هل تستطيع الخوارزمية أن تتدبر؟ ‏
حدود الفهم والتدبر القرآني في عصر الذكاء الاصطناعي

الكاتب: أسماء نوير

تناقش المقالةُ حدود الفهم والتدبر القرآني في عصر الذكاء الاصطناعي، وتميّز بين معالجة النصّ ومحاكاة خطاب التدبّر وممارسته، وتسعى إلى تحديد موقع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة معرفية مسانِدة مع بقاء المسؤولية العلمية لدى الباحث.

مقدّمة:

  أصبح الذّكاء الاصطناعي التوليدي (Generative Artificial Intelligence) قادرًا على التعامل مع النصوص الدينية بقدرات تتجاوز الاسترجاع المباشر للمعلومات، إِذْ يستطيع تحليل البنية اللغوية للنصّ، ومقارنة التفاسير، واستخلاص العلاقات بين الآيات، وتوليد إجابات تبدو في كثيرٍ من الأحيان قريبة من الخطاب التفسيري والتأمّلي. وقد أوجد ذلك مجالًا جديدًا للتفاعل التّقني مع القرآن الكريم، لكنه في الوقت نفسه يثير إشكالًا معرفيًّا يتجاوز حدود الكفاءة الحسابية إلى طبيعة الفهم الذي يمكن أن تنسبه الخوارزمية إلى ذاتها.

تنبثق إشكالية هذا المقال من تساؤل رئيس مؤدّاه: إلى أيّ مدى يمكن اعتبار المخرَجات التي تنتجها الخوارزميات فهمًا وتدبرًا للقرآن الكريم، وفق المفهوم الذي تؤسّسه المصادر القرآنية واللغوية والتفسيرية الأصلية، أم أنها لا تتجاوز محاكاة المخرَجات اللغوية والدلالية التي يُنتجها الإنسان المتدبِّر؟ ويتفرّع عن هذا التساؤل سؤال آخر يتعلّق بحدود العلاقة بين القدرة على معالجة النصّ وإنتاج خطاب متماسك، وبين امتلاك الفعل المعرفي والتأمّلي الذي يحيل إليه مفهوم التدبر.

تنبع أهمية هذا المقال من أنّ إدخال الذّكاء الاصطناعي إلى مجال الدراسات القرآنية يفرض ضرورة التمييز بين مستويات مختلفة من التعامل مع النصّ؛ فمعالجة الكلمات والعلاقات الدلالية، واسترجاع المعلومات، وإنتاج تفسير أو إجابة لغوية، لا يمكن افتراض تطابقها تلقائيًّا مع الفهم أو التدبّر. ولذلك يهدف إلى اختبار حدود الفهم الخوارزمي للنصّ القرآني، والكشف عن الفارق بين محاكاة خطاب التدبّر وممارسة التدبّر، مع تحديد الضوابط المعرفية والأخلاقية التي ينبغي مراعاتها عند توظيف الذّكاء الاصطناعي في التعامل مع القرآن الكريم.

يعتمد المقال منهجًا تحليليًّا نقديًّا يقوم على تأصيل مفهومَي التفسير والتدبّر بالرجوع إلى المصادر القرآنية واللغوية والتفسيرية، واستخلاص الخصائص المعرفية والمنهجية التي يتحدّد بها فعل التدبّر، ثم فَحْص مدى انطباق هذه الخصائص على العمليات التي تنجزها النُّظُم الخوارزمية في تعاملها مع النصّ القرآني. وينتظم المقال في ثلاثة أقسام رئيسَة؛ يخصّص أولها لتحديد مفهوم التفسير والتدبر وبيان الفروق بينهما، مع استخلاص العناصر المؤسِّسة للتدبر في بنيته القرآنية والمعرفية؛ ويناقش ثانيها طبيعة الفهم الخوارزمي للنصّ وحدود الانتقال من معالجة الرموز والعلاقات الدلالية إلى نسبة الفهم والتدبّر إلى النظام؛ بينما يبحث ثالثها في موقع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة ووسيطًا معرفيًّا، وحدود تحوّله إلى مصدر للمعرفة الدينية أو طرف في بنيتها السّلطوية.

يناقش المقال فرضية مفادها أنّ قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة خطاب التدبّر لا تكفي لنسبة فعل التدبر إليه؛ فالآلة قد تنتج تفسيرًا لغويًّا أو تركيبًا دلاليًّا متماسكًا يحاكي بعض مظاهر الخطاب الديني، دون أن يترتب على ذلك تحقّق التدبّر بوصفه فعلًا معرفيًّا يتّصل بالقصد والوعي والتذكّر والاعتبار وعلاقة المتلقي بالمعنى. ومن ثم تقتضي دراسة حضور الذكاء الاصطناعي في المجال القرآني التمييز بين معالجة النصّ وإنتاج الخطاب من جهة، وتحمّل المسؤولية المعرفية عن المعنى وتكوين العلاقة الواعية به من جهة أخرى، مع وضع حدود إبستمولوجية وأخلاقية تَحُول دون تحويل القدرة الحسابية إلى سُلْطة معرفية أو دينية.

القسم الأول: التأصيل المفهومي للتفسير والتدبّر في القرآن الكريم ومقابلته بالمعالجة الخوارزمية:

يبدأ النظر في إمكان تدبّر الذكاء الاصطناعي للقرآن الكريم من ضرورة منهجية تسبق السؤال التقني ذاته، تتمثّل في تحديد المقصود بـ"التدبر" وفق أصوله القرآنية واللغوية والتفسيرية، فالسؤال عن قُدرة الخوارزمية على التدبّر لا يمكن أن يُبنى على تشابه مخرجاتها مع الخطاب الذي ينتجه الإنسان؛ لأنّ التشابه في المخرَج لا يثبت بالضرورة التشابه في الفعل الذي أفضى إليه. ولذلك ينبغي أن يكون المفهوم القرآني هو نقطة الانطلاق، وأنْ تُقاس القدرة التقنية في ضوئه، لا أنْ يُعاد بناء مفهوم التدبّر بما يلائم ما تستطيع النماذج الذكية إنتاجه. وتتجلّى أهمية هذه القاعدة في خصوصية القرآن الكريم بوصفه نصًّا دينيًّا لا تقتصر علاقته بالمتلقي على مستوى البنية اللغوية، وإنما ترتبط قراءته وفهمه بما يترتب عليه من معرفة واهتداء ومسؤولية.

يستدعي هذا التأصيل البدء بمفهوم التفسير؛ لأن ضبط العلاقة بين التفسير والتدبر يمثّل مدخلًا ضروريًّا لفهم حدود المعالجة الخوارزمية للنصّ القرآني، ويدور التفسير في أصله اللغوي حول الكشف والبيان والإظهار، وقد استقرّ في علوم القرآن بوصفه عِلْمًا يُعنى بالكشف عن معاني القرآن وبيان دلالاته وما يتّصل بها من أحكام وحِكَم. 

يعرّف جلال الدين السيوطي التفسير من الناحية اللغوية بأنه «تفعيل من الفسر وهو البيان والكشف»، ثم يعرّفه من الناحية الاصطلاحية بأنه: «عِلْم يبحث فيه عن أحوال الكتاب العزيز»، من حيث نزوله وسنده وأدائه وألفاظه ومعانيه، سواءٌ أكانت متعلقة بالألفاظ أم بالأحكام. كما يوسّع دائرة التفسير لتشمل معرفة نزول الآيات وشؤونها وقصصها وأسباب نزولها، والتمييز بين المكي والمدني، والمحكَم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والخاصّ والعام، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفسَّر، وما يتصل بالقرآن من أحكام ووعد ووعيد وأمرٍ ونهي وعِبَر وأمثال.

كما يحدّد الإمام بدر الدين الزركشي (٧٤٥- ٧٩٤هـ) مفهوم التفسير بأنه: «عِلْم يُعْرَف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه، واستمداد ذلك من عِلْم اللغة والنحو والتصريف، وعِلْم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ». 

أما بالنسبة للقاضي شمس الدين ابن الخويي -رحمه الله- فيذكر الآتي: «علم التفسير عسير يسير؛ أما عُسْره فظاهر من وجوهٍ؛ أظهرها أنه كلام متكلِّم لم يصل الناس إلى مراده بالسماع منه، ولا إمكان للوصول إليه بخلاف الأمثال والأشعار؛ فإنّ الإنسان يمكن عِلْمه بمراد المتكلم بأنْ يسمع منه أو يسمع ممن سمع منه، وأما القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يُعلم إلا بأن يسمع من الرسول -عليه السلام- وذلك متعذِّر إلا في آيات قلائل. فالعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل، والحكمة فيه أن الله تعالى أراد أن يتفكر عباده في كتابه؛ فلم يأمر نبيّه بالتنصيص على المراد؛ وإنما هو -عليه السلام- صوّب رأي جماعة من المفسِّرين، فصار ذلك دليلًا قاطعًا على جواز التفسير من غير سماع من الله ورسوله».

ويؤكّد ابن تيمية أنّ التفسير لا ينفصل عن فهم القرآن ومعرفة معانيه، إِذْ يقرّر في مقدمة رسالته أنّ الغرض من وضع القواعد الكلية هو أن «تُعِين على فهم القرآن، ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين الحقّ وأنواع الأباطيل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل». ويُعيد هذا التصوّر تحديد طبيعة التفسير بوصفه فعلًا معرفيًّا تحكمه أصول وضوابط، يتجاوز نقل المعنى واستحضار المعلومات المتعلّقة بالآية إلى التمييز بين وجوه الفهم المختلفة وترجيح ما يسنده الدليل.

تكشف هذه التصوّرات مجتمعة عن بنية معرفية مركّبة للتفسير، لا تقف عند حدود الكَشْف عن المعنى، بل تقوم على جُملة من العمليات المترابطة: فهم النصّ، واستجلاء دلالاته، والاستعانة بالعلوم والأدوات التي تضبط هذا الفهم، ثم الاستدلال على المعنى وترجيح ما تؤيّده القرائن والأصول المعتمدة. فالتفسير -وفق هذا التصوّر- فعل معرفي يتطلب أهلية علمية ومنهجًا في التعامل مع النصّ، ويقيم صِلَة بين المعنى القرآني وبين الأدلة اللغوية والنقلية والسياقية التي تسنده. ومن هنا تتحدّد المسافة بين التفسير وبين مجرّد الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالآية؛ فالمعرفة التفسيرية تتشكّل من المعلومات الهائلة، وكيفية تنظيمها وتأويلها وربطها بأصول الاستدلال، بما يجعل صحة المنهج جزءًا من صحة النتيجة التفسيرية.

تتضح أهمية هذا التأصيل عند الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي؛ إِذْ يمنع الخلط بين الوصول إلى المعلومات وبين إنتاج المعرفة التفسيرية، فقد يستطيع النظام الذكي استرجاع آية، أو مقارنة أقوال عددٍ كبيرٍ من المفسِّرين، أو تحديد العلاقات النحوية والدلالية داخل النصّ، أو إنتاج إجابة تجمع بين أكثر من مصدر. إلا أنّ هذه القدرة لا تكفي وحدها لإثبات تحقّق التفسير بالمعنى العلمي؛ إِذْ تظلّ هناك أسئلة تتعلّق بصحة المصدر، وسلامة السياق، ودقة الاستدلال، ومشروعية الجَمْع بين الأقوال، والتمييز بين التفسير المنقول والاستنتاج الذي ينتجه النظام. ومن ثم، فإنّ الكفاءة في معالجة المادة التفسيرية لا تعادل بالضرورة امتلاك المنهج التفسيري الذي يضبط إنتاج المعرفة الدينية.

يزداد الأمر وضوحًا عند الانتقال إلى مفهوم التدبر، الذي يحتل موقعًا متميزًا في الخطاب القرآني. فالتدبر مصدر «تدبّر»، وأصل مادته «د ب ر» يدلّ على آخر الشيء وخلفه؛ يُقال: دَبَرَ السهمُ الهدفَ، أي سقط خلفه، ودَبَرَ فلانٌ القومَ، أي صار خلفهم. ومن «الدُّبُر» اشتُقَّ فعل «تدبّر»، فيُقَال: تدبّر الأمرَ إذا نظر في دُبُره، أي في ما خفي منه وما يؤول إليه. أي يتجلى المعنى اللغوي للتدبّر في توجيه النظر إلى باطن الأمر، وينطوي على انتقال الفكر إلى ما وراء الظاهر، واستجلاء ما يتصل به من دلالات ومآلات.

يتأكّد هذا المعنى في المعالجة المعجمية عند ابن منظور، إِذْ يربط التدبر بالنظر في عاقبة الأمر ومآله، فيقول: «دَبَرَ الأمرَ وتدبَّره: نظر في عاقبته»، ويضيف أنّ «التدبُّر في الأمر: أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته». وبهذا المعنى يحيل التدبّر إلى حركة ذهنية تتجاوز المعطى المباشر للنصّ نحو استجلاء دلالاته وما يمكن أن يفضي إليه من نتائج ومآلات؛ الأمر الذي يمنحه خصوصية دلالية لا تختزل في مجرّد القراءة أو الفهم المباشر، وتتصل بنمط من النظر المتأمّل في المعنى وعواقبه.

كما يقول الراغب الأصفهاني: «الدُّبُرُ» خلافُ القُبُل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]، أي أواخر الصلوات. ويبيّن أن ألفاظ هذه المادة تتنوّع دلالاتها بحسب تعلّقها بالفاعل أو المفعول؛ فـ«دَبَرَ فلانٌ» تتصل بدبر الفاعل، و«دَبَرَ السهمُ الهدفَ» تتصل بدبر المفعول، ثم يذكر أنّ «الدابر» يطلق على المتأخّر والتابع بحسب المكان أو الزمان أو المرتبة. ويصل الراغب إلى الدلالة التي تهم مفهوم التدبّر مباشرة، فيقول: «والتدبير: التفكر في دبر الأمور»، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].

وفي معناه العام، يدلّ التدبّر على التفكّر في الأمر بقصد تحصيل المعرفة وربط بعضها ببعض للوصول إلى معرفة أخرى، وهو ما عبّر عنه بعض العلماء بأنه: «إعمال النظر العقلي في دلالات الدلائل على ما نُصبت له»، أي تصرّف القلب بالنظر في الدلائل. وعلى هذا الأساس، يقترب التدبّر من معنى التفكّر من جهة إعمال النظر العقلي، مع إمكان التمييز بينهما من حيث جهة النظر؛ فالتدبّر يتّجه إلى النظر في العواقب والمآلات، بينما يتجه التفكر إلى النظر في الدليل وما يقود إليه من معرفة.

يقول تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. فارتباط التدبّر في الآية بالتذكّر يكشف عن أنّ التعامل مع القرآن لا ينتهي عند إدراك الدلالة المباشرة، وإنما يتّجه إلى استيعاب المعنى واستحضاره والاعتبار به. قد ربط الإمام محمد بن جرير الطبري التدبّر بالنظر في حُجَج الله وما شرعه في كتابه، وما يترتّب على ذلك من الاتعاظ والعمل، ويعني ذلك أنّ التدبر يحمل في بنيته غاية تتجاوز تحصيل المعلومة إلى الانتفاع بها. 

ينقل الإمام ابن القيم عن بعض السلف قوله: «نزل القرآن ليُعمل به فاتَّخَذوا تلاوته عملًا، ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما مَن حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم». أما بالنسبة للشيخ محمد الأمين الشنقيطي فيبين هذا المعنى أيضًا بقوله: «تدبر آيات هذا القرآن العظيم أي: تصفُّحها، وتفهُّمها، وإدراك معانيها، والعمل بها».

كما يقدّم ابن عاشور في التحرير والتنوير أساسًا لغويًّا مهمًّا لفهم هذا المعنى؛ إِذْ يربط لفظ «التدبر» بأصل «دَبَرَ» الذي يفيد النظر في أعقاب الشيء وتتبّع مآلاته وما وراء ظاهره. وعلى هذا الأساس، يصبح التدبّر فعلًا يقوم على تتبّع دلالة الخطاب، والانتقال من ظاهر اللفظ إلى ما يمكن أن يكشفه من معانٍ ودلالات، مع بقاء هذا الانتقال محكومًا بحدود اللغة والسياق وأصول الفهم. كما يربط بين التدبّر والتذكّر، بحيث لا يكون التذكّر عنصرًا منفصلًا عن التدبّر، وإنما أثرًا من آثاره.

ووفقًا لهذه الدلالات، يتبدّى التدبّر فعلًا يتجاوز حدود الوقوف عند المعنى الظاهر للآية إلى التغلغل في دلالاتها، وتتبّع مقاصدها، واستجلاء ما تنطوي عليه من هداية واعتبار، فهو انتقال بالمعنى من مجرّد الإدراك إلى حضورِه في الوعي واستحضار آثاره في حياة المتلقي، بحيث تتصل عملية الفهم بالتأمّل والتذكّر والاعتبار والعمل، وتغدو صِلَة الإنسان بالخطاب القرآني صِلَةً تتفاعل فيها دلالة النصّ مع وعيه ومسؤوليته وسلوكه، ووفقًا لذلك، تتحدّد خصوصية التدبر بوصفه فعلًا يشتمل على معرفة ما يقوله النصّ، ويمتد إلى إدراك ما يستدعيه من معانٍ وما يتركه من أثر في الإنسان.

تأتي آية أخرى لتكشف بصورة أكثر مباشرة عن طبيعة المتلقي الذي يُوجَّه إليه فعل التدبر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. فالسؤال القرآني لا يصف التدبّر بوصفه إجراءً خارجيًّا يقع على النصّ فقط، بل يربطه بحال المتلقي واستعداده الداخلي لتلقي الدلالة، ويظهر في هذا السياق أنّ التدبّر يفترض وجود ذات تتلقى الخطاب، وتفكّر فيه، وتستجيب لمعانيه، وتتعامل معها بوصفها ذات صِلَة بموقفها من الوحي. 

ولا يعني ذلك أنّ التدبر منفصل عن الفهم العقلي أو أنه فعل وجداني محض، فالقرآن يربط التدبّر بالنظر والتفكّر واكتشاف الاتساق الداخلي للخطاب، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. ويشير هذان الموضعان إلى ممارسة عقلية تقوم على الفحص والمقارنة والاستدلال والنظر في العلاقات بين أجزاء الخطاب؛ ولذلك فإنّ التدبر يتضمّن عنصرًا تحليليًّا لا يمكن تجاهله، غير أنّ هذا العنصر لا يستنفد مفهوم التدبر؛ لأنّ التحليل في السياق القرآني مرتبط بالاعتبار والتذكر والاهتداء، وليس مجرّد اكتشاف أنماط أو علاقات بين وحدات لغوية.

استنادًا إلى ما سبق، تظهر العلاقة الدقيقة بين التفسير والتدبر، فالتفسير يسعى إلى بيان معنى النصّ وضبط دلالته، بينما يضيف التدبّر إلى هذا الفهم حركةً عقليةً وتأملية تتجه إلى ما يمكن أن يترتّب على المعنى من اعتبار وتذكّر واهتداء. ولا يعني ذلك أنّ التفسير يخلو من التدبّر أو أنّ التدبّر يمكن أن يستغني عن الفهم التفسيري؛ فالمفسِّر نفسه يحتاج إلى النظر والتفكّر والاستنباط، والمتدبّر يحتاج إلى أساس معرفي يَحُول دون إسقاط الأهواء الشخصية على النصّ. غير أنّ التمييز بينهما يظلّ ضروريًّا: التفسير يرتبط بدرجة أكبر بالكشف المنهجي عن دلالة النصّ، أما التدبّر فيرتبط بكيفية استيعاب هذه الدلالة والنظر في آثارها ومآلاتها بالنسبة إلى المتلقي.

في ضوء مجموع الدلالات القرآنية واللغوية والتفسيرية السابقة، يمكن تحديد التدبر القرآني بوصفه فعلًا معرفيًّا تأمليًّا مركبًا، يبدأ من فهم الخطاب واستجلاء دلالاته، ثم يتجاوز حدود المعنى المباشر إلى النظر في ما وراءه من مقاصد ودلالات ومآلات، في إطار منضبط باللغة والسياق وأصول الفهم. ولا يستنفد التدبّر في هذه المرحلة التحليلية، إِذْ يتّصل كذلك باستحضار المعنى في وعي المتلقي، والتفكّر فيه، والتذكّر والاعتبار والاهتداء بما يترتب عليه من أثر في النظر والموقف والسلوك. ومن ثم فهو لا يتعلّق بالنصّ منفردًا، وإنما ينشئ علاقة بين النصّ والمتلقي، وبين الدلالة والوعي، وبين المعرفة والمسؤولية.

تأسيسًا على ذلك، يتحدّد للتدبر مجموعة من الخصائص المترابطة التي لا يصح فَصْل بعضها عن بعض؛ فهو يتضمّن أولًا تلقي المعنى وفهمه، ثم النظر المتأمِّل في دلالاته ومآلاته، ويقتضي ثانيًا قصدًا يتّجه إلى طلب المعنى واستيعابه، وثالثًا حضورًا واعيًا للدلالة في ذات المتلقي، ورابعًا قُدْرة على التذكّر واستبقاء المعنى واستحضاره في مواقف لاحقة، وخامسًا انتقالًا من المعرفة إلى الاعتبار والاهتداء، بما يجعل للمعنى أثرًا في موقف الإنسان وعلاقته بذاته وبالعالم وبمسؤوليته. ويُضاف إلى ذلك أنّ التدبّر لا يقع خارج أصول الفهم والتفسير، وإنما يستند إلى أساس معرفي يَحُول دون إسقاط الأهواء على النصّ أو فَصْل الدلالة عن سياقها ومصادرها. وعلى هذا الأساس، لا يكون كلّ تحليل للنصّ تدبرًا، ولا كلّ فهم لمعناه تدبرًا، كما لا تكفي القدرة على إعادة صياغة دلالاته لإثبات تحقّق الفعل التدبري.

يغدو التدبّر بنية معرفية تتداخل فيها عمليات الفهم والتحليل والتأمّل والتذكّر والاعتبار والقصد والوعي، وتنتظم هذه العناصر في علاقة واحدة بين الإنسان والنصّ والمعنى والمآل، فالتدبّر يقتضي ذاتًا تتلقى الخطاب، وتتعامل مع دلالته بوصفها موضوعًا للتفكير والاعتبار، وتستحضر ما أدركته منه في تشكيل موقفها وفعلها؛ ولذلك فإن القيمة المعرفية للتدبر لا تُقاس بكمية المعلومات التي يمكن استخلاصها من النصّ، وإنما بطبيعة العلاقة التي تنشأ بين الدلالة والمتلقي، وبما ينتج عنها من وعي واعتبار ومسؤولية.

بناءً على هذا التأصيل، ينتقل المقال في القسم التالي من تحديد ماهية التدبّر وشروطه إلى فحص طبيعة العمليات التي تنجزها النُّظُم الخوارزمية عند تعاملها مع النصّ القرآني، ومدى إمكان انطباق الخصائص السابقة على ما تنتجه من معالجة وفهم وتأويل للمعنى.

القسم الثاني: الفهم الخوارزمي للنصّ القرآني وحدود التدبّر الآلي:

إذا كانت البنية المفهومية السابقة قد حدّدت التدبّر بوصفه فعلًا معرفيًّا يتجاوز معالجة الدلالة المباشرة إلى التأمّل في المعنى ومآلاته، ويجمع بين الفهم والقصد والوعي والتذكّر والاعتبار، فإنّ السؤال المتعلق بالذكاء الاصطناعي ينتقل من تحديد ماهية التدبّر إلى فحص مدى تحقّق هذه الخصائص في الفعل الخوارزمي. ولا يتعلّق الأمر هنا بمقدار ما تستطيع النماذج اللغوية إنتاجه من نصوص متماسكة أو إجابات ذات تركيب دلالي، وإنما بطبيعة العملية التي تقف وراء هذه المخرَجَات، وما إذا كانت تَستوفي الشروط التي حدّدها التأصيل السابق أم تحاكي بعض مظاهرها على مستوى الخطاب.

تستطيع النماذج اللغوية الكبيرة التعامل مع النصّ القرآني عبر عمليات متعدّدة تشمل استرجاع المعلومات، والتحليل اللغوي، والمقارنة بين التفاسير، واكتشاف العلاقات بين المفردات والموضوعات، وإعادة تنظيم المادة التفسيرية، وتوليد استجابات تبدو متماسكة من الناحية الدلالية. وتقترب بعض هذه الوظائف من عمليات تدخل في الفهم الأوّلي للنصّ أو تهيئ له، غير أنّ التشابه الوظيفي بين العملية الخوارزمية وبعض العمليات التي يمارسها الإنسان لا يكفي لإثبات تماثلهما من حيث طبيعة الفعل المعرفي.

تتضح الإشكالية إذا تم التمييز بين أربعة مستويات معرفية مترابطة ولكنها غير متطابقة، وهي:

المستوى الأول: هو معالجة المعلومات، وفيه تتعامل الخوارزمية مع الرموز والعلاقات النصية. 

المستوى الثاني: هو التفسير، حيث تُنتج استجابة تحدّد معنى محتملًا أو تجمع معاني وردت في مصادر مختلفة. 

المستوى الثالث: هو الفهم، وهو أكثر إشكالًا؛ لأنّ إنتاج عبارة صحيحة عن المعنى لا يثبت بالضرورة أنّ النظام يمتلك علاقة دلالية بالمعنى الذي ينتجه.

المستوى الرابع: وهو التدبر، فيضيف إلى الفهم أبعادًا أخرى تتصل بالتأمل، والاعتبار، والقصد، واستحضار الدلالة في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم وبمسؤوليته الأخلاقية.

على هذا الأساس، لا يجوز الانتقال من قدرة النظام على معالجة النصّ أو إنتاج تفسير منظّم إلى نسبة التدبّر إليه؛ لأن النتيجة اللغوية لا تكفي وحدها لإثبات تحقّق الفعل الذي تنتجه في الحالة الإنسانية.

يمنع هذا التمييز من الوقوع في مغالطة فلسفية يمكن تسميتها مغالطة المخرج الدلالي (Semantic Output Fallacy)، ومضمونها أنّ إنتاج جملة ذات معنى يُعامل بوصفه دليلًا على امتلاك النظام للمعنى نفسه. فإذا طلبنا من نموذج لغوي تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، فقد ينتج تحليلًا يربط الآية بالتفكّر والفهم والاعتبار، وقد يشرح أقوال المفسِّرين، وربما يكتب فقرة تبدو أقرب إلى خطاب التأمّل الديني، لكن ما يمكن إثباته مباشرة هو أنّ النظام أنتج خطابًا عن التدبّر؛ أما إثبات أنه مارس فعل التدبّر ذاته، فمسألة أخرى تحتاج إلى معيار مختلف.

بناءً على هذا التأصيل، ينتقل السؤال من فحص قدرة الخوارزمية على إنتاج خطاب يتحدّث عن التدبر إلى فحص طبيعة العملية التي تقف وراء هذا الخطاب، ومدى تحقّق مقوّمات التدبر فيها. ويجري هذا الفحص من خلال أربعة معايير محدّدة: القصد، وذلك بالنظر في مصدر الغاية التي توجّه العملية، وما إذا كان للنظام قصد ذاتي يتّجه إلى المعنى أم أنه ينفذ قصدًا صادرًا عن المستخدم؛ والوعي، بالنظر في إمكان نسبة حضور واعٍ للمعنى إلى النظام، وتمييز ذلك عن مجرّد إنتاج خطاب يصف الوعي أو التأمل؛ والتذكّر، بالنظر في الفرق بين الاسترجاع الخوارزمي للمعلومات وبين استحضار المعنى واستبقائه في الوعي؛ والاعتبار، بالنظر في مدى انتقال المعنى المستخلص إلى موقف ذاتي أو أخلاقي يترتّب عليه وعي بالذات والمسؤولية والفعل. وبذلك تستند المقارنة إلى معايير سبق تأسيسها في البنية المفهومية للمقالة، وتقتصر وظيفتها على اختبار مدى تحقّقها في الفعل الخوارزمي.

بما أن القصد قد حُدّد بوصفه أحد العناصر المؤسّسة لفعل التدبّر، فإنّ فحص إمكان التدبر الخوارزمي يقتضي النظر في طبيعة القصد الذي يمكن نسبته إلى النظام، مع التمييز بين توجيه المستخدم للعملية وبين وجود قصد منسوب إلى النظام ذاته. وتغدو القصدية (Intentionality) بذلك عنصرًا محوريًّا في تحليل طبيعة التدبّر؛ إِذْ يتضمن التدبر الانتقال بين الرموز اللغوية وتنظيم العلاقات الدلالية، إلى جانب توجه واعٍ نحو المعنى، وقصد في طلبه، وموقف من الدلالة المستخلصة. 

قد يستجيب النظام الخوارزمي لطلب صريح يدعوه إلى التدبّر، ويقدّم مخرجات متّسقة مع طبيعة هذا الطلب، غير أنّ الاستجابة لقصد المستخدم لا تكفي لإثبات امتلاك النظام قصدًا ذاتيًّا يتجه إلى المعنى لذاته. فتنفيذ الخوارزمية للمهمّة يثبت قدرتها على الاستجابة للتعليمات وفق بنيتها التشغيلية، ولا يثبت أنّ المهمة تمثّل غاية مقصودة من جانب النظام نفسه. ويظلّ القصد هنا منسوبًا إلى الفاعل البشري الذي يحدّد المهمة ويوجّه العملية، بينما تنفذ الآلة الإجراء وفق القواعد والبنية الحسابية التي يقوم عليها النظام.

يمتدّ الإشكال إلى عنصر الوعي؛ فإذا كان التدبر يتضمّن حضور المعنى في وعي المتلقي واستحضاره موضوعًا للفكر والاعتبار، فإنّ السؤال لا يتعلّق بقدرة النظام على إنتاج خطاب يتحدّث عن الوعي، وإنما بإمكان نسبة حضور واعٍ للمعنى إلى العملية الخوارزمية نفسها. ويتصل بذلك مفهوم الوعي (Consciousness)، إِذْ يفترض التدبّر بوصفه فعلًا معرفيًّا تأمليًّا ذاتًا يكون المعنى حاضرًا في وعيها، فتتجه إليه بالتفكير والاعتبار. أما النموذج اللغوي فينتج علاقات لغوية ودلالية استنادًا إلى بنيته الحسابية، دون وجود دليل حاسم يثبت امتلاكه خبرة ذاتية بالمعنى الذي يعالجه.

تتضح هنا ضرورة التمييز بين المحاكاة الوظيفية للتأمّل والتأمّل بوصفه خبرة ذاتية، فقد يصوغ النظام عبارة من قبيل: "تدعو الآيةُ الإنسانَ إلى مراجعة ذاته والتفكر في دلالات الوحي"، غير أن إنتاج هذه العبارة لا يدلّ في ذاته على وجود ذاتٍ خوارزمية مارست مراجعة الذات أو عاشت فعل التأمّل الذي تصفه، وإنما يدلّ على قدرة النظام على محاكاة الصياغة اللغوية التي تعبّر عن هذا الفعل. وتظلّ المسافة قائمة بين إنتاج وصف لغوي للتأمّل وبين اختبار التأمّل بوصفه تجربة ذاتية يعيشها فاعل واعٍ.

أما التذكّر، الذي يمثل في بنية التدبر امتدادًا للمعنى واستحضارًا له في مواقف لاحقة، فيقتضي التمييز بين الاحتفاظ الخوارزمي بالمعلومات واسترجاعها، وبين التذكّر بوصفه استحضارًا واعيًا للمعنى وآثاره في الفكر والموقف. فالذكاء الاصطناعي يستطيع استدعاء معلومات سابقة وإعادة توظيفها في سياقات جديدة، غير أن هذا الاستدعاء يظلّ مختلفًا من حيث طبيعته عن التذكّر الذي ينطوي على حضور المعنى لدى الذات واستبقائه واستحضاره عند الحاجة.

يتجلى هذا الفرق في ضوء قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. فالتذكّر المتّصل بالتدبر لا يقتصر على استعادة معلومة سابقة، وإنما يرتبط باستبقاء الدلالة واستحضار ما تفضي إليه من معنى في نظر المتلقي وموقفه. أما النظام الخوارزمي فيستحضر الآية أو المعلومات التفسيرية عبر آليات الاسترجاع والمعالجة وإعادة التوليد. ولذلك لا يكفي التشابه في المظهر الوظيفي بين استدعاء المعلومات والتذكر لإثبات تحقّق المعنى الإنساني والأخلاقي للتذكّر في النظام الخوارزمي؛ فالمعيار الحاسم هنا لا يكمن في قدرة النظام على استرجاع المحتوى، وإنما في طبيعة العلاقة التي تربطه بالمعنى المستعاد، وما إذا كان هذا المعنى يحضر لديه بوصفه موضوعًا لوعي ذاتي وفعل تأملي.

أما الاعتبار، فيتجاوز إدراك الدلالة إلى التعامل معها بوصفها ذات صِلة بالذات والموقف والعاقبة؛ فهو لا يقتصر على استخلاص العبرة من الآية، ويقوم كذلك على استجابة للمعنى تفضي إلى مراجعة الموقف أو توجيه الفعل. وقد تستطيع الخوارزمية تحديد وجوه العبرة والاتعاظ، واقتراح ما يمكن أن يترتب عليها من مواقف أو تطبيقات، غير أنّ هذه القدرة لا تثبت تحقّق الاعتبار فيها؛ إِذ يظلّ الفارق قائمًا بين تحديد ما تقتضيه الآية من عبرة وبين حضور تلك الدلالة لدى فاعل يتخذ منها أساسًا لمراجعة موقفه أو توجيه فعله. ولذلك، فإن معيار الاعتبار لا يتعلّق بقدرة النظام على التعبير عمّا ينبغي للإنسان أن يعتبر به، وإنما بإمكان نسبة الاستجابة الذاتية للمعنى إليه.

ووفق هذا التحليل، تنكشف حدود التدبّر الخوارزمي في الفارق بين معالجة النصّ ومحاكاة الخطاب التدبري من جهة، وتحقيق التدبّر بوصفه فعلًا يتّصل بالمعنى والقصد والتأمّل والتذكّر والاعتبار من جهة أخرى. فالخوارزمية قادرة على إنتاج مخرَجات تحاكي أنماطًا متعدّدة من الفهم والتدبر، غير أنّ التشابه بين بنية المخرج الخوارزمي والخطاب الإنساني لا ينهض وحده دليلًا على تماثل الفعل الذي أنتجه كلّ منهما. ويترتب على ذلك ضرورة النظر في الموقع الذي يمكن أن يشغله الذكاء الاصطناعي داخل المعرفة القرآنية، وحدود الثقة في مخرجاته، وطبيعة الدّور الذي ينبغي أن يؤديه في عملية إنتاج المعرفة، وهي قضايا تتصل مباشرة بحدود وصفه أداةً مساعدة أو وسيطًا معرفيًّا في الدراسات القرآنية.

القسم الثالث: الذكاء الاصطناعي بين أداة التدبر والسلطة المعرفية:

تتغيّر طبيعة الإشكال حين ينتقل الذكاء الاصطناعي من مجرّد نظام يعالج النصّ القرآني إلى طرف حاضر في إنتاج المعرفة المتعلّقة به، إِذْ لا تعود القضية محصورة في إمكانات البحث والاسترجاع والتحليل، وإنما تمتد إلى شروط قبول المعرفة ومصادر حجيتها وحدود الثقة في الجهة التي تنتجها. فالاستعانة بأداة تقنية في قراءة النصّ لا تمنحها بالضرورة موقعًا داخل بنية السلطة المعرفية، غير أنّ الاعتماد المتكرّر على مخرجاتها في تحديد المعنى أو انتقاء الأقوال أو ترجيح التفسيرات قد ينقلها تدريجيًّا من موقع الأداة إلى موقع الوسيط الذي يشارك في تشكيل ما يصل إلى الباحث والقارئ من معرفة دينية.

تستند هذه المسألة إلى مبدأ قرآني أصيل يجعل التثبت شرطًا سابقًا على بناء الموقف المعرفي، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، فالقيمة المعرفية للخبر لا تنفصل عن فحص مصدره والتحقّق من مضمونه قبل ترتيب الآثار عليه، وتزداد دلالة هذا المبدأ في البيئة الخوارزمية؛ لأن النموذج اللغوي قد يقدّم المعلومة في صياغة واثقة ومتّسقة دون أن تكون سلامة الصياغة دليلًا على صحة المصدر أو دقة النسبة أو سلامة الاستنتاج، الأمر الذي يجعل التحقّق سابقًا على الاعتماد، ويجعل طلاقة المخرَج منفصلة عن حجيته العلمية.

يتأكد هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿‌وَلَا ‌تَقْفُ ‌مَا ‌لَيْسَ ‌لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فالآية تؤسّس لمسؤولية معرفية تتصل بما يتلقاه الإنسان وما ينسبه إلى العلم، وتضع حدًّا فاصلًا بين المعلومة التي خضعت للتحقّق والدعوى التي لم تستند إلى معرفة موثّقة. وفي التعامل مع الذّكاء الاصطناعي، يكتسب هذا المبدأ أهمية خاصّة؛ لأنّ النظام قد يجمع بين نصّ صحيح وآخر غير دقيق، أو يَنسب قولًا إلى صاحبه بصياغة تبدو موثوقة، أو يركّب بين معانٍ متفرّقة في إجابة واحدة دون أن يميّز القارئ دائمًا بين المنقول والمستنتج والمولَّد خوارزميًّا، ولذلك تظلّ مسؤولية التمييز والتحقّق قائمة لدى الباحث الذي يستخدم المخرَج ويستند إليه.

لا ينفصل ذلك عن مبدأ الرجوع إلى أهل الاختصاص الذي يقرّره قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، إِذْ تكشف الآية عن أن نقص المعرفة يستدعي الرجوع إلى الجهة المؤهّلة للنظر فيها، وهي قاعدة ذات دلالة منهجية عند إدخال النُّظم الخوارزمية في الدراسات القرآنية؛ فالذكاء الاصطناعي يستطيع الوصول إلى المادة وترتيبها واستدعاء أوجه متعدّدة منها، غير أنّ هذه الوظائف لا تمنحه أهلية علمية مستقلّة للحكم على صحة التفسير أو ترجيح الأقوال أو تحديد ما يحتمل أن يكون مراد النصّ؛ لأن وفرة المعلومات لا تساوي أهلية النظر فيها، كما أنّ القدرة على الجمع بين المصادر لا تكفي وحدها لإنتاج حُكْم علمي.

من زاوية أخرى، ينبغي التمييز بين الوساطة المعرفية والسُّلطة المعرفية. فالوساطة تعني أن النظام يسهم في تقريب المادة إلى الباحث من خلال البحث والفهرسة والمقارنة والتصنيف وإعادة تنظيم المعلومات، بينما تفترض السُّلطة امتلاك القدرة على تحديد ما ينبغي قبوله بوصفه معرفة صحيحة أو راجحة. ويظلّ الذكاء الاصطناعي في موقع الوساطة ما دامت مخرجاته تخضع للفحص والمقارنة بالمصادر الأصلية، ويحتفظ الباحث بحقّ قبولها أو رفضها وتصحيحها، بينما يتغيّر موقعه عندما تتحوّل الإجابة الخوارزمية إلى مرجع نهائي يُستغنى به عن النصوص الأصلية والتفاسير المعتبرة وأهل الاختصاص.

تظهر خطورة هذا الانتقال في أنّ النموذج لا يعرض المعرفة بالطريقة التي يعرض بها المصدر الأصلي مادته؛ فهو يعيد تركيب المعلومات وفق السؤال المطروح وسياق المحادثة والأنماط التي تعلمها، ولذلك قد يقدّم للقارئ نسخة مركبة من المعرفة لا يستطيع معها التمييز بسهولة بين نصّ أصلي، ونقل بالمعنى، واستنتاج، وترجيح، وصياغة مولّدة. وتصبح هذه المسألة أكثر حساسية في المجال القرآني؛ لأنّ الفرق بين الآية وتفسيرها، وبين قول المفسِّر وشرح النموذج له، وبين الدلالة المستندة إلى مصدر والدلالة التي اقترحتها الخوارزمية، ليس فرقًا شكليًّا، وإنما يتعلّق بدرجة الحُجّية التي يمكن إسنادها إلى كلّ مستوى.

يستدعي ذلك إعادة تحديد مفهوم الثقة في المخرج الخوارزمي؛ فالثقة العلمية لا ينبغي أن تُبنى على سلاسة الإجابة أو قدرتها على محاكاة اللغة التفسيرية، وإنما على قابلية ما تقدّمه للتحقّق والرّد إلى مصادره وتمييز طبقاته المعرفية. وكلّما ارتفعت حساسية السؤال، انتقلت الحاجة من مجرّد الاستفادة من الأداة إلى مزيد من الفحص العلمي، خاصةً في المسائل التي تتصل بالعقيدة أو الأحكام أو دلالات الآيات أو نسبة الأقوال إلى المفسِّرين. ويستقيم هذا مع قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، حيث يصبح التثبت ممارسة معرفية سابقة على بناء الحكم، لا إجراءً لاحقًا بعد وقوع الخطأ.

ووفقًا لذلك، لا تكمن القضية الأساسية في إمكان توظيف الذكاء الاصطناعي في الدراسات القرآنية؛ فقد أتاح وظائف بحثية يمكن الإفادة منها في الوصول إلى المادة العلمية وتنظيمها ومقارنتها، بل تتصل القضية بحدود التفويض المعرفي الذي يمنحه الباحث للنظام. فحين يظلّ الذكاء الاصطناعي في نطاق البحث والاستعانة والتنظيم، تظلّ وظيفته مساندة للباحث، أما حين يُسند إليه تحديد المعنى، أو ترجيح التفسير، أو الفصل في صحة المعرفة دون مراجعة مستقلّة، فإنه يقترب من ممارسة سُلطة معرفية لا تستند إلى الأُسس التي تمنح المعرفة الدينية حجّيتها.

بهذا يتحدّد موقع الذكاء الاصطناعي داخل عملية التدبر تحديدًا أكثر دقّة؛ فهو يستطيع أن يهيئ للباحث مادةً أوسع، ويقرب إليه النصوص والتفاسير، ويعينه على المقارنة واكتشاف الروابط، بينما تظلّ مسؤولية التحقّق من المعرفة وتقويمها ونسبة الأقوال إلى أصحابها وتمييز المعنى المستند إلى المصدر من المخرج المولّد مسؤولية بشرية. 

خاتمة: 

يتحدّد التدبّر القرآني بوصفه فعلًا معرفيًّا يتجاوز القراءة والفهم اللغوي المباشر إلى النظر في المعاني والاعتبار والتذكّر والقصد، وما يترتّب عليها من أثر في وعي الإنسان وسلوكه. وفي المقابل، يمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي إمكانات واسعة في معالجة النصّ القرآني، تشمل استرجاع المعلومات، وتحليل البنية اللغوية، ومقارنة المعاني والتفاسير، وربط الوحدات الدلالية، وصياغة خطاب يحاكي أنماط العرض التفسيري والتأمّلي.

تتيح طبيعة النماذج اللغوية التوليدية إنتاج خطاب يحاكي لغة التدبّر ومفرداته ومساراته الحجاجية، غير أنّ هذا التشابه في المخرج اللغوي لا يكفي لإثبات تحقّق التدبّر بوصفه فعلًا ذاتيًّا؛ إِذْ إنّ التدبر -في دلالته الأعمق- لا ينحصر في إنتاج عبارات تتسم بخصائص التدبر، وإنما يفترض ذاتًا تتوجه إلى المعنى بقصد، وتستحضر موضوع التأمّل، وتُعيد النظر فيه من منظور داخلي يقتضي وعيًا بما يُتأمل فيه وبفعل التأمّل ذاته. وعليه، فإنّ قدرة النموذج على توليد خطاب يبدو تدبريًّا لا تثبت بذاتها أنه يمارس التدبر؛ لأنّ إنتاج البنية اللغوية والحجاجية للفعل لا يستلزم بالضرورة تحقّق الفعل الذاتي الذي يمنح تلك البنية معناها وقيمتها التأملية.

وفقًا لذلك، يمكن تحديد موقع الذكاء الاصطناعي في الدراسات القرآنية بوصفه وسيطًا إبستيميًّا (Epistemic Mediator) يدعم الباحث في استرجاع المعلومات وتحليل النصوص ومقارنة التفاسير وربط المعاني وصياغة الأسئلة البحثية، مع بقاء المرجعية العلمية والمسؤولية المعرفية لدى الباحث. كما يقتضي إنتاج الخطاب الديني التمييز بين القدرة على صياغة خطاب متماسك وبين إنتاج المعرفة الدينية؛ إِذْ تظلّ المخرجات الخوارزمية بحاجة إلى فَحْص الآيات والمصادر والأقوال التفسيرية والعلاقات الدلالية وسلامة الاستدلال قبل اعتمادها في البحث أو التعليم أو الخطاب الديني.

يفرض توظيف الذكاء الاصطناعي في الدراسات القرآنية ترسيم حدود إبستمولوجية وأخلاقية دقيقة تميّز بين القدرة الحسابية والوعي، والطلاقة اللغوية والفهم، ومحاكاة التدبر وممارسته. وفي ضوء ذلك، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً معرفية مساندة للباحث والمتدبّر، تُستثمر إمكاناته في البحث والتحليل وتنظيم المادة العلمية، مع بقاء التدبّر بوصفه ممارسة معرفية، وما يرتبط به من مسؤولية معرفية ووجدانية وإنسانية، ضمن نطاق الخبرة البشرية وخارج دائرة الإسناد إلى النظام الخوارزمي.

 


  1. ^

     الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٣٩٤هـ - ١٩٧٤م، (٢/ ٤٢٦).

  2. ^

     البرهان في علوم القرآن، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (ت ٧٩٤هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، ١٣٧٦هـ - ١٩٥٧م، (١/ ١٠٥).

  3. ^

     البرهان في علوم القرآن، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (ت ٧٩٤هـ)، ص١٠٩.

  4. ^

     مقدمة في أصول التفسير، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق: عدنان زرزور، الكويت: دار القرآن الكريم، ط٣، ١٤٠١هـ - ١٩٨١م، ص٣٣.

  5. ^

     مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا ابن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، بيروت: دار الفكر، ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م، (٢/ ٣٢٤).

  6. ^

     لسان العرب، محمد بن مكرم بن علي ابن منظور، بيروت: دار صادر، ط٣، ١٤١٤هـ، (٤/ ٢٦٨). 

  7. ^

     مفردات ألفاظ القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دمشق: دار القلم، بيروت: الدار الشامية، ط٤، ٢٠٠٩، ص٣٠٧.

  8. ^

     الخلاصة في تدبر القرآن الكريم، خالد بن عثمان السبت، دار الحضارة للنشر والتوزيع، ٢٠١٦، ص٩-١١. 

  9. ^

     جامع البيان عن تأويل آي القرآن، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، القاهرة: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، ١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م، (٢٢/ ١٥٣). 

  10. ^

     زاد المعاد في هدي خير العباد، شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي، ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨هـ] - عبد القادر الأرنؤوط [ت ١٤٢٥هـ]، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، ١٩٩٦، (١/ ٣٢٣). 

  11. ^

     أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، ٢٠١٩، (٧/ ٤٥١).

  12. ^

     التحرير والتنوير: تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، محمد الطاهر ابن عاشور، تونس: الدار التونسية للنشر، ١٩٨٤، (٢٤/ ٢٥١).

  13. ^ 

     Natural Language Processing and Large Language Models: Theory, Hand-on Codes, and Case Studies, Chengqing Zong et al (eds), Singapore: Springer, ٢٠٢٥, p.٦٩.

  14. ^

     Large Language Models for Logical Fallacy Detection, Nicole Teo et al, Springer, Singapore, ٢٠٢٥, p. ٣٨٧.

  15. ^

     Developing Tadabbur (Qur’anic Contemplation): A Philosophy of Spiritual and Moral Pedagogy, Yusuf Ahmed, In: Terence Lovat (Ed), Handbook of Islamic Philosophy. Springer, Singapore, ٢٠٢٥, p.٧٣٥.

  16. ^

     يُنظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، (٢١/ ٣٤٩-٣٥٣). 

  17. ^

    Experts or Authorities? The Strange Case of the Presumed Epistemic Superiority of Artificial Intelligence Systems, Andrea Ferrario et al, Minds & Machines, Vol ٣٤, no.٣٠, ٢٠٢٤, p.٦.

  18. ^

    Constitutive knowledge sources: an institutional approach to epistemic trust in opaque AI systems, Lior Gazit, AI and Ethics, Vol ٦, no. ٥٨, (٢٠٢٦), p.١٠.

كلمات مفتاحية

((المعلومات والآراء المقدَّمة هي للكتّاب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع أو أسرة مركز تفسير))


Source URL: https://tafsir.net/articles/24880