الاستدلال بالآثار عند ابن جرير الطبري في تفسيره
أساسًا من أسس نقد التفسير المتعلقة بالرواية
الكاتب: يوسف بن جاسر الجاسر
اعتمدَ ابنُ جرير الطبري في تفسيره عدّة أسس في نقد التفسير، منها ما يتعلّق بالرواية ومنها ما يتعلق بالدراية، ومن أهمّ أُسسه النقدية المتعلقة بالرواية: الاستدلال بالآثار، وهذه المقالة تعرض ملامح هذا الأساس عند ابن جرير، وهي مستلّة من كتاب (الصناعة النقدية في تفسير ابن جرير الطبري).
الاستدلال بالآثار عند ابن جرير الطبري في تفسيره
أساسًا من أسس نقد التفسير المتعلقة بالرواية
يعدّ كتاب ابن جرير الطبري أضخم كتب التفسير بالأثر وأهمّها من حيث اعتماده على تفاسير المحمود عِلْمُهُم في التفسير من الصحابة والتابعين؛ كابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب -رضي الله عنهم- وتلاميذهم وغيرهم من الصحابة والتابعين، دون مَن كان متّهَمًا في دِينه أو رأيه، بالإضافة إلى أنه أوسع كتب التفسير بالأثر متقدّمها ومتأخّرها، وقد كان من أوسع علماء عصره حديثًا، وأكثرهم معرفة بالآثار، ولم يزل العلماء يتعجبون من سعة مروياته -فيما أخرجه في كتبه- من الأحاديث والآثار، وقد كان هذا مدخلًا لتقدُّم هذا التفسير على غيره من التفاسير، وهو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: «وأمّا التفاسير التي بأيدي الناس فأصحّها تفسير ابن جرير الطبري، فإنه يذكر مقولات السَّلَف بالأسانيد الثابتة».
وقد تواردت أقوال العلماء على أهمية اعتماد معيار الاحتجاج بآثار السَّلَف ونبذ مخالفتها، قال الغزالي: «أعرفُ الناس بمعاني القرآن وأحراهُم بالوقوف على كُنْهِهِ ودركِ أسراره؛ الذين شاهدوا الوحي والتنزيل، وعاصروه وصاحبوه، بل لازموه آناء اللّيل والنهار، متشمّرين لفهم معاني كلامه وتلقّيه بالقبول...، فليتَ شِعْرِي أيُتَّهَمُ أولئك الأكابر في فهم كلامه وإدراك مقاصده؟ أو يُتَّهَمُون في إخفائه وإسراره بعد الفهم...، فهذه أمور لا يتّسع لتقديرها عقل عاقل».
وقال الشاطبي: «فإنّ السَّلَف الصالح من الصحابة، والتابعين، ومَن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه، وما أُودع فيه».
وقال ابن تيمية: «ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبّر الكتاب والسُّنَّة، وما اتفق عليه أهل السنّة والجماعة من جميع الطوائف، أنّ خير قرون هذه الأمّة -في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كلّ فضيلة- القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير وجه، وأنهم أفضل مِن الخَلَف في كلّ فضيلة: من علم وعمل، وإيمان وعقل، ودين وبيان وعبادة، وأنهم أَوْلَى بالبيان لكلّ مشكل، هذا لا يدفعه إلا مَن كابرَ المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وأَضَلّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ... وما أحسن ما قال الشافعي -رحمه الله-: هم فوقنا في كلّ علم وعقل ودِين وفضلٍ وكلّ سبب ينال به عِلْم أو يُدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا».
وقال ابن القيم: «وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا لأنفسنا، وكيف لا؟ وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا، وحِكْمة وعلمًا، ومعرفة وفهمًا عن الله ورسوله، ونصيحة للأمّة، وقلوبهم على قلب نبيّهم ولا وساطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوّة غضًّا طريًّا لم يَشُبْه إشكال، ولم يَشُبْه خلاف، ولم تدنسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم مِنْ أفسد القياس».
وقال ابن رجب: «فأفضل العلوم في تفسير القرآن، ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام، ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم...، فضبط ما رُوي عنهم في ذلك أفضل العلم مع تفهّمه والتفقّه فيه، فلا يوجد في كلام مَن بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبيّن بطلانه لمن فهمه وتأمّله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يلمّ به، قال الأوزاعي: العلم ما جاء به أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فما كان غير ذلك فليس بعلم، وكذا قال الإمام أحمد، وقال في التابعين: أنت مخير».
أولًا: مخالفة الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين:
كان معيار مراعاة الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين من أهمّ المعايير النقدية في نقد ابن جرير للتفسير، ففي قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦]، نقل الأحاديث والآثار في تفسير الآية، ثم نقل قولَ التابعي أبي مِـجْلَز لاحق بن حميد في تفسيرها، وقال: «رجال من الملائكة يَعرفون الفريقين جميعًا بسيماهم؛ أهل النار وأهل الجنة، وهذا قبل أن يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ».
ثم عقّب بقوله: «والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يُقال كما قال الله -جل ثناؤه- فيهم: هم رجال يعرفون كلًّا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، ولا خبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصح سنده، ولا آية متّفق على تأويلها، ولا إجماع من الأمّة على أنهم ملائكة.
فَإِذْ كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يُدرك قياسًا، وكان المتعارَف بين أهل لسان العرب أنّ الرجال اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم، ودون سائر الخَلْق غيرهم. كان بيِّنًا، أنّ ما قاله أبو مِـجْلَز من أنهم ملائكة، قول لا معنى له، وأنّ الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائر أهل التأويل غيره، هذا مع مَن قال بخلافه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ما رُوي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك من الأخبار، وإن كان في أسانيدها ما فيها».
ثم رَوى حديثًا عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، قال: سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أصحاب الأعراف، فقال: «هم آخر مَن يفصل بينهم من العباد، وإذا فرغ ربّ العالمين من فصلٍ بين العباد، قال: أنتم قوم أخرَجَتْكُم حسناتُكم من النار، ولم تُدخِلْكُم الجنة، فأنتم عتقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم».
فقد أشار ابن جرير في نقده إلى الوقوف مع ظاهر الآية لعدم الدليل من الخبر النبوي أو الإجماع، وأنه لما كان الأمر لا يُدرك بالقياس، فرجع الأمر إلى لسان العرب الذي يردّ قول أبي مِـجْلَز، مع مخالفته المروي عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كابن عباس وحذيفة رضي الله عنهما، والتابعين كالضحاك وسعيد بن جبير وأبي علقمة رضي الله عنه.
كما أنّ في المسألة حديثًا يقوِّي الآثار الواردة وإن كان مرسلًا ضعيفًا؛ وقد وافق ابنَ جرير في اعتماد آراء الصحابة وردّ ما خالفها غيرُ واحد من المحقّقين، فقد نقل ابنُ القيم الآثار الواردة عن الصحابة؛ كحذيفة وابن عباس رضي الله عنهما، ثم قال: «وقيل: هم الملائكة لا من بني آدم. والثابت عن الصحابة هو القول الأول، وقد رُويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها، وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة، وقد اختُلف في تفسير الصحابي هل له حكم المرفوع، أو الموقوف، على قولين:
الأول: اختيار أبي عبد الله الحاكم.
والثاني: هو الصواب، ولا نقول على الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما لم نعلم أنه قاله.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ صريح في أنهم من بني آدم ليسوا من الملائكة...».
وقال ابن كثير -معلقًا على أثر أبي مِـجْلَز-: «وهذا صحيح إلى أبي مِـجْلَز لاحق بن حميد، أحد التابعين، وهو غريب من قوله، وخلاف الظاهر من السياق، وقول الجمهور مقدَّم على قوله؛ بدلالة الآية على ما ذهبوا إليه، وكذا قول مجاهد: إنهم قوم صالحون علماء فقهاء، فيه غرابة أيضًا، والله أعلم».
وبمثله قال ابن تيمية، وابن حجر، والسعدي، وحافظ الحكمي، والشنقيطي، وغيرهم.
ومن النماذج النقدية في نقد التفسير لمخالفة الآثار، ما ذكره ابن جرير في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]؛ إِذْ حكى خمسة أقوال.
وقد ذهب الإمام ابن جرير إلى اختيار القول الذي أُثر عن السلف في ذلك فقال -رحمه الله- بعد أن حكى هذه الأقوال: «وهذه الأقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمّة بخلافها؛ فلذلك لم نستجز صَرْف تأويل الآية إلى معنى منها».
وعنى ابن جرير بتفسير السّلف ما رواه عن مجاهد وابن جريج قالَا: «كلّ حجر يتفجّر منه الماء أو يتشقّق عن ماء، أو يتردّى من رأس جبل فهو من خشية الله عزَّ وجَلَّ، نزل بذلك القرآن».
فقد طبّق ابن جرير معياره النقدي المتضمن الأخذ بما جاء عن السَّلَف مع موافقته ظاهر القرآن والسنّة في مواضع، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].
ومن السُّنَّة قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن جبل أحد: (هذا جبل يحبّنا ونحبه).
وقد قرّر اختيار ابن جرير ونقده غيرُ واحد من المحقّقين، قال الزجّاج بعد أن حكى القول الخامس: «وهذا خطأ؛ لأنّ ليس منها شيء ليس أثر الصنعة بيِّنًا فيه، وإنما الهابط منها مجعول فيه التمييز، كما قال عزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، وكما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [الحج: ١٨]، ثم قال: ﴿وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ﴾ فأعلم أنّ ذلك تمييز أراد الله منها، ولو كان يراد بذلك الصنعة لم يقل: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾؛ لأنّ أثر الصنعة شامل للمؤمن وغيره».
وقد قرّر اختيار ابن جرير -رحمه الله- جماعةٌ من المفسِّرين، منهم: السمعاني، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والألوسي، ورشيد رضا، وابن عثيمين، وغيرهم.
فقد انتقد ابن جرير في هذا النموذج ما خالف آراء السَّلَف -مع احتمال معناها-، بدلالة ظاهر القرآن.
وفي تأويل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ١١٠]، ابتدأ تفسيرها بقوله: «استيأسوا من قومهم أن يجيبوهم ويؤمنوا بهم، ﴿وَظَنُّوا﴾. يقول: وظنّ قومُ الرسل أنّ الرسل قد كَذَبُوهُم الموعِد».
فقد فسّرها بقوله: «استيأسوا الموعد»، ثم بيّن مأخذ القول، فقال: «والقراءة على هذا التأويل الذي ذكرنا في قوله: ﴿كُذِبُوا﴾ بضم الكاف، وتخفيف الذال، وذلك أيضًا قراءة بعض قرَأة أهل المدينة، وعامة قرَأة أهل الكوفة.
وإنما اخترنا هذا التأويل وهذه القراءة؛ لأن ذلك عقيب قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِم مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩]. فكان ذلك دليلًا على أنّ إياس الرُّسُل كان من إيمان قومهم الذين أُهلكوا، وأنّ المضمَر في قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. إنما هو من ذِكْر الذين من قبلهم من الأمم الهالكة، وزاد ذلك وضوحًا أيضًا إتباع الله في سياق الخبر عن الرُّسل وأُممهم قوله: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ١١٠]؛ إِذ الذين أُهلكوا هم الذين ظنوا أنّ الرسل قد كَذَبَتْهُم، فكَذَّبُوهم ظنًّا منهم أنهم قد كَذَبُوهُم».
ثم ذكر قولَيْن آخرَيْن، فقال: «وقال آخرون ممن قرأ قوله: ﴿كُذِّبُوا﴾ بضم الكاف وتشديد الذّال: معنى ذلك: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا بهم ويصدّقوهم، وظنت الرسل -بمعنى: واستيقنت- أنهم قد كذَّبهم أممهم، جاءت الرسلَ نصرتُنا».
ثم بَيَّن مأخذ القول، فقال: «قالوا: الظنّ في هذا الموضع بمعنى العِلْم، من قول الشاعر:
فظنّوا بألفي فارسٍ متلبّبٍ ** سَرَاتُهُم في الفارسيِّ المُسَرَّدِ».
وأسند إلى الحسن وقتادة، فقال: «عن قتادة، عن الحسن -وهو قول قتادة-: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] مِن إيمان قومهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، أي: استيقنوا أنه لا خير عند قومهم ولا إيمان ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]».
«وبهذه القراءة كانت تقرأ عامة قرأة المدينة والبصرة والشام، أعني بتشديد الذّال من (كُذِّبوا)، وضم كافها».
ثم أجرى معياره النقدي بمراعاة أقوال الصحابة، مع نقد مستند القول السابق، فقال: «وهذا التأويل الذي ذهب إليه الحسن وقتادة في ذلك -إذا قرئ بتشديد الذّال وضم الكاف- خلاف لِمَا ذكرنا من أقوال جميع مَن حكينا قوله من الصحابة؛ لأنه لم يوجّه الظنّ في هذا الموضع منهم أحد إلى معنى العلم واليقين، مع أنّ الظن إنما استعمله العرب في موضع العلم، فيما كان من علمٍ أُدرك من جهة الخبر، أو من غير وجه المشاهدة والمعاينة؛ فأمّا ما كان من علمٍ أُدرك من وجه المشاهدة والمعاينة، فإنها لا تستعمل فيه الظنّ، لا تكاد تقول: أظنّني حيًّا، وأظنّني إنسانًا، بمعنى: أعْلَمُني إنسانًا، وأعْلَمُني حيًّا. والرّسل الذين كذَّبتهم أُممهم، لا شك أنها كانت لأُممها شاهدة، ولتكذيبها إياها منها سامعة، فيقال فيها: ظنّت بأممها أنها كذَّبتها».
ثم أورد قولًا مخالفًا أيضًا عن مجاهد، فقال: «ورُوي عن مجاهد في ذلك قولٌ هو خلاف جميع ما ذكرنا من أقوال الماضين الذين سمّينا أسماءهم وذكَرْنا أقوالهم، وتأويلٌ خلاف تأويلهم، وقراءةٌ غير قراءة جميعهم؛ وهو أنه، فيما ذكر عنه، كان يقرأ: ﴿وظنوا أنهم قد كَذَبُوا﴾ بفتح الكاف والذّال وتخفيف الذّال، ويتأوّلها كما رَوى ابن جريج عن مجاهد، قال: استيأس الرسلُ أن يُعذَّب قومهم، وظنّ قومُهم أنّ الرّسل قد كَذَبُوا؛ ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]. قال: جاء الرسلَ نصرُنا. قال مجاهد: قال في «المؤمن»: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. قال: قولهم نحن أعلمُ منهم، ولن نعذَّب. وقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣]. قال: حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الحقّ».
ثم طبّق ابن جرير معاييره النقدية باعتبار صحة القراءة مع توجيه التأويل، فقال: «وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها؛ لإجماع الحُجّة مِن قَرأة الأمصار على خلافها، ولو جازت القراءة بذلك لاحتَمَل وجهًا من التأويل وهو أحسن مما تأوَّله مجاهد، وهو: حتى إذا استيأسَ الرسلُ من عذابِ الله قومَهَا المكذِّبَةَ بها، وظنّت الرسلُ أنّ قومَها قد كذَّبوا وافتروا على الله بكفرهم بها، ويكون الظنّ حينئذ موجّهًا إلى معنى العلم، على ما تأوَّله الحسن وقتادة».
وما اختاره ابن جرير هو قول ابن قتيبة، والجصّاص، والواحدي، والكرماني، والقرطبي، والزركشي، وغيرهم.
وابن جرير يبيّن -أحيانًا- بُعْدَ القول وضعفه لمخالفته لأقوال الصحابة والتابعين؛ ومن ذلك ما ذكره في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]، فقد أوردَ تأويل الآية، ثم نقل رأيًا لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، إِذْ قال في قوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ﴾: «عن هؤلاء الذين أوصيناك بهم، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾: إذا خشيتَ إن أعطيتَهم أن يتقوّوا بها على معاصي الله، ويستعينوا بها عليها، فرأيتَ أن تمنعهم خيرًا، فإذا سألوك ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾: قولًا جميلًا: رزقَك الله، بارَك الله فيك»، ثم بَيَّن ضعف قوله مع مخالفته، بقوله: «وهذا القول الذي ذكرنا عن ابن زيد -مع خلافه أقوال أهل التأويل في تأويل هذه الآية- بعيد المعنى، مما يدلّ عليه ظاهرها... وذلك أن رحمة الله إنما تُرجى لأهل طاعته، لا لأهل معاصيه، إلا أن يكون أراد توجيه ذلك إلى أنّ نبي الله -صلى الله عليه وسلم- أمر بمنعهم ما سألوه؛ لينيبوا من معاصي الله، ويتوبوا بمنعه إياهم ما سألوه، فيكون ذلك وجهًا يحتمله تأويل الآية، وإن كان لقول أهل التأويل مخالفًا».
ومما تنازعت فيه القواعد النقدية ما ذكره من اختلاف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، فقال بعضهم: «هو موسى بن عمران عليه السلام، و﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ أي: مثل القرآن، والمراد بذلك المثل: التوراة. والمعنى: أنّ موسى -عليه السلام- شهد على التوراة بالتصديق (والتي هي مثل القرآن)». وبهذا قال مسروق والشعبي.
وقال آخرون: الشاهد هنا هو عبد الله بن سلام. والمعنى: وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثل هذا القرآن بالتصديق. قالوا: ومثل القرآن: التوراة.
ثم أسند عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: «ما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]».
وأسند أيضًا عن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- أنه قال: «أُنزل فيّ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَـآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠]».
وساق أيضًا بسنده عن عوف بن مالك الأشجعي وابن عباس -رضي الله عنهما- ما يدلّ على هذا المعنى، ومن التابعين: قتادة، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وابن زيد.
ثم قال ابن جرير -رحمه الله-: «والصواب من القول في ذلك عندنا أنّ الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ لأنّ قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَـآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠]، في سياق توبيخ الله -تعالى ذِكْره- مشركي قريش، واحتجاجًا عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجرِ لأهل الكتاب ولا اليهود قبل ذلك ذِكْر، فتوجّه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلَت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدّم الخبر عنهم بمعنى، غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن ذلك عنى به عبد الله بن سلام، وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن والسببِ الذي فيه نزل، وما أُريد به، فتأويل الكلام إِذْ كان ذلك كذلك؛ وشهد عبد الله بن سلام، وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أنّ محمدًا مكتوب في التوراة أنه نبي تجده اليهود مكتوبًا عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن أنه نبي».
فقد قرّر ابن جرير القول الذي جاء عن الصحابة والتابعين، ولو كان مخالفًا للسياق -في ظاهره-، وبَيَّن مأخذ القول المخالِف ووجاهته؛ باعتبار النزول، واعتبار السياق، بل أشار إلى احتماله أيضًا في تأويل الآية التي تليها، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]، فقد ذكر الاختلاف في المقصود بالكافرين، وهل المقصود بهم: اليهود -على قول الجمهور-، أو: مشركو قريش -على قول مسروق والشعبي-، ولم يرجِّح، بل أشار إلى الاختلاف في تأويل قتادة في هذه الآية عن سابقتها؛ إِذْ رجّح في الأُولى أنّ الشاهد عبد الله بن سلام، وفي الثانية أن المقصود بالذين كفروا: مشركو قريش. لكنه حمل الآية على ما جاء عن الصحابة والتابعين، وهو قول الجمهور، ورجّحه الشنقيطي.
ورأى جماعة من المفسِّرين المحقّقين أنّ الشاهد عامّ يدخل فيه عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- وغيره، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، والسعدي، وابن عاشور.
ويتلخّص لنا -بعد عرض هذه النماذج لمعيار من أهمّ معايير ابن جرير النقدية، وهو ما يتعلّق بمراعاة أقوال السَّلَف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، واعتماد آرائهم وتأويلاتهم، ونقد ما خالف أقوالهم- معالم في هذا المعيار النقدي:
١. تميّز هذا التفسير الجليل باعتماد هذا المعيار، مع اجتماع أدوات هذا المعيار عند هذا الإمام؛ من سعة المرويات، وكثرة الشيوخ، واتساع الرحلة، مما استطاع معه أن يكون أوسع التفاسير عرضًا لآثار السَّلَف في التفسير، مع التحليل والنقد، الذي فاق به مَن سبَقه، ومَن أتى بعده.
٢. عالج ابن جرير الأقوال المخالفة وانتقدها بمثل ما انتقد غيرها من الأقوال، باعتماد منهجه النقدي المتميز، المستكمل لعناصر النقد، فهو يراعي صحة القراءات، وثبوت الأحاديث التفسيرية، ويراعي النزول والسياق، وسنن العرب في كلامها وأسلوبها؛ ويبين وجه اختيار أقوال السلف، وصحة استدلالهم، بما شهدوا من التنزيل، وعرفوا من أحواله وأسبابه، وما كانوا عليه من صحة القصد، وعُمق الفهم، وفصاحة اللّسان.
٣. أبان ابنُ جرير في كتابه عن عمق منهجه النقدي، وقوة حُجته وعارضته، واحترامه الأقوال المخالفة؛ فالأقوال المخالفة ليست على حدّ سواء؛ فمنها المردود لوضوح خطئه، ومنها الخطأ القريب، ومنها الخطأ المحتمل، بل منها القول القوي الذي لولا مخالفة أقوال الصحابة لكان هو التأويل المقدَّم؛ إبانةً عن عدله وتواضعه للقول المخالف، حتى لقد أشكل على كثير من أهل العلم فعدّوه رأيه، وما ثَمَّ إلا تقوية القول المخالف وبيان وجاهته.
٤. وابن جرير -في طيّات هذا النقد- أبان في تفسيره عن عمق عِلْم السَّلَف من الصحابة والتابعين، وصحّة تأويلهم، ووقوفهم على أسراره ومقاصده.
ثانيًا: تفرّد المفسِّر عن بقية المفسِّرين:
كما أنّ ابن جرير في منهجه النقدي في التفسير اعتمَد على أقوال السَّلَف من الصحابة والتابعين في تحليل الأقوال التفسيرية ونقدها، فانتقد ما خالف أقوالهم من الأقوال، فكذلك كان ينتقد ما تفرّد به الواحد والاثنان منهم، فإنّ «كتاب الله -عزّ وجلّ- لا توجّه معانيه وما فيه من البيان إلى الشواذّ من الكلام والمعاني، وله في الفصيح من المنطق والظاهر من المعاني المفهوم، وجهٌ صحيحٌ موجودٌ»، «وغير جائز حمل كتاب الله تعالى ووحيه -جلّ ذِكْره- على الشواذّ من الكلام وله في المفهوم الجاري بين الناس وجهٌ صحيح موجود»، «ولا يعارض بالقول الشاذّ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين»، «وما جاء به المنفرد فغير جائز الاعتراض به على ما جاءت به الجماعة التي تقوم بها الحُجّة نقلًا، وقولًا، وعملًا».
ومن أشهر مفسِّري التابعين الذين أُخِذ عليهم -مع إمامته وجلالته- بعض التأويلات: الإمام مجاهد بن جبر، فقد أثنى عليه ابنُ جرير في مقدّمة كتابه، وذكَره في بيان منهجه في بيان مَن كان محمودًا عِلْمه في التفسير، واستقرّت كلمة العلماء على إمامته في التفسير، قال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير: مجاهد. وكان أكثر التابعين تفسيرًا وتأويلًا؛ لما كان من ملازمته لابن عباس، وسؤالاته له، واستفراغه عِلْمه واجتهاده فيه.
ومما تفرد به من التأويلات ما ذكره في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، فقد قال مجاهد: «مُسخت قلوبهم، ولم يُـمسخوا قردة، وإنما هو مثلٌ ضربه اللهُ لهم، كمثل الحمار يحمل أسفارًا». ثم عقّب ابن جرير بقوله: «وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهِر ما دلّ عليه كتابُ الله مخالفٌ؛ وذلك أنّ الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت؛ كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبيهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وأن الله -تعالى ذِكْره- أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربّهم، وأنهم عبدوا العجل فجعل توبتهم قتل أنفسهم، وأنهم أُمروا بدخول الأرض المقدّسة فقالوا لنبيّهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، فابتلاهم بالتيه. فسواء قائل قال: هم لم يمسخهم قردة، وقد أخبر -جلّ ذِكْره- أنه جعل منهم قردة وخنازير، وآخر قال: لم يكن شيء مما أخبر اللهُ عن بني إسرائيل أنه كان منهم من الخلاف على أنبيائهم والنكال والعقوبات التي أحلّها اللهُ بهم. ومَن أنكر شيئًا من ذلك وأقرّ بآخر منه، سُئِل البرهانَ على قوله، وعُورض -فيما أنكر من ذلك- بما أقرّ به. ثم يُسأل الفرق من خبر مستفيض أو أثر صحيح.
هذا مع خلافِ قول مجاهدٍ قولَ جميع الحُجّة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعةً عليه، وكفى دليلًا على فساد قولٍ إجماعها على تخطئته»، فقد انتقد ابنُ جرير قولَ مجاهد أولًا بالدليل العقلي؛ لِما فيه من التناقض؛ إِذْ يلزم من إنكار حقيقة المسخ إنكار باقي الحقائق التي أوردتها الآيات الأخرى من العقوبات، ولما كان لا ينكر الحقائق الأخرى؛ فيلزم منه التصديق بكلّ العقوبات على حقيقتها، ثم أعقبها بالدليل الأثري، وهو تفرّد مجاهد بهذا التأويل عن السَّلَف من الصحابة والتابعين.
وقد وافق مجاهدًا في تأويله بعضُ المتأخِّرين، منهم رشيد رضا، وابن عاشور، والمراغي.
لكن جرى قلمُ المفسِّرين على نقد قول مجاهد، قال القرطبي: «لم يقله غيره من المفسِّرين فيما أعلم»، وقال ابن كثير -بعد نقله قول مجاهد-: «وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠]».
وقال أيضًا: «والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد -رحمه الله- من أنّ مسخهم إنما كان معنويًّا لا صوريًّا، بل الصحيح أنه معنوي صوري، والله تعالى أعلم».
وقد وافق ابنَ جرير في تقريره والقول بحقيقة المسخ عامةُ المفسِّرين.
ومن النماذج في ذلك ما ذكره في تأويل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢- ٢٣]، حيث قال: «تنتظر الثواب، لا يراه من خلقه شيء»، وقال أيضًا -لـمّا سئل- فقيل له: «إنّ أناسًا يقولون: إنه يُرى. قال: يَرى ولا يُرى».
وقد عقب ابن جرير بقوله: «وأَوْلَى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرمة، من أن معنى ذلك: تنظر إلى خالقها؛ وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم».
ثم ساق بسنده حديث ابن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ أدنى أهل الجنة منزلة لمَن ينظر في مُلكه ألفي سنة). قال: (وإنّ أفضلهم منزلة لمن ينظر في وجه الله كلّ يوم مرتين). قال: ثم تلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]. قال: «بالبياض والصفاء»، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، قال: «تنظر كلّ يوم في وجه الله عزّ وجلّ».
وقد أورد ابن جرير الحديث مع ضعفه؛ لصراحته، لكن ثبتت رؤية الله -عزّ وجلّ- يوم القيامة بالأحاديث المتواترة؛ منها حديث أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أنّ ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنّكم ترون ربكم كذلك».
وقد وافق ابنَ جرير في نقده عامةُ المفسِّرين، قال النحّاس -بعد أن ذكر ثلاثة من الأقوال في تفسير الآية، ورجّح أن المعنى: أنها تنظر إلى الله جلّ وعز-: «ونحن نذكر الاحتجاج في ذلك من قول الأئمة والعلماء وأهل اللغة؛ إِذْ كان أصلًا من أصول السُّنَّة، ونذكر ما عارض به أهل الأهواء، ونبدأ بالأحاديث الصحيحة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذ كان المبين عن الله جلّ وعزّ...» ثم ساق عددًا من الأحاديث.
وقال ابن جزي: «وقد جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في النظر إلى الله أحاديث صحيحة مستفيضة المعنى، لا تحتمل التأويل، فهي تفسير للآية».
وقال القرطبي: «وهذا القول [يعني قول مجاهد] ضعيف جدًّا خارج عن مقتضى ظاهر الآية والأخبار، ونقل نقد الأزهري، والثعلبي لقول مجاهد.
وقال الشوكاني في تفسيره للآية: «أي تنظر إليه، هكذا قال جمهور أهل العلم، والمراد به ما تواترت به الأحاديث الصحيحة من أن العباد ينظرون إلى ربّهم يوم القيامة كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر».
وقد وافق ابنَ جرير في تأويله عامةُ المفسِّرين؛ منهم الزجّاج، والنحاس، والسمرقندي، والسمعاني -وعزاه إلى عامة المفسِّرين-، وابن عطية، والقرطبي -وعزاه إلى جمهور العلماء-، وابن الجوزي، والبيضاوي، والخازن -وعزاه إلى عامة المفسِّرين-، والنّسفي، وأبو السعود، والشوكاني -وعزاه إلى جمهور أهل العلم-، والقاسمي.
وقد اعتذر عن مجاهد باعتذارات، منها:
١. عدم الثبوت عنه. قال السمعاني: «ولعلّ القول المحكيّ عن مجاهد لا يثبت -يعني أنها تنتظر الثواب-؛ لأنه لم يورده مَن يوثق بروايته».
٢. أنه لم يبلغه خبر ثبوت النظر إلى وجه الله، فقد اعتذر عنه ابنُ حزم بعدم بلوغ الخبر إليه.
وقال ابن عبد البر: «فإن قيل: فقد روى سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ قال: حسنة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: تنتظر الثواب. ذكره وكيع، وغيره عن سفيان؛ فالجواب: أنّا لم نَدّعِ الإجماع في هذه المسألة ولو كانت إجماعًا ما احتجنا فيها إلى قول، ولكن قول مجاهد هذا: مردود بالسُّنّة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلّم، وأقاويل الصحابة، وجمهور السَّلَف، وهو قولٌ عند أهل السُّنّة مهجور، والذي عليه جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم صلى الله عليه وسلّم، وليس من العلماء أحد إلا وهو يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. ومجاهدٌ، وإن كان أحدَ المقدَّمين في العلم بتأويل القرآن، فإنّ له قولَيْن في تأويل آيتين، هما مهجوران عند العلماء غير مرغوب فيهما؛ أحدهما هذا، والآخر قوله في قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]».
ومما تفرّد به مجاهد ما ذكره في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤].
نقل ابن جرير اختلاف المفسِّرين في المائدة: هل أُنزلت على الحواريين أم لا؟ فذكر قولين:
القول الأول: أنها نزلت، فأكلَ القوم منها.
رواه عن ابن عباس، وعمار بن ياسر، وقتادة، وأبي عبد الرحمن السلمي، وعطية العوفي، وغيرهم.
القول الثاني: قالوا: لم يُنزل اللهُ على بني إسرائيل مائدة.
واختلف قائلو هذه المقالة:
فقال بعضهم: «إنما هذا مثل ضربه الله تعالى لخَلقه، نهاهم به عن مسألة نبي الله الآيات» رواه عن مجاهد.
وقال آخرون: «إنّ القوم لـمّا قيل لهم: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، استعفوا منها فلم تنزل» رواه عن الحسن، وعن مجاهد في رواية.
وقد اختار الطبري أنّ المائدة أُنزلت على بني إسرائيل، وانتقد قول الحسن ومجاهد، فقال: «والصواب من القول عندنا في ذلك أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أَنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألته ذلك ربَّه.
وإنما قلنا ذلك؛ للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- وأصحابه وأهل التأويل من بعدهم، غير مَن انفرد بما ذكرنا عنه. وبعدُ، فإنّ الله -تعالى ذِكْره- لا يُخْلِف وعده، ولا يقع في خبره الخُلْف، وقد قال -تعالى ذِكْرُه- مخبرًا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى -عليه السلام- فيمَن سأله ما سأله من ذلك: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾، وغير جائز أن يقول -تعالى ذِكْره-: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ ثم لا ينزلها؛ لأنّ ذلك منه -تعالى ذِكْره- خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر، ولو جاز أن يقول: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ ثم لا ينزلها عليهم، جاز أن يقول: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، ثم يكفر منهم بعد ذلك، فلا يعذّبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة، وغير جائز أن يوصف ربنا -تعالى ذِكْره- بذلك».
والخبر الذي رجّح به هو حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (نزلت المائدة خبزًا ولحمًا، وأُمروا ألا يخونوا، ولا يَدّخروا، ولا يَرفعوا لغدٍ، فخانوا وادّخروا ورفعوا، فمُسِخوا قِرَدة وخنازير).
فقد أعمل ابن جرير معاييره النقدية المختلفة في نقد قول مجاهد، فقد استدلّ بالخبر النبوي، وبردّ القول الآخر؛ لانفراد القائلين به عن الجماعة، مع ما يلزم على القول به من لوازم باطلة؛ إِذ القول به يلزم منه وصف خبر الله -عزّ وجلّ- بالإخلاف، وهذا غير جائز في خبر الله -عزّ وجلّ- وتقديره وحُكْمه.
وقال ابن كثير: «الذي عليه الجمهور أنها نزلت...، وهذا القول هو -والله أعلم- الصواب، كما دلّت عليه الأخبار والآثار عن السَّلَف وغيرهم».
وما قرّره الطبري اختاره جمهورُ المفسِّرين، ومنهم: الزجّاج، والنحّاس، والسمعاني، والبغوي، وابن جزي، والقرطبي، والواحدي، والزمخشري، وابن الجوزي، والرازي، وأبو حيان، والشوكاني، وابن عاشور، وغيرهم.
ومما انتقده ابنُ جرير من التفرّدات، ما تفرَّد به الحسن البصري في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، فقد نقل اختلاف المفسِّرين فيمن قرّب القربان، وهل كانَا ابني آدم لصلبه أم لا؟ فقد روى عن الحسن أنهما كانَا رجلين من بني إسرائيل، لا مِن ولدِ آدم لصلبه. ثم اختار الطبري أنّ اللذَيْن قرّبَا القربان هما ابنَا آدم لصُلْبِه، وقد أبدع -رحمه الله- في نقد هذا القول من حيث النظر وطبيعة الخطاب، مع إجماع الجميع من أهل الأخبار والسِّيَر وأهل التأويل، فقال -رحمه الله-: «وأَوْلَى القولَيْن في ذلك عندي بالصواب أنّ اللذَيْن قربَا القربان كانَا ابني آدم لصُلْبه، لا من ذريته من بني إسرائيل؛ وذلك أن الله -عزّ وجلّ- يتعالَى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة، والمخاطَبون بهذه الآية كانوا عالمين أن تقريب القربان لله لم يكن إلا في ولد آدم، دون الملائكة والشياطين وسائر الخَلْق غيرهم. فإِذْ كان معلومًا ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لم يكن معنيًّا بابنَي آدم اللذَيْن ذكرهما الله -عزّ وجلّ- في كتابه ابناه لصلبه، لم يفدهم بذِكْره -جل جلاله- إياهما فائدة لم تكن عندهم؛ وإِذْ كان غير جائز أن يخاطبهم خطابًا لا يفيدهم به معنى، فمعلوم أنه عنى ابني آدم لصُلْبه، لا ابني بنيه الذِين بَعُدَ منه نسَبُهم، مع إجماع أهل الأخبار والسِّيَر والعلم بالتأويل على أنهما كانَا ابني آدم لصُلْبه، وفي عهد آدم وزمانه، وكفى بذلك شاهدًا».
ثم أعاد -رحمه الله- بيان رجحان هذا القول في موضع آخر، فقد ساق بسنده حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما مِن نفسٍ تُقتَل ظلمًا إلا كان على ابنِ آدم الأولِ كِفْلٌ منها؛ ذلك بأنه أوّل مَن سَنَّ القتل).
ثم قال -رحمه الله-: «وهذا الخبر الذي ذكرنا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبيِّن أنّ القول الذي قاله الحسن في ابني آدم اللذَيْن ذكرهما الله في هذا الموضع أنهما ليسَا بابني آدم لصُلبه، ولكنهما رجلان من بني إسرائيل... خطأ؛ لأنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر عن هذا القاتل الذي قتل أخاه، أنه أوّل مَن سنّ القتل، وقد كان لا شك القتل قبل بني إسرائيل، فكيف قبل ذريته؟ وخطأ من القول أن يُقال: أوّل مَن سَنّ القتل رجلٌ من بني إسرائيل. وإِذْ كان ذلك كذلك فمعلوم أن الصحيح من القول هو قول مَن قال: هو ابن آدم لصلبه؛ لأنه أول مَن سنّ القتل، فأوجب اللهُ له من العقوبة ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم».
ثم أعاد أيضًا تقرير رجحان هذا القول بالنظر؛ إِذْ يستحيل أن يجهل أحد إلى وقت بني إسرائيل عادة دفن الموتى، قال -رحمه الله-: «وهذا أيضًا أحد الأدلة على أنّ القول في أمر ابني آدم بخلاف ما رواه عمرو عن الحسن؛ لأنّ الرجلين الذين وصف الله صفتهما في هذه الآية لو كانَا من بني إسرائيل، لم يجهل القاتل دفن أخيه ومواراة سَوأة أخيه، ولكنهما كانَا من ولد آدم لصُلْبه، ولم يكن القاتلُ منهما أخاه عَلِمَ سُنّةَ الله في عباده الموتى، ولم يدرِ ما يصنع بأخيه المقتول، فذكر أنه كان يحمله على عاتقه حينًا حتى أراحت جيفته، فأحبّ اللهُ تعريفه السُّنّة في موتى خلقهِ، فقيّض له الغرابَين اللذَيْن وصف صفتهما في كتابه».
وقد وافق ابنَ جرير في نقده لقول الحسن عامةُ المفسّرين، وتابعوه على تقرير القول الأول، قال ابن الجوزي: «والعلماء على الأول، وهو أصحّ -يعني: أنهما ابنا آدم لصلبه-؛ لقوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]، ولو كان من بني إسرائيل لكان قد عرفَ الدّفن، ولأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عنه: إنه أوّل مَن سنّ القتل...» .
وقال ابن كثير: «فهذه أقوال المفسِّرين في هذه القصة، وكلّهم متفقون على أنّ هذين ابنا آدم لصلبه، كما هو ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في قوله: (إلا كان على ابن آدم الأول كِفلٌ من دمها؛ لأنه أول مَن سنّ القتل)، وهذا ظاهر جلي.
وممن قرّر هذا القول من أئمة التفسير: البغوي، والسمعاني، والرازي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، والشوكاني، وابن عاشور، والشنقيطي، وغيرهم.
ومن النماذج التي انتقد فيها ابن جرير ما تفرّد به الحسن البصري، ما أورده في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٩- ١٩٠].
حيث أوردَ ابنُ جرير اختلاف أهل التأويل في الشرك الذي وقع ممن وقع، حيث ذكر أولًا أثر سمرة بن جندب -رضي الله عنه- مرفوعًا وموقوفًا، فعن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لـمّا حملَت حواء، طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث؛ فإنه يعيش؛ فسمَّوه عبد الحارث، فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره).
كما أورد آثارًا عن ابن عباس أنّ آدم وحواء جعلَا له شركاء في الاسم، فعن ابن عباس، قال: كانت حواء تلدُ لآدم، فتُعبِّدُهم لله، وتسمِّيه عبدَ الله وعبيدَ الله، ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليسُ وآدمَ، فقال: إنكما لو تسمّيانه بغير الذي تسمّيانه لعاش. فولدت له رجلًا، فسمّاه عبد الحارث، ففيه أنزل اللهُ تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾.
ورواه أيضًا عن عكرمة، وقتادة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسدّي. ثم أوردَ القولَ الآخر، فقال: وقال آخرون: «بل المعنيّ بذلك رجل وامرأة من أهل الكفر من بني آدم، جعلَا لله شركاء من الآلهة والأوثان حين رزقهما ما رزقهما من الولد. وقالوا: معنى الكلام: هو الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ، وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشّاها أيها الرجل الكافر، حملت حملًا خفيفًا، فلما أثقلت دعوتما الله ربّكما. قالوا: وهذا مما ابتدئ به الكلام على وجه الخطاب، ثم رُدَّ إلى الخبر عن الغائب، كما قيل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]. وقد بينّا نظائر ذلك بشواهده فيما مضى قبل».
ثم أورد آثارًا من عدّة طرق عن الحسن قوله: «عنى بهذا ذرية آدم؛ مَن أشرك منهم بعده. يعني قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠]».
وعن قتادة قال: «كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم اللهُ أولادًا فهوَّدُوا ونصَّرُوا».
ثم قرّر ابن جرير اختياره بقوله: «قال أبو جعفر: وأَوْلَى القولين بالصواب قول مَن قال: عنى بقوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]، في الاسم لا في العبادة، وأنّ المعنيّ بذلك آدم وحواء؛ لإجماع الحُجّة من أهل التأويل على ذلك.
فإن قال قائل: فما أنت قائل، إِذْ كان الأمر على ما وصفت في تأويل هذه الآية، وأن المعنيّ بها آدم وحواء - في قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]؛ أهو استنكاف من الله أن يكون له في الأسماء شريك، أو في العبادة؟ فإن قلت: في الأسماء. دلّ على فساده قولُه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]. وإن قلت: في العبادة. قيل لك: أفكان آدمُ أشركَ في عبادة الله غيره؟!
قيل له: إنّ القول في تأويل قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]، ليس بالذي ظننت، وإنما القول فيه: فتعالى اللهُ عمّا يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان. فأمّا الخبر عن آدم وحواء فقد انقضى عند قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠]، ثم استؤنف قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠].
كما حدّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]. يقول: هذه فصل من آية آدم، خاصّة في آلهة العرب».
حيث استدلّ بمعياره النقدي وهو إجماع أهل الحُجّة من التأويل على ذلك، دون أن يدفعه بتفرّد الحسن، مع الجواب عمّا قد يوهمه هذا الاختيار من القدح في جناب آدم -عليه السلام- وزوجه، وهو ما أوضحه غير واحد من السّلف مع اختيارهم هذا القول، قال سعيد بن جبير: «أعوذ بالله أن أزعم أن آدم أشرك، إنما كان شركه في الاسم. وهكذا عن قتادة وعكرمة وغيرهما».
وقد وافق ابنَ جرير في اختياره جمهورُ المفسِّرين، منهم: أبو المظفر السمعاني، والبغوي، وابن عطية، وابن الجوزي، والسيوطي، والألوسي، ومحمد بن عبد الوهاب، وحفيده عبد الرحمن بن حسن، وغيرهم.
ولا يُشْكِل على هذا -والله أعلم- ما قاله ابن كثير -بعد أن أوردَ أثر ابن عباس في الآيات-: «وقد تلقّى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه؛ كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومن الطبقة الثانية: قتادة، والسدّي، وغير واحد من السَّلَف، وجماعة من الخلف، ومن المفسِّرين من المتأخّرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه -والله أعلم- أصله مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإنّ ابن عباس رواه عن أبيّ بن كعب، وهذه الآثار يظهر عليها -والله أعلم- أنها من آثار أهل الكتاب»؛ لـما مرّ معنا من إجماع أهل الحجة عليه، مع عدم الدليل على أنه مأخوذ عن بني إسرائيل.
ومن نماذج نقد التفرد عند ابن جرير ما ذكره في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]، حيث نقل آثارًا عن ابن عباس وأبي العالية والربيع بن أنس والسدي، ثم قال: «فالذي قاله مَن ذكرنا قوله من أهل العلم كان ذبح آل فرعون أبناء بني إسرائيل واستحياءهم نساءهم، فتأويل قوله إذن -على ما تأوّله الذين ذكرنا قولهم- ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]: يستبقونهن فلا يقتلونهن.
وقد يجب على تأويل مَن قال بالقول الذي ذكرنا عن ابن عباس وأبي العالية والربيع بن أنس والسدي في تأويل قوله: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، أنه تركهم الإناث من القتل عند ولادتهن إياهن - أن يكون جائزًا أن تسمّي الطفل من الإناث في حال صباها وبعد ولادتها امرأة، والصبايا الصغار وهن أطفال نساء؛ لأنهم تأولوا قول الله جلّ وعزّ: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]: يستبقون الإناث من الولدان عند الولادة فلا يقتلونهن». ثم قال بعد ذلك: «وقد أنكر ذلك من قولهِم ابنُ جريج، فقال بما حدثنا به القاسم، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، قال: يسترقون نساءكم.
فحاد ابنُ جريج بقوله هذا عما قاله مَن ذكرنا قوله في قوله: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، «إنه استحياء الصبايا الأطفال؛ إِذْ لم يجدهن يلزمهن اسم نساء، ثم دخل فيما هو أعظم مما أنكر بتأويله ﴿وَيَسْتَحْيُونَ﴾: ويسترقون. وذلك تأويل غير موجود في لغة عربية ولا أعجمية، وذلك أن الاستحياء إنما هو استفعال من الحياة، نظير الاستبقاء من البقاء، والاستسقاء من السقي، وهو من معنى الاسترقاق بمعزل».
وقد وافق ابنَ جرير في اختياره عامةُ المفسِّرين، منهم: الماوردي، والسمرقندي، والبغوي والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، وابن عاشور، وغيرهم، ووافقه اللغويون كذلك، منهم: الأزهري، والراغب، وابن منظور، وغيرهم.
وقد يتفرّد المفسِّر بقولٍ دون سائر المفسِّرين، فيفسّر ابن جرير الآية على وفق كلام أهل التأويل، ثم يبين مخالفة هذا المفسِّر دون نقد؛ فيكون في هذا إشارة إلى وجاهة هذا القول أو احتماله، فمن ذلك ما ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، حيث قال: «يقول -تعالى ذِكْره-: واستفتحت الرسل على قومها»، ثم نقل ابن جرير آثارًا عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي وقتادة تبيّن أنّ عائد الضمير في ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ يعود إلى الرّسل، فرُوي عن ابن عباس -من طريق العوفيين- قال: «كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم، ويقهرونهم ويكذِّبونهم ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملّتهم، فأبى الله -عزّ وجلّ- لرسله وللمؤمنين أن يعودوا في ملّة الكفر، وأمَرَهُم أن يتوكلوا على الله، وأمَرَهُم أن يستفتحوا على الجبابرة، ووعَدَهُم أن يُسكِنَهُم الأرضَ مِن بعدِهم، فأنجز اللهُ لهم ما وعدهم، ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ كما أمَرَهم الله أن يستفتحوا، ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾».
ثم عقّب ابن جرير بقوله: «وكان ابن زيد يقول في معنى قوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ خلاف قول هؤلاء، ويقول: إنما استفتحت الأمم فأجيبت»، ثم روى بإسناده إلى ابن زيد في قوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ قال: «استفتاحهم بالبلاء، قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا﴾ الذي أتى به محمد ﴿هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، كما أمطرتها على قوم لوط، ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. قال: كان استفتاحهم بالبلاء، كما استفتح قوم هود: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]. قال: فالاستفتاح: العذاب. قال: قيل لهم: إنّ لهذا أجلًا. حين سألوا اللهَ أن ينزل عليهم، فقال: بل نؤخرهم إلى يوم القيامة. فقالوا: لا نريد أن نؤخَّر إلى يوم القيامة؛ ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ عذابَنا، ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦]. وقرأ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣]، حتى بلغ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣- ٥٥]».
فلم يتعقّب ابن جرير هذا القول بنقد ولا تضعيف؛ ذلك أن عائد الضمير في الآية يحتمل أن يعود إلى الرسل، ويحتمل أن يعود إلى أقوامهم من الكفار، والسياق يحتمل الأمرين، مع ما استدلّ به ابن زيد من الشواهد القرآنية على قوله.
وقد تواردت كلمةُ المفسِّرين على احتمال القولين، منهم: البغوي، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والبيضاوي، والشوكاني، وابن عاشور.
ويتحصل لنا من نقد ابن جرير لِمَا تفرّد به مفسِّرو السّلف أنّ هذا أحد معايير نقد التفسير عنده، كما معياره النقدي المتعلّق بمخالفة السَّلَف، وهو يقابل مفهوم ابن جرير للإجماع -وهو اتفاق الأكثر بشروطه، وهذا موافق لِمَا تواردت عليه كلمة السَّلَف في التحذير من الأخذ بتفرّدات الأئمة -مع حِفْظ مكانتهم-، قال إبراهيم بن أبي عبلة: «مَن حملَ شاذّ العلم حمل شرًّا كثيرًا»، وقال عبد الرحمن بن مهدي: «لا يكون إمامًا في العلم مَن أخذ بالشاذِّ من العلم».
لكن ابن جرير أبانَ في تفسيره عن موقفه النقدي، كما عرضنا في نماذجه النقدية، فقد استخدم معاييره النقدية المتنوّعة في نقد ما تفرّد به بعض السَّلَف؛ كمراعاة الوجوه والنظائر القرآنية، والأخذ بالحديث النبوي، ومراعاة اللغة العربية، والأخذ بالظاهر والسياق.
كما تبيَّن في النموذج الأخير أنه عندما يكون للقول الآخر قوّة من دليلٍ أو نظر؛ فإنه -طبقًا لمنهجه العام في كتابه واحتجاجاته- يأخذ قول الأكثر، لكنه يبيِّن وجاهة القول الآخر أو احتماله.
هذه المقالة من كتاب (الصناعة النقدية في تفسير ابن جرير الطبري)، الصادر عن مركز تفسير سنة ١٤٤٣هـ، (١/ ٥٦١) وما بعدها.
وقد قسم المؤلِّف -في الباب الثالث من كتابه- أُسُس نقد التفسير عند ابن جرير الطبري إلى: أُسُس متعلقة بالرواية، وأخرى متعلّقة بالدراية، وذكر في الأُسس المتعلقة بالرواية ستة مباحث، منها هذا المبحث الذي نقدّمه في هذه المقالة، وقد أعدنا صياغة العنوان بما يناسب نشرها مستقلة. (موقع تفسير)
أحصى الدكتور محمد الخضيري الآثار في جامع البيان الطبري فبلغت (٣٨٣٩٧) أثرًا، بينما تفسير الدر المنثور للسيوطي -الذي أراد استيعاب عدد من كتب التفسير الأثرية- بلغ (٣٧٠٦٠) أثرًا، مع عناية ابن جرير بسياقة الأسانيد، واقتصاره على ما يتعلّق بالتفسير، بينما أورد السيوطي آثارًا كثيرة في علوم القرآن وغيرها. تفاسير التابعين للخضيري (١/ ٧٤).
مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٨٥).
إلجام العوام عن علم الكلام، ضمن القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي (٢/ ٢٧٢) بتصرف.
الموافقات (٢/ ٦٧).
مجموع الفتاوى (٤/ ١٥٨).
إعلام الموقعين (١/ ٨١).
فضل علم السلف ضمن مجموع رسائل ابن رجب (٣/ ٢٣).
جامع البيان (١٠/ ٢٢٠)، والأثر رواه ابن المبارك في الزهد (١٣٧٣)، وسعيد بن منصور في سننه (٩٥٨ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤٨٦) (٨٥٠٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٨٨، ٨٩) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ. وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٢٠): مرسل حسن.
جامع البيان (١٢/ ٢٢١).
قال ابن كثير -بعد أن أورد الأحاديث المرفوعة-: «والله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة، قصاراها أن تكون موقوفة». تفسير ابن كثير (٣/ ٤١٩).
جامع البيان (١٠/ ٢٢٢)، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤٨٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٨٧) إلى ابن المنذر، وقال ابن كثير: مرسل حسن. (٣/ ٤٢٠).
ينظر: المستدرك للحاكم، وقال: «وقد ذكرت في شرائط هذا الكتاب إخراج التفاسير عن الصحابة» (١/ ٥٥)، وقال أيضًا: «إن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند» (٢/ ٢٥٨).
طريق الهجرتين، ص٣٥٦.
تفسير ابن كثير (٣/ ٤٢١).
مجموع الفتاوى (٣/ ٤٢٠)، وفتح الباري (١١/ ٤٢٨)، وتيسير الكريم الرحمن، ص٣٢٧، ومعارج القبول (٣/ ١٠٢٢)، والعذب النمير (٣/ ١١٧٧).
جامع البيان (٢/ ١٣٨).
جامع البيان (٢/ ١٣٥).
رواه البخاري (٤٤٢٢)، ومسلم (١٣٩٢).
في الأصل «بينّا في جميعها»، ففي الجملة اضطراب، والتصحيح عن محقّق المعاني.
معاني القرآن (١/ ١٤٢).
تفسير السمعاني (١/ ٩٦)، والمحرّر الوجيز (١/ ٢٦٦)، والتفسير الكبير (٣/ ١٣١)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٦٥)، والبحر المحيط (١/ ٢٦٦)، وروح المعاني (١/ ٢٩٧)، والمنار (١/ ٢٩٣)، وتفسير سورة البقرة (١/ ٢٤٨).
هي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وأبي جعفر، وخلف، والباقون بتشديد الذال: ﴿كُذِّبُوا﴾. النشر (٢/ ٢٩٦)، وإتحاف فضلاء البشر، ص١٦٢، وينظر: السبعة، ص٣٥٠.
جامع البيان (١٣/ ٣٩٢).
هو دريد بن الصمة، ديوانه، ص٤٧، والأصمعيات، ص١٠٧.
رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٣٢٩) عن معمر به، وذكره البغوي في تفسيره (٤/ ٢٨٦) عن قتادة بنحوه.
هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب. النشر (٢/ ٢٩٦)، وإتحاف فضلاء البشر، ص١٦٢.
هي قراءة شاذة، ينظر: المحتسب (١/ ٣٥٠)، والبحر المحيط (٥/ ٣٥٥).
جامع البيان (١٣/ ٣٩٩).
تأويل مشكل القرآن، ص٤١٢، وأحكام القرآن (٣/ ١٧٩)، والوجيز (١/ ٥٦٣)، وغرائب التفسير وعجائب التأويل (١/ ٥٥٦)، وتفسير القرطبي (٩/ ٢٧٦)، والإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، ص٩٠.
جامع البيان (١٤/ ٥٧٢).
جامع البيان (١٤/ ٥٧٢- ٥٧٣).
رواه البخاري (٣٨١٢)، ومسلم (٢٤٨٣).
رواه أحمد (٢٣٩٨٤)، وصححه ابن حبان (٧١٦٢)، والحاكم (٣/ ٤١٥).
جامع البيان (٢١/ ١٢٨- ١٣١).
جامع البيان (٢١/ ١٣١- ١٣٢).
خلافًا لِما ذكره ابن عطية (١٥/ ١٥)، وابن جزي (٤/ ٤٢)، وابن كثير (٧/ ٢٧٨) من ترجيح ابن جرير لقول مسروق، بل الظاهر أنه يقرّر القول المروي عن الصحابة والتابعين؛ لكنه يشير إلى تقوية القول الآخر، والله أعلم.
جامع البيان (٢١/ ١٣٣).
أضواء البيان (٧/ ٢١٩).
النبوّات (١/ ١٧٧)، وتفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٧٨)، وتيسير الكريم الرحمن، ص٥٠٣، والتحرير والتنوير (٢٧/ ٢٠).
جامع البيان (٥/ ٦٧١).
جامع البيان (٤/ ١٥٣).
جامع البيان (٤/ ٤٢٢).
جامع البيان (٢/ ٢٣١).
تاريخ دمشق (١٦/ ١٢٨)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٩٢).
وقد أحصى الدكتور محمد الخضيري رواياته، فكانت (٦١٠٩) رواية، فهو أكثر مَن روى عنه الطبري من التابعين. تفسير التابعين (١/ ٩٠).
جامع البيان (٢/ ٦٥).
المنار (١/ ٣٤٤)، والتحرير والتنوير (١/ ٥٢٢)، وتفسير المراغي (١/ ١٣٩- ١٤٠).
الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٠٠).
تفسير ابن كثير (١/ ١٠٩).
تفسير القرآن العظيم (١/ ٢٨٩- ٢٩١).
ينظر: الوسيط (١/ ١٥٢)، وتفسير السمعاني (١/ ٩٠)، ومعالم التنزيل للبغوي (١/ ١٠٥)، والمحرر الوجيز لابن عطية (١/ ١٦١)، والتسهيل لابن جزي (١/ ١٣١)، والبحر المحيط لأبي حيان (١/ ٤٠٩).
جامع البيان (٢٣/ ٥٠٨)، وينظر: تأويله لقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦].
الطبري (٢٣/ ٥١٠).
جامع البيان (٢٣/ ٥١٠)، والحديث رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣/ ١١١)، وأحمد في مسنده (٢/ ١٣ و٦٤)، والترمذي (٢٥٥٣) (٣٣٣٠)، وأبو يعلى في مسنده رقم (٥٧١٢ و٥٧٢٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٩)، والبغوي (٨/ ٢٨٥)، وعبد الله بن أحمد في السنّة (١/ ٢٥١) رقم (٤٦١). والحديث ضعيف، مداره على ثوير بن أبي فاختة وهو ضعيف رُمي بالرفض، كما في التقريب (٨٧٠). وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٧٤١): «رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، وفي أسانيدهم ثوير بن أبي فاختة وهو مجمع على ضعفه». وقال ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤٣٤): «قلت: لا أعلم أحدًا صرّح بتوثيقه -يعني ثوير- بل أطبقوا على تضعيفه، وقال ابن عدي: الضعف على أحاديثه بَيِّن». وتعقّب الذهبي الحاكم في تصحيحه للحديث بقوله: «قلت: بل هو واهي الحديث».
حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣). وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- رواه البخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢).
إعراب القرآن (٥/ ٨٤).
التسهيل (٤/ ١٦٥).
الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٠٨).
فتح القدير (٥/ ٣٤٠).
معاني القرآن (٥/ ٢٥٣)، ومعاني القرآن (٥/ ٨٤)، وبحر العلوم (٣/ ٤٢٧)، وتفسير القرآن (٦/ ١٠٦)، والمحرّر الوجيز (٥/ ٤٠٥)، والجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٠٧)، وزاد المسير (٨/ ٤٢٣)، وأنوار التنزيل (٥/ ٤٢٣)، ولباب التأويل (٧/ ١٨٥)، ومدارك التنزيل (٤/ ٣٠٠)، وإرشاد العقل السليم (٩/ ٦٨)، وفتح القدير (٥/ ٣٣٨)، ومحاسن التأويل (١٦/ ٣٥٦).
تفسير السمعاني (٦/ ١٠٨).
الفصل (٣/ ٧).
التمهيد (٧/ ١٥٧).
جامع البيان (٩/ ١٢٥- ١٢٩).
جامع البيان (٩/ ١٣١).
جامع البيان (٩/ ١٢٨)، والحديث أخرجه الترمذي (٣٠٦١)، والبزار في مسنده (١٤١٩)، وأبو يعلى في مسنده (١٦٥١)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٤٥)، والنحّاس في معاني القرآن (٢/ ٣٨٧)، والواحدي في الوسيط (٢/ ٢٤٧)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٦٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٧٤/ ٤٠٠)، وذكره السيوطي في الدر (٢/ ٣٤٨)، وزاد في نسبته لابن مردويه.
قال الترمذي: «هذا حديث غريب قد رواه أبو عاصم وغير واحد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار بن ياسر موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة، حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا سفيان بن حبيب، عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ولم يرفعه، وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعلم للحديث المرفوع أصلًا».
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٨٧): «رواه ابن جرير عن بندار عن ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن خلاس عن عمار موقوفًا وهذا أصح، وكذا رواه من طريق سماك عن رجل من بني عجل عن عمار موقوفًا. وهو الصواب والله أعلم، وخلاس عن عمار منقطع. فلو صح هذا الحديث مرفوعًا، لكان فيصلًا في هذه القصة».
والحديث في إسناده الحسن بن قزعة الهاشمي مولاهم البصري: قال يعقوب بن شيبة وأبو حاتم: صدوق، تهذيب الكمال (٦/ ٣٠٣)، وقد تفرد برفعه كما قال ابن عساكر، ولعلّ ابن جرير احتج به بناء على رأيه في قبول زيادة الثقة.
تفسير ابن كثير (٣/ ٢٣١).
يُنظر: معاني القرآن، للزجاج (٢/ ٢٢١)، معاني القرآن، للنحاس (٢/ ٣٨٧)، تفسير السمعاني (٢/ ٨١)، معالم التنزيل، للبغوي (٣/ ١١٩)، التسهيل، لابن جزي (١/ ٣٤٢)، الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٦/ ٣٦٩)، الكشاف، للزمخشري (١/ ٦٧٩)، الوسيط، للواحدي (٢/ ٢٤٧)، زاد المسير، لابن الجوزي (٢/ ٤٥٩)، مفاتيح الغيب، للرازي (١٢/ ١٤٠)، البحر المحيط، لأبي حيان (٤/ ٥٧)، فتح القدير، للشوكاني (٢/ ٩٣)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (١/ ١٢٣٦).
ينظر: التفسير (٨/ ٣٢٤)، لكن قال ابن كثير -بعد أن ساق قول الحسن-: وهذا غريب جدًّا، وفي إسناده نظر (التفسير: ٣/ ٩١)، وأعلّ إسناده لأنّ فيه عمرو بن عبيد، قال حميد الطويل: كان يكذب على الحسن، وقال النسائي: متروك. وكذا الراوي عن عمرو، وهو سهل بن يوسف: لم يسمع منه. ينظر: تهذيب الكمال (٢٢/ ١٢٣)، ميزان الاعتدال (٣/ ٢٧٤).
جامع البيان (٨/ ٣٢٤- ٣٢٥).
الكِفْلُ: بكسر أوله وسكون الفاء: الضِّعف من الأجر والإثم، والكِفل أيضًا: النصيب والحظ. لسان العرب، مادة (ك ف ل).
رواه البخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧).
جامع البيان (٨/ ٣٣٥- ٣٣٦).
جامع البيان (٨/ ٣٤٠).
زاد المسير (٢/ ٣٣٢).
ابن كثير (٣/ ٩٠).
معالم التنزيل (٣/ ٤١)، وتفسير القرآن (٢/ ٢٩)، ومفاتيح الغيب (١١/ ٢١٠)، والمحرر الوجيز (٢/ ١٧٨)، والجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٣٣)، والبحر المحيط (٣/ ٤٦٠)، وفتح القدير (٢/ ٣٠)، والتحرير والتنوير (٦/ ١٦٨)، وأضواء البيان (١/ ٣٧١).
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ١١) حديث (٢٠١٢٩)، وابن جرير في تفسيره (٦/ ١٤٤)، والترمذي في سننه (٣٠٧٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٩٤)، من طريق: عبد الصمد بن عبد الوارث، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة، به مرفوعًا. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣١) عن أبي زرعة الرازي، عن هلال بن الفياض، عن عمر بن إبراهيم، به مرفوعًا.
والحديث صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: «حسن غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عمر بن إبرهيم، عن قتادة، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه. عمر بن إبراهيم شيخ بصري».
والحديث ضعيف مرفوعًا؛ لأنه من رواية عمر بن إبراهيم العبدي، وهو ضعيف في حديثه عن قتادة. قال الإمام أحمد: يروي عن قتادة أحاديث مناكير. وقال ابن عدي: يروي عن قتادة أشياء لا يوافق عليها، وحديثه خاصة عن قتادة مضطرب. تهذيب الكمال (٥/ ٣٣١).
وقد تُوبع عمر بن إبراهيم؛ فقد أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٢٩٨) من طريق سليمان الشاذكوني عن غندر عن شعبة عن قتادة، عن الحسن عن سمرة به مرفوعًا. لكن الشاذكوني ورد عن ابن معين تكذيبه في حديث له، وقال أبو حاتم: متروك، فلا يعتد بهذه المتابعة.
ومما يشهد لضعف الحديث مرفوعًا أنه قد جاء موقوفًا عن سمرة، فقد أخرجه ابن جرير (٦/ ١٤٤) من طريق معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه عن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن سمرة به موقوفًا، وهذا إسناد صحيح متصل، رجاله أخرج لهم الجماعة.
كما أخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٣٣) عن أبيّ بن كعب موقوفًا؛ لكن في إسناده سعيد بن بشير الأزدي، وهو ضعيف ضعّفه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم. تهذيب التهذيب (٤/ ٩).
كما يشهد لضعف الحديث مرفوعًا أنه من رواية الحسن، والحسن نفسه قد قال بالقول الآخر؛ ولو صح عنده لَما عداه، كما سيأتي ذكر قوله.
وقد قرّر ضَعْفَ الحديث ابنُ كثير في تفسيره (٣/ ٥٢٦)، وأشار إلى هذه العلل الثلاث: ضَعف عمر بن إبراهيم، وأثر سمرة الموقوف، ومخالفة الحسن -راوي الحديث- له.
وضعّفه أيضًا الألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٥١٦) برقم (٣٤٢).
أخرجه ابن جرير (١٠/ ٦٢٤- ٦٢٥) من طرق عن ابن عباس:
- فرواه (١٠/ ٦٢٤) من طريق ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس به.
- ورواه (١٠/ ٦٢٤) من طريق العوفيين: الحسين بن الحسن بن عطية العوفي عن أبيه عن جده عن ابن عباس بنحوه.
- ورواه (١٠/ ٦٢٥) من طريق حجاج عن ابن جريج عن ابن عباس بنحوه.
- كما رواه ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٣١) من طريق خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه.
وهذه الأسانيد -وإن كانت لا تخلو من ضعف. ينظر: أسانيد نسخ التفسير للفقيه، ص١٨٣، ٢٨٠، ٢٩٩- يقوِّي بعضها بعضًا؛ ولذا أخرجها ابن جرير وابن أبي حاتم للاحتجاج بها؛ كما أنها قد وردت عن تلاميذ ابن عباس؛ كمجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وغيرهم من مفسري السلف كقتادة وعبد الرحمن بن زيد وبكر بن عبد الله المزني، وغيرهم.
جامع البيان (١٠/ ٦٢٤- ٦٢٨).
جامع البيان (١٠/ ٦٢٨).
جامع البيان (١٠/ ٦٢٩)، وأخرجه ابن أبي حاتم عنه أيضًا (٥/ ١٦٣٤)، وصحح ابن كثير إسناده في تفسيره (٣/ ٥٢٦).
جامع البيان (١٠/ ٦٢٩- ٦٣٠).
جامع البيان (١٠/ ٦٢٧).
جامع البيان (١٠/ ٦٢٥- ٦٢٦). ومما يُستأنس به لهذا القول أنّ هذه الآية فيها ردّ إلى أول السورة، التي ذكرت فيها معصية آدم وزوجه، وخروجهما من الجنة ثم استطردت الآيات إلى خطاب المشركين في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مُّهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧- ٣٠]، وهكذا في هذه الآية وما بعدها، استطردت من الحديث عن آدم وزوجه إلى الحديث عن ذريته، والله أعلم.
قاله ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٢٣١).
تفسير السمعاني (٢/ ٢٣٩)، والبغوي (٢/ ٢٢١)، والمحرّر الوجيز (٢/ ٤٨٧)، وزاد المسير (٣/ ٢٣١)، وتفسير الجلالين (١/ ٢٢٣)، وروح المعاني (٩/ ١٨٩)، وفتح المجيد، ص٤٣٤.
تفسير ابن كثير (٣/ ٥٢٨).
وقد أخذ بالقول الآخر غير واحد من المفسِّرين، منهم: القرطبي (٧/ ٢١٥)، وابن القيم في روضة المحبين، ص٢٨٩، والشنقيطي في أضواء البيان (٢/ ٣٤٠)، وابن عثيمين في القول المفيد (٣/ ٦٨).
جامع البيان (١/ ٦٥٠- ٦٥١).
جامع البيان (١/ ٦٥١).
لكن قد يُحمل كلام ابن جريج على أنه حاصل مقصودهم، وهو ما أشار إليه ابن عاشور في التحرير والتنوير (١/ ٤٩٢- ٤٩٣): أن هذا الاستحياء للإناث كان المقصد منه خبيثًا، وهو أن يعتدوا على أعراضهن، ولا يجدن بدًّا من الإجابة بحُكْم الأَسْر والاسترقاق فيكون ما جاء عن السّلف تفسيرًا بالمطابقة، وما جاء عن ابن جريج تفسيرًا باللازم، والله أعلم.
النكت والعيون (١/ ١١٨)، وبحر العلوم (١/ ١١٧)، ومعالم التنزيل (١/ ٩١)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٨٥)، والبحر المحيط (١/ ١٨٨)، وتفسير القرآن العظيم (٦/ ٢٢٠)، والتحرير والتنوير (١/ ٤٩٢- ٤٩٣).
تهذيب اللغة (٥/ ٢٨٩)، ولسان العرب (١٤/ ٢١٣)، والمفردات (١/ ١٤٠).
ينظر: جامع البيان (١٣/ ٦١٤- ٦١٥).
جامع البيان (١٣/ ٦١٦- ٦١٧).
معالم التنزيل (٤/ ٣٤٠)، والتفسير الكبير (٩/ ٢٢٨)، والجامع لأحكام القرآن (٩/ ٣٠٤- ٣٠٥)، والبحر المحيط (٥/ ٤١٢)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٨٤)، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل (٣/ ٣٤٢)، وفتح القدير (٣/ ١٠٠)، والتحرير والتنوير (١٤/ ٢٠٩).
جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٦٠).
جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٨٠).
((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))