‏‌‌‌‌قول يحيى بن أحمد المُلقّب بثعلب (ت: 291) في التفضيل بين القراءات ‏السبع
‏عرض وتحليل‏

‏من الأقوال المبكِّرة المنقولة في المنع من التفضيل بين القراءات قولٌ للإمام ثعلب (ت: 291)، وقد وردَ هذا القول من طُرق، واختلفت الأنظار تجاهه، وهذه المقالة تقصد إلى تحقيق هذه المقولة بجمع طرقها، والكلام على زيادة ذِكْر السبعة فيها، وتحقيق القول فيها، والكشف عن علاقة تسبيع القراءات بها.

  الحمد لله ربّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسَلّم وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمّا بعد:

فمِن المسائل التي بحثها أهلُ العلم في القراءات: التفضيل بينها، وترجيح قراءة على أخرى[1]. وللعلماء قولان مشهوران في هذه المسألة: المنع، والجواز بشروط. ومِن أشهر مَن يُذكر قوله في جانب المنع الإمام أحمد بن يحيى الـمُلقّب بثعلب؛ إِذْ يُنسب له كلام فيه التصريح بالمنع من التفضيل بين القراءات.

والعلماء غالبًا ما يقتصرون على ذِكْر قول الإمام ثعلب في هذه المسألة المتقدِّمة، دون إيراد قوله كذلك في بيان تاريخ تسبيع القراءات[2].

وقد ورَدَ هذا القول عن ثعلب من طُرُق، جاء في بعضها النصّ على القراءات السبع، وبعضها دون ذلك، واختلفت الأنظار في هذا النصّ بين مثبِت لهذا الكلام بتلك الزيادة لثعلب، وبين مَن اعتبرها زيادة من بعض الرواة أو الناقلين لقوله، خاصّة إذا لُوحظ تاريخ وفاته مع تاريخ تسبيع القراءات السبع.

وتأتي هذه المقالة لتحقيق هذه المقولة لثعلب بجمع طرقها، ثم الكلام عن الزيادة محلّ النظر، وتحقيق القول فيها، والكشف عن علاقة تسبيع القراءات بها[3].

أوَّلًا: ذِكْر قول الإمام ثعلب في المسألة:

وقفتُ على ثلاثة طرق لقوله رحمه الله تعالى:

الأول: ما أخرجه ابن خالويه (ت: 370) بسنده، حيث قال: «سمعتُ محمد بن أبي هاشم يقول: سمعت ‌ثَعلبًا يقول: (إذا ورد الحرف عن ‌السَّبعة وقد اختلفوا ثم اخترتُ، لم أُفَضِّلْ بعضًا على بَعضٍ، فإذا ورد في الكَلامِ اختَرتُ وفَضَّلْتُ)»[4].

ومحمد بن أبي هاشم المذكور هو اسم أبي عُمَر الزاهد -الآتي ذِكْره في نَقْلِ أبي حيان-؛ حيث إنّ ابنَ خالويه كان يُنَوِّع في طريقة إيراده لشيخه أبي عُمَر، فيذكره تارة باسمه (محمد بن أبي هاشم)، وتارة باسم: (محمد بن عبد الواحد)، وتارة باسم: (أبي عُمر الزاهد)، وغير ذلك[5].

الثاني: ما أخرجه أبو الفضل الرازي (ت: 454) بسنده، حيث قال: «وقد حدَّثونا عن أبي بكر بن مِقْسَم، عن أحمد بن يحيى ثعلب النحْويِّ، أنه كان يقول: (لا تُفضِّلْ إعرابًا على إعرابٍ في القرآن، فإذا جِئْتَ إلى كلام الناسِ ففضِّلِ الأقوالَ)»[6].

الثالث: ما نقله أبو حيان (ت: 745) عن كتاب (اليواقيت) لأبي عُمَر الزاهد -غلام ثعلب-[7]، حيث قال: «حكى أبو عُمر الزاهدُ في كتاب (اليواقيت) أنّ أبا العباسِ أحمدَ بنَ يحيى ‌-ثعلبًا- كان لا يَرى الترجيحَ بينَ القراءاتِ السَّبعِ، وقال: قال ثعلب -من كلامِ نَفْسِه-: (إذا اختلف الإعرابُ في القُرآنِ عن ‌السَّبعةِ لم أُفَضِّلْ إعرابًا على إعرابٍ في القرآنِ، فإذا خَرَجْتُ إلى الكلامِ -كلامِ النَّاسِ- فَضَّلْتُ الأَقوى). ونِعْمَ السَّلفُ لنا أحمدُ بن يحيى، فإنه كان عالمًا بالنَّحو واللغة، مُتَدَيِّنًا، ثِقةً»[8].

وذَكَر النَّقْلَ الذي أورده أبو حيان جماعةٌ بعده، منهم: السمين الحلبي، والزركشي، والسيوطي[9].

ثانيًا: هل جملة «عن السبعة» مِن مقول الإمام ثعلب، أم من مقول الرواة عنه؟

كلام ثعلب في المسألة وردَ عن اثنين مِن تلاميذه، وهم: محمد بن أبي هاشم (أبو عمر الزاهد)، وأبو بكر بن مِقسَم. ولفظة: «عن السبعة»، لم تَرِد إلا في رواية أبي عمر الزاهد، دون رواية ابن مِقْسَم؛ مما يدلّ على احتمالات متعدِّدة:

الأول: أن تكون زيادة «عن السبعة» من ابنِ خالويه؛ إِذْ إنه من تلاميذ ابنِ مجاهد المبرَّزين، وهو الذي روى النَّصَّ المذكور عن أبي عمر الزاهد عن ثعلب، ويحتمل أن يكون هو نفسه راوي كتاب (اليواقيت) الذي نقَل عنه أبو حيان؛ حيث إنه لازمَ أبا عمر الزاهد في الوقت الذي كان يُمْلِي فيه هذا الكتاب -وسيأتي ذِكْرُه-، بل أفاده في إضافة بعض المعلومات فيه[10]. إلا أنه يُشكل على هذا الوجه أني لم أقف على مَن نَصَّ على أنّ ابن خالويه كان من رواة هذا الكتاب عن أبي عمر الزاهد[11]. ثم إنّ إثبات هذا الأمر يحتاج إلى أدلّة أقوى.

الثاني: أن تكون زيادة «عن السبعة» من أبي عمر الزاهد؛ حيث إنّه وُلِد سنة 261 وتُوفي سنة 345، وابن مجاهد وُلِد سنة 245 وتوفي سنة 324، وابن مجاهد كان مِن أئمة القُرّاء في عصره، حتى قال عنه الإمامُ ثعلب نفسُه سنةَ 286: «ما بقي في عصرنا هذا أحدٌ أعلم بكتاب الله من أبي بكر بن مجاهد»[12]، فيحتمل أنّ أمر التسبيع اشتهر في زمانه، حتى إنّ أبا عمر الزاهد أخذ به، ولا سيما إذا عُلِم أنّ بعض علماء بغداد أرادوا خدمة اختيارات ابن مجاهد؛ كأبي بكر بن السراج (ت: 316) -وكان من العلماء المشهود لهم-، مما يعني أن كتاب (السبعة) قد ذاع وانتشر سريعًا في وقتٍ وجيزٍ[13]. ومما يُضاف كذلك: أنّ أبا عمر الزاهد إنما شَرَع في إملاء كتابه (اليواقيت) بعد وفاة ابن مجاهد، سنة 326، وأتمَّه سَنةَ 331[14]، مما يعني أنه بدأ بإملاء كتابه بعد وفاة شيخه ثعلب بأكثر من 40 سنة، مع الأخذ بالاعتبار أنه إنما أملاه من حِفْظِه ارتجالًا دونَ كتابٍ، وزاد فيه أشياء مع مرور الوقت[15]، وهذا كلّه مِن مظنّة أنه يزيد أشياء مِن عنده ليبين كلام شيخه. ولعلّ ابن خالويه سمع مِنه النقل المذكور عن ثعلب في أثناء هذه المجالس، ولا سيما إذا عُلِمَ أنه كان مصاحبًا لشيخه أبي عُمر في سنوات إملاء الكتاب؛ حيث ذكر د. عطا أنّ مظنّة زمن طلب ابن خالويه العلم على أبي عمر الزاهد هي المدة التي ما بين 314 إلى 333[16].

الثالث: أن تكون «عن السبعة» من قولِ الإمام ثعلب نفسِه، ولا سيما إذا استُحضر قوله السابق في الثناء على ابن مجاهد، ولكن يُشْكل على ذلك أنّ رواية أبي الفضل الرازي لم تَرِد فيها هذه العبارة. وعلى فَرْضِ صحة هذا الاحتمال الأخير فإنه لا يُشكل عليه ما يذكره العلماء مِن أنّ ابن مجاهد هو أول من سَبَّع السبعة؛ إِذْ ثَمّ احتمال بأن يكون التسبيع موجود قبل صَنيع ابنِ مجاهد[17]. ثُم إنّ مراد أهل العلم بقولهم: (أبو بكر بن مجاهد هو أوّل من سَبَّع السبعة) أنه أوّل مَن ألَّف كتابًا في القراءات مقتصِرًا فيه على قِراءةِ القُرّاء السبعة المعروفين، وليس مرادهم أنه أوَّلُ مَن ألَّف في القراءات، أو أوّل مَن أشهر هؤلاء السبعة أو خَصَّهم بشيء من عِلْم القراءات دون غيرهم، يشهد لذلك قول أبي شامة: «وقد كثرتْ تصانيف الأئمة في القراءات المعتبرة والشاذّة، ووقع اختيار ‌أكثرهم ‌على ‌الاقتصار على ذِكْر قراءات سبع من أئمة الأمصار، وهم الذين أُجمع عليهم، وإن كان الاختلافُ أيضًا واقعًا فيما نُسِب إليهم. وأوّل من فعل ذلك الإمامُ أبو بكر بن مجاهد قُبَيل سنة ثلاثمائة أو في نحوها»[18]، وقال ابن الجزري: «كان أوّل إمام معتبر جَمَع القراءات في كتابٍ أبو عبيد القاسم بن سلام، وجعلهم -فيما أحسب- خمسة وعشرين قارئًا مع هؤلاء السَّبعةِ»، ثم ذَكر مَن كَتَبَ بعده؛ كأحمد بن جبير الكوفي، ثم إسماعيل بن إسحاق المالكي، ثم أبي جعفر بن جرير الطبري، فَالدَّاجوني، ثم قال: «وكان في أَثَرِهِ أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، أوّل من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط»[19].

وبعدُ، فالذي يترجّح من خلال ما سبق أنّ لفظة: «عن السبعة»، من زيادة أبي عمر الزاهد على ما نقله عن شيخه ثعلب؛ للشّواهد الدالة على ذلك، وسلامة هذا الاحتمال من الإشكالات.

ويُشار هنا إلى أنه بناءً على ما تقدَّم فإنه لا يصح القول بأن النَّصَّ الذي ذكره أبو حيان فيه خَلَل من جهة نقله، أو أنه قد زاد عليه هو لفظةَ: «عن السبعة»[20]، ولا سيما أنّ أبا حيان قبل نقله لكلام ثعلب نَصَّ على أنّ ثعلبًا كان لا يرى الترجيح بين القراءات السبع، حيث قال: «حكى أبو عمر الزاهدُ في كتاب (اليواقيت) أنّ أبا العباسِ أحمدَ بنَ يحيى ‌-ثعلبًا- كان لا يَرى التَّرجيحَ بينَ القِراءاتِ السَّبعِ»[21]، فهو بَيَّن أنَّ ذِكْر (السبعة) موجودٌ في النصّ المنقول؛ فلا وجه لأنْ يضيف عليه من عنده شيئًا.

ومما يَحْسن إيراده في نهاية هذه المقالة ما أخرجه الخطيب البغدادي عن أبي بكر بن مجاهد، أنه قال: «كنتُ عند أبي العباس أحمد بن يحيى -ثعلب-، فقال لي: (يا أبا بكر! اشتغل أصحابُ القرآن بالقرآن، ففازوا. واشتغل ‌أهلُ ‌الفقه ‌بالفقه، ففازوا. واشتغل أصحابُ الحديث بالحديث، ففازوا. واشتغلتُ أنا بزيدٍ وعمرٍو، فليتَ شِعْري ماذا يكون حالي في الآخرة؟!) فانصرفتُ من عنده، فرأيتُ تلك اللّيلة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في المنام، فقال لي: (أقرئ أبا العبّاس مِنِّي السّلام، وقل له: إنّك صاحبُ العلم المستطيل)»[22]. ثم نقل الخطيب عن الروذباري بيان معنى الجُمْلة الأخيرة، فقال: «أراد أنّ الكلام به يكمل، والخطاب به يجمل» أو: «أراد أن جميع العلوم مفتقرة إليه».

خاتمة:

قُصِد في هذه المقالة تتبُّع مقولة الإمام ثعلب في المنع من التفضيل بين القراءات، فوُقِف على طُرقها وهي ثلاثة، وحُرِّر القول في زيادة ذِكْر السبعة في كلامه، خاصّة مع عدم وروده في أحد طرق هذه الرواية، وتبيَّن أن ذِكْر «عن السبعة» في كلام ثعلب ثابت في مصدرٍ متقدِّمٍ، وليس مِن تصرُّف أبي حيان؛ ويحتمل أنه من زيادة ابن خالويه أو أبي عمر الزاهد أو من كلام الإمام ثعلب نفسِه، وأرجح هذه الاحتمالات أنه من كلام أبي عمر الزاهد، رحمهم الله تعالى جميعًا ونفعنا بعلومهم. والحمد لله رب العالمين.

 

[1] انظر بحث المسألة في: (فضائل القرآن الكريم)، أ.د/ الجار الله، ص465- 519.

[2] وقفتُ أثناء البحث في المسألة على مشاركات في ملتقى أهل التفسير مِن قِبَل الأساتذة الأفاضل، أثارَتْ هذا الموضوع وأَثْرَتْه، واستفدتُ منهم، شكر الله تعالى لهم. وهذا رابطها: mtafsir.net/threads/46653

[3] ولا يفوتني هنا أن أشكر أخي الكريم الدكتور إن شاء الله تعالى: حسين بن الخميس رزوقي؛ حيث إن هذه المقالة نتاج مدارسة معه في هذه المسألة، شكر اللهُ تعالى له جهوده وبارك في عِلْمه.

[4] إعراب القراءات السبع وعِلَلها، تحقيق: د. العثيمين، (2/ 221).

[5] انظر بيان ذلك وذِكْر مواضعه من كتبه في مقال، بعنوان: (تأثير أبي عمر الزاهد في تكوين ابن خالويه علميًّا)، إعداد: د. محمد عليّ عطا، منشور في موقع معهد المخطوطات العربية، تحت هذا الرابط: www.malecso.org/2018/08/06

[6] معاني الأحرف السبعة، ، تحقيق: أ.د/ حسن ضياء الدين عتر، ص356.

[7] والكتاب لم يُعثر عليه حتى الآن.

[8] البحر المحيط، تحقيق: د. التركي، ومركز هجر (11/ 473). وهكذا وردت العبارة في تحقيق الباحث: عبد الرحمن بن عابد الغريبي، في رسالته الدكتوراه بالجامعة الإسلامية، ص498، حيث إنّ كلام أبي حيان في هذه المسألة من ضِمن المقدار الذي قام بتحقيقه من (البحر المحيط).
تنبيه: ذُكِر هذا النقل في حاشية (جامع البيان) للطبري، تحقيق: د. التركي، ومركز هجر، (9/ 178) الحاشية (3)، وجاء فيها: «قال ابن عطية كما في البحر المحيط...»، وما تحته خطّ تطبيع، وصوابه: «أبو حيان».

[9] انظر: الدر المصون، تحقيق: د. الخراط (1/ 48)، والبرهان، تحقيق: المرعشلي (1/ 490)، والإتقان، تحقيق: المجمع (2/ 537).
تذييل: لم ترِد لفظة: «عن السبعة» فيما ذكره السيوطي في (الإتقان)، مع أنه نقل كلامه من (البرهان) للزركشي، كما ذكر الأمرَ الأخيرَ فضيلة أ.د/ حازم السعيد حفظه الله تعالى، في (علوم القرآن بين البرهان والإتقان)، ص427. وكذا لم ترِد في كتاب السيوطي (معترك الأقران) (1/ 122). بَيْدَ أنها وردت في (نواهد الأبكار) له، ولم يتبين لي وجه ذلك، هل هو تصرُّف في النقل، أم أنها سقطت؟ كلّ ذلك -وغيره- محتمل.

[10] انظر: العشرات في اللغة، لأبي عمر الزاهد من رواية ابن خالويه، ص114.

[11] وانظر أسماء بعض مَن أخذ الكتاب عن أبي عمر الزاهد في: الفهرست للنديم (1/ 231- 233)، تحقيق: أيمن السيد.

[12] أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ مدينة السلام = تاريخ بغداد (6/ 353).

[13] انظر بيان ذلك في: كتاب السبعة، لابن مجاهد -عرضًا ودراسة-، ص148.

[14] انظر ذِكْر ذلك في: الفهرست، للنديم، تحقيق: أيمن السيد (1/ 231- 233).

[15] انظر النصَّ على ذلك في: الفهرست، للنديم، تحقيق: أيمن السيد (1/ 231).

[16] انظر مقال، د. عطا، المحال إليه سابقًا.

[17] انظر: كتاب السبعة لابن مجاهد -عرضًا ودراسة-، ص137- 139.

[18] إبراز المعاني (1/ 98)، تحقيق: محمود جادو.

[19] نشر القراءات العشر (1/ 186- 187)، تحقيق: د. أيمن سويد.

[20] ذُكر ذلك في مشاركة في ملتقى أهل التفسير.

[21] البحر المحيط (11/ 473)، تحقيق: د. التركي، ومركز هجر.

[22] تاريخ مدينة السلام = تاريخ بغداد، تحقيق: د. بشار (6/ 456).

الكاتب

أحمد سليمان المنيفي

حاصل على بكالوريوس التفسير والحديث من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت، وله بعض الأعمال العلمية المنشورة.

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))