عرض كتاب
ترجمة جديدة للقرآن إلى الألمانية
لـ"هارتموت فون بوبزين"

المترجم : أمنية أبو بكر
يقدِّم هذا المقال عرضًا لترجمة هارتموت بوبزين للقرآن، هذه الترجمة الصادرة مؤخرًا، والتي تعدُّ أول ترجمة ألمانية للقرآن منذ رودي بارت، يعرض المقالُ البناءَ العام لهذه الترجمة، والمنهج الذي اتبعته بوبزين في التعامل مع النصّ القرآني، كما يشير إلى أهمية هذه الترجمة وموقعها ضمن الترجمات الألمانية السابقة للقرآن.

عرض كتاب

(القرآن: ترجمة جديدة)

لـ"هارتموت فون بوبزين Hartmut von Bobzin"[1][2]

  منذ إصدار النسخة الكاملة الأولى لمعاني القرآن إلى إحدى اللغات الغربية بترجمة الإنجليزي روبرت كيتن Robert of Ketton (ت: 1157)، بتعليمات من بطرس الموّقر Peter the Venerable (ت: 1156)، لم يُرَ أيّ تقصير في مشاريع الترجمة حتى اليوم. والكتاب قيد العرض هو واحدٌ من أحدث هذه الأعمال.

إنّ خلفية بوبزين الفكرية وتدريباته دفعَتاه إلى استكشاف الدراسات العامّة للقرآن، وتاريخ ترجماته على وجه الخصوص، وهو الأمر الذي يضعه في موقع متميّز ليُقْدِم على مجهود بمثابة تحدٍّ يتمثّل في ترجمة هذا النصّ المقدّس الغامض[3] والذي يحظى بإجلال كبير في الإسلام[4]. والسؤال الذي ربما يُتوقَّع طرحه هو: إذا ما كنّا بالفعل نحتاج الآن إلى ترجمة ألمانية جديدة، أو ترجمة جديدة إلى أيّة لغة أوروبية؟ ستكون الإجابة واضحة من جانب أيّ مهتمٍّ بدينامية المنظورَين الإبستمولوجي والتأويلي؛ بأنه لا يمكن أن توجد تفسيرات أكثر من اللازم للنصوص الدينية المقدّسة والمؤسِّسة، لا سيما القرآن الذي يحظى بإجلال استثنائي بين المسلمين؛ نظرًا لقيمته التعبّدية والتشريعية من بين أمور أخرى.

إنّ محاولة الشاعر فريدريش روكرت friedrich Rückert (ت: 1866)[5]، الذي أصبح فيما بعد أستاذًا للّغات الشرقية في جامعة إرلانغن (1826- 1841)، لترجمة «الفصول الشعرية» من القرآن إلى اللغة الألمانية ظلّت محاولةً مبتورة، وفي أحسن الأحوال جهدًا جريئًا وغير شاملٍ يهدف إلى إشباع الفضول والشغف الأدبي؛ ولذلك لم تُقدِّم ترجمته تبصُّرًا عن المعنى الحقيقي والرسالة التي يحملها القرآن. وانطلاقًا من هنا تأتي الحاجة إلى ترجمة ألمانية شاملة وعلمية. إنّ اجتهاد بوبزين يمثّل عملًا تنطبق عليه هذه الصفات، ويقترب من سدّ ثغرة هائلة.

في العمل قيد المراجعة، تأتي ترجمة السور (ص: 9- 596) متبوعة بملحق "Anhang" لمعالجة مجموعة من المشكلات تحت عناوين محددة، وخاتمة "Nachwort" (ص: 601- 610)، وتفسير للسور "Erläuterungen" (ص: 613- 783)، ومعجم "Glossar" (ص: 785- 799)، وفهرس "Stellenverzeichnis" (ص: 801- 821).

تمثّل طبعة القاهرة الرسمية للقرآن المنشورة سنة 1924م النموذج والمرجع المُتبنَّى لهذا العمل. إنّ بعض الخصائص المميزة لهذه الطبعة، والتي تم التمسّك بها أثناء الترجمة تتضمّن تحديدَ عددِ آيات السورة، ومكانَ التنزيل وتوقيتَه، والسورةَ التي تتلوها وَفقًا لترتيب النزول. وفيما عدا سورة الفاتحة، التي تأتي في نصِّها العربي داخل صفحة مزخرفة، فإنّ السور الأخرى ليست مصحوبة بالنصّ العربي. ولا ينبغي أن يكون الأمر كذلك، فالجمع بين واجهة عربية للنصّ وبين النصّ المترجم قد يُلْهِم القارئ لتطوير اهتمامه بتعلّم اللغة الأصلية للقرآن.

وبالنسبة إلى عناوين السور، فقد كُتبت بخطّ فائق الجمال. وتسري هذه الترجمة بانسيابٍ دون أن تكون تبسيطيّة أو متخصّصة، ويسهل فهمها على نحوٍ شامل فقط بمعرفة القراءة بالألمانية. لكن العيب البسيط هو غياب إثبات النسخة العربية من الأسماء؛ الأنبياء والرّسل على نحو الخصوص. فالإشارة إلى SalomoJohannes, Hiob, and بـ"Yaḥyā" و"Ayyūb" و"Sulaymān"، ستكون مفيدة ولو وضعت بين قوسين (راجع المثال: س6: 84- 85).

إنّ التحدِّي اليومي الذي يواجهه مترجمو النصوص الدينية المقدّسة، لا سيما القرآن، يتمثّل في طريقة التعامل مع إيقاعه الفريد وقوافيه [فواصله] والفروق الدقيقة في البنية، التي تصعب ترجمتها. ويعترف مترجمنا بالآتي: إنّ مَن يترجم معاني القرآن إلى اللغة الإنجليزية سيكتشف أنّ القرآن نفسَه هو ما يتبقى من وراء الترجمة بسبب خاصيته المقدّسة؛ الإعجاز (iʿjāz Unnachhamlichkeit)[6]. وفضلًا عن ذلك، فإنّ التعبيرات الصياغية والروابط والمتمّمات الكلامية، من بين أدوات أسلوبية أخرى في القرآن، تمثّل صعوباتٍ محددةً أثناء الترجمة إلى اللغات التي تفتقر إلى مثل هذه الخصائص. إلّا أنّ مترجمنا قد نجح في التغلب على هذه التحديات على نحوٍ لافت للنظر، بفضل قدراته الفكرية العميقة والواسعة.

وتلقِي الخاتمة الضوء على تاريخ نزول القرآن وعلى دراساته. وتطرح إشكالية الشفاهة والتوثيق والقراءات المتعدّدة "Lesetraditionen" والنصّ المجرّد والمصاحف- العثمانية (الفولجاتا)[7] التي لم يلغِ وجودَها النسخُ المختلفةُ في أيادي الناس[8]. كما أنها تجدّد معرفتنا بسردية اعتماد «ابن مجاهد» (ت: 324/ 936) للقراءات السبع، وهي تقاليد القراءة التي عُرفت في نهاية المطاف بمراكزها في مكة والمدينة ودمشق والبصرة والكوفة؛ إِذْ تشمل الأخيرة ثلاثًا من القراءات السبع. وقد كان من المفيد أيضًا ترتيب الفصول ترتيبًا تعاقبيًّا حسَب النزول (ص: 603، رقم 10). كما بيّن بوبزين بعض المعلومات حول مبدأ ترتيب القرآن، مثل: الترتيب التنازلي للسور وَفقًا لطولها؛ حيث تقصر تدريجيًّا بتقدّم النصّ -مع الأخذ في الاعتبار استثناءات بسيطة. ولهذا أشار إلى تشابهٍ بينها وبين رسائل بولس في العهد الجديد، رغم عدم الحاجة إلى المقارنة بينهما. كما تم تسليط الضوء على الإحداثيات الموضوعية والأسلوبية للسور المكية والمدنية على نحوٍ مثير؛ إِذْ تتعامل الأولى مع القضايا الأخروية والإلهية بأسلوب شاعري ووجيز، بينما الأخرى التي تُعرف أكثر بأسلوبها الهيراطيقي (الكهنوتي) والرفيع[9]، فإنها تتعامل بصورة أكبر مع المتطلّبات القانونية لمجتمع ناشئ.

إنّ التفسير (Erläuterungen) الموجود فصلًا تلو الآخر على نحو متسلسل؛ يفسِّر العبارات الاصطلاحية في الآيات، ومعانيها الظاهرة والباطنة التي لا تتبيّن من الترجمة النصِّية العادية. وهنا يظهر الأثر الكبير لمعرفة بوبزين المتعمّقة بأساسيات الفيلولوجيا الساميّة واللغات الكتابية والتراث الفكري الإسلامي بكلّ تأكيد. ويقدِّم تفسيره لكلّ آية شرحًا لكثير من الآيات، وكذلك يستحضر عناوين بديلة للسور، حتى عَبْر التقسيم الجغرافي للعالم الإسلامي. على سبيل المثال، فالسورة السادسة والتسعون التي تسمّى عمومًا (العلق) يتم تسميتها (القلم) في التسمية الأندلسية (وهي التسمية التي تُطلق خصيصًا على السورة الثامنة والستين).

كما استفاد المترجم مِن التفاسير التراثية بداية من تفسير الطبري إلى الجلالين (القرن التاسع/ الخامس عشر)، إلى الشوكاني (ت: 1239= 1823)، ومِن الرؤى الفيلولوجية ذات الصلة والمصادر التاريخية الجغرافية، وقام بتسخيرها كأدوات نقدية لإيضاح المعاني الحرفية والسياقية للمصطلحات والتعبيرات.

تمنح الإشارات المرجعية للسور ذات الفواتح المبهمة وللمصادر وموازياتها في الآيات، والحواشي، القارئ فهمًا أكثر شمولًا للموضوعات ولوجهات النظر حول السرديات والمسارات. فضلًا عن ذلك، فإنّ التعليق يلقِي الضوء على أوجه أخرى من الثقافة المادية للإسلام. على سبيل المثال، يقدّم التعليق على سورة 112 (سورة الإخلاص) معلومات قيّمة حول العملات العربية الإسلامية؛ حيث أوضح كيف استُخدم الجزء الأول من الآية الأولى كشارة على العملات الإسلامية القديمة (ص: 783). كما يقدّم التعليق متوازيات من التراث الألماني في موضوعات بعينها مثل أعمال السحر، وهي من موضوعات السورة 113 (سورة الفلق).

 ويؤمن بوبزين بالسمة البراغماتية[10] للاصطلاحات القرآنية المعروفة باسم «وجوه القرآن» بإشارته إلى الدلالات البديلة لـ lemmata- (المصادر) أو العبارات، مُنشِئًا بذلك معانيَ سياقية لكلمات كانت ستُفهم على نحو خاطئ لولا ذلك. كما وضع عَين اعتباره أيضًا مسألةَ اللغةِ العربية الحديثة، حيث اتخذت كلماتٌ عديدة من اللغة الكلاسيكية (أو القرآنية) معانيَ جديدةً أو مشتقة في الخطاب المعاصر، فاهتمّ مترجمنا بهذا الشأن ليعزّز فهم القارئ الألماني المعاصر الذي قد لا يكون على دراية بهذا التراث اللغوي القديم للقرآن (أي العربية القرآنية) ومتلقِّيه المباشرين. كما قدّم هذا التعليقُ قيمةً مضافة بمنع الالتباس فيما يخصّ الخطابات التي تشير إلى متحدّث بعينه في حديثٍ مسلسل يتضمن أكثر من متحدّث، كما في قصة موسى وفرعون والسحرة (سورة الأعراف: 103- 137، سورة الشعراء: 10- 67).

أمّا المعجم (ص: 785- 799) فلا يتّبع التزويد التقليدي المجرّد لتعريف المدخلات المعجمية[11] والمصادر فحَسْب؛ إنما يقدّم ملاحظات دقيقة ومفيدة حول بعض الشخصيات والثيمات (الموضوعات) القرآنية، ولا سيّما الأنبياء والموضوعات التوحيدية. كما أنه يعطي استخدامًا خاصًّا أو عامًّا لمثل هذه المصطلحات ويذكر أهميتها في الاصطلاح والخطاب القرآني. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ بعض المعلومات التاريخية الخاصّة بالمدخلات المعجمية المُعرّفة قد تم توضيحها ببراعة منقطعة النظير. ويحتوي الفهرس على إشارات لأسماء الله الحسنى، والمصطلحات والمفاهيم والظواهر الدينية وأسماء الشخصيات أو المفاهيم.

 وعلى جميع الأصعدة، فوحده المترجم الذكي والماهر يستطيع أن يتمكّن من نقل التنوّع الموضوعي والأسلوبي لهذا الكتاب المقدّس، وهو ما حقّقه مترجمنا على نحوٍ بديع. وقيمة إضافية لهذا العمل تتركّز في مراعاة المترجم لحساسية المسلمين باجتنابه التعليق بما قد يُعَدّ مسيئًا أو استخدام أسلوبٍ لغوي قد يُعتبر غير لائق على حد قول لمارمادوك باكتال Marmaduke Pickthall.

علاوة على ذلك، فإنّ هناك بُعْدًا أكثر أهمية لهذه الترجمة يتجاوز قيمتها الأكاديمية؛ ففي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كان هناك وعيٌ ضئيلٌ بأهمية وجود أيّ ترجمة قياسية للنصّ الإسلامي المقدّس بين الألمان المسلمين. لكن العدد المتزايد للمسلمين في ألمانيا -وأغلبهم من أصول تركية ومؤخرًا من شمال أفريقيا والعالم العربي- قد زاد من الحاجة إلى ترجمة موثوقة وسهلة القراءة، حيث ستكون مهمةً بالنسبة إلى الشريحة المسلمة من المجتمع الألماني، وكذلك بالنسبة إلى سياسة هذا المجتمع التي تقوم على صعيدٍ بتقييم المسلمين والإسلام من خلال فهمٍ ضعيف وعدائي للقرآن، وعلى صعيد آخر، تقييم المعتقد وتابعيه من خلال الأنظمة الهامشية المنحرفة[12].

كما ستخفّف هذه الترجمة الجديدة من حدّة التوتر الذي أثاره في السنوات المنصرمة الأخيرة الخطاب العميق للولينغ[13] -لكسنبرج Lüling Luxenberg [14] حول الصورة النصية للقرآن والترجمات التنقيحية إن لم تكن وربما المشوّهة لبعض التعبيرات والجمل والظواهر. لقد أثارت هذه الحملة بعض القلق في الغرب، لا سيما في منهج الدراسات القرآنية الألمانية، ويمثّل الجهدُ الحالي لبوبزين -عن طريق أداة فعالة كالترجمة- إسهامًا مهمًّا وإيجابيًّا نحو تصحيح بعض الشكوك التي أثارتها الادعاءات المثيرة للجدل حول نصوص وسياقات القرآن.

  ومما لا شك فيه أنّ هذه الترجمة ستكون رفيقًا لا غِنى عنه لأيّ باحث في مجال الدراسات القرآنية إذا كان على معرفة جيدة باللغة الألمانية. لقد قامت هذه الترجمة بسدّ فراغ هائل في المشروع القائم على جعل المحتويات الفكرية للقرآن مفهومة لمتحدثي اللغة الألمانية وقرائها. وبرغم احتمالية أن يجعلني ذلك متغنيًا بأمجاد الماضي فيما يتعلّق بالترجمة الألمانية القديمة لرودي بارت Rudi Paret (1901- 1983) [15]، إلا أنه من العدل أن أعترف بأنّ ترجمة بوبزين مَثّلَت جهدًا تكميليًّا أو حتى خِلفًا جديرًا، ومبشرة بأن تمثّل ترجمة قياسية لبعض الوقت في المستقبل. ونأمُل ألّا يستغرق المزيد من التفسير الألماني للقرآن وقتًا لكي يؤتيَ ثمارَه كمذكرةٍ ضروريةٍ لرسالةِ ومهمةِ الكتاب المقدّس للإسلام.

 


[1] نشر هذا العرض في مجلة: Journal of Qur’anic Studies في عام 2012.

[2] ترجم هذا العرض، أمنية أبو بكر، مترجمة، لها عدد من الأعمال المنشورة.

[3] الإشارة من الكاتب هنا يقصد بها بالنسبة لقارئ أوروبي معاصر لم يَعُد معتادًا على مباشرة النصوص المقدسة في لغاتها وتركيباتها ونمط بنائها البلاغي الأصلي. (قسم الترجمات).

[4] هـ بوبزين، الأدب، «ترجمة القرآن» في دائرة المعارف للقرآن. العمل الأخير والمهم في هذا الموضوع هو «قصة أول ترجمة للقرآن وطباعتها باللاتينية» لنزيه كسيبي، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق 86: 2 (2011)، ص:571- 582.

[5] فريدريش روكرت (1788- 1866): من أهم الشعراء الألمان في القرن الثامن عشر، وُلد في اشفاينفورت، درس القانون والفيلولوجي في جامعة ستراسبورج وجامعة هيدلبرج، وحصل على الدكتوراه عام 1811، ودرس في جامعة يينا، وفي 1826 عيّن أستاذًا للّغات الشرقية بجامعة إيرلنجن، أشعاره مجموعة في كتاب بعنوان: «قصائد مجموعة»، طبع عام 1834، ومختارات طُبعت عام 1846، وإلى جانب كتابته للشِّعْر فقد اهتم بترجمة عدد من الأشعار الفارسية والعربية، فهو مترجم مقامات الحريري (تحت اسم: أطوار أبي زيد)، التي أضحت جزءًا من مطالعات واهتمامات المثقفين الألمان -وقارئي الألمانية- في هذا الوقت حتى نجد سيجموند فرويد يقتبس منها في أحد كتبه، كما ترجم أشعارًا لامرئ القيس، وقصائد لسعدي الشيرازي، وترجم سورًا وآيات مختارة من القرآن، عام 1888. (قسم الترجمات).

[6] يشبه حديث بوبزين هنا حديث شتيفان فيلد حول كون القرآن يحمل قدرًا لا يمكن ترجمتُه ولا يمكن إيجادُ مكافئ له، وهو إعجاز القرآن، وأنّ كلّ ترجمة هي في الأخير ترجمة تفسيرية غير مكافئة للنصّ ولا تستطيع نقل جماله وإعجازه، ويتناول فيلد هذا بالتفصيل -ضمن سياسات الترجمة وقضية ما الذي يُترجم من النصّ- ضمن محاضرته «القرآن اليوم، لماذا نترجم ما لا يمكن الترجمة؟»، وهي مترجمة للعربية، ترجمة: د/ حسام صبري، ضمن الترجمات المنوّعة على قسم الترجمات بموقع تفسير. (قسم الترجمات).

[7] الفولجاتا تشير بالأساس إلى الترجمة اللاتينية الشعبية للكتاب المقدّس، والتي قام بها القديس جيروم في القرن الخامس بعد اتساع وتعدد الترجمات، إلا أن استخدامها هنا لوصف المصاحف العثمانية فيه قدر من الغرابة، حيث لم يكن هناك تعدّد واختلاف في النصّ القرآني كما الحال الذي شهدته الترجمات اللاتينية للكتاب المقدّس في القرن الرابع، فضلًا عن كون القرآن الذي جُمع في عهد عثمان هو نصّ أصلي وليس ترجمة، مما يقلّل من مساحة الاختلاف في نسخه إن وجدت، كذلك فثمة عنصر حاسم في عمل جيروم يتعلّق بمحاولة إيجاد صياغات بسيطة تيسِّر قراءة الكتاب المقدّس لعدد واسع من المسيحيين، وهو صنيع غير متصوّر قطعًا في القرآن لا نظريًّا ولا تاريخيًّا. (قسم الترجمات).

[8] هذا تصوّر مشكِل، فلم يكن هناك نُسخ من القرآن بينها اختلافات كما قد يتصوّر، وإنما غاية الأمر هو اختلافات طفيفة جدًّا في بعض النصوص في المصاحف التي كانت عند الصحابة، كما أنّ النسخة العثمانية جاءت بإجماع الصحابة حينها، وقد أحرقت بقية نُسخ المصاحف بقبول منهم، وأمّا مصحف ابن مسعود فقد تمسّك به ابن مسعود واستمرت قراءته حينًا، لكن سرعان ما استقر الحال على المصحف العثماني، وقد قارن بعض المعاصرين بين المصحف العثماني من خلال طرس صنعاء وأحد مصاحف الصحابة، وحاولوا إيجاد علاقات بين هذه النُّسَخ، وعن طريق تحليل أنماط الاختلاف في النُّسَخ، وقد توصلوا لكون المصحف العثماني يمثّل أصح نسخة وأوثقها وأشملها. راجع: موازنة بين المصحف العثماني وأحد مخطوطات صنعاء، ترجمة: د/ حسام صبري، منشورة ضمن ملف «المخطوطات القرآنية في الدراسات الغربية المعاصرة»، على قسم الترجمات بموقع تفسير. (قسم الترجمات).

[9] الهيراطيقية: هي طريقة كتابة الكهنة في الحضارة المصرية القديمة، واختلافها عن الهيروغليفية يأتي من كونها أسرع وأكثر اتصالًا ووضوحًا، مما جعلها أكثر مناسبة للكتابات المستمرة والدورية والتنظيمية من الهيروغليفية التي كانت في المقابل أكثر سحرية وصعوبة، ولعلّ الكاتب يقصد كون السور المدنية لتعلقها بقضايا تشريعية حياتية فإنّ أسلوبها يقترب في يُسره ووضوحه من الهيراطيقية، على أنه من المهم الانتباه إلى أنّ القرآن وإنْ تغايرت أساليبه بين المكي والمدني إلا أن سمة اليسر والوضوح سمة مركزية فيه، ومن ثم وصف القرآن نفسه ككل بأنه كتاب مبين. (قسم الترجمات).

[10] البراغماتية في علم اللغة: هي العلم الذي يهتم بدراسة العلامات والكلمات والجُمَل في السياقات الاجتماعية والمواقع الفعلية. (قسم الترجمات).

[11] المعلومات الدلالية والتركيبية والصرفية الخاصة بوحدةٍ معجميةٍ ما. (قسم الترجمات).

[12] راجع (الإسلام والهوية في ألمانيا)، مجموعة الأزمات الدولية، تقرير أوروبا 181، المنشور بتاريخ 14 مارس 2007. www.crisisgroup.org

[13] غونتر لولينغ Günter Lüling (1928- 2014): لاهوتي بروتستانتي ألماني، تركّزت دراساته في بدايات الإسلام؛ حيث حاول إثبات فرضيته عن كون الإسلام تطوّر أصلًا عن نِحْلة لجماعة مسيحية كانت تسكن مكة، وأنّ القرآن هو تطوّر لاحق للتراتيل المسيحية المستخدمة من هذه الجماعة، له عدد من الكتب في هذا السياق، منها:

Kritisch-exegetische Untersuchung des Qur'antextes. Erlangen, 1970

دراسة تفسيرية نقدية للنصّ القرآني.

Über den Ur-Qur'an. Ansätze zur Rekonstruktion vorislamischer christlicher Strophenlieder im Qur'an. Erlangen: Lüling, 1974

حول القرآن الأصلي، مقاربات لإعادة بناء التراتيل المسيحية قبل الإسلام في القرآن.

وفرضية لولينغ تجعل القرآن كتابًا متراكبًا من عدة طبقات: حيث تمثّل الطبقة الأولى والأعمق فيه مجموعة ترانيم مسيحية تخصّ مسيحيي مكة فيما قبل النبي محمد، ثم طبقة ثانية تحوي التعديلات التي تمّت في عهد محمد لتنسجم مع مبادئ الإسلام الناشئ، ثم طبقة ثالثة تحوي الإضافات الإسلامية في عهد محمد، ثم طبقة رابعة تحوي تلك التعديلات التي قام بها المسلمون في ما بعد محمد أثناء تحرير الخط العربي. والغريب أن هذه الفرضيات توجد دون وجود أيّ أدلة عليها، إلَّا التخرُّص بوجود مسيحي منظم في مكة عشية الإسلام، وهو ما لا يوجد دليل عليه، وإلَّا الافتراض بكون تجريد المصاحف الأولى كان خلوًا من أيّ تقليد شفهي مصاحب للنصّ المكتوب يضبط قراءته، مما يتيح إمكان التعديل والتغيير خطًّا أو رسمًا أو في سبيل الضبط في إطار قواعد العربية، وهذا الافتراض الأخير لا يخالف فقط حقيقة وجود مثل هذا التقليد كما هو ثابت، وإنما كون وجود مثل هذا التقليد أساسيًّا في ظل فرضية تجعل القرآن -أصلًا- كتابًا شعائريًّا يُتلى في مناسبات ليتورجية محدّدة ومتكرّرة، فكأنّ هذا الكلام يعني أن القرآن كان كتابًا متداولًا شفهيًّا في الشعائر، وفي نفس الوقت لا يوجد تقليد شفهي لتناقله يضبط قراءته في ظلّ إمكانات تعديل غير منضبطة! (قسم الترجمات).

[14] كريستوف لكسنبرج Christoph Luxenberg، هو اسم مستعار لكاتب ألماني، أصدر عام 2000 كتابًا بعنوان: Die syro-aramäische Lesart des Koran: Ein Beitrag zur Entschlüsselung der Koransprache، «قراءة آرامية- سريانية للقرآن: مساهمة في فكّ شفرة اللغة القرآنية»، وتحدّث فيه عن وجود نسخة مبدئية من القرآن «قرآن أصلي» كُتِب بلغة مزيج بين العربية والآرامية، وقام بتحديد عدد من هذه الكلمات التي لها -في ظنّه- أصل آراميّ سريانيّ، وأشهرهم كلمة «حور عين» تعني: عناقيد العنب، كما افترض أن «زوّجناهم» هي في الأصل «روّحناهم»، ولكسنبرج خضع لنقودات عديدة؛ بسبب كونه يدخل الكثير من مثل هذه التعديلات في المفردات القرآنية، انطلاقًا من دعواه المسبقة بوجود نصّ مبدئي تم تغييره أو الخطأ في رسمه، وقد نشرنا عرضًا لكتابه كتبه المتخصّص في الساميّات فرنسوا دي بلوا، ترجمة: هدى عبد الرحمن النمر، منشور ضمن ترجمات ملف (تاريخ القرآن)، على قسم الترجمات بموقع تفسير. (قسم الترجمات).

[15] رودي بارت Rudi Paret (1901- 1981): مستشرق ألماني، ومن أشهر أعماله ترجمته للقرآن، والتي عمل فيها سنين طويلة وأخرجها تباعًا منذ 1963 وإلى عام 1966، وهي ترجمة وشرح أو تعليق فيلولوجي، كما أن له كتابًا مهمًّا طالما يشير إليه المختصون في الاستشراق الألماني، وهو كتاب «الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية، المستشرقون الألمان منذ تيودور نولدكه»، وقد تُرجم للعربية، حيث ترجمه مصطفى ماهر، وصدر عام 2011 عن المركز القومي للترجمة والهيئة العامة المصرية للكتاب، وهذا الكتاب لا يعرض فحَسْب صورة لتطوّر الدراسات العربية والإسلامية في ألمانيا على يد أحد أهم المتخصّصين، لكنه كذلك يتناول مسألة التلقي العربي لكتب المستشرقين، ويوضح رأيه فيها. (قسم الترجمات).

 

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))