المؤثرات الفكرية على الإعجاز العلمي
(2-2)

الكاتب: جمال الدين عبد العزيز الشريف

تتابع هذه المقالة عرض المؤثرات الفكرية التي أسهمت في نشأة اتجاه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم وتطوّره، وتَعرِض في جزئها الثاني سائر المؤثرات وهي أربعة، والمقالة مستلّة من كتاب: (نظريات الإعجاز القرآني).

المؤثرات الفكرية على الإعجاز العلمي (٢-٢)

سادسًا: المقارنة بين القرآن والكتاب المقدّس:

أوّل كتاب في الإعجاز العلمي هو كتاب أحمد بن محمد الإسكندراني: (كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما يتعلّق بالأجرام السماوية والأرضية والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية)، والإسكندراني المتوفى سنة ١٨٨٩م كان طبيبًا وله إلمامٌ بالعلوم الحديثة؛ كالكيمياء وطبقات الأرض والحيوان والنبات، وكان -رحمه الله- يربط بين القرآن وهذه العلوم، ومبدؤه في ذلك هو: أنْ لا تعارض بين الدِّين والعلم، وكان منشغلًا بدفع الشُّبهات التي تُثار ضد الدِّين. أمّا عن كتابه هذا فقد ذكر في مقدّمته أنّ السبب في تأليفه هو: أنه اجتمع ببعض الأطباء المسيحيين، فشرعوا يتحدّثون عن كيفية تكوُّن الأحجار الفحمية، وذكروا أنه لا وجود لها في التوراة والإنجيل وتساءلوا عن وجودها في القرآن الذي قال الله تعالى فيه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وذكر أنه تتبَّع الأمر في كتب الطب والتفسير وغيرها، فلما وقف على الحجر المشار إليه انفتحت عليه الموضوعات انفتاحًا؛ فبيَّن كيفية تكوُّن الحيوانات والنباتات والأجرام السماوية وغيرها، وتحدّث عن (دابة الأرض) في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤]، وبيَّن في ذلك رُتبتها في الحشرات التي تزيد عن خمسين ألف نوع، ثم تكلّم عن وصفها وتشريحها وغير ذلك، وقد طغت المادة العلمية في هذا الكتاب جدًّا.

ومعلوم أنّ المقارنة بين القرآن والكتاب المقدّس كانت هي النقطة الجوهرية التي انطلق منها الإمام محمد عبده في ردِّه على هجوم رينان، وقد بَيَّن أن المسيحيين في أوروبا قد كانوا على جهل عظيم؛ وذلك بسبب المسلَّمات الدينية التي كانت لديهم، يقول: «وقرّ في نفوس المسيحيين أنّ السلامة في ترك الفكر والأخذ بالتسليم، وتقرّر عند القوم قاعدة: (إنّ الجهالة أُمّ التقوى)». وقد تكلّم أيضًا عن الصراع في أوروبا بين الدِّين والعلم، وأنّ العلم قد جاء إليهم من قِبَل المسلمين، يقول: «أرى شبه نزاع بين العلم والدِّين ظهر في أوروبا بعد ظهور الإسلام واستقرار سُلطانه في بلاد الأندلس، واحتكاك الأوروبيين بالمسلمين في الحروب الصليبية»، وهذا الأمر الذي فعله الغربيون في غاية الغرابة، فكيف يسوغ لهم أن يأخذوا من المسلمين العلم الذي أمرهم به القرآن، ثم يتناقض هذا العلم مع الكتاب المقدّس لديهم، ثم ينقلبوا ليقولوا إنّ الأديان كلّها سواء في تعارضها مع العلم واحتقارها للمعرفة؟!

وبهذا المعنى يقول محمد رشيد رضا في تقديمه لكتاب الإمام محمد عبده: «أخذ الغربيون من الإسلام كلّ أصول الإصلاح الذي هم فيه، وهم يقولون: إنّ الإسلام عقبة في طريق كلّ إصلاح، ويقولون للمسلمين: إنّ ماءنا صاف نقي يحيي البلاد والعباد، وماؤكم آسِنٌ أُجاج أحدَث مستنقعات أهلكَت الحرث والنسل، فكيف يستوي الماءان وقد اختلف الأثران؟! منهم من يقول ذلك معتقدًا ومنهم يقول ذلك منتقدًا، ونحن ساكتون عنهم لأنّنا جاهلون بأنفسنا وبهم».

ويقول محمد رشيد رضا أيضًا عن هذه النقطة الجوهرية في النزاع -وهي المقارنة بين الإسلام والنصرانية أو المقابلة بين القرآن والكتاب المقدّس في مسألة العلم هذه-: «أمّا الكلام في المقابلة بين الدينَيْن من حيث أثرهما في العلم والمدنية فهو نصير العوام والخواصّ، بل هو الشفاء لِمَا في صدور الناس والضياء للباحثين في حَنادِس الحيرة والوسواس».

وقد ذكر الإمام محمد عبده طبيعة الدِّين المسيحي واعتماده على الخوارق واللامعقول والإعراض عن شواغل الكون واعتمادهم واقتصارهم على كتبهم المقدّسة، بل حتى هذه الكتب لا يمكن فهمها إلا من خلال الكنيسة ورجالها، يقول: «وليس يسوغ لكلّ ذي عقل فهمه [يعني الكتاب المقدّس] إنما يتلقّى فهمه من رؤساء الكنيسة؛ خوفًا من الزيغ عن الإيمان السليم».

وقد قارن الإمام بين موقف أهل الدينَيْن إزاء ظهور حقيقة علمية معينة عند كلّ فريق، وهذه الحقيقة هي (كروية الأرض)، أمّا المسلمون فقد ظهرت هذه الحقيقة عندهم في أوّل خلافة بني العباس ومرّت مرور الكرام أو لم تتحرك لها شعرة في بدن -على حدّ قوله- وذلك لأنّ الحقائق العلمية لا تناقض حقائق الدّين عندهم، أمّا في عالم النصرانية فعندما ظهرت هذه الحقيقة أحدثت زلزلة قوية واضطرابًا شديدًا.

سابعًا: تيارات التراث الإسلامي وتيارات الفكر الغربي:

اتّسمت الدعوة الإصلاحية التي أسّسها جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده بالنزعة العقلية الواضحة؛ إِذْ أعلى أصحاب هذه الدعوة من شأن العقل ونادوا باستخدامه في أمور الدِّين جميعها؛ ولهذا سُمّيت بـ(المدرسة العقلية)، ولا شك أنّ التعامل مع نصوص الوحي -في هذه المدرسة- باستخدام العقل من جهة أو استخدام معطيات العلوم العصرية الحديثة من جهة أخرى يذكّرنا بتيارين مهمّين؛ أحدهما في التراث الإسلامي، والآخر في الفكر الغربي؛ وهما:

١- المعتزلة في التراث الإسلامي بنزعتهم العقلية في تعاملهم مع النصوص.

٢- الدعوة العصرانية في أوروبا والتي ترى ضرورة إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية في ضوء العلوم والثقافة المعاصرة.

والمعتزلة هي أكثر الفرق الإسلامية استخدامًا للعقل، وقد كان المنهج العقلي إطارًا يسيطر على أفكارهم ويهيمن على آرائهم، وهذا ما حدث في هذه المدرسة بالضبط؛ ولهذا سماهم البعض بـ(المعتزلة الجُدُد)، والذين سموهم بذلك يدركون تمام الإدراك أن للمعتزلة أصولهم الخمسة، ولا يمكن تسمية جماعة بذلك إلا إذا قالت بهذه الأصول، وما خروج أبي الحسن الأشعري من دائرة الاعتزال وموافقته لأهل السنّة إلا بكسر هذه الأصول لا غير، إلا أن الاستخدام المفرط للعقل قد كان سِمَة جامعة بين هذه المدرسة والمعتزلة بشكلٍ واضحٍ لا يخفى، يقول الإمام محمد عبده: «الأصل الأول للإسلام النظر العقلي لتحصيل العلم، فأوّل أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي، والنظر هو وسيلة الإيمان الصحيح، فقد أقامك منه على سبيل الحُجّة وقاضاك إلى العقل، ومَن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سُلطته، فكيف يمكن بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه»، ويقول أيضًا: «مُهِّدَت بين يدي العقل كلّ سبيل، وأُزيلت من سبيله جميع العقبات، واتسع له المجال من غير حَدّ». وقد ذهب الدكتور محمد عمارة -ناشر فكر المدرسة والمتحدِّث باسمها- إلى أنّ الواقع الفكري يحتاج وبشدّة إلى عقلانية المعتزلة للدفاع عن الدِّين والقرآن، يقول: «لقد أصبح الواقع الفكري للحياة العربية يتطلّب فرسانًا غير النصوصيين، ويستدعي أسلحة غير النقول والمأثورات للدفاع عن الدِّين الإسلامي وعن حضارة المسلمين»، ثم يقول: «ويسلِّم الكثيرون بأن المعتزلة هم فرسان العقلانية في حضارتنا».

وقد كان الدليل العقلي -عند المعتزلة- مقدّمًا على الدليل النقلي نفسه، وإن المرء ليستغرب هذه الخطوة المنهجية ويستنكرها إذا كان بمعزل عن ذلك الجوّ الفكري، ولكن سرعان ما تزول هذه الغرابة إذا استحضرنا ذلك الجو الفكري الذي كان المعتزلة ينافحون فيه عن دين الله ويجادلون غير المسلمين الذين يقنعهم الدليل العقلي، ولا تقنعهم الآيات القرآنية العظيمة ولا الأحاديث النبوية الشريفة، فقد كان هؤلاء المعتزلة يأخذون القضايا الدينية ويعزلونها عن الأدلة النقلية، ثم يقيمون الأدلة العقلية عليها؛ ولهذا ترى الإمام محمد عبده يذهب المذهب المعتزلي نفسه في شأن العقل فيقدّمه على ظاهر النصّ، يقول: «الأصل الثاني للإسلام تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض»، وليس ذلك فحسب، بل ترى محمد فريد وجدي يقول: «الدين هو العقل، ولا دين لمن لا عقل له»، إلا أنّ هذا المنهج العقلي إزاء النصّ قد أدخل المعتزلة في المآزق الفكرية الحرجة كما أدخل أصحاب هذا التيار الإصلاحي أيضًا.

وفي ذلك الواقع الفكري المريح الذي نشأت فيه دعوة الإصلاح هذه في العالم الإسلامي -كان هنالك في أوروبا تيار فكري يحاول التوفيق بين العلوم المعاصرة وبين التوراة، وتيار آخر يحاول التوفيق بين هذه العلوم وبين الإنجيل أيضًا، وهو تيار العصرانية (modernism)، ورغم اطّلاع روّاد المدرسة الإصلاحية -كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده- على الفكر الغربي عمومًا، لكن لا ندري على وجه التحقيق مدى اطّلاعهما أو تأثرهما -على وجه الخصوص- بذلك الفكر الغربي الذي يحاول التوفيق بين معطيات الدين من جهة ومعطيات العلوم الحديثة من جهة أخرى، وإن تداخلت هذه الأمور الفكرية فيما بعد في العالم الإسلامي تداخلًا كبيرًا كما سيأتي. ومعلوم أن التوراة والإنجيل قد وقع فيهما التبديل والتحريف فأصبحَا غير معبّرين عن الحقيقة، إلا أنه قد كان لهذه التيارات من الآليات ما تخضع به النصّ الديني للحقيقة العلمية، مثل التأويل وغيره.

ومعلوم أنّ الفكر اللاهوتي الديني في أوروبا -في أوّل الأمر- قد اضطهد التفكير العلمي اضطهادًا كبيرًا كما ذكرنا سابقًا، فلمّا انقلب الأمر وانتصر العلماء الطبيعيون على اللاهوتيين اضطهد العلماء الفكر الديني، وصار أهل العلم ينظرون إلى حقائق الدِّين باعتبارها أمرًا باطلًا أو من الخرافات، إلا أن أهل الدِّين في الغرب قد ركضوا جاهدين وراء العلم وحاولوا مسايرة معطيات الحضارة الحديثة، فنشأت هذه العصرانية سواء عند اليهود أو النصارى.

ومهما يكن من أمر فإنّ أصحاب الدعوة الإصلاحية هذه قد وافقوا تلك العصرانية في التوفيق بين معطيات الدِّين ومعطيات العلوم الحديثة، برغم اختلاف الأديان ومعطياتها وبرغم اختلاف الكتب في السلامة والتحريف؛ إِذْ حاول هؤلاء الإصلاحيون التوفيق بين القرآن والعلوم الحديثة ومنعوا التعارض بينهما، إلا أنّ هذا الاتجاه قد حمل هؤلاء الروّاد إلى تأويل بعض الأمور الغيبية الواردة في القرآن على بعض الأمور الحسّية التي كشفت عنها هذه العلوم، رغم أنّ الوجود لا ينحصر في عالم الحسّ كما أن المعرفة ليست حكرًا على الوجود المادي. وقد أنكر هؤلاء الإصلاحيون أيضًا -بنزعتهم العقلية- المعجزات التي وقعت للنبي -صلى الله عليه وسلم- كما وردَت في السنّة، وأوَّلُوا ما جاء في القرآن من معجزات؛ نحو انشقاق القمر والإسراء والمعراج ونحو ذلك، كما أوَّلُوا الغيبيات بمعطيات العلوم الحديثة. وهذه من المآزق الفكرية الكبرى التي وقعت فيها هذه المدرسة، وسيأتي الحديث عن ذلك في موضعه، والحقّ أنّ الدخول في الغيبيات بمعطيات العلوم المادية لا يعجب المشتغلين بالإعجاز العلمي الآن؛ إِذْ إنّ الإعجاز العلمي قد قطع مراحل ووضع ضوابط جعلته يتجنّب مثل هذه الأمور الخطيرة، ومن الغرابة بمكان أنّ هذه المدرسة الإصلاحية قد انتمتْ إليها تيارات فكرية متناقضة؛ إِذْ أخرجت هذه المدرسة تيارًا محافظًا من جهة، وأخرجت تيارات علمانية وليبرالية وحداثية وعصرانية من جهة أخرى، فمثلما أخرجت المدرسة محمد رشيد رضا ومحمد مصطفى المراغي ومحمود شلتوت من جهة، فقد أخرجت قاسم أمين وأحمد لطفي السيد وغيرهما من جهة أخرى، وقد ادّعت تيارات كثيرة -في عالمنا- الانتماء إلى هذه الدعوة الإصلاحية رغم تباين هذه التيارات وتناقضها، ولـمّا رأى دعاة الحداثة والعصرانية العرب ما فعلته هذه المدرسة الإصلاحية من توفيق بين القرآن وعلوم الغرب وحضارته - التقطوا هذه الأمور فبنوا عليها، رغم أن نية الإمام محمد عبده ومدرسته قد كانت هي الدفاع عن القرآن أمام إنجازات الحضارة الغربية من جهة، ومواجهة العلمنة من جهة أخرى، ولكن هؤلاء قد عدّوا أفكار الإمام أفكارًا تنويرية؛ سعيًا منهم إلى تحويل هذه الدعوة من دعوة علمية إلى دعوة علمانية؛ وبذلك تحوّل السدّ الذي أقامه الإمام محمد عبده أمام العلمانية مِن سدٍّ إلى قنطرة عَبَرَت عليها العصرانية (العربية) التي تحاول تطويع القرآن لأفكار الغرب وفلسفاته وعلومه.

إلا أنّ أصحاب العصرانية والحداثة العرب -وإن كانوا قد وافقوا مدرسة الإصلاح هذه في نفي معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- التي جاءت في السنّة، وتأويل التي جاءت في القرآن- إلا أنهم نفوا الإعجاز العلمي نفسه، كما فعل الجابري الذي ذهب إلى أنه لا وجود لِمَا يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن مستدلًّا بما ذكره الشاطبي من أنّ الشريعة أُمّية، ثم اتخذ من ذلك مقدمة لجعل الأخبار القرآنية متّصفة أيضًا بصفة (الأمّية)؛ ولهذا ذهب إلى أنه يجب الالتزام بمعهود العرب وعدم تحميل القرآن من المعاني ما لا يتناسب مع كون العرب أُمّيين؛ ولهذا لا يمكن إطلاقًا -عنده- تلَمُّس ما يخرج عن معهود العرب من العلوم والمعارف، فالقرآن عنده قد خاطب العرب على معهودهم في المعارف حتى يفهموه. ولا شك أنّ المرء ليتعجب من أنّ هذا التيار الحداثي يوافق أصحاب الدعوة الإصلاحية في التوفيق بين النصّ الديني ومعطيات العلوم من جهة، ويرفض الإعجاز العلمي من جهة أخرى؛ ولكن هذا العجب يزول إذا علمنا أنّ المقصود -عند هؤلاء الحداثيين- هو خضوع القرآن للعلم وليس موافقته للعلم ليصدّقه ويثبت صحّته، وهذا بخلاف خط الإعجاز العلمي الآن تمامًا وخلاف خط المدرسة الإصلاحية قديمًا.

وإذا كان العلم في الفكر الغربي قد استنكف عن قبول حقائق الدِّين وعمل على تهميشها واحتقارها، فإنّ أصحاب الفكر الديني في الغرب قد انقطعت أنفاسهم من شدّة السعي وراء خطوات العلم واقتفاء آثاره؛ ولهذا جاءت العصرانية من أجلِ خَلْق التقارب والتوافق، أمّا في الإسلام فالأمر بخلاف ذلك؛ إِذْ إنّ الوحي لا يمكن إطلاقًا أن يعارض حقائق العلم الثابتة؛ ولهذا ربط الإعجاز العلمي -في وجهه الصحيح- بين معطيات العلم الثابتة ومعطيات القرآن؛ دون حاجة إلى ليِّ أعناق المعاني أو التماس التأويلات البعيدة، ومعلوم أنّ مجهودات الإمام محمد عبده وطنطاوي جوهري ومحمد رشيد رضا والكواكبي لا تُذكر الآن إلا كحلقة مهمّة في تاريخ الإعجاز العلمي فحسب؛ ولهذا سار تيار الإعجاز العلمي في مراحل حتى انقطعت الصِّلَة بينه وبين تلك البدايات التي اعتمدت على التأويلات البعيدة من جهة وعلى التأويل العقلي للغيبيات من جهة أخرى.

ثامنًا: وضع اللغة العربية:

معلوم أنّ دراسة الإعجاز القرآني -في كافة أشكاله- لا يمكن أن يكون إلا عبر اللغة التي نزل بها القرآن، وأنّ معاني القرآن لا يمكن الوصول إليها إلا عبر اللغة والنَّظْم والألفاظ والأسلوب، وهي أمور لغوية واضحة بلا ريب؛ ولهذا فإنّ الوصول إلى المعاني والعلوم القرآنية عبر أيّ طريق يتجاوز هذه الأمور الضرورية أمر مرفوض عند العلماء، ولهذا يقول الإمام الشاطبي: «كلّ معنى مُستنبَط من القرآن غير جارٍ على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء، لا مما يُستفاد منه ولا مما يُستفاد به»؛ ولأجل ذلك فإنّ كلّ مَن ينظر في الإعجاز العلمي وضوابطه لا بد أن تكون هذه الأمور أوّل ما يخطر على ذهنه، ورغم ظهور هذه المسألة إلا أنها عند غير المختصّين ليست بهذا الوضوح، وليس هذا موضوعنا الآن.

ومن المعلوم أن الاهتمام بدراسة اللغة العربية في القرون المتأخرة قد ضعف جدًّا، ومن ناحية أخرى فإنّ العرب أنفسهم قد أهملوا هذا الجانب إهمالًا كبيرًا، هذا فضلًا عن هجوم المستعمر على العربية ومحاولة استبدال لغته بها؛ ولهذا فإننا سوف نتناول هذا الأمر من خلال ثلاثة محاور؛ هي:

١- حال دراسة اللغة العربية عمومًا والبلاغة والإعجاز خصوصًا حتى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين:

سبق العصرَ الحديثَ الذي نتكلم عنه الآن ما عُرف -عند النقاد- بعصر الانحطاط، وهو يبدأ من سنة ١٢٥٨م، وهي السَّنَة التي سقطت فيها بغداد على يد المغول، وقد اتسمت القرون التي جاءت بعد ذلك بضعف اللغة العربية التي حلّت محلّها التركية أو الفارسية؛ حيث كان الحُكّام من الأتراك أو المماليك. أمّا أغراض الشِّعْر فقد دارت حول الإخوانيات والزهد والمديح. هذا، وقد كثرت المحسنات البديعية والزخارف اللفظية وصار الشعراء يتبارون في هذه الصناعة المتكلّفة. وليس ذلك فحسب، بل ظهرت البديعيات؛ وهي قصائد مدح تتضمّن تلك الزخارف والمحسنات وتبالغ في الأخذ بها، حتى جاء محمود سامي البارودي المولود في ١٨٣٩م فأعاد للشعر العربي ديباجته المشرقة وحرّره من قيود البديع وتكلّفاته.

أمّا فيما يتعلّق بالبلاغة ودراسة الإعجاز القرآني، فمعلوم أنّ البديعيات قد كثرتْ في العصر العباسي وصارت مقياسًا للجودة والبراعة والبلاغة، الأمر الذي رفضه الإمام الباقلاني في دراسة الإعجاز، وذهب الجرجاني إلى أن الغرض من الكلام هو بيان المعنى والمقصد والمراد وليس زخرفته بالبديعيات ونحوها، وذهب الرازي إلى أن هذه التكلّفات لا تصلح مقياسًا لدراسة الإعجاز القرآني.

ورغم كلّ ذلك فقد كثر الاهتمام بالبديع جدًّا في العصور المتأخّرة وكثرتْ أنواعه وأشكاله، ومنذ أن تحوّلت البلاغة العربية إلى قوالب وأبواب محدّدة على يد السكّاكي كثرت الشروحات على كتابه وزادت الأنواع، فقد شرحه الكثيرون؛ منهم: القزويني، والسبكي، والسيوطي الذي ضمّن كتابه: (الإتقان في علوم القرآن) ألوانًا كثيرة من هذه البديعيات.

ولـمّا لم يكن للمعاصرين من طريقة لدراسة الإعجاز البلاغي للقرآن غير هياكل السكّاكي وقوالبه التي حدّدها، فقد احتيج إلى الانفتاح على النَّظْم في شكله الواسع الذي لا تحدّه البديعيات والمجازات؛ ولهذا فقد تنبّه الإمام محمد عبده إلى أهمية كتابَي الجرجاني: (أسرار البلاغة) و(دلائل الإعجاز)، وذكر أنهما كانَا كنزًا مخفيًّا فدرَّسهما بالأزهر. وليس ذلك فحسب، بل كوّن هيئة لإحياء التراث الإسلامي سنة ١٩٠٠م نَشرت الكتابَيْن.

٢- الهجوم الاستعماري على اللغة العربية في القرن التاسع عشر:

معلوم أنّ المستعمر عندما احتلّ العالم العربي وقسَّمه بين بريطانيا وفرنسا عمل على تثبيت ثقافته وترسيخ لغته؛ إِذْ أنشأ نظامًا تعليميًّا مختلفًا، وأقام جامعات تدرِّس العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية بلُغَته. ولم تقف جهود المستعمر عند هذا الحدّ، بل شجَّع اللهجات العامية المحلية، وأوّل مَن دعا إلى ذلك الألماني ولهلم سبيتا الذي وضع كتابه: (قواعد العربية العامية في مصر) سنة ١٨٨٠م، ومن هذا الكتاب انطلقت الدعوة إلى اتخاذ العامية لغة أدبية وعلمية، وانتشرت دعوى صعوبة الفصحى، الأمر الذي أدّى إلى مشكلات جمّة فيما بعد، وقد تبعَ سبيتا في ذلك الإنجليزيُّ وليم ويلكوكس الذي ترجم الإنجيل إلى اللهجة المصرية، وقد دعا ويلكوكس للكتابة بالعامية المصرية في مجلة الأزهر التي تولَّى تحريرها عام ١٨٩٣م، وقد نشر مقالًا باسم: (لِـمَ لَـمْ تَعُد توجد قوّة الاختراع لدى المصريين الآن؟) وقد علّل عدم قدرة المصريين المعاصرين على الاختراع والابتكار بالازدواجية اللغوية، بمعنى: أنهم يفكرون بلغةٍ ويتحدّثون بلغةٍ مختلفة تمامًا، الأمر الذي يعوق عملية الاختراع والابتكار لديهم، إلا أنّ العلماء والمثقفين قد قاوموا أفكار وليام ويلكوكس، بل واستمروا في إرسال مقالاتهم لمجلة الأزهر بالفصحى، مما اضطر ويلكوكس لإغلاقها في أكتوبر ١٨٩٣م لفشل مشروعه. ثم جاء القاضي سيلدن ويلمور الذي ألّف كتابه: (العربية المحكية في مصر) سنة ١٩٠٢م، والدكتور كارل فولرسو الذي ألّف كتابًا بعنوان: (اللهجة العربية الحديثة في مصر). ثم تبنّى العربُ أنفسُهم هذه الدعوة، فظهر يعقوب صروف المولود سنة ١٨٥٢م صاحب مجلة (المقتطف)، الذي دعا إلى استبدال العامية بالفصحى، وظهر كذلك أحمد لطفي السيد المولود ١٨٧٢م والذي عمل وزيرًا للمعارف ثم الخارجية، ورغم أنّ لطفي كان تلميذًا لمحمد عبده إلا أنه دعا للعامية في مطلع القرن العشرين، وكتب كتابه: (تمصير اللغة)، وليس ذلك فحسب، بل نادى لطفي بتحديد مفهوم للشخصية المصرية، رافضًا ربط مصر بالعالم العربي أو تركيا أو العالم الإسلامي عمومًا، ثم ظهر أيضًا سلامة موسى صاحب كتاب: (البلاغة العصرية واللغة العربية) المولود سنة ١٨٨٧م، والذي ذهب إلى ضرورة قطع الصِّلَة بين مصر (الفرعونية) والعرب، ودعا إلى نبذ العربية الفصحى وإحلال العامية المصرية مكانها، وذهب إلى أنه لا مانع من إدخال المفردات الأوربية الحديثة في ذلك. وليس ذلك فحسب، بل دعا إلى الاتجاه الكامل وغير المشروط للغرب وثقافته وأدبه، وعاب على الأدب (المصري) تقليد (الأدب العربي) دون خصوصية. وظهر كذلك لويس عوض المولود ١٩١٥م صاحب كتاب: (الثورة والأدب)، والذي قال بعدم قداسة العربية، ودعا إلى الاستعانة باللغة العامية وإحلالها مكان الفصحى.

هذا، وقد ظهرت كتب كثيرة في بدايات القرن العشرين تدعم هذا الاتجاه؛ نحو كتاب: (اللغات العربية العامية) لحبيب غزالة سنة ١٩٣٥م، وكتاب: (التحفة الوفائية في تبيين اللغة العامية المصرية) لوفاء محمد وفاء القوني، وكتاب: (تهذيب الألفاظ العامية) لمحمد عليّ الدسوقي، وكتاب: (الرسالة التامة في كلام العامة)، و(المناهج في أحوال الكلام الدارج) لميخائيل الصباغ.

وقد ظهرت دعاوى كثيرة في هذا العصر لإزاحة اللغة العربية، نحو: صعوبتها وجمودها وخصوصية معرفتها، حتى داخل المجتمعات العربية. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل تم الزعم بأنّ العربية غير متطوّرة وغير مناسبة للعلوم الحديثة، وأنها قاصرة عن الوفاء بحاجة العصر ومتطلبات الحضارة المتجدّدة والمتنامية، وقد تضخّمَت هذه الدعاوى الباطلة في وسائل الإعلام؛ حتى قال فيها شاعر النيل حافظ إبراهيم المولود ١٨٧٢م على لسان اللغة العربية:

أرى كلَّ يومٍ بالجَرائِدِ مَزْلَقًا ** مِنَ القبرِ يدنيني بغيرِ أناةِ

وأسمعُ للكُتَّابِ في مصرَ ضَجَّةً ** فأعلمُ أنَّ الصَّائِحينَ نُعاتي

ويتعجّب حافظ إبراهيم -على لسان العربية- مِن اتهامها بالعقم وعدم اتساعها للعلوم والمعارف الحديثة:

رَموني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتني ** عَقِمتُ فلم أجْزَعْ لقولِ عِداتي

وسِعْتُ كِتَابَ اللهِ لَفْظًا وغاية ** وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ

فكيف أضيقُ اليومَ عن وَصفِ آلةٍ ** وتَنْسِيقِ أسماءٍ لـمُخْتَرَعاتِ

أنا البحرُ في أحشائه الدرُّ كامن ** فهل سألوا الغواصَ عن صَدَفاتي

ولم يقتصر هذا الهجوم الذي استهدف العربية على مصر أو الشام، بل عمّ كلّ العالم العربي بأشكال متفاوتة. وليس ذلك فحسب، بل تجاوَز هذا الأمر العالم العربي إلى العالم الإسلامي بعمومه، إِذْ كان الحرف العربي منتشرًا من قبل في بعض مناطق أوروبا وآسيا وإفريقيا فتمّ إلغاؤه، كما حدث في ألبانيا وأذربيجان وبعض دول الاتحاد السوفيتي وبعض مناطق آسيا وإفريقيا، إلا أنّ الطامّة الكبرى كانت في تركيا والتي كانت تتحدّث العثمانية -التي اقترضت من العربية على نطاق واسع- فقد ألْغَى كمال أتاتورك الخلافة وقطع ارتباط تركيا بالشرق وولَّى وجهه شطر أوروبا وألْغَى الحروف العربية، بل وألغَى اللغة العثمانية نفسها، وليت الأمر وقف عند هذا الحد، ولكنه ذهب أبعد من ذلك فألغَى الأذان بالعربية، والأغرب من ذلك كلّه أنه دعا إلى قراءة القرآن نفسِه بالتركية، وأصرّ على ذلك لولا استحالة الأمر وكراهة الأتراك أنفسهم لذلك.

٣- حال العرب والمسلمين إزاء اللغة العربية في القرن التاسع عشر:

عندما أنشأ المستعمر في العالم العربي نظامًا تعليميًّا مختلفًا لم يُعْنَ فيه بتعليم اللغة العربية، وإن وجدت هذه العربية باعتبارها مادة هامشية مهملة وسط مواد علمية لاقت اهتمامًا خاصًّا، وقد أدى ذلك إلى ضعف المستويات في العربية وعلومها بشكلٍ عامّ. أمّا في الجامعات التي أنشأها هذا المستعمر، فإن المواد العلمية في الأقسام المختلفة كانت تدرس بلغة المستعمر؛ ولهذا لم تدرس العربية في الجامعات لا باعتبارها لغة ولا باعتبارها أداة لتوصيل هذه العلوم النافعة التي درسها الطلاب، إِذْ درس هؤلاء الطلاب العلوم المختلفة التي طوّرتها أوروبا وصاغتها بلغاتها، نحو: الطب والصيدلة والبيطرة والزراعة والهندسة والكيمياء والفيزياء، هذا بالإضافة للعلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى، نحو: الاقتصاد والقانون والآداب والتربية. صحيح أن هنالك جامعات إسلامية قليلة، إلا أنّ أكثر الطلاب بحكم الرغبة في الوظائف المميزة والمتاحة قد انخرطوا في التعليم (الأوروبي) الحديث الذي لا يهتم بالعربية ولا بالدراسات الإسلامية عمومًا؛ ولهذا كان خريجو الجامعات على نوعين، هما:

١- خريجو الجامعات الإسلامية والمدارس الدينية الذين ليس لهم من مدخل مناسب لدراسة الإعجاز القرآني إلا عبر قوالب السكّاكي ذات التقسيمات المدرسية وشروحها التي تدور حول أشكال المجازات والبديعيات، ولم يكن لهم من منهج كلّي ينفتح على نظوم القرآن بصورة كلية.

٢- خريجو جامعات المستعمر، وقد تخصّص هؤلاء في العلوم الطبيعية في الغالب، ولكن جذبهم تديّنهم نحو القرآن، فأخذوا يتدبّرونه وهم يحملون تخصّصاتهم التي يعرفونها وعلومهم التي درسوها، فتكشَّفت لهم جوانب من معاني القرآن، ولـمّا كان منهج الإعجاز العلمي بسيطًا لا يتطلّب إلا الجمع بين القرآن من جهة والتخصّص من جهة أخرى - فقد اهتمّ المتخصِّصون في العلوم بهذا النوع من الإعجاز، وقلّما تجد في زماننا هذا مختصًّا في هذه العلوم وليس له علاقة به؛ ولأجل ذلك تضخّم هذا النوع من الإعجاز وانتشر وانداح حتى ظنّ العامة أنه الوجه الوحيد لإعجاز القرآن. وليس ذلك فحسب، بل ظهر من يزعم أنه الإعجاز المناسب لعصر (العلم)، وقد آنَ للأشكال الأخرى أن تنحسر له، ولا شك أن هذه الدعوى غير الناضجة لا يدرك أصحابها طبيعة الإعجاز القرآني بصورة دقيقة، إِذْ إنّ التعامل مع القرآن من حيث الإعجاز أو الاستنباط أو التفسير له أدواته وضوابطه، ومن خلال هذه الضوابط والأدوات تدخل العربية وبلاغتها بشكلٍ مباشر كما سيأتي.

تاسعًا: حال الأدب ونقده في العصر الحديث:

١- حال الأدب في العصر الحديث:

لا شكّ أنّ الأدب في العصر الحديث قد ناله التجديد والتحديث بحكم المؤثرات الفكرية التي طرأت على العالم العربي في كافة المجالات، وقد كان هذا التجديد في الأجناس الأدبية نفسها وفي الموضوعات والأفكار والمعاني.

أمّا من ناحية الأجناس: فإذا كانت الأجناس الأدبية عند العرب قديمًا تنحصر في الشعر والنثر الذي ينقسم إلى خطابة ورسالة ومقامة - فإنّ الأدب العربي الحديث (بحكم تأثّره بالأدب الغربي) قد ظهرت فيه منذ أواسط القرن التاسع عشر أشكالٌ أخرى، اهتمّت بالمعاني والمضامين والأفكار أكثر من اهتمامها بالتأنّق في العبارات وجودة النظوم وتخيّر الألفاظ ونحو ذلك من المقاييس البلاغية، وذلك كالقصة والرواية والقصة القصيرة والأقصوصة والمسرحية، ثم صار هذا الأدب أكثر شيوعًا مع تمثيله على المسرح وظهور الأفلام وغيرها، وهذا ليس موضوعنا، وإنما غرضنا أَنْ نقول: إنّ جذوة التذوّق البلاغي في العصر الحديث قد خَبَت عند العرب فصار الأدب الذي يعتمد على الفكرة أكثر شيوعًا بين الناس، وإن كان للشعر جمهوره المتميز من الخواص، ولكن قليلٌ ما هم.

إلا أنّ هذا الشعرَ نفسَه في العصر الحديث قد تعدّدت أنواعه، فظهر الشعر الفصيح والشعر العامي الشعبي، بل إنّ الشعر الفصيح نفسَه قد انقسم إلى: الشِّعْر التقليدي والشِّعْر الحر والشِّعْر المرسل وشِعْر التفعيلة وشِعْر النثر ونحو ذلك، وما يهمّنا في هذا المضمار هو الشِّعْر الفصيح الذي اهتمّ بجمال العبارات وجودة النَّظْم ونحو ذلك، وإن كان ذلك بشكل متفاوت بحسب المدارس الشعرية في العصر الحديث.

ورغم اهتمام الشِّعْر الفصيح بجمال العبارات وجودة النَّظْم بشكل عامّ إلا أن هذا الشِّعْر بكافة مدارسه لم يُحدِث تجديدًا يُذكر في التعبير البلاغي، وإنما كان التجديد في المعاني والأفكار والموضوعات، فإذا كان التجديد في العصر العباسي قد وقع في المعاني والأفكار من جهة وفي الأسلوب الذي جنح إلى البديعيات وزخارفها من جهة أخرى - فإنّ التجديد في العصر الحديث كان في التخلُّص من الألوان البديعية والزخارف اللفظية تلك، والميل بصورة واضحة ومباشرة إلى المعاني والموضوعات والأفكار الحديثة التي ظهر فيها التجديد بصورة جليّة لا خفاء فيها، فظهرت بذلك المدرسة الرومانسية والمدرسة الواقعية ومدرسة الديوان وغير ذلك، كما ظهرت من ناحية أخرى المدرسة التقليدية المحافظة.

أمّا هذه المدرسة التقليدية أو الكلاسيكية (مدرسة البعث والإحياء) فقد اهتمّت -كما هو الحال قديمًا- بجمال العبارة وجزالة الألفاظ وإحكام الصياغة ولم تجدِّد كثيرًا في الموضوعات القديمة كالمدح والفخر وغيرها، وقد عابَ بعض النقاد المعاصرين على هذه المدرسة التكلّف في تمثيل الماضي، واهتمامها المفرط بالصياغة البيانية دون العناية بالمعاني والمضامين والأفكار والموضوعات الجديدة، خاصّة تلك التي تعبِّر عن التجارب النفسية، وقد عابَ العقاد على شوقي عدم ظهور شخصيته وطبيعة نظرته في الحياة من خلال شِعْره.

ومِن شعراء هذه المدرسة التقليدية: محمود سامي البارودي (١٨٣٩- ١٩٠٤م)، وأحمد شوقي (١٨٦٨- ١٩٣٢م)، وحافظ إبراهيم (١٨٧٢- ١٩٣٢م)، ومعروف الرصافي (١٨٧٥- ١٩٤٥م)، وعليّ الجارم (١٨٨١- ١٩٤٩م)، ومحمد سعيد العباسي (١٨٨١- ١٩٦٣م)، وغيرهم.

أمّا المدارس الأخرى فقد انفتحت انفتاحًا كبيرًا على الأفكار والموضوعات الحديثة والمعاني الجديدة، ولعلّ الذي يميّز هذه المدارس عن بعضها هو طبيعة هذه الأفكار والمعاني الجديدة، وقد مالَت بعض هذه المدارس سواء في الشِّعْر أو نقده إلى النّفْس والدواخل وما يتعلّق بذلك من علوم حديثة، وإلى المجتمع وما يتعلق به من علوم حديثة أيضًا، فظهرت المدرسة الرومانسية التي مالَت إلى التعبير عمّا في النّفْس من المعاني، فأبرزَت العواطف الفردية والمشاعر العميقة، وركّزَت على الطبيعة وركنَت إليها خاصة في لحظات الانكسار، وأكثرت من الأخيلة والتصوّرات وغيرها من الأمور المتعلقة بالنّفْس والدواخل.

ومِن شعراء هذه المدرسة: خليل مطران (١٨٧٢- ١٩٤٥م)، وإيليا أبو ماضي (١٨٨٩- ١٩٥٧م)، وإبراهيم ناجي (١٨٩٨- ١٩٥٣م)، وعليّ محمود طه المهندس (١٩٠١- ١٩٤٩م)، وأبو القاسم الشابي (١٩٠٩- ١٩٣٤م)، والتجاني يوسف بشير (١٩١٢- ١٩٣٧)، وغيرهم.

وظهرت في هذا المضمار مدرسة الديوان عند عباس محمود العقاد (١٨٨٩- ١٩٦٤م)، وإبراهيم عبد القادر المازني (١٨٨٩- ١٩٤٩م)، وعبد الرحمن شكري (١٨٨٦- ١٩٥٨م). وقد نادَت هذه المدرسة بالتجديد في الموضوعات والمعاني، ومالَت إلى الشعر الوجداني، بل ونادَت بالاستفادة من الأدب الغربي والاستعانة بمدرسة التحليل النفسي.

كما ظهرت المدرسة الواقعية في الشِّعْر والتي مالَت إلى تصوير المجتمع وقضاياه وموضوعاته؛ كالفقر والظُّلْم ونحو ذلك. ومِن شعراء المدرسة الواقعية: بدر شاكر السياب (١٩٢٦- ١٩٦٤م)، وعبد الوهاب البياتي (١٩٢٦- ١٩٩٩م)، وفدوى طوقان (١٩١٧- ٢٠٠٣م)، وغيرهم. والفرق بين المدرستَيْن: أنّ الرومانسية أفكارها خيالية محلِّقة، والواقعية أفكارها حقيقية تلتصق بواقع المجتمعات. ومعنى هذا الكلام الذي أوردناه هنا أن الشِّعْر -برغم طبيعة تكوينه ومَيله إلى البلاغة عمومًا- لم يَـمِل إلى البلاغة بقوالبها القديمة، فهو وإن كان شكلًا جماليًّا إلا أنه مالَ في العصر الحديث إلى المدارس الشِّعْرية التي تعلّقت -هي الأخرى- بالعلوم الحديثة، ولا شكّ أنّ ذلك من شأنه أن يؤثّر على دراسة الإعجاز القرآني التي استمدت أدواتها من البلاغة عبر العصور، ويرمي بها نحو هذه العلوم الحديثة. وإذا كان الشِّعْر على هذه الحال التي ذكَرْنَا فإنّ النقد الأدبي بطبيعة الحال لهو أشدّ ارتباطًا وأقوى تعلّقًا بهذه العلوم الحديثة كما سيأتي.

٢- النقد الأدبي في العصر الحديث:

تأثر النقد الأدبي الحديث عند العرب بالنقد الغربي، وإن كان بعض النقاد قد تحفّظوا على ذلك ودعوا إلى أخذ ما يناسب مميّزات الأدب العربي وسماته الخاصّة، وقد استمدّت مناهج النقد الأدبي الحديثة -على اختلافها- من العلوم الحديثة؛ كعلم النفس والاجتماع والتاريخ، وتنوّعت هذه المناهج بحسب الجوانب التي تركّز عليها في النصّ: كالمنهج النفسي الذي يدرس إسقاطات الأديب النفسية على نصّه، ومن أشهر النقّاد في هذا المنهج عباس محمود العقاد. وهنالك أيضًا المنهج الاجتماعي الذي يدرس تأثر النصّ بالمجتمع أو تأثيره فيه. وكذلك المنهج التاريخي الذي يربط بين النصّ وصاحبه والزمن الذي يعيش فيه ونحو ذلك، ومن أشهر نقاد هذا المنهج الدكتور طه حسين. ومعلوم أن طه حسين والعقّاد هما أبرز نقاد الأدب في العصر الحديث، وقد ثارت بينهما معركة في مسألة الأخذ بالعلوم الحديثة والإسراف فيها، فعندما أصدر العقاد كتابه عن (أبي نواس) رأى طه حسين أن العقاد قد أسرف إسرافًا كبيرًا في حديثه عن النرجسية على مذهب المحلّلين النفسيين، وذكر مذاهب وتجارب كادت أن تلحقه بالممارسين النفسيين، لولا أنه ليس له معمل أو مستشفى، وليس له مرضى يُجرِي عليهم تجاربه.

وقد استخدم طه حسين التاريخ والاجتماع بجانب التذوّق الأدبي، إلا أنه هو نفسه قد أسرف جدًّا في استخدام الشك (الديكارتي) في نقد الأدب، فأدار أخطر معركة فكرية في العصر الحديث حول الشعر الجاهلي، وقد كانت هذه المعركة من أكبر المؤثّرات على دراسة الإعجاز القرآني في العصر الحديث. وتفصيل ذلك كما سيأتي.

٣- معركة الشعر الجاهلي:

تعدّ معركة الشِّعْر الجاهلي من أشهر المعارك الأدبية التي كان لها صدى واسع في الفكر العربي والإسلامي في العصر الحديث، وقد ألقت هذه المعركة بظلالها على مناهج دراسة التفسير ودراسة مناهج الإعجاز القرآني كما ذكر محمود محمد شاكر ومالك بن نبي وغيرهما.

وقد بدأت هذه القضية عندما تشكّك المستشرق مرجليوث في الشعر الجاهلي، وقد تأثّر به طه حسين وعزّز هذا الشك وجاء بالأدلة عليه، وقد أصدر طه حسين كتابه: (في الشعر الجاهلي) سنة ١٩٢٦م، وعندما ثارت عليه الأوساط الأدبية والثقافية والفكرية والدينية وغيرها- خفّف من غلواء الكتاب وأعاد نشره سنة ١٩٢٧م بعنوان: (في الأدب الجاهلي)، وقد ذكر أنّ مِن دوافعه لهذا الشك: أنّ هذا الشِّعْر الذي يسمَّى شِعْرًا جاهليًّا إنما هو شِعْر منحول؛ إِذْ إنه لم يعكس الحياة الدينية ولا السياسية ولا الاقتصادية ولا الاجتماعية للعرب في الجاهلية، ثم إنّ لهجات العرب تختلف اختلافًا واضحًا داخل جزيرتهم - فكيف نُظم هذا الشِّعْر بلغة واحدة لا اختلاف فيها بين الشعراء على اختلاف لهجاتهم وأماكنهم؟! وقد ذهب طه حسين أيضًا إلى أنّ الحياة الدينية وما فيها من عبادة الأصنام وغيرها لا وجود لها في شِعْر الجاهليين، لا عند امرئ القيس ولا طَرَفة ولا عنترة ولا غيرهم، ومعلوم أنه كان للعرب صلات بغيرهم من الشعوب المجاورة وما صاحَبَ ذلك من سياسات، إلا أن هذه السياسات لم ترِد في أشعارهم أيضًا، وقد صوّر القرآنُ حياة الجاهليين وما فيها من فقرٍ وغنى، وذكَرَ أنّ الأغنياء قد أسرفوا في الربا وغير ذلك من الأمور الاقتصادية إلا أن الشِّعْر لم يعكس ذلك أبدًا، وقد وصف القرآنُ الحياة الاجتماعية للعرب واتصالهم بالبحر إلا أن الشِّعْر الجاهلي ليس فيه إلا إشارات لحياة البادية والصحراء فحسب.

أمّا من حيث الجانب اللغوي، فالاختلاف الكبير بين لغة العرب العاربة (حِـمْيَر) ولغة العرب المستعربة وهم العدنانيون الذين تمثلهم قبائل ربيعة وقيس وتميم، أمرٌ معلوم، إلا أن الشِّعْر الجاهلي قد نُظِم بلغة واحدة لا اختلاف فيها بين الشعراء رغم اختلاف قبائلهم وتبايُن لهجاتهم.

وبعد هذا التشكيك في الشِّعْر الجاهلي ذهب طه حسين إلى ذِكر أسباب انتحال الشِّعْر الجاهلي، فحصرها في: السياسة والدِّين والقصص والشعوبية والرواة، وقد رأى طه حسين أن العصبية القبلية قد دفعت قريشًا دفعًا إلى انتحال شِعْرٍ كثير، ومن ناحية أخرى فقد أضافَت الشعوبية إلى الجاهليين شِعْرًا رفعت به من شأن الفُرس وغيرهم؛ نحو إضافتهم إلى الأعشى وعديّ بن زيد ولقيط بن يعمر، وقد ذهب طه حسين أيضًا إلى أنّ الرواة -كحماد الراوية وخلف الأحمر وأبي عمرو الشيباني- كانوا يَكْذِبون ويؤجِّرون أنفسهم للقبائل فيجمعون لها أشعارًا.

وعندما أخرج طه حسين كتابه هذا أحدث ثورة فكرية عارمة وخرجت مظاهرات هادرة من الأزهر الشريف وأُقيمت دعوى قضائية ضدّه فحقّقت معه النيابة، ومن ناحية أخرى قُدِّمَت دعوى إلى مجلس النواب -الذي كان برئاسة سعد زغلول آنذاك- لمصادرة الكتاب وإلغاء وظيفة الدكتور طه حسين بالجامعة، هذا وقد ذهب أكثر من مائتي عالم من علماء الأزهر وتقدّموا بشكوى رسمية إلى جلالة الملك فؤاد الأول. وليس ذلك فحسب، بل كوّن شيخُ الأزهر نفسُه لجنةً لفحص الكتاب، فذكَرَت هذه اللجنة أنّ الكتاب يهدم أصلًا من أصول العربية به يُفهم القرآن والسنّة.

ولا أعلم كتابًا قد أُرِيق من الـمِدَاد في الردّ عليه كما أُرِيق في هذا الكتاب؛ فقد ألّف مصطفى صادق الرافعي (١٨٨٠- ١٩٣٧م) كتابه: (تحت راية القرآن) في الردّ على مزاعم طه حسين، وقد ذكرَ الرافعي أنّ طه حسين متعجِّل، ويبني على الخواطر العارضة دون تحقّق، فيقول: «ومِن غفلة أستاذ الجامعة -وهي من الأدلة الكثيرة على سوء فهمه وتعلّقه بأوّل خاطر وأنه لا يُـتِمُّ أسباب المعاني ولا يحقّقها- أنه يقيس على ظاهر الرأي كيفما وقع له». وليس ذلك فحسب، بل يصف ما قاله طه حسين بالغلط والجهل والتسفيه والتكذيب والسخرية، بل والكفر أيضًا، يقول: «كانت دروسه في الشعر الجاهلي كفرًا بالله وسخرية بالناس، فكذَّب الأديان وسفَّه التواريخ، وكثر غلطه وجهله».

هذا، وقد كتبَ شيخ الأزهر محمد الخضر حسين (١٨٧٦- ١٩٥٨م) كتابه: (نقض كتاب في الشعر الجاهلي)، وكتبَ محمد فريد وجدي (١٨٧٨- ١٩٥٤م) كتابه: (نقد كتاب في الشعر الجاهلي)، وكتبَ محمد الخضري (١٨٧٢- ١٩٢٧م) كتابه: (محاضرات في بيان الأخطاء العلمية والتاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشِّعْر الجاهلي)، وكتبَ محمد لطفي جمعة (١٨٨٦- ١٩٥٣م) كتابه: (الراصد)، وكتبَ محمد أحمد الغمراوي (١٨٩٣- ١٩٧١م) كتاب: (النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي)، وكتبَ الوزير الأردني ناصر الدين الأسد (١٩٢٢- ٢٠١٥م) كتابه: (مصادر الشِّعْر الجاهلي)، وكتبَ العلّامة شوقي ضيف (١٩١٠- ٢٠٠٥م) -تلميذ طه حسين- في الردّ عليه أيضًا.

وقد انعكَسَت هذه القضية على دراسة الإعجاز القرآني في العصر الحديث بصورة مباشرة، وقد ألّف مالك بن نبي (١٩٠٥- ١٩٧٣م) كتابه: (الظاهرة القرآنية)، الذي ناقش فيه دلائل إثبات إعجاز القرآن وصِدْق النبوّة، بصورة مختلفة، كردِّ فعلٍ على منهج طه حسين، ولـمّا طلب مالك بن نبي من العلّامة محمود محمد شاكر (١٩٠٩- ١٩٩٧م) أن يقدِّم له هذا الكتاب -وقد تعرَّض (بن نبي) لهذه القضية وجعلها من دواعي تأليفه- لم يجد شاكر بدًّا من الإسهاب في تفصيل هذه القضية وبيان انعكاسها على التفسير والإعجاز، وقد ذكر مالك أنّ هذه القضية -بأدلتها ومناهجها- قد تركَت في العقل الحديث أثرًا لا يُـمحى إلا بعد جهد جهيد؛ إِذْ إنّ هذه القضية قد تجاوزَت في مَداها نطاق الأدب والتاريخ، ودخلت بصورة مباشرة في منهج التفسير القديم وفي دراسة الإعجاز التي تقوم على المقارنة الأسلوبية معتمدة على الشِّعْر الجاهلي كحقيقة لا مرية فيها، وهذا هو الأساس الذي تُبنَى عليه الدراسات البلاغية للإعجاز، وقد ذهب مالك إلى القول بأنّنا لو طبّقنا نتائج دراسة طه حسين ومرجليوث لانهارَ هذا الأساس، خاصّة وأنّ العربَ أنفسَهم في هذا العصر قد فقدوا الذائقة البلاغية التي يمكن من خلالها أن يقيموا مقارنة موضوعية بين آية وفقرة موزونة أو مقفاة من أدب العصر الجاهلي، وذكر مالك أنّ الاستشراق قد أوقع الشّك في الأصول القديمة التي قامت عليها أدلة الإعجاز، بل ودمّر الوسائل الصحيحة في إدراك ذلك، فأفضى ذلك إلى عدم القدرة على تمييز الجودة والرداءة في النصوص، ناهيك عن إدراك البلاغة أو الإعجاز. ولا شك أنّ العقل الحديث الذي يفكّر به المسلمون اليوم قد اكتسب أساليب تفكيره من دراسته الحديثة ومن ثقافته المعاصرة، وهذا العقل يريد إدراك إعجاز القرآن ودراسته، وهذا هو لُبّ المشكلة، وقد ذكر شاكر في تقديمه لكتاب (بن نبي) أنّ مسألة الإعجاز هي أعقد مشكلة يمكن أن يعاني منها العقل الحديث.

ولـمّا كان الأمر كذلك، فإنّ مالكًا لـمّا رأى أنّ للعقل الحديث طريقته - أوجَب أن يتعدّل منهج دراسة الإعجاز حتى يوافق هذا العقل الحديث؛ ولهذا سلك في دراسة الإعجاز طريقة أخرى عبر العلوم الحديثة؛ كعلم النفس والاجتماع وغيرهما، كما اختطّ منهجًا مختلفًا في هذه الدراسة، وهو الذي يسمِّيه شاكر بالمنهج المتكامل الذي يفسِّره تطبيق أصوله، يقول شاكر: «وهذا المنهج الذي سلكه مالك، منهج يستمدّ أصوله مِن تأمّلٍ طويل في طبيعة النفس الإنسانية، وفي غريزة التديّن في فطرة البَشر، وفي تاريخ المذاهب والعقائد التي توسَم بالتناقض أحيانًا، ولكنها تكشف عن مستور التديّن في كلّ إنسان. ثم هو يستمدّ أصوله من الفحص الدائب في تاريخ النبوّة وخصائصها، ثم في سيرة رسول الله -بأبي هو وأمّي- منذ نشأته إلى أَنْ لحقَ بالرفيق الأعلى، ثم في هذا البلاغ الذي جاء ليكون بنفسِه دليلًا على صِدق نفسه، أنه كلام الله الفارق لكلام البشر من جميع نواحيه»؛ ولأجلِ ذلك رأى شاكر أنّ كتاب مالك كتابٌ جديد كلّ الجدة، ولا يشابهه كتاب في ذلك، يقول عن الكتاب: «هو نهج مستقلّ، أحسبه لم يسبقه كتاب مثله مِن قبل، وهو منهج متكامل يفسِّره تطبيق أصوله».

ولـمّا كان الأمر كذلك، ولـمّا كان إدراك البلاغة العربية في هذا العصر أمرًا عسيرًا على كثير من المتعلمين والمثقفين، ولـمّا كان الأصل الذي يُعتمد عليه في الدراسات البلاغية المقارنة قد تمّ التشكيك فيه -وإن تم الردّ على تلك المزاعم بقوّة-؛ فإنّ الدارسين لإعجاز القرآن قد ولَّوا وجوههم شطر العلوم الحديثة التي يمكن للعقل الحديث فهمها بسهولة ويُسْر. وإذا كان مالك قد اتجه صوب العلوم الاجتماعية؛ كعلم النفس والاجتماع وغيرها، فإنّ كثيرًا من المعاصرين قد اتجهوا إلى علوم حديثة أكثر ثبوتًا وأقوى منهجًا، وهي العلوم الطبيعية؛ كالطب والهندسة والزراعة والأحياء والكيمياء، وغيرها. 

 


  1. ^

     هذه المقالة من كتاب (نظريات الإعجاز القرآني)، الصادر عن مركز تفسير سنة ١٤٤٦هـ، ص٤٣٣ وما بعدها، وقد قسمنا المادة مقالتين؛ تناولت الأولى منهما خمسة مؤثّرات من مجموع تسعة مؤثّرات، وهي منشورة على الرابط الآتي: tafsir.net/articles/24798
    وهذه المقالة فيها تتمة المؤثّرات التي ذكرها المؤلِّف، وهي أربعة. (موقع تفسير)

  2. ^

     كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية ‏والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية، محمد بن أحمد الإسكندراني، المقدمة، ط/ ركابي للنشر، ٢٠٠٠م.

  3. ^

     الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، محمد عبده، ص٣٨‏.

  4. ^

     الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، محمد عبده، ص٤٢.

  5. ^

     الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، محمد عبده، ‏مقدمة محمد رشيد رضا.

  6. ^

     الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، محمد عبده، ‏مقدمة محمد رشيد رضا‏.

  7. ^

     الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، محمد عبده، ص٣٧.

  8. ^

     الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، محمد عبده، ص٥٠.

  9. ^

     الإسلام والنصرانية، ص٧٢- ٧٣.

  10. ^

     الإسلام والنصرانية، ص٧٥.

  11. ^

     تيارات الفكر الإسلامي، محمد عمارة، ط/ دار الوحدة- بيروت، سنة ١٩٨٥م، ص٧٠- ٧١.

  12. ^

     لعلّ الدكتور محمد عمارة قد أخذ كلمة «فرسان» التي وصف بها المعتزلة من ابن تيمية؛ يقول ابن ‏تيمية: «فالمعتزلة أولًا -وهم فرسان الكلام- إنما يُحمَدُون ويُعظَّمون عند أتباعهم وعند مَن يُغضِي عن مساوئهم لأجلِ محاسنهم عند المسلمين، بما وافقوا فيه مذهب أهل الإثبات والسنّة والحديث»، ‏الفتاوى (٤/ ١١). والمعتزلة لا يمدحهم ابن تيمية -الذي حارب فكرهم في كتبه- إلا عند المقارنة ‏فحسب؛ فَهُمْ خير الفرق المنحرفة عنده، يقول: «ولا ريب أنّ المعتزلة خير من الرافضة ومن الخوارج». ‏دقائق التفسير، ابن تيمية، تحقيق: محمد السيد الجليند، ط/ مؤسسة علوم القرآن، دمشق، عام ‏‏١٤٠٤هـ، (٢/ ١٤٤).

  13. ^

     تيارات الفكر الإسلامي، ص٧١.

  14. ^

     الإسلام والنصرانية، ص٧٥.

  15. ^

     المدنية والإسلام، محمد فريد وجدي، ص٥٢.

  16. ^

     حطم لوثر -قديمًا- النظام القائم ودعا إلى فكرة انفتاح النصّ وتعدّد المعاني، فكلّ المعاني على اختلافها ‏موجودة في هذا النصّ وإن تناقضت، وبهذا تحوّل معنى النصّ في ذاته لصالح المعنى الذي لدى المتلقي، ‏وتعدّدت المعاني بتعدّد الذوات المؤوّلة له، وبذلك يغدو هذا النصّ مرتعًا خصبًا وصالحًا لكلّ التأويلات ‏والمضامين؛ إِذْ إن الإنسان المستقلّ هو المركز، والنصّ فضاء مفتوح أمامه يقول فيه ما شاء، ويحمّله من ‏المعاني ما لم يحتمله، وهنالك آليات أخرى يضيق المجال عن ذِكْرها. وقد نشأت هذه العصرانية في ‏الغرب لتحديث الفكر الديني وتجديده حتى يواكب متطلّبات العصر ويساير معطيات الحضارة الحديثة، ‏وذلك وفق آليات معينة؛ كالتأويل والعقلنة والأنسنة والتاريخانية.

  17. ^

     طوّر مندلسون بن مناحم الفكر اليهودي وأدخل عليه تعديلات حتى يناسب العصر، وذكر أنّ الدنيا ‏كلّها تتغير من حولهم فلماذا يرضون بالتخلّف؟! وقد دعا مندلسون إلى التخلي عن العقائد اليهودية ‏والطقوس الدينية القديمة، مبينًا طبيعة الصِّلَة بين الوحي والفلسفة، فأعاد صياغة العقيدة اليهودية رافضًا ‏الاعتراف بأيّ ركن من أركانها الثابتة المتوارثة مما لا يمكن للعقل أن يقبله أو يتثبّت من صحته؛ إِذْ ‏ليس للعصرانية التي دعا إليها من مبدأ «خالد» وإن كان هذا المبدأ إلهي المصدر، إلا إذا أمكن تأسيسه ‏أو التحقّق من صدقه بالعقل؛ ولهذا حاول مندلسون إعادة تأويل النصوص الدينية في ضوء معطيات ‏الفكر الحديث، وما التوراة لدى هؤلاء العصرانيين إلا مجرّد نصوص أوحى اللهُ بها للعبرانيين الأوّلين ‏القدماء لمعالجة أوضاع الحياة لديهم، وهي حقّ كلها، ولكنه حقّ متأثر بفكر وظروف ذلك الزمان؛ ‏ولهذا يجب أن تتكيّف وتتغير مع العصور المختلفة، ولهذا أصبحت روح العصر هي النقطة المرجعية ‏والركيزة النهائية. وقد كان من المؤثرات الفكرية القوية لنشأة هذه العصرانية اليهودية - تبنّي الإيمان ‏بأهمية التطوير في الدين ليناسب العصر مع ظهور العقلانية والتنوير في القرن الثامن عشر، وازدياد ‏معدلات العلمنة، هذا فضلًا عن ما يدور من شكوك حول النصّ الديني اليهودي وكثرة تناقضاته من ‏جانب، وسيادة الفكر الذي تعلّق بالخرافات والأساطير لدى اليهود من جانب آخر؛ ولهذا جاءت هذه ‏الحركة لتعديل هذا المسار، وهذه العصرانية هي وجهة نظر مبنيّة على الاعتقاد بأنّ: التقدم العلمي ‏والثقافة المعاصرة يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية ‏السائدة؛ ولهذا سميت حركة العصرانية بالإصلاحية أو التقدّمية أو الليبرالية أو التنويرية أو التجديدية.‏

  18. ^

     وقد رأى النصارى أيضًا أن الفكر المسيحي قد اشتمل على الأساطير والخرافات والأوهام، وقد انتقد ‏الراهب لويزي سنة ١٩٠٧م الأناجيل، وذهب إلى أنها مملوءة بالخرافة؛ ولأجل ذلك لا يمكن إطلاقًا أن ‏تكون هي كلمة الله المقدسة، وقد استمر هذا النقد حتى أوهى الثقة بالإنجيل، إلا أنّ الغربيين -وإِنْ ‏صرّحوا بتهافت المسيحية وعدم صحة أقوالها- إلا أنهم لم ينكروا كونها مكونًا أساسيًّا في الثقافة ‏الغربية؛ ولهذا نشأت العصرانية عندهم حتى توفّق بين هذا الفكر الديني وبين التطور العلمي والتقدم ‏المعرفي؛ ولأجل ذلك رفضوا الأساطير والخرافات والخوارق والغيبيات في التعاليم المسيحية، وقاموا ‏بتأويل معطيات الإنجيل على ضوء العلم والفلسفات الحديثة، فهُمْ -حسب رأيهم- لا يقومون بهدم ‏حقائق الدِّين أو إلغائها، وإنما يقومون بإنعاشها وتجديدها حتى تساير العصر؛ إِذْ إن الإنجيل -عندهم- ليس قوالب جامدة وثابتة وصالحة لكلّ زمان، وإنما تخضع للتطوّر المرحلي للفكر الديني.‏‏

  19. ^

     بنية العقل، ص٥٤٥.

  20. ^

     مدخل إلى القرآن الكريم، الجابري، في التعريف بالقرآن (١/ ٢٧).

  21. ^

     الموافقات، الشاطبي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ١٩٦٩م، (٣/ ٢٢٣).

  22. ^

     اللغة العثمانية هي اللغة الرسمية التي كانت معتمدة لدى دولة الخلافة العثمانية جنبًا إلى جنب مع ‏اللغة العربية، وهي لغة مختلطة تجمع كمًّا هائلًا من المفردات العربية والتركية والفارسية، وتكتب ‏بأبجدية عربية مع بعض التعديلات على أشكال بعض الأحرف، وقد بذلت الجمهورية التركية الحديثة ‏منذ تأسيسها على يد أتاتورك جهودًا مكثفة في سبيل تتريك اللغة العثمانية، وذلك بتنقيتها بشكل ‏تدريجي من المفردات العربية، مع تطعيمها بشكل تدريجي بالمفردات من اللغات الأوروبية والغربية ‏الأخرى.

  23. ^

     ديفيد صمويل مرجليوث ‏David Samuel Margoliout‏ مستشرق إنجليزي يهودي معروف، ‏كان أستاذًا للغة العربية في جامعة أكسفورد، متّهَم بالتهوّر وعدم الموضوعية والتعصّب الشديد.

  24. ^

     انظر: تحت راية القرآن، الرافعي، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ٢٠١٤م، ص١٤٢.

  25. ^

     تحت راية القرآن، ص١٦٥.

  26. ^

     تحت راية القرآن، ص٨.

  27. ^

     الظاهرة القرآنية، مالك بن نبي، ط/ دار الفكر- دمشق، ص١٨.

  28. ^

     الظاهرة القرآنية، ص١٧.

كلمات مفتاحية

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))


Source URL: https://tafsir.net/articles/24811