا اللغوي ومقاييسه المبنية على الأكثر الشائع من كلام العرب على نحو ما وصَفْنا، وأن يكون ذلك في حدود الضرورة اللغوية والعلمية، فإنّ هذا الالتزام واجب قرآني وعِلْمي وتاريخي وضروري لاستمرار هذه اللغة الشريفة فصيحة سليمة وموحَّدة وموحِّدة.
ولله الأمرُ مِن قبلُ ومِن بعدُ.
[1] نُشرت هذه المقالة في مجلة (كلية الدعوة الإسلامية) بالجماهيرية الليبية، العدد الرابع عشر، سنة 1997م، ص9. (موقع تفسير).
[2] تفسير الطبري (1/ 42- 43)، وينظر: اللسان (قرأ).
[3] الكشاف (4/ 529)، ط. 2، مطبعة الاستقامة - القاهرة.
[4] لسان العرب، مادة (قرأ).
[5] تهذيب اللغة (9/ 271)، مادة (قرأ).
[6] الكاشحين: جمع كاشح، وهو المضمر العداوة في كشحه: ما بين خاصرته وضلوعه، العيطل: الناقة الطويلة العنق، الأَدْمَاء: البيضاء، البكر: التي حملت بطنًا واحدًا، الهجان: الأبيض الخالص البياض يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والمثنى والجمع، شبّه المرأة التي يصفها بناقة جميلة هذه صفاتها. شرح المعلقات السبع للزوزني، ص238- 239، تحقيق المرحوم الشيخ: محمد محيي الدين عبد الحميد.
[7] تفسير الطبري (1/ 42، 43).
[8] الموضع السابق من تفسير الطبري، وتفسير ابن عطية (1/ 79)، والخزانة (4/ 118)، ولم يجده البغدادي في ديوانه وأدخله فيه محقّقه، ص216.
[9] تفسير ابن عطية (1/ 79).
[10] البحر المحيط (8/ 387).
[11] وينظر: تفسير الطبري (1/ 43)، ط. الحلبي.
[12] وينظر: مناهل العرفان في علوم القرآن، للمرحوم الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني (1/ 12- 13).
[13] وينظر: مناهج العقول، للإمام الإسنوي (1/ 162).
[14] التعريفات، ص152.
[15] ينظر: التسهيل في علوم التنزيل، لأبي القاسم محمد بن جزي الكلبي الغرناطي (4/ 81).
[16] صحيح مسلم بشرح النووي (7/ 192).
[17] الموافقات (2/ 69- 70).
[18] في صحيحه بشرح فتح الباري (10/ 241- 242)، ط/ مصطفى الحلبي، مصر.
[19] فتح الباري (10/ 241- 242).
[20] ينظر: فتح الباري (10/ 240- 241).
[21] «باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: بُعِثتُ بجوامع الكلم» (17/ 5). وهو في صحيح مسلم (5/ 5) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، بشرح الإمام النووي.
[22] الموافقات (2/ 82).
[23] الموافقات (2/ 85).
[24] الموافقات (2/ 85).
[25] الموافقات (2/ 87).
[26] في تفسيره: التحرير والتنوير (1/ 58).
[27] في كتابه: (سمير الطالبين في رسم وضبط الكتاب المبين)، ص15.
[28] طبقات النحويين واللغويين للزبيدي، ص15.
[29] طبقات النحويين واللغويين للزبيدي، ص41.
[30] طبقات النحويين واللغويين للزبيدي، ص34.
[31] الكتاب (1/ 398).
[32] الأصول في النحو، لأبي بكر بن السراج (1/ 121- 122). وينظر: الإنصاف، للأنباري (1/ 148- 155/ م16).
[33] الإغفال (1/ 400) (على الآلة الكاتبة).
[34] الإغفال (1/ 21).
[35] الخصائص (2/ 10- 12).
[36] الاقتراح، ص14- 15.
[37] شرحه على الألفية (4/ 3).
[38] معاني القرآن (1/ 252- 253).
[39] معاني القرآن وإعرابه (1/ ق111)، وتنظر: (1/ 126).
[40] إعراب القرآن (1/ ق44).
[41] تفسير الطبري في أول سورة النساء.
[42] ينظر كتابي: النحو وكتب التفسير (1/ 266- 267) وغيرها.
[43] تفسير الطبري (12/ 137- 138)، ط. دار المعارف بمصر.
[44] في تفسيره: الكشاف (2/ 55)، ط. الاستقامة.
[45] وينظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تعليق الدكتور: طه محمد الزيني (3/ 60- 64).