الأساليب الخبرية والإنشائية وعلاقتها بتوجيه مشكل القرآن

الكاتب: ياسر بن حامد المطيري

تعلَّق بباب الخبر والإنشاء عددٌ من مسائل مشكِل القرآن، وهذه المقالة تُسلِّط ضوءًا على هذا الموضوع، فتدرس عددًا من الأمثلة كاشفةً عن علاقة الأساليب الخبرية والإنشائية بتوجيه المشكِل، والمقالة مستلّة من كتاب: (أثر البلاغة في توجيه مشكِل القرآن).

الأساليب الخبرية والإنشائية وعلاقتها بتوجيه مشكل القرآن

الخبر لغة: «العِلْم بالشيء»، واصطلاحًا: «ما يحتمل الصِّدْق والكَذِب»، زاد الأصوليون: «لذاته»، أي: بالنظر إلى ذات الكلام دون اعتبار شيء آخر؛ كمضمون الكلام أو المتكلّم به، وهو قيدٌ مهمّ.

وصِدْقُ الخبر عند الجمهور: مطابقةُ حُكمِه للواقع، وكَذِبُه: عدم مطابقةِ حُكْمِه له.

وقال النَّظّام: صِدْقُه: مطابقةُ حُكْمِه لاعتقادِ الـمُخبِر صوابًا كان أو خطأً، وكذبه: عدم مطابقة حُكمِه له، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. فقد كذَّبهم في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، وإن كان مطابقًا للواقع؛ لأنهم لم يعتقدوه.

وَرُدَّ: بأنّ التكذيب لقولهم: ﴿نَشْهَدُ﴾؛ لأنَّ الشهادة مواطأة القلب للّسان.

وذهب الجاحظ إلى أنّ الخبر ثلاثة أقسام؛ صادق: وهو ما طابق الواقع واعتقاد المخبِر، وكاذب: وهو ما خالف الواقع واعتقاد المخبِر، وغير صادق ولا كاذب: وهو ما طابق الاعتقاد وخالف الواقع وعكسه. واحتجّ بقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]، فقد حصر المشركون إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحشر والنَّشر في (الافتراء) و(الإخبار حال الجنون) على طريق منع الخلو والاجتماع معًا، ولا شك أن إخباره حال الجنون ليس كذبًا لجعلهم الافتراء في مقابلته، ولا صِدْقًا لأنهم اعتقدوا عدم صدقه.

ورُدَّ بأنَّ الكذب على نوعين: كذب عن عمدٍ وهو الافتراء، وكذب عن غير عمد كالخبر حال الجنون، والتقسيم في كلامهم للخبر الكاذب، لا للخبر مطلقًا، والمعنى: أفترى أم لم يفترِ، وعبّر عن الثاني بقوله: ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾؛ لأنَّ المجنون لا افتراء له.

وينبني على هذا الخلاف:

لو قال النصراني: (المسيح ابن الله)، فهو كاذب عند الجمهور، صادق عند النَّظّام، وليس بصادق ولا كاذب عند الجاحظ.

ولو قال اليهودي: (الإسلام حقّ)، فهو صادق عند الجمهور، كاذب عند النَّظّام، وليس بصادق ولا كاذب عند الجاحظ.

فالنَّظّام زلَّ زلةً منكرةً حين جعل قياس صدق الخبر وكذبه هو اعتقاد المخبِر، والاعتقاد عُرْضَةٌ للصواب والخطأ، وكذلك أخطأ الجاحظ عندما جعل بعض الأخبار لا تحتمل الصدق والكذب.

وأغراض الخبر: إمّا أن تكون أولية أو ثانوية:

فالأولية الأصلية غرضان:

١- فائدة الخبر: وهو إفادة المخاطَب نفسَ الحكم، كقولك: (زيدٌ قائمٌ)، لمن لا يعلم أنه قائم.

٢- لازم الفائدة: وهو أن يقصد المخبِر إفادةَ المخاطَب بأنه عالمٌ بالحُكْم، كقولك لِمَنْ زيدٌ عنده ولا يعلم أنك تعلم ذلك: (زيدٌ عندك).

وفائدة الخبر يلزم منها لازم الفائدة، فكلّ مَن أفدته بخبرٍ لزم أن تفيده أيضًا أنك عالمٌ به، من غير عكس.

وقد يُنَزَّلُ العالِم بفائدة الخبر ولازمِ فائدته منزلةَ الجاهل.

والأغراض الثانوية كثيرةٌ، منها:

١- الاسترحام: كقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].

٢- إظهار الضعف: كقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤].

والأغراض الثانوية كثيرةٌ غير منحصرةٍ، وهي محلّ عناية البلاغي، وتُدْرَكُ مِن السِّياق.

وأضربُ الخبر ثلاثةٌ عائدةٌ إلى حال المخاطَب:

١- فإن كان المخاطبُ خاليَ الذِّهن من الحكم، أُلقي إليه الخبر بلا توكيد، ويسمَّى: ابتدائيًّا.

٢- وإن كان متردِّدًا فيه، حَسُنَ تقويته بمؤكِّدٍ، ويسمَّى: طلبيًّا.

٣- وإن كان منكرًا له، وجَبَ توكيدُه على قدر شدّة الإنكار، ويسمى: إنكاريًّا.

ويُسمَّى إخراجُ الكلام على هذه الوجوه إخراجًا على مقتضى الظاهر.

وقد يُخرَّج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر لنكتٍ بلاغيةٍ، منها:

١- قد يُنزَّلُ العالِمُ بفائدة الخبر ولازمِ فائدته منزلةَ الجاهل؛ لعدم جَرْيِهِ على مُوجبِ العلم؛ فيُلقَى إليه الخبرُ كما يُلقَى إلى الجاهل بأحدهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فأثبت لهم العلم ثم نفاه عنهم حيث لم يعملوا بعلمهم.

٢- وقد يُنزَّل الموجود منزلة المعدوم؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧]، «فأضاف الرمي إلى نبي الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي؛ إِذْ كان -جلّ ثناؤه- هو الموصل المرميَّ به إلى الذين رُمُوا به من المشركين، والمسبِّب الرمية لرسوله».

والإنشاء لغة: إحداث الشيء وتربيته.

واصطلاحًا: ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته.

وهذا القيد (لذاته) يفيد أنَّ النظر للإنشاء ذاته دون ما يستلزمه، فإنّ أساليب الإنشاء كلّها تستلزم أخبارًا، مثل قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: ٧٩]، أي: نحن نتمنّى مالًا كالذي أُوتيه قارون. وقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [النازعات: ١٥]، أي: أنا طالبٌ منك جواب هذا الاستفهام. وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦]، أي: أنا أنهاك عن ذلك.

والإنشاء قسمان:

الأول: طلبيٌّ: وهو ما يستدعي مطلوبًا غير حاصل وقت الطلب.

الثاني: غير طلبيّ: وهو الذي لا يستدعي مطلوبًا، وهو غيرُ مقصودٍ بالنظر هنا؛ لقلَّة المباحث البلاغية المتعلّقة به، ولأنَّ أكثر أنواعه في الأصل أخبارٌ نُقلت إلى معنى الإنشاء، ولم تُذكر في الأخبار لأنه لا يراد بها الإخبار.

ومن أنواعه: صِيَغ المدح والذّم (نِعْم، وبِئْس، وحَبّذا، ولا حَبّذا)، والتعجب (مَا أفْعَلَه، وأفْعِلْ بِه)، والقسَم، وصيغ العقود كـ(بِعْتُ، واشتريتُ، وقبلتُ).

والنوع الأول (الإنشاء الطلبي) هو المقصود بالنظر عند البلاغيين.

وأساليبه خمسة: التمنّي، والاستفهام، والأمر، والنهي، والنداء، ولكلٍّ منها صيغٌ وأغراضٌ أصليةٌ وأخرى بلاغيةٌ تُدرَك بالقرائن، والكلام فيها يطول، والمقصودُ هنا أخذُ لمحاتٍ في الباب، والإشارة إلى ما قد يخفَى.

وكما قلنا في الخبر: إنه يخرج على خلاف مقتضى الظاهر، فكذلك نقول في الإنشاء، فقد يُنَزَّل الموجود منزلة المعدوم؛ لنكتةٍ، إمّا للتنبيه: كقول المعلِّم لتلميذه وهو بين يديه: (يا فتى)، مع أنه حاضرٌ إذا كان في حكم الغائب. وإمّا لقصد الزيادة من الفعل والدوام عليه، نحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، فطلب منهم الإيمان بعد أن وصفهم به؛ لقصد الزيادة والدوام عليه. وإمّا لاختلال الفعل حتى كان غيرَ مُجْدٍ لفاعله، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم- للمسيء في صلاته: (ارجِعْ فَصَلِّ فإِنّكَ لم تُصَلِّ)، وغير ذلك.

- وقد يقع الإنشاء موقع الخبر لأغراضٍ بلاغية، منها:

١- الاهتمام بالشيء، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩]. عدل فيه عن الخبر اهتمامًا بأمر الصلاة.

٢- الاحتراز عن مساواة اللاحق بالسابق، كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ﴾ [هود: ٥٤- ٥٥]. عدل فيه عن: (وأشهدكم) تجنُّبًا لمساواة شهادتهم بشهادته.

- وقد يرِد العكس، أي: يرِد الخبر بمعنى الإنشاء لأغراضٍ، منها:

١- التفاؤل: كما تقول: (غفر اللهُ لك).

٢- الاحتراز عن صورة الأمر تأدُّبًا: كما تقول: (ينظر والدِي في الأمر).

هذا أهمُّ ما يُذكر في الباب على وجه الاختصار.

وقد تعلّقَت بهذا الباب أسئلةٌ كثيرةٌ في كتبِ المشكل، وسأقتصر على ما يحصل به المقصود.

١- قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩].

الإشكال ووجهه:

كيف قال صالح لقومه بعدما أخذتهم الرجفة وماتوا: ﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾، ولا يَحسُن من الحيّ مخاطبةُ الميِّت لعدم الفائدة؟

توجيه الإشكال:

اختُلف في تخريج الآية على أقوال:

القول الأول: أنَّ قول نبيِّ الله صالح كان قبل هلاك قومه، وهو قول الطبري، قال: «فأدبرَ صالح عنهم حين استعجلوه العذاب وعقروا ناقة اللهَ خارجًا عن أرضهم مِن بين أظهرهم؛ لأنَّ الله -تعالى ذِكْرُه- أوحَى إليه: إني مهلكهم بعد ثلاثة، فأخبر الله -جلّ ثناؤه- عن خروج صالح من بين قومه، فقال: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ...﴾».

ويدلّ على هذا القول أمور:

أوّلها: أنَّه خطابٌ ونداء لهم، وذلك إنما يكون للحيِّ.

وثانيها: أنه قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ﴾، والأموات لا يوصفون بالقوم؛ لأنَّ اشتقاق لفظ (القوم) مِن الاستقلال بالقيام، وذلك في حقّ الميت مفقود.

وثالثها: قوله: ﴿لَا تُحِبُّونَ﴾؛ فإنَّ استعمال المضارع يدلُّ على التجدُّد والحدوث، وذلك مناسبٌ للحيّ.

وعلى هذا القول لا يَرِد الإشكال؛ لأنه خطابٌ للأحياء.

القول الثاني: أنّ قوله -عليه السلام- كان بعد أن هلكوا، لكنَّه خطابٌ حقيقيٌّ؛ فقد أسمعهم اللهُ قولَ نبيِّهم تقريعًا لهم، وهو قول ابن كثير، حيث قال: «هذا تقريعٌ من صالح -عليه السلام- لقومه لـمّا أهلكهم اللهُ بمخالفتهم إيّاه، وتمرّدهم على الله، وإبائهم عن قبول الحقّ، وإعراضهم عن الهدى إلى العمى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعًا وتوبيخًا وهم يسمعون ذلك، كما ثبت في الصحيحين أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا ظهر على أهل بدرٍ أقام هناك ثلاثًا، ثم أمَر براحلته فشُدَّتْ بعد ثلاثٍ مِن آخر الليل فركبها ثم سار حتى وقف على القليب -قليب بدر- فجعل يقول: (يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا فلان بن فلان: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ فإني وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا). فقال له عمر: يا رسول الله: ما تُكَلِّمُ من أقوام قد جَيَّفُوا؟ فقال: (والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لِمَا أقولُ منهم، ولكن لا يجيبون)».

القول الثالث: أنّ قوله -عليه السلام- كان بعد أن هلكوا، وهو ليس خطابًا حقيقيًّا لهم، بل يراد به تحسُّره -عليه السلام- عليهم، وهو قول الزمخشري، حيث قال: «الظاهر أنه كان شاهدًا لِمَا جرى عليهم، وأنه تولّى عنهم بعد ما أبصرهم جاثمين، تولّى مغتمًّا متحسِّرًا على ما فاته من إيمانهم يتحزَّن لهم، ويقول: ﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ...﴾».

والأقرب ما ذهب إليه الزمخشري وابن كثير، وهو أنَّ نداء نبي الله صالح لقومه كان بعد هلاكهم، يدلّ على هذا قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ...﴾ [الأعراف: ٧٨- ٧٩]، والفاء تدلّ على الترتيب والتعقيب، فدلّ على أنَّ هذا التولِّي حصل بعد جثومهم، وهذا الدليل أقوى من المرجِّحات المذكورة لقول الطبري.

ولكن أَسَمِعَ قومُه قولَه؟

الزمخشريُّ يرى أنهم لم يسمعوا، فيكون النداء للتحسُّر، كما هو الشأن في نداء ما لا يعقل، فقد يراد به التَّحسُّر، مثل: ﴿يَا أَسَفَى﴾ [يوسف: ٨٤]، ﴿يَا حَسْرَتَى﴾ [الزمر: ٥٦]. أو الفرح والسرور، مثل: ﴿يَا بُشْرَى﴾ [يوسف: ١٩]. وغير ذلك، وهو من خروج الإنشاء عن مقتضى الظاهر.

واستعمالُ المضارع حينئذٍ في قوله: ﴿لَا تُحِبُّونَ﴾ حكايةٌ لِحَالٍ ماضية، لاستحضار الحدث.

وابن كثير يرى أنهم سمعوا؛ توبيخًا لهم، واستدلّ بحديث أبي طلحة رضي الله عنه، وقد قال قتادة عَقِب الحديث: «أحياهم اللهُ -أي: موتَى قليب بدر- حتى أسمعهم قولَه؛ توبيخًا وتصغيرًا ونِقمةً وحسرةً وندَمًا».

والقولان متقاربان في القوّة، فمع الزمخشري الظاهر، ومع ابن كثير مسوِّغٌ للعدول عنه.

فإن قيل: أمّا على مذهب الطبري وابن كثير ففائدة القول ظاهرة، ولكن على قول الزمخشري يرِد السؤال: لِـمَ عُبِّر بذلك القول عن التحسُّر، وهلا قيل: (فتولَّى متحسِّرًا) ونحوها؟

فيقال: ذلك لأمور:

الأول: أنه حكايةٌ لِمَا وَقَعَ مِن نبيِّ الله صالح عليه السلام، فقد قال هذا القول لقومه.

الثاني: أنَّ فيه تنفيسًا لِمَا يجد -عليه السلام- من حَسْرة، فهي نَفْثَةُ مَصْدُور.

الثالث: في هذا القول دفعٌ للقائل عن لَوْمِ نفسه، وتذكيرٌ بأنه بلَّغ الرسالة التي أُمِر بها، ولم يألُ جهدًا في طلب هدايتهم.

الرابع: قال الرازي: «لأجلِ أن يسمعه بعضُ الأحياء فيعتبر به وينزجر عن مثل تلك الطريقة».

٢- قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١]:

الإشكال ووجهه:

كيف قال تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾، والله تعالى لا يَشغلُه شيء؟

توجيه الإشكال:

اختلف في معنى الخبر هنا على قولين:

القول الأول: أنه خبرٌ خرج مخرج التهديد والوعيد من الله تعالى، كقول القائل الذي يتهدَّدُ غيره ويتوعَّدُه: (سأفرغ لك)، وقد يكون فارغًا جالسًا لا يمنعه شغل، ومنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأَزَبِّ العقبة: (أَمَا والله يا عدوَّ الله لأفرُغَنَّ لك). ومعنى الآية على ذلك: سنحاسبكم أيها الإنس والجنّ، فنعاقب أهلَ المعاصي، ونثيب أهلَ الطاعة. وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، وعليه أكثر المفسِّرين.

وهي استعارة، قال السكاكي: «الفراغ: الخلاص عن الـمَهامِّ، والله -عزّ سلطانه- لا يشغله شأنٌ عن شأن، وقع مستعارًا للأخذ في الجزاء وحده».

وبيّنها الطيبي، فقال: «شُبّه تدبيره تعالى أَمْر الآخرة من الأخذ في الجزاء، وإيصال الثواب والعقاب إلى المكلّفين، بعد تدبيره تعالى لأمر الدنيا بالأمر والنهي، والإماتة والإحياء، والمنع والإعطاء، وأنه لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ، بحال من إذا كان في شغل يشغله عن شغل آخر، إذا فرغ من ذلك الشغل شرع في آخر».

ويمكن أن تكون كنايةً، قال ابن عاشور: «الفراغ للشيء: الخلوّ عمّا يشغل عنه، وهو تمثيل للاعتناء بالشيء؛ شُبّه حالُ المقبل على عمل دون عمل آخر بحال الوعاء الذي أُفرغ مما فيه ليُمْلأ بشيء آخر، وهذا التمثيل صالـحٌ للاستعمال في الاعتناء، كما في قول أبي بكر الصديق لابنه عبد الرحمن: (افرغ إلى أضيافك)، أي: تخلَّ عن كلّ شغل لتشتغل بأضيافك وتتوفر على قِراهم. وصالـحٌ للاستعمال في الوعيد، كقول جرير:

أَلَانَ وقد فَرَغْتَ إلى نُـمَيْرٍ ** فهذا حينَ كنت لَـها عذابا»

القول الثاني: سنقصد حسابكم وجزاءكم، وذلك يوم القيامة عند انتهاء شؤون الخَلْق المشار إليها بقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. فلا يبقى حينئذٍ إلا شأنٌ واحدٌ وهو جزاؤكم، فَعُبِّر عنه بالفراغ لهم على سبيل المجاز المرسل؛ فإنَّ القصد لا يكون إلا مع الفراغ، وهو قول ابن الأعرابي والزجّاج وابن القيم.

وهذا القول لا يعارض القول الأول، بل هما مؤتلفان، كما بيّنه أبو هلال بقوله: «في الفراغ هاهنا معنى ليس في القصد وهو التوعُّد والتهديد، ألا ترى قولك: سأفرغ لك، يتضمّن من الإيعاد ما لا يتضمَّنه قولك: سأقصد لك».

والمقصود أنَّ قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾، خبرٌ خرج عن غرضه الأصليِّ إلى معنى مجازيٍّ، وهو التهديد، وهي صورة مخيفةٌ مزلزلة؛ أن يقول الله الكبير المتعال لعباده الضعفاء: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾، حتى قيل في هذه الآية: «إنها أخوَفُ آية»، ففيها ما يُلهِب قلب المؤمن للاستعداد لذلك اليوم.

وأختمُ بأمرٍ أتلمَّسه من التعبير بـ﴿سَنَفْرُغُ﴾ وهو الإيماء إلى الإتقان، ونفي السَّهْو والتقصير؛ فإنَّ القرآن قد نزل بمعهود العرب في الخِطَاب، وفي استعمالهم للفراغ إلمامٌ بذلك؛ فإنَّ مَن يعالج أمورًا كثيرةً قد يصاحبه التقصير والسَّهْو، بخلاف مَن يفرغ لأمرٍ واحدٍ ويجمع هَمَّه عليه، فسيكون الإتقانُ حليفَه، والإحكامُ أليفَه. والله أعلم.

٣- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥]:

الإشكال ووجهه:

كيف أُكِّد الموت بمؤكِّدَين مع أنه لم ينكره الكفّار؟

توجيه الإشكال:

الموت حقيقةٌ لا ينكرها أحدٌ، فكان مقتضى الظاهر أن يُذْكَرَ الخبرُ مجردًا عن التوكيد، لكنه أُكِّد بثلاثة مؤكدات، وهي: (إنَّ)، و(اللام المزحلقة)، والتعبير بالاسم الدالِّ على الثبوت ﴿لَمَيِّتُونَ﴾، وذلك التأكيد يرجع لغرضين بلاغيين:

الأول: تنزيل المخاطبين هنا وهم غير منكرين منزلةَ المنكرين، لـمَّا ظهر عليهم شيءٌ من أمارات إنكار الموت، وهو الإعراض عن العمل لِمَا بعده، والتَّمادي في الغفلة، ومنه قول حَجْل بن نَضْلَة:

جاءَ شَقِيقٌ عَارِضًا رُمْحَهُ ** إِنَّ بَنِي عَمِّكَ فيهم رِمَاحُ

فإِنَّ مجيئه هكذا عارضًا رمحه، أي: واضعه على فخذيه، غير مكترث بالقوم، يشبه حال من ينكر أن يكون معهم رماح، فَنُزِّل منزلته.

فإن قيل: يردُّ هذا الغرض قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- معصومٌ من الإعراض عن العَمَل والتَّمادي في الغفلة.

فيقال: لو اتّحد السياق والمخاطَب في الآيتين لَصَحَّ الاعتراض، ولكنهما اختلفَا فاختلف غرض التوكيد تبعًا لهما، فالتوكيد في خطاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بشارةٌ ووعد، وفي خطاب مخالفيه تهديدٌ ووعيد.

الثاني: إنَّ ما ذكره الله تعالى مِن خلقِ الإنسان ونَقْلِه طورًا بعد طورٍ إلى أن أنشأه مخلوقًا على أحسن هيئة، حتى قال -جل جلاله- تعقيبًا على خَلْقِه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. إنَّ ذلك ربما يوحِي أنه خَلَقَه للخلود، وأعدَّه للبقاء في هذه الدنيا، وأنَّ الموت كأنه خلافٌ لِمَا أعدَّه له، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾، في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾، أي: إنكم بعد كلِّ ذلك التدبير والإحكام والإحسان في الخلق والتطوير، ستموتون.

قال الآلوسي: «لَمَّا تضمّنَت الجملة السابقة المبالغة في أنه -تعالى شأنه- أحكم خَلْق الإنسان وأتقنه، بالغَ سبحانه -عز وجل- في تأكيد الجملة الدالة على موته مع أنه غير منكِر؛ لِمَا أنّ ذلك سبب لاستبعاد العقل إياه أشدّ استبعاد، حتى يوشك أن ينكِر وقوعه من لم يشاهده وسمع أنّ الله -جل جلاله- أحكم خَلْق الإنسان وأتقنه غاية الإتقان، وهذا وجه دقيق لزيادة التأكيد في الجملة الدالة على الموت وعدم زيادته في الجملة الدالة على البعث لم أرَ أني سُبِقتُ إليه».

الثالث: يمكن أنّ التوكيد لمجرَّد الاهتمام بالخبر، مثل قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]. وهذا الجواب دون سابقَيْه.

٤ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨].

الإشكال ووجهه:

كيف طلب الولد بقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]. أي: ولدًا صالحًا، فلمَّا بشَّره الله تعالى به بقوله: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾، استبعد ذلك أو تعجَّب منه، فقال: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾، وهو -عليه السلام- يعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير؟

توجيه الإشكال:

يُجاب عن الإشكال ببيان معنى الاستفهام هنا، وقد اختُلف فيه على أقوال:

الأول: أنَّ الاستفهام للتثبُّت؛ فإنَّ زكريا -عليه السلام- لـمَّا سمع نداء الملائكة بالبشارة بيحيى جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا إنَّ الصوت الذي سمعتَ ليس هو من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، ولو كان من الله لأوحاه إليك، كما يوحِي إليك في غيره من الأمر، فشكَّ مكانه، وقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ للوسوسة التي خالطتْ قلبه من الشيطان، مستثبتًا في أمره ليتقرّر عنده بآيةٍ يريه الله في ذلك أنه بشارة من الله على ألْسُن ملائكته؛ ولذلك قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾، قاله عكرمة والسدّي، واختاره الطبري.

وفيه نظر؛ لأنه لا يجوز أن يشتبه على الأنبياء الوحيُ بكلام الشيطان؛ إِذْ لو جَوَّزْنَا ذلك لارتفع الوثوق عن كلّ الشرائع.

الثاني: أنَّ الاستفهام على حقيقته، وإنما استفهم لأنه نسي دعاءه؛ لطول المدة بين الدعاء والبشارة، وذلك أربعون سنة. ذكره مكّي. وهو بعيدٌ، لأنَّ الفاء في قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، تدلُّ على حصول البشارة عَقِبَ الدعاء.

الثالث: أنَّ الاستفهام للاستبعاد، أي: استبعادٌ من حيث العادة أن يُرْزَقَ ولدًا وهو وامرأته على هذه الحال؛ ولذلك قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: من الأفعال العجيبة، مِثل خلقِ الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر.

ورُدَّ بأنه لو كان استبعادًا لَمَا سأله بقوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]؛ لأنه لا يُسأَلُ إلا ما كان ممكنًا لا سيّما الأنبياء، لأنّ خرق العادة في حقّهم كثيرُ الوقوع.

الرابع: أنَّ الاستفهام للتعجب والاستعظام من كمال قُدرة الله على نقض العادة.

قال أبو حيان: «يحدث ذلك عند معاينة الآيات، وهو مِن شِدَّةِ الفرح؛ لكونه كالمدهوش عند حصول ما كان مستبعدًا له عادةً».

ويشكل على هذا أنَّ التعجب في الأصل إنما يكون لخفاء السبب؛ ولذلك قيل: (إذا عُلِمَ السبب بَطَلَ العجب)، والسبب هنا معلومٌ وهو قدرة الله جل جلاله، إلا إذا قيل: «إنَّ معنى التعجب في الأصل ما ذكر، لكن قد يُستعمل في معلوم السبب لِعِظَمِهِ ونُدرة وقوعه وغرابته».

الخامس: أنَّ الاستفهام من باب التواضع، فكأنه يقول: بأيِّ منزلةٍ أستوجِبُ هذا عندك يا رب؟! قاله النحّاس.

وفيه نظر؛ لأنَّ الجواب لا يُلائمه، وهو قوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩].

السادس: أنَّ الاستفهام على حقيقته، فهو استفهام استخبار واستعلام؛ لأنه لا يعلم هل الله يأتيه بالولد من زوجه العجوز على كِبَر سنّهما على سبيل خرق العادة، أو يأمره بأن يتزوّج شابة، أو يردّهما شابَّين؟ فاستفهم عن الحقيقة ليعلمها. وهذا القول جَوَّزه الطبري.

السابع: أنَّه استفهم ليستعيد سماع ما يسرُّه؛ وذلك أنَّ العبد إذا كان في غاية الاشتياق إلى شيء فطلبه من السيد، ثم إنَّ السيد يَعِدُه بأنه سيعطيه بعد ذلك، فالتذّ السائل بسماع ذلك الكلام، فربما أعاد السؤال ليعيد ذلك الجواب فحينئذٍ يلتذّ بسماع تلك الإجابة مرة أخرى. وهو قول الزمخشري.

والقولان الأخيران أقوى ما قيل، وأرجحهما (السادس)، فهو استفهامٌ عن كيفية حصول البشارة، فهو استفهامٌ حقيقيٌّ، و(أنَّى) بمعنى (كيف)، وحملُ الاستفهام على حقيقته أَوْلَى من حمله على المجاز.

وأودّ أن أسجّل مما تقدّم ملاحظتين:

الأولى: أنَّ بعض معاني الاستفهام المذكورة هنا لم يذكرها البلاغيون، ولا إشكال في ذلك؛ لأنه لا يمكن حصرها، وإنما مردّها إلى التأمّل في سياق الكلام وقرائن الأحوال، وذلك غير محصور. قال السعد التفتازاني: «ولا ينحصر المتولّدات (أي: المعاني البلاغية للاستفهام) فيما ذكره المصنِّف، بل الحاكم في ذلك هو سلامة الذَّوْق وتتبّع التراكيب، فلا ينبغي أن تقتصر في ذلك على معنى سمعته أو مثال وجدته من غير أن تتخطّاه، بل عليك بالتصرف واستعمال الرويّة، والله الهادي».

الثانية: أنه لا مانع من اجتماع بعض معاني الاستفهام، كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]. فقد ذكر السكاكي أنَّ الاستفهام هنا للتعجب والتعجيب والإنكار والتوبيخ.

وهكذا هنا يمكن أن نقول بالوجهين الأخيرين معًا، فيكون الاستفهام استعلامًا عن كيفية حصول البشرى، والتلذّذ بإعادة ذِكْرها. والله أعلم.

٥- قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣].

الإشكال ووجهه:

كيف قال إبراهيم -عليه السلام-: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، حيث أحال كسر الأصنام إلى الصنم الكبير، وكان إبراهيم هو الكاسِر لها؟

توجيه الإشكال:

لا يجوز الكذب في حقّ الأنبياء عليهم السلام؛ لأنّ تجويز ذلك يطرح الثقة في تبليغهم عن الله، كما أنّ الكذب من جملة الكبائر، والأنبياء معصومون منها بالإجماع؛ ولذلك اختلف العلماء في توجيه الآية على أقوال:

القول الأول: أنه خبرٌ معلَّقٌ بشرطٍ مُـحالٍ وهو نطق الأصنام، فيكون نفيًا للمخبَرِ به، والمعنى: (بل فعَله كبيرُهم هذا إِنْ كانوا ينطقون)، فجعل إضافة الفعل إليهم مشروطًا بنطقهم، تنبيهًا لهم على فساد اعتقادهم، وليس المقصود أنَّ الكبيرَ فَعَلَ ذلك.

وعلى هذا يكون قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ﴾ مؤخَّرًا، والتقدير: (بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون، فاسألوهم). وفي ضِمن هذا اعترافٌ بأنه هو الفاعل.

القول الثاني: أنَّ المعنى: يجب أن يفعله كبيرهم -إن كان معبودًا كما تزعمون- لئلا يُعبَد معه غيره، فهو على إلزام الحُجّة لا الخبر.

القول الثالث: أنَّ إبراهيم -عليه السلام- لم يكن يريد نسبة الفعل إلى الصنم، وإنما أراد التهكُّم بهم وإلزامهم الحُجّة، وهو كما لو قال لك صاحبك، وقد كتبتَ كتابًا بخطٍّ رشيق، وأنت شهيرٌ بحُسْن الخط: أأنتَ كتبتَ هذا؟ وصاحبك أُمِّيٌّ لا يحسن الخطَّ ولا يقدِر إلا على خرمشةٍ فاسدةٍ. فقلتَ له: بل كتبتَه أنت. كان قصدُك بهذا الجواب تقريرَ ذلك مع الاستهزاء به، لا نفيه عنك وإثباته للأمّي أو المخرمش؛ لأن إثباته للعاجز منهما استهزاءٌ به وإثباتٌ للقادر. ذكَره الزمخشري، واختاره البقاعي.

القول الرابع: أنَّ قوله: ﴿فَعَلَهُ﴾ ليس من الفِعْل وإنما هو (فَلَعَلَّه) على جهة التوقع، لكن حُذفت اللام الأُولى وخُفِّفَت الثانية. نقله الفراء. وهو بعيد.

ويلاحظ أنّ جميعَ الأقوال عدَا الأوّل متفقةٌ على أنّ إبراهيم -عليه السلام- لم يُرِد نسبة الفعل إلى كبير الأصنام حقيقةً، وإنما أراد إلزامهم الحُجّة.

والقول الثالث أظهر الأقوال، وهو داخلٌ في باب المعاريض، وهي مباحةٌ عند الحاجة الشرعية، وقد تُسمَّى كذبًا لمشابهتها له في الصورة؛ فتُسمَّى كذبًا بالنظر لِمَا فهمه المخاطَب، لا بالنسبة لِمَا قصده المتكلِّم، ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لم يَكذِبْ إبراهيم قط إلا ثلاثَ كذباتٍ؛ ثنتين في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وواحدة في شأن سارة...)، متفق عليه. فهذه الثلاثة معاريض، وبها احتجّ العلماء على جواز التعريض للمظلوم، وهو أن يعني بكلامه ما يحتمله اللفظ وإن لم يفهمه المخاطَب».

ومما يؤكّد أنّ غرضه -عليه السلام- من قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ إلزامهم الحجة مع تبكيتهم والاستهزاء بهم: ذِكرُ المسند ﴿فَعَلَهُ﴾، ولو قال: (بل هذا)، لكان المسند مفهومًا لدلالة السؤال الصريح عليه، إلا أنه -عليه السلام- عدل عن الحذف؛ لأنّ في الحذف تعويلًا على ذكاء المخاطَب وتنويهًا بفهمه، ألا ترى أنّ المولى -جل جلاله- إذا خاطَب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي، وإذا خاطَب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام مبسوطًا -كما قال الجاحظ- والمقصود أنَّ ذِكْرَ المسندِ هنا تعريضٌ بغباوة المخاطَبِين، وهو موافقٌ للغرض من ذِكْر الخبر.

فقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، واردٌ على أبلغ ما يكون من إلزام الحُجّة، حيث أقروا بلسان حالهم بأنّ الأصنام لا تقدِر على فِعل ذلك، وهو من استدراج الخَصْم في المناظرة وإرخاء العِنان له ليعثر، وليظهر له بطلان مذهبه؛ ولذلك توصّل إبراهيم -عليه السلام- بإقرارهم هذا، فقال: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦- ٦٧]؛ ولذلك لـمّا رأوا أنهم قد أُلزِمُوا الحجة، «ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متن الحتوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف، [وقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ﴾]، وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كلُّ مغلوب في الحُجّة والبرهان، وكلُّ من لا يستطيع دفعًا عن نفسه بالقلم واللسان».

وذكرَ ابن الأثير احتمالًا آخر للتعريض، وهو أن يكون مقصوده -عليه السلام- أنّ كبير الأصنام غضب أن تُعبَد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها، وغرض إبراهيم -عليه السلام- من ذلك أنه لا يجوز أن يُعبَد مع الله تعالى مَن هو دونه، فإنَّ مَن هو دونه مخلوقٌ من مخلوقاته، فجعل إحالةَ القولِ إلى كبير الأصنام مثالًا لِمَا أراده.

تلك نماذج من أثر الأساليب الخبرية والإنشائية في توجيه المشكل، وأمثلته كثيرةٌ في كتب المشكل

 


  1. ^

     هذه المقالة من كتاب: (أثر البلاغة في توجيه مشكل القرآن)، الصادر عن مركز تفسير سنة ١٤٤٤هـ، ص٢٧٥ وما بعدها. (موقع تفسير)

  2. ^

     مقاييس اللغة (٢/ ٢٣٩)؛ اللسان (خبر).

  3. ^

     المقتضب (٣/ ٨٩)؛ الإيضاح (١/ ٥٧).

  4. ^

     البحر المحيط، للزركشي (٤/ ٢١٥).

  5. ^

     يرى عبد القاهر أنَّ التوكيد يُستحسن للشَّاكّ المتردّد الذي له ميلٌ لأحدهما، فهو قريبٌ من المنكِر. أمّا ‏الشاك الذي استوى عنده الأمران فلا حاجة لأنْ يؤكّد له، فهو كخالي الذهن. أمّا الجمهور ‏فيستحسنون التوكيد لكِلا الحالين. ينظر: المنهاج الواضح (٤/ ٢٦).

  6. ^

     تفسير الطبري (١٣/ ٤٤٢).

  7. ^

     المفردات (نشأ).

  8. ^

     رواه البخاري (٧٥٧)؛ ومسلم (٣٩٧).

  9. ^

     ينظر في الخبر والإنشاء: الإيضاح مع البغية (١/ ٢٨)، (٢/ ٢٨)؛ شروح التلخيص (١/ ١٧٣)، (٢/ ٢٣٤)؛ الطراز (١/ ٦١)؛ المطول (٣٨، ٢٢٤)؛ المنهاج الواضح (٤/ ١٣)؛ معجم المصطلحات ‏البلاغية، ص١٩٥، ٤٧٨.

  10. ^

     أنموذج جليل، ص١٥١؛ فتح الرحمن، ص١٩٨.

  11. ^

     تفسير الطبري (١٠ / ٣٠٤).

  12. ^

     تفسير الرازي (١٤/ ٣٠٨).

  13. ^

     البخاري (٣٩٧٦)؛ ومسلم (٢٨٧٤).

  14. ^

     تفسير ابن كثير (٣/ ٤٤٣).

  15. ^

     الكشاف (٢/ ١٢٤).

  16. ^

     تفسير الرازي (١٤/ ٣٠٨).

  17. ^

     أنموذج جليل، ص٤٩١؛ الروض الريان (٢/ ٤٦٢)؛ فتح الرحمن، ص٥٤٦.

  18. ^

     رواه أحمد (١٥٧٩٨). وأَزَبُّ العَقَبَة: شيطانٌ في صورة حَيَّة. ينظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٤٣).

  19. ^

     معاني القرآن، للفراء (٣/ ١١٦)؛ تفسير الطبري (٢٢/ ٢١٦)؛ معاني القرآن، للزجاج (٥/ ٩٩)؛ ‏الكشاف (٤/ ٤٤٨)؛ المحرر الوجيز (٥/ ٢٢٩)؛ البحر المحيط (١٠/ ٦٣).

  20. ^

     مفتاح العلوم، ص٣٨٩.

  21. ^

     فتوح الغيب (١٥/ ١٦٥).

  22. ^

     التحرير والتنوير (٢٧/ ٢٥٦).

  23. ^

     معاني القرآن، للزجاج (٥/ ٩٩)؛ لسان العرب (فرغ)؛ طريق الهجرتين (١/ ٤٢٣).

  24. ^

     كتاب الصناعتين، ص٢٦٩.

  25. ^

     البرهان في علوم القرآن (١/ ٤٤٨).

  26. ^

     أنموذج جليل، ص٣٥١؛ فتح الرحمن، ص٣٨٨.

  27. ^

     معاهد التنصيص (١/ ٧٢).

  28. ^

     الإيضاح (١/ ٤٨)؛ البحر المحيط (٧/ ٥٥٣).

  29. ^

     لمسات بيانية، ص١١٧.

  30. ^

     روح المعاني (٩/ ٢١٩).

  31. ^

     أنموذج جليل، ص٣١٤؛ فتح الرحمن، ص٣٥٠.

  32. ^

     تفسير الطبري (٥/ ٣٨٢).

  33. ^

     تفسير الراغب (٢/ ٥٤٦)؛ تفسير الرازي (٨/ ٢١٣).

  34. ^

     الهداية (٢/ ١٠٠٦).

  35. ^

     حاشية القونوي على البيضاوي (٦/ ١٣٤).

  36. ^

     الكشاف (١/ ٣٦٠).

  37. ^

     البحر المحيط (٣/ ١٣٥).

  38. ^

     تفسير الماوردي (١/ ٣٩١)؛ باهر البرهان (١/ ٢٨٩).

  39. ^

     البحر المحيط (٣/ ١٣٥).

  40. ^

     ينظر: كناشة النوادر، ص١٧٥.

  41. ^

     حاشية القونوي على البيضاوي (٦/ ١٣٤).

  42. ^

     معاني القرآن (١/ ٣٩٥).

  43. ^

     تفسير الطبري (٥/ ٣٨٢).

  44. ^

     الكشاف (٣/ ٦)؛ تفسير الرازي (٨/ ٢١٣).

  45. ^

     المطول، ص٢٣٩.

  46. ^

     مفتاح العلوم، ص٣١٤.

  47. ^

     أنموذج جليل، ص٣٣٩؛ الروض الريان (١/ ٢٦٣)؛ فتح الرحمن، ص٣٧٥.

  48. ^

     المعلم، للمازري (٢/ ٣٤)؛ الشفا، للقاضي عياض (٢/ ١٤٤).

  49. ^

     تفسير الماوردي (٣/ ٤٥١)؛ باهر البرهان (٢/ ٩٢٩).

  50. ^

     باهر البرهان (٢/ ٩٢٩).

  51. ^

     الكشاف (٣/ ١٢٤)؛ نظم الدرر (١٢/ ٤٤٠).

  52. ^

     معاني القرآن (٢/ ٢٠٧).

  53. ^

     رواه البخاري (٣٣٥٨)؛ ومسلم (٢٣٧١).

  54. ^

     مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٢٣).

  55. ^

     الحيوان (١/ ٦٤).

  56. ^

     خصائص التراكيب، ص٢٩٠.

  57. ^

     النبأ العظيم، ص١١٣.

  58. ^

     المثل السائر (٣/ ٧٢).

  59. ^

     وينظر: تأويل مشكل القرآن، ص٢٧٩؛ الفوائد في مشكل القرآن، ص٥٢، ٦٨، ٧٦، ١٤٠؛ أنموذج جليل، ص٢٧، ٢٩، ٤٥، ٦١، ٦٢، ٧٤، ٩٣، ٩٥، ١١٨، ١٢٨، ١٣٥، ١٨٠، ١٨٩، ٢٠٢، ٢٠٧، ‏‏٢٣٥، ٢٣٩، ٢٤١، ٢٤٩، ٢٥١، ٢٥٧، ٢٦٠، ٢٧٨، ٢٨٠، ٢٨١، ٣٣٩، ٣٨١، ٤١٠ (ط. ‏المطرودي)، ٤٢٥، ٤٢٨ (ط. المطرودي)، ٤٣٢، ٥٠١، ٥٤٩. الروض الريان (١/ ٥٦، ٩٦، ١٦٩، ‏‏١٧٧، ١٩٠، ١٩٢)، (٢/ ٣٢٤، ٣٦٦، ٤٧٥، ٥٦٢). فتح الرحمن، ص٣٦، ٤٠، ٦٥، ٨٦، ٨٨، ‏‏١٢٢، ١٤٣، ١٥٢، ١٦٥، ٢٢٩، ٢٣٩، ٢٦٥، ٢٨٩، ٢٩٥، ٢٩٦، ٣٠٢، ٣٠٥، ٣٢١، ‏‏٣٧٥، ٤٥٥، ٤٧٣، ٤٨٢، ٥٥٣، ٦٠٠.

كلمات مفتاحية

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))


Source URL: https://tafsir.net/articles/24802