مسالك نقد التفسير عند ابن جرير الطبري

في تفسيره (جامع البيان)

الكاتب: يوسف بن جاسر الجاسر

لابن جرير الطبري في تفسيره عنايةٌ خاصّة بنقد التفسير، وهذه المقالة تتناول مسلكَيْن ظاهرَيْن من مسالك نقد التفسير عنده، وهما: النقض والمعارضة، وذلك بالتعريف بكلٍّ منهما وبيان صور توظيفه لهما في النقد من خلال تفسيره، وهي مستلّة من كتاب (الصناعة النقدية في تفسير ابن جرير الطبري).

مسالك نقد التفسير عند ابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان)

قرّر ابن جرير في مقدّمة تفسيره أنّ عُمدته في التفسير على أمرين:

۱- النقل: من الأحاديث الثابتة المتواترة والصحيحة.

٢- الدّلالة المنصوبة على صحة القول.

وهذا ما نطق به القرآن؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ۱۷]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]؛ ولذلك اشتمل القرآن على أنواع الأدلة والبراهين العقلية؛ لتقرير الحقّ، وردّ الباطل، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥- ٣٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، وهكذا في آيات كثيرة يبيّن اللهُ فيها الحقّ بالأدلة العقلية.

وقد اعتنى ابن جرير في تفسيره ببيان هذا الأصل، فجمع في نقده للأدلة والأقوال بين الأدلة النقلية والعقلية، فقال -في سياق نقده للأقوال المخالفة-: «وأمّا الأقوال الأُخَر، فدعاوى معانٍ باطلة، لا دلالة عليها مِن خبرٍ ولا عقل، ولا هي موجودة في التنزيل».

وقال -أيضًا-: «مع عدم الدلالة على أنّ ذلك كذلك في ظاهر التنزيل، أو في خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم به منقول، أو بحُجّة موجودة في العقول».

فابن جرير يبيّن -كثيرًا- تعاضد الدليلين: النقلي والعقلي في تقرير المسائل أو ردّ الأقوال المخالفة.

ومن ذلك ما ذكره في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ۸]؛ فقد أورد اختياره في المراد بـ(الميزان)، واستدلّ له بالأدلة النقلية، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي: القولُ الذي ذكرناه عن عمرو بن دينار، من أن ذلك هو الميزانُ المعروفُ الذي يُوزَنُ به، وأنّ الله -جلّ ثناؤه- يَزِن أعمالَ خَلْقه الحسناتِ منها والسيئات، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: موازين عمله الصالح، ﴿فَأَوَلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: فأولئك هم الذين ظفروا بالنجاح، وأدْرَكوا الفوز بالطلبات، والخلود والبقاء في الجناتِ؛ لِتَظاهُر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (ما وُضِعَ في الميزان شيءٌ أثقلُ من حُسْنِ الخُلُق). ونحو ذلك من الأخبار التي تُحقِّقُ أنّ ذلك ميزانٌ توزن به الأعمالُ على ما وصفتُ».

ثم عقّب بنقد قول المعتزلة، ونسبهم إلى الجهل، وردّ قولهم بالأدلة النقلية والعقلية.

ثم استدلّ لصحّة ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، مرفوعًا: «يُؤتى بالرجل يومَ القيامةِ إلى الميزان، فيُوضَعُ في الكِفَّةِ، فيُخرَجُ له تسعةٌ وتسعون سِجِلًّا فيها خطاياه وذنوبه. قال: ثم يُخرَجُ له كتابٌ مثلُ الأُنْـمُلةِ، فيها شهادة ألّا إله إلا الله، وأنّ محمدًا عبده ورسوله. قال: فتُوضع في الكِفَّةِ، فتَرْجَحُ بخطاياه وذنوبه».

ثم انتقل إلى إبطال قول المعتزلة بالأدلة العقلية، فقال: «ويُسألُ مَن أنكر ذلك، فيقال له: إنّ الله أخبرنا -تعالى ذِكْره- أنه يُثَقِّلُ موازينَ قومٍ في القيامة، ويُخِفُّ موازينَ آخرين، وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحقيق ذلك، فما الذي أوجب لك إنكار الميزان أن يكون هو الميزان الذي وصَفْنَا صفته، الذي يتعارفُه الناسُ؟ أحجةُ عقلٍ؟ فقد يقالُ: وجه صحتِه مِن جهة العقل، وليس في وزنِ اللهِ -جلّ ثناؤه- خَلْقَه وكُتُبَ أعمالهم لتعريفهم أثْقَلَ القِسمين منها بالميزان؛ خروجٌ من حكمة، ولا دخولٌ في جَوْرٍ في قضية، فما الذي أحال ذلك عندك من حُجّةِ عقلٍ أو خبر؟ إِذْ كان لا سبيل إلى حقيقة القولِ بإفساد ما لا يدفعه العقلُ إلا من أحد الوجهين اللذَيْن ذكرتُ، ولا سبيل إلى ذلك. وفي عدم البرهان على صحةِ دَعواه من هذين الوجهين، وضوح فسادِ قوله، وصحة ما قاله أهل الحقّ في ذلك».

فقد اعتمد ابن جرير الأدلة النقلية والعقلية لتقرير القضايا، خاصّة العقدية منها، وأجاب عن الشبهات والإيرادات الباطلة.

وقد اخترتُ في هذا المقال مسلكَيْن من المسالك التي استعملها ابن جرير في نقد التفسير، وهما: النقض، والمعارضة؛ وإنما اخترتهما لأنهما أشهر وأهمّ المسالك العقلية؛ لأن جميع الأسئلة ترجع عند كثير من الأصوليين وأهل الجدل إلى المنع والمعارضة، وعرضنا هنا: النقض والمعارضة.

أولًا: مسلك النقض:

النقض: هو إبطال دليل المستدلّ. وذلك من وجهين:

١. تخلّف المدلول عن الدليل.

۲. استلزام المدلول المحال.

فمِن الأول؛ وهو تخلّف المدلول عن الدليل، ما ذكره في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ۷۸]؛ فقد قرّر معنى قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ بما رواه عن ابن عباس؛ أي: يتخرّصون الكذب ويتقوّلون الباطل كذبًا وزورًا.

ثم عقّب بنقد الأقوال الأخرى، فقال: «والذي يَدُلُّ على صِحَّةِ ما قُلنا في ذلك، وأنه أَوْلَى بتأويل قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، من غيره من الأقوال، قول الله جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، فأخبر عنهم -جلّ ثناؤُه- أنهم يتمنّون ما يتمنّون من الأكاذيب ظنًّا منهم لا يقينًا، ولو كان معنى ذلك أنهم يتلونه، لم يكونوا ظانِّين، وكذلك لو كان معناه: يَشتهونه؛ لأنّ الذي يتلوه إذا تَدَبَّره عَلِمَه، ولا يَسْتَحِقُّ الذي يتلو كتابًا قرأه وإن لم يَتَدَبّره بتَرْكِه التدبير أن يُقال: هو ظانٌّ لما يتلو. إلّا أن يكون شاكًّا في نفس ما يتلوه لا يَدْرِي أحقّ هو أم باطل؟ ولم يكن القومُ الذين كانوا يتلون التوراة على عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود فيما بلغنا شاكّين في التوراة أنها من عند الله، وكذلك المتمنِّي الذي هو في معنى المشتهي، غيرُ جائز أن يُقال: هو ظانٌ تَمَنِّيَه؛ لأنّ التَّمَنِّي من المتمنِّي إِذا تمنَّى ما قد وُجِد عينُه، فغير جائز أن يُقال: هو شاكّ فيما هو به عالم؛ لأن العلم والشك معنيان ينفي كلّ واحد منهما صاحبه، لا يجوز اجتماعهما في جزء واحد، والمتمني في حال تمنّيه موجود تمنّيه، فغير جائز أن يُقال: هو يَظُنُّ تمنّيه...»

وهنا نشير إلى أنّ ابن جرير يعتمد مع هذا المسلك العقلي: معاييره النقدية الأخرى.

وأمّا الثاني، وهو استلزام المدلول المحال، فمنه ما ذكره في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]؛ فقد قال: «وأَوْلَى الأقوال في ذلك عندي بالصحة وأشبهها بتأويل الآية قولُ مَن قال: معناه: ثم ردَدناه إلى أرذل العُمُرِ، إلى عمرِ الخَرْفَى الذين ذهبتْ عقولهم من الهَرَمِ والكِبَرِ، فهو في أسفل مَن سَفَل؛ في إدبارِ العمر وذهاب العقل.

وإنما قلنا: هذا القول أَوْلَى بالصواب في ذلك؛ لأنّ الله -تعالى ذِكْره- أخبَر عن خلقه ابن آدم وتصريفه في الأحوال، احتجاجًا بذلك على منكِري قدرته على البعث بعد الموتِ، ألا ترى أنه يقولُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ۷]، يعني: بعد هذه الحجج. ومحال أن يَحْتَجَّ على قوم كانوا منكرين معنًى من المعاني بما كانوا له منكرين، وإنما الحُجّة على كلّ قوم ما لا يقدرون على دفعه؛ مما يعاينونه ويُحِسُّونه، أو يقِرُّون به وإن لم يكونوا له مُحِسِّين...».

ومنه ما ذكره في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]؛ فقد حكى ابن جرير الخلاف في معنى الآية، ثم قال: «...وإنما قلنا: معنى ازديادهم الكفر ما أصابوا في كفرهم من المعاصي؛ لأنه -جلّ ثناؤه- قال: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾. فكان معلومًا أنّ معنى قوله: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾، إنما هو مَعْنِيٌّ به: لن تُقْبَلَ توبتهم مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم، لا من كفرهم؛ لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- وعَدَ أَن يَقْبَل التوبةَ من عباده، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، فمُحالٌ أن يقول عَزَّ وَجَلَّ: أَقْبَلُ، ولا أقبَل. في شيءٍ واحد. وإذ كان ذلك كذلك وكان من حُكْمِ اللهِ في عباده أنه قابلٌ توبة كلّ تائب من كلّ ذنب، وكان الكفرُ بعد الإيمان أحدَ تلك الذنوب التي وَعَدَ قَبول التوبة منها بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ۸۹]، عُلم أنّ المعنى الذي لا يَقْبَلُ التوبة منه غيرُ المعنى الذي يَقْبَلُ التوبة منه. وإِذْ كان ذلك كذلك، فالذي لا يَقْبَلُ منه التوبة هو الازديادُ على الكفر بعد الكفر، لا يَقْبَلُ اللهُ توبة صاحبه ما أقام على كفره؛ لأن الله لا يَقْبَلُ من مُشْرِكٍ عملًا ما أقام على شِرْكِهِ وضَلَالِهِ، فَأَمَّا إِن تَابَ من شِرْكِه وكفره وأصلح، فإن الله -كما وصف به نفسه- غفور رحيم»

ومن بديع نقده استعماله كِلا الوجهين السابقين في نقد التفسير، ومن ذلك ما ذكره في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمُ﴾ [البقرة: ٢٤٢]؛ فقد قال: «ولا وجه لقول من زعم أن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أمرٌ من الله الذينَ خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ بالقتالِ بعد ما أحياهم؛ لأنّ قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يخلو إن كان الأمرُ على ما تَأَوَّلوه من أحد أمورٍ ثلاثة؛ إمّا أنْ يَكُونَ عَطْفًا على قوله: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وذلك من المُحالِ أن يميتهم ويأمرهم وهم موتى بالقتال في سبيله. أو يكونَ عطفًا على قوله: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾، وذلك أيضًا مما لا معنى له؛ لأن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أمرٌ مِن الله بالقتال، وقوله: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ خبرٌ عن فعلٍ قد مضى. وغيرُ فصيح العطف بخبر مستقبل على خبرٍ ماضٍ، لو كانَا جميعًا خَبَرين، لاختلافِ معنَييْهما، فكيف عطف الأمر على خبرٍ ماض؟ أو يَكُون معناه: ثم أحياهم وقال لهم: قاتِلوا في سبيل الله. ثم أسقط القول، كما قال تعالى ذِكْره: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢]، بمعنى: يقولون: ﴿ربَّنا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾، وذلك أيضًا إنما يَجُوزُ في الموضع الذي يَدُلُّ ظاهرُ الكلام على حاجته إليه، ويَفْهَمُ السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يُذْكَرْ، فأمّا في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه، فلا وجه لدعوى مدّع أنه مراد فيها».

ثانيًا: مسلك المعارضة:

المعارضة: مقابلة الدليل بدليل أقوى منه، أو: إقامة الدليل على خلاف ما قاله المستدِلّ.

وقد استعمل ابن جرير المعارضة بنوعيها في تقريراته، أمّا النوع الأول، وهو مقابلة الدليل بدليل أقوى منه؛ فمنه ما ذَكَرَه في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]؛ فقد حكى ابن جرير الخلاف في معنى الآية، في معنى (الشاهد)، وفي عائد الضمير (مِثله)؛ ثم عقّب بقوله: «والصواب من القول في ذلك عندنا أنّ الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ لأنّ قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ في سياق توبيخ الله -تعالى ذِكْره- مشركي قريش، واحتجاجًا عليهم لنبيّه صلى الله عليه وسلم.

وهذه الآية نظيرة سائرِ الآياتِ قبلها، ولم يَجْرِ لأهل الكتاب ولا لليهودِ قبل ذلك ذِكْر فتُوَجَّه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلَت، ولا دَلَّ على انصراف الكلامِ عن قصص الذين تقدَّم الخبرُ عنهم معنى، غير أنّ الأخبار قد وَرَدَت عن جماعةٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنّ ذلك عُني به عبد الله بن سلام، وعليه أكثرُ أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن والسبب الذي فيه نزل، وما أُريدَ به، فتأويل الكلام إِذْ كان ذلك كذلك: وشهد عبد الله بن سلام، وهو الشاهدُ مِن بني إسرائيل، ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ يعني: على مثل القرآن، وهو التوراة...»

فقد قابل ابن جرير بين دليل الظاهر -مع وجاهته عنده- بأدلة كثيرة، هي: الأخبار والآثار، وقول أكثر أهل التأويل، ولذلك اختار القول الثاني.

ومن الثاني، إقامة الدليل على خلاف ما قاله المستدِلّ، وهو أنواع:

١. المعارضة بالمثل:

ومنه ما ذكره ابن جرير في تقرير وجوب الوصية للوالدين والأقربين الذين لا يرثون؛ وذلك في تأويل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ۱۸۰]؛ فقال: «فإن قال قائل: أفرضٌ على الرجل ذي المال أن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثون؟ قيل: نعم.

فإن قال: فإن هو فرّط في ذلك فلم يوصِ لهم، أيكون مضيِّعًا فرضًا يحرج بتضييعه؟ قال: نعم. فإن قال: وما الدلالة على ذلك؟

قيل: قول الله تعالى ذِكْره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فأَعْلَمَ أنه قد كَتَبَ علينا وفَرَضَه، كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ۱۸۳]، ولا خلاف بين الجميع أن تارك الصيام وهو عليه قادر، مضيِّع بتركه فرضًا لله عليه. فكذلك هو بترك الوصية لوالديه وأقربيه وله ما يوصي لهم فيه، مُضَيِّعٌ فَرْضَ الله عَزّ وَجَلَّ».

٢. المعارضة بالقلب:

ومن ذلك ما ذكره ابن جرير في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، فقد رَوى قولَ ابن عباس وقتادة والسدي: «أنّ الله تعالى مسخَ الذين اعتدوا في السبت قردةً بمعصيتهم. أي: مُسِخَت صُوَرُهُم حقيقةً».

ورَوى عن مجاهد قوله: مُسِخَت قلوبهم ولم يُـمسَخُوا قردةً، إنما هو مَثَلٌ ضربه الله لهم، مِثْل ما ضرب مَثَل الحمار يحمل أسفارًا.

وقد انتقد الإمامُ الطبري قولَ مجاهد، فقال: «وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهرِ ما دلّ عليه كتاب الله مخالفٌ؛ وذلك أنّ الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبَدَ الطاغوت، كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبيّهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وأن الله -تعالى ذِكْره- أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربَّهُم، وأنهم عبدوا العجل فجعل توبتهم قَتْل أنفسهم، وأنهم أُمِرُوا بدخول الأرض المقدّسة فقالوا لنبيّهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، فابتلاهم بالتِّيه، فسواء قائل قال: هم لم يَـمسخهم قردة وقد أخبر -جلّ ذِكْره- أنه جعل منهم قردة وخنازير، وآخر قال: لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم، من الخلاف على أنبيائهم، والنكال والعقوبات التي أحلّها الله بهم. ومن أنكر شيئًا من ذلك وأقرّ بآخر منه، سُئِل البرهانَ على قوله، وعُورض -فيما أنكر من ذلك- بما أقرّ به، ثم يُسأَلُ الفرقَ من خبرٍ مستفيض أو أثرٍ صحيح.

هذا مع خلاف قولِ مجاهدٍ قولَ جميع الحُجّة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمِعة عليه، وكفى دليلًا على فساد قول، إجماعها على تخطئته».

وقد جمع ابن جرير هنا بين نوعي المعارضة: معارضة الدليل بما هو أقوى منه؛ إِذْ عارضه بالإجماع والظاهر، مع قلب الحُجّة عليه.

وهكذا في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارٌ﴾ [النساء: ١٨]؛ فقد قرّر اختياره بهذا المسلك، فقال: «وأَوْلَى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ما ذكره الثوري أنّه بلغه أنه في الإسلام. وذلك أنّ المنافقين كفار، فلو كان مَعْنِيًّا به أهل النفاق، لم يكن لقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارٌ﴾ معنى مفهوم؛ لأنهم إن كانوا هم والذين قبلهم في معنى واحد، من أنّ جميعهم كفار، فلا وَجْهَ لتَفْريقِ أحكامهم، والمعنى الذي من أجله بطلَ أن تكون توبةُ واحدٍ مقبولة. وفي تفرقة الله -جلّ ثناؤُه- بَيْنَ أسمائهم وصفاتهم، بأن سَمَّى أحد الصِّنفَين كافرًا، ووَصَف الصِّنْفَ الآخَرَ بأَنهم أَهلُ سَيئاتٍ، ولم يُسَمِّهم كفارًا، ما دَلَّ على افتراقِ مَعانِيهم. وفي صحةِ كونِ ذلك كذلك صحةُ ما قلنا وفسادُ ما خالَفه».


  1. ^

     هذه المقالة من كتاب (الصناعة النقدية في تفسير ابن جرير الطبري)، الصادر عن مركز تفسير سنة 1443هـ، تحت عنوان: (صيغ نقد التفسير عند ابن جرير)، (1/ 143) وما بعدها. (موقع تفسير)

  2. ^

     ينظر: مقدمة جامع البيان (۱/ ۸۸- ۸۹).

  3. ^

     ينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٩/ ١٦٤- ١٦٥)، والردّ على المنطقيين له، ص۳۳۱، وبدائع الفوائد، لابن القيم (٤/ ١٤٦)، ومناهج الجدل في القرآن الكريم، للدكتور زاهر الألمعي، ص٧٤، وغيرها.

  4. ^

     جامع البيان (٢٤/ ٥٤٧).

  5. ^

     جامع البيان (١/ ١٥٢).

  6. ^

     رواه أحمد (٦/ ٤٤، ٤٤٨)، وأبو داود (٤۸۹۹)، والترمذي (۲۰۰۲)، وابن حبان (٤٨١) من حديث أبي الدرداء.

  7. ^

     جامع البيان (۱۰/ ۷۰).

  8. ^

     رواه أحمد (١١/ ٥٧٠، ٥٧١) (٦٩٩٤)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، والترمذي (٢٦٣٩)، وصححه ابن حبان (٢٢٥)، والحاكم (١/ ٦).

  9. ^

     جامع البيان (۱۰/ ۷۰- ۷۱).

  10. ^

     ينظر -أيضًا-: إثبات صفة اليد -لله سبحانه وتعالى-: المائدة (٦٤) (٨/ ٥٥٢- ٥٥٧)، وإثبات صفة الاستواء: البقرة (۲۹) (١/ ٤٥٤- ٤٦٤)، وإثبات رؤية الله -عز وجل- في الدار الآخرة: الأنعام (١٠٣) (٩/ ٤٦٦- ٤٦٨).

  11. ^

     ينظر: البحر المحيط، للزركشي (٥/ ٣٠٥)، وإرشاد الفحول، للشوكاني (٢/ ٦٤٧)، وآداب البحث والمناظرة، للشنقيطي ص۷۱. 

  12. ^

     ينظر: آداب البحث والمناظرة، للشنقيطي، ص١٠٥، فقد ذكر أن النقض والمعارضة عند أهل الجدل أعمّ منها عند الأصوليين؛ لأنها خاصّة عندهم بالقياس، وعند أهل الجدل هي عامة في كلّ الأبواب.

  13. ^

     ينظر: آداب البحث والمناظرة، ص٦٥، والإتقان، للسيوطي (٤/ ٥٧).

  14. ^

     جامع البيان (٢/ ١٥٨).

  15. ^

     ينظر أمثلة أخرى لهذا الوجه: البقرة (١١٧) (٢/ ٤٦٦- ٤٧٣)، والنساء (٩٠) (۷/ ۲۹۲- ۲۹۳)، والأنعام (١٤١) (٩/ ٦١٣).

  16. ^

     وينظر أمثلة أخرى لهذا الوجه: الفاتحة (٦) (١/ ١٦٧)، والبقرة (۱۰۲) (۲/ ۳۳۹)، والبقرة (٢٠٨) (٣/ ٥٩٨)، والأنفال (٢٤) (١١/ ١٠٥- ١٠٦).

  17. ^

     جامع البيان (٢٤/ ٥١٦).

  18. ^

     جامع البيان (٥/ ٥٦٧- ٥٦٨).

  19. ^

     جامع البيان (٤/ ٤٢٧- ٤٢٨).

  20. ^

     ينظر: آداب البحث والمناظرة، ص۷۱، وإحكام الفصول، للباجي، ص١٧٤.

  21. ^

     جامع البيان (٢١/ ١٣١).

  22. ^

     جامع البيان (٣/ ١٢٤- ١٢٥).

  23. ^

     جامع البيان (٢/ ١٦٩- ١٧٣).

  24. ^

     وينظر -أمثلة- لذلك: البقرة (١١٤) (٢/ ٤٤٠- ٤٤٦)، والبقرة (۱۷۸) (۳/ ۱۱۹ - ١٢٠)، وغيرهما.

  25. ^

     جامع البيان (٦/ ٥١٩- ٥٢٠).

كلمات مفتاحية

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))


Source URL: https://tafsir.net/articles/24743